النص المفهرس

صفحات 221-240

۔
ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
على رأسِهِ طولَ الليلِ لتسمحَ بالقيامِ على الرجْلِ عنْ طوعٍ .
وعالجَ بعضُهُمْ حتَّ المالِ بأنْ باعَ جمیعَ مالِهِ ورمى بهِ في البحرِ ؛ إذْ
خافَ مِنْ تفرقتِهِ على الناسِ رعونةَ الرياءِ بالبذلِ .
فهذهِ الأمثلةُ تعرَّفُكَ طريقَ معالجةِ القلوبِ ، وليسَ غرضُنا ذكرَ دواءِ كلِّ
مرضٍ ، فإنَّ ذلكَ سيأتي في بقيّةِ الكتبِ ، وإنَّما غرضُنا الآنَ التنبيهُ على أنَّ
الطريقَ الكليَّ فيهِ سلوكُ مسلكِ المضادَّةِ لكلِّ ما تهواهُ النفسُ وتميلُ إليهِ ،
وقدْ جمعَ اللهُ تعالى ذلكَ كلَّهُ في كتابِهِ العزيزِ في كلمةٍ واحدةٍ فقال تعالى :
﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَّ : ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾.
حن
والأصلُ المهمُّ في المجاهدةِ : الوفاءُ بالعزمِ ، فإذا عزَم على تركِ
شهوةٍ .. تيسَّرَتْ أسبابُها، ويكونُ ذلكَ ابتلاءً مِنَ اللهِ تعالى واختباراً ،
فينبغي أن يصبرَ ويستمرّ ، فإِنَّهُ إنْ عوَّدَ نفسَهُ نَكْثَ العزْمِ .. ألفَتْ ذلكَ،
ففسدَتْ ، وإذا اتفقَ منهُ نقضُ عزمٍ . . فينبغي أنْ يلزمَ نفسَهُ عقوبةً عليهِ كما
ذكرناهُ في معاقبةِ النفسِ في كتابِ المحاسبةِ والمراقبةِ ، وإذا لمْ يخوِّفِ
النفسَ بعقوبةٍ .. غلبَتْهُ، وحسَّنَتْ عندَهُ تناولَ الشهوةِ، فتفسدُ بها الرياضةُ
بالكليّةِ .
٢٢١
-حن

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
بيان علامات مرض القلب وعلامات غوده إلى الصِّحَةْ
اعلمْ : أنَّ كلَّ عضوٍ مِنْ أعضاءِ البدنِ خُلِقَ لفعلٍ خاصٍّ بهِ ، وإنَّما مرضُهُ
أنْ يتعذَّرَ عليهِ فعلُهُ الذي خُلِقَ لهُ، حتَّى لا يصدرَ منهُ أصلاً ، أَوْ يصدرَ منهُ
معَ نوعٍ مِنَ الاضطرابِ ، فمرضُ اليدِ أنْ يتعذَّرَ عليها البطشُ ، ومرضُ العينِ
أنْ يتعذّرَ عليها الإبصارُ، فكذلكَ مرضُ القلبِ أنْ يتعذَّرَ عليهِ فعلُهُ الخاصُ
بهِ ، الذي خُلِقَ لأجلِهِ ، وهوَ العلمُ والحكمةُ والمعرفةُ ، وحتُّ اللهِ سبحانَهُ
وتعالى وعبادتُهُ، والتلذُّذُ بذكرِهِ ، وإيثارُ ذلكَ على كلِّ شهوةٍ سواهُ ،
والاستعانةُ بجميع الشهواتِ والأعضاءِ عليهِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَاْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
ففي كلِّ عضوٍ فائدةٌ ، وفائدةُ القلبِ الحكمةُ والمعرفةُ، وخاصيَّةُ النفسِ
التي للآدميِّ ما يتميّزُ بها عنِ البهائمِ ، فإنَّهُ لمْ يتميَّزْ عنها بالقوةِ على الأكلِ
والوقاع والإبصارِ أوْ غيرِها ، بلْ بمعرفةِ الأشياءِ على ما هيَ عليهِ .
وأصلُ الأشياءِ وموجدُها ومخترعُها هوَ اللهُ عزَّ وجلَّ الذي جعلَها
أشياءَ ، فلوْ عرفَ كلَّ شيءٍ ولمْ يعرفِ اللهَ عزَّ وجلَّ .. فكأنَّهُ لمْ يعرفْ
شيئاً .
حن
ـدي
وعلامةُ المعرفةِ المحبةُ، فمَنْ عرفَ اللهَ تعالى .. أحبَّهُ، وعلامةُ
المحبةِ ألا يؤثرَ عليهِ الدنيا ولا غيرَها مِنَ المحبوباتِ ، كما قال تعالى:
ثن
٢٢٢
كن

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
﴿﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُّكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا
وَيْجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اُلْفَسِقِينَ﴾، فمَنْ عندَهُ شيءٌ أحبُّ إليهِ مِنَ اللهِ .. فقلبُهُ مريضٌ، كما أنَّ
كلَّ معدةٍ صارَ الطينُ أحبَّ إليها مِنَ الخبزِ والماءِ ، أَوْ سقطَتْ شهوتُها عن
الخبزِ والماءِ .. فهيَ مريضةٌ ، فهذهِ علاماتُ المرضِ .
وبهذا يُعرفُ أنَّ القلوبَ كلَّها مريضةٌ إلا ما شاءَ اللهُ، إلا أنَّ مِنَ
الأمراض ما لا يعرفُها صاحبُها ، ومرضُ القلب ممَّا لا يعرفُهُ صاحبُهُ ،
فلذلكَ يغفُلُ عنهُ ، وإنْ عرفَةُ . . صعبَ عليهِ الصبرُ على مرارةِ دوائِهِ ؛ فإنَّ
دواءَهُ مخالفةُ الشهواتِ ، وهوَ نزعُ الروحِ ، فإنْ وجدَ مِنْ نفسِهِ قَوَّةَ الصبرِ
عليهِ .. لمْ يجدْ طبيباً حاذقاً يعالجُهُ؛ فإنَّ الأطباءَ همُ العلماءُ ، وقدِ استولى
عليهِمُ المرضُ ، فالطبيبُ المريضُ قلَّما يلتفتُ إلى علاجِهِ ، فلهذا صارَ
الداءُ عضالاً، والمرضُ مزمناً ، واندرسَ هذا العلمُ، وأَنكرَ بالكليَّةِ طبُّ
القلوب، وأُنكرَ مرضُها ، وأقبلَ الخلقُ على حبِّ الدنيا ، وعلى أعمالٍ
ظاهرُها عباداتٌ وباطنُها عاداتٌ ومراءياتٌ ، فهذهِ علاماتُ أصولٍ
الأمراضِ .
وأمَّا علامةُ عودِها إلى الصحّةِ بعدَ المعالجةِ .. فهوَ أنْ ينظرَ في العلَّةِ التي
يعالجُها ، فإنْ كانَ يعالجُ داءَ البخلِ وهو المهلكُ المبعدُ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ ..
فإنَّما علاجُهُ ببذلِ المالِ وإنفاقِهِ ، ولكنَّهُ قدْ يبذلُ المالَ إلى حدٍّ یصیرُ بهِ
٢٢٣
دن
مدن

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
كن،
مبذِّراً ، فيكونُ التبذيرُ أيضاً داءٌ، ويكونُ كمَنْ يعالجُ البرودةَ بالحرارةِ حتَّى
تغلبَ الحرارةُ، وهوَ أيضاً داءٌ، بلِ المطلوبُ الاعتدالُ بينَ الحرارةِ
والبرودةِ ، وكذلكَ المطلوبُ الاعتدالُ بينَ التقتيرِ والتبذيرِ حتَّى يكونَ على
الوسطِ ، وفي غايةِ البعدِ عنِ الطرفينِ .
فإنْ أردتَ أنْ تعرفَ الوسطَ .. فانظرْ إلى الفعلِ الذي يوجبُهُ الخَلَقُ
المحذورُ ، فإنْ كانَ أسهلَ عليكَ وألذَّ مِنَ الذي يضادُّهُ ، فالغالبُ عليكَ ذلكَ
الخلُقُ الموجبُ لهُ ، مثلُ أنْ يكونَ إمساكُ المالِ وجمعُهُ ألذَّ عندَكَ وأيسرَ
عليكَ مِنْ بذِلِهِ لمستحقٌّهِ .. فاعلمْ أنَّ الغالبَ عليكَ خلقُ البخلِ ، فردْ في
المواظبة على البذلِ ، فإنْ صارَ البذلُ على غيرِ المستحقِّ ألذَّ عندَكَ وأخفَّ
عليكَ مِنَ الإمساكِ بالحقِّ .. فقدْ غلبَ عليكَ التبذيرُ ، فارجعْ إلى المواظبةِ
على الإمساكِ ، فلا تزالُ تراقبُ نفسَكَ وتستدلُّ على خلقِكَ بتيسيرِ الأفعالِ
وتعسيرِها حتَّى تنقطعَ علاقةُ قلبِكَ عنِ الالتفاتِ إلى المالِ ، فلا تميلُ إلى
بذلِهِ ولا إلى إمساكِهِ ، بلْ يصيرُ عندَكَ كالماءِ ، فلا تطلبُ فيهِ إلا إمساكَهُ
لحاجةِ محتاج أوْ بذلَهُ لحاجةِ محتاج ، ولا يترجَّحُ عندَكَ البذلُ على
الإمساكِ .
فكلُّ قلبٍ صارَ كذلكَ فقدْ أتى اللهَ سليماً عنْ هذا المقام خاصَّةٌ ، ويجبُ
أنْ يكونَ سليماً عنْ سائرِ الأخلاقِ ، حتَّى لا يكونَ لهُ علاقةٌ بشيءٍ ممَّا يتعلَّقُ
بالدنيا ، حتَّى ترتحلَ النفسُ عنِ الدنيا منقطعةَ العلائقِ عنها ، غيرَ ملتفتةٍ
إليها ، ولا متشوِّفةٍ إلى أسبابِها ، فعندَ ذلكَ ترجعُ إلى ربِّها رجوعَ
ـن
٢٢٤
جر كن تن حن حن شن جن

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
ـكن
النفسِ المطمئنةِ راضيةٌ مرضيةً ، داخلةً في زمرةِ عبادِ اللهِ المقرَّبينَ ، مِنَ
النبيِّينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ، وحسنَ أولئكَ رفيقاً .
ولمَّا كانَ الوسطُ الحقيقيُّ بينَ الطرفينِ في غايةِ الغموضِ ، بلْ هوَ أدقُّ
مِنَ الشعرِ وأحدٌّ مِنَ السيفِ ؛ فلا جرمَ مَنِ استوى على هذا الصراطِ
المستقيمِ في الدنيا .. جازَ على مثلِ هذا الصراطِ في الآخرةِ ، وقلَّما ينفكُ
العبدُ عنْ ميلٍ عنِ الصراطِ المستقيمِ - أعني الوسطَ - حتَّى لا يميل إلى أحدٍ
الجانبينِ ، فيكونُ قلبُهُ متعلَّقاً بالجانبِ الذي مالَ إليهِ ، ولذلكَ لا ينفكُ عنْ
عذابٍ ما واجتيازٍ على النارِ ، وإنْ كانَ مثلَ البرقِ ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَإِن
◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَا مَّقْضِيًّا لَهُ: ثُمَّ ◌ُنَجِى الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾ أي: الذينَ كانَ
قربُهُمْ إلى الصراطِ المستقيمٍ أكثرَ مِنْ بعدِهِمْ عنهُ .
جن
جن
ولأجلِ عسْرِ الاستقامةِ وجبَ على كلِّ عبدٍ أنْ يدعوَ اللهَ تعالى في كلِّ يومٍ
سبعَ عشرةَ مرَّةً في قولِهِ : ﴿ أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إذ وجبَتْ قراءةُ الفاتحةِ
في كلِّ ركعةٍ .
فقدْ رُويَ أنَّ بعضَهم رأى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنامِ
فقالَ: قَدْ قلتَ يا رسولَ اللهِ : ((شيَّبَتْي هودٌ)) فِلِمَ قلتَ ذلكَ ؟ قالَ : لقولِهِ
تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾(١).
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٢١٥)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص ٣٥٧)، وأما
حديث : ((شيبتني هود)» .. فقد تقدم .
٢٢٥
حن: ـد

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
فالاستقامةُ على سواءِ السبيلِ في غايةِ الغموضِ ، ولكنْ ينبغي أنْ يجتهدَ
الإنسانُ في القربِ مِنَ الاستقامةِ إنْ لمْ يقدرْ على حقيقتِها ، فكلُّ مَنْ أرادَ
النجاةَ فلا نجاةَ لهُ إلا بالعملِ الصالحِ ، ولا تصدرُ الأعمالُ الصالحةُ إلا عن
الأخلاقِ الحسنةِ ، فليتفقدْ كلُّ عبدٍ صفاتِهِ وأخلاقَهُ وليعدِّدها ، وليشتغلْ
بعلاجٍ واحدٍ واحدٍ منها على الترتيبِ ، فنسألُ اللهَ الكريمَ أنْ يجعلَنا مِنَ
المتقين .
٢٢٦
ش

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
حن
بيان الطريق الّذي به يعرف الإنسان عيوب نفسه
اعلمْ : أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ بعبدٍ خيراً .. بصَّرَهُ بعيوبِ نفسِهِ ، فمَنْ
كانَتْ بصيرتُهُ نافذةً .. لمْ تخفَ عليهِ عيوبُهُ، فإذا عرفَ العيوبَ .. أمكنَهُ
العلاجُ ، ولكنَّ أكثرَ الخلقِ جاهلونَ بعيوبِ أنفسِهِمْ، يرى أحدُهُمُ القذى في
عينٍ أخيهِ ولا يرى الجِذْعَ في عينِ نفسِهِ .
فمَنْ أرادَ أنْ يقفَ على عيبٍ نفسِهِ . . فلهُ أربعةُ طرقٍ :
الأوّلُ : أَنْ يجلسَ بينَ يدي شيخٍ بصيرٍ بعيوبِ النفسِ ، مطلعٍ على
خفايا الآفاتِ ، ويحكِّمَهُ في نفسِهِ ، ويتبعَ إشارتَهُ في مجاهدتِهِ ، وهذا
شأنُ المريدِ معَ شيخِهِ ، والتلميذِ معَ أستاذِهِ ، فيعرِّفُهُ أستاذُهُ وشيخُهُ
عيوبَ نفسِهِ ، ويعرِّفُهُ طريقَ علاجِهِ ، وهذا قدْ عزَّ في هذا الزمانِ
وجودُهُ .
د
الثاني : أنْ يطلبَ صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً ، فينصبَهُ رقيباً على نفسِهِ
ليلاحظَ أحوالَهُ وأفعالَهُ، فما كرهَهُ مِنْ أخلاقِهِ وأفعالِهِ ، وعيوبِهِ الباطنةِ
والظاهرةِ .. ينبهُهُ عليهِ .
فهكذا كانَ يفعلُ الأكياسُ والأكابرُ مِنْ أئمةِ الدينِ ، كانَ عمرُ رضيَ اللهُ
٢٢٧
ـز»
كن

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
عنهُ يقولُ: ( رحمَ اللهُ امرأً أهدى إليَّ عيوبي)(١).
وكانَ يسألُ سلمانَ عنْ عيوبِهِ لمَّا قدمَ عليهِ ، وقالَ لهُ : ما الذي بلغَكَ
عنِّي ممَّا تكرهُهُ؟ فاستعفى، فألحَّ عليهِ ، فقالَ : بلغَني أنَّكَ جمعتَ بينَ
إدامينٍ على مائدةٍ ، وأنَّ لكَ حُلَّتِينِ ، حلَّةً بالنهارِ وحلَّةً بالليلِ ، قالَ : وهلْ
بلَغَكَ غيرُ هذا؟ قالَ: لا، قالَ: أَمَّا هذانٍ .. فقدْ كفيتَهُما(٢).
وكانَ يسألُ حذيفةَ ويقولُ لهُ : أنتَ صاحبُ سرِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في المنافقينَ ، فهلْ ترى عليَّ شيئاً مِنْ آثارِ النفاقِ ؟(٣).
فهوَ على جلالةِ قَدْرِهِ وعلوِّ منصبِهِ هكذا كانَتْ تُهُمَتُهُ لنفسِهِ رضيَ اللهُ
عنهُ، فكلُّ مَنْ كانَ أوفرَ عقلاً وأعلى منصباً .. كانَ أقلَّ إعجاباً ، وأعظمَ
اتهاماً لنفسِهِ .
إلا أنَّ هذا أيضاً قدْ عزَّ، فقلَّ في الأصدقاءِ مَنْ يتركُ المداهنةَ ، فيخبرُ
بالعيبِ ، أوْ يتركُ الحسدَ ، فلا يزيدُ على قدْرِ الواجبِ ، فلا تخلو في
أصدقائِكَ عنْ حسودٍ ، أَوْ صاحبٍ غرضٍ يرى ما ليسَ بعيبٍ عيباً ، أَوْ عنْ
مداهنٍ يُخفي عنكَ بعضَ عيوبِكَ .
ـكن
(١) رواه الإسماعيلي والذهبي في ((مناقب عمر)). ((إتحاف)) (٣٤٩/٧)، وهو كذلك
في ((القوت)) (٢٢١/٢) .
(٢) رواه الإسماعيلي والذهبي في ((مناقب عمر)). ((إتحاف)) (٣٤٩/٧)، وبنحوه رواه
ابن أبي الدنيا في (( إصلاح المال)» ( ٤٠٨).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٨/٦).
اسـ
٢٢٨
حن جن
حن
G

ربع المهلكات
کتاب رياضة النفس
ولهذا كانَ داوودُ الطائيُّ قدِ اعتزلَ الناسَ ، فقيلَ لهُ : لِمَ لا تخالطَ
الناسَ ؟ فقالَ : وماذا أصنعُ بأقوامٍ يُخفونَ عنِّي عيوبي ؟!
فقدْ كانَتْ شهوةُ ذوي الدينِ أنْ يتنبهوا لعيوبِهِمْ بتنبيهِ غيرِهِمْ، وقدْ آلَ
الأمرُ في أمثالِنا إلى أنَّ أبغضَ الخلْقِ إلينا مَنْ ينصحُنا ويعرِّفُنا عيوبَنا ، ويكادُ
هذا يكونُ مفصحاً عنْ ضعفِ الإيمانِ ؛ فإنَّ الأخلاقَ السيئةَ حِيَّاتٌ وعقاربُ
الداغٌ، فلو نبَّهَنا منبَّهُ على أنَّ تحتَ ثوبِنا عقرباً .. لتقلَّدنا منهُ منَّةً، وفرحنا
بهِ ، واشتغلنا بإزالةِ العقربِ وإبعادِها وقتلِها ، وإنَّما نكايتُها على البدنِ ،
ويدومُ ألمُها يوماً فما دونَهُ ، ونكايةُ الأخلاقِ الرديئةِ على صميمِ القلبِ ،
ويُخشى أنْ تدومَ بعدَ الموتِ أبداً، أوْ آلافاً مِنَ السنينَ ، ثُمَّ لا نفرحُ بمَنْ
ينبهُنا عليها ، ولا نشتغلُ بإزالتِها ، بلْ نشتغلُ بمقابلةِ الناصح بمثلٍ مقالتِهِ ،
فنقولُ لهُ: (وأنتَ أيضاً تصنعُ كيت وكيتَ )، وتشغلُنا العداوةُ معَهُ عن
الانتفاع بنصحِهِ ، ويشبهُ أنْ يكونَ ذلكَ مِنْ قساوةِ القلبِ التي أثمرَتْها كثرةُ
الذنوبِ، وأصلُ ذلكَ ضعفُ الإيمانِ ، فنسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يعرِّفَنا
رشدَنا ، ويبصِّرَنا بعيوبٍ أنفسِنا، ويشغلَنا بمداواتِها ، ويوفقَنا للقيامِ بشكرٍ
مَنْ يطلعُنا على مساوئِنا بمنِّهِ وفضلِهِ .
الطريقُ الثالثُ : أَنْ يستفيدَ معرفةً عيوبٍ نفسِهِ مِنْ ألسنةِ أعدائِهِ ؛ فإنَّ
عينَ السخطِ تبدي المساوىءَ ، ولعلَ انتفاعَ الإنسانِ بعدوٍّ مشاحنٍ يذكِّرُهُ
عيوبَهُ أكثرُ مِنِ انتفاعِهِ بصديقٍ مداهنِ يثني عليهِ ويمدحُهُ ، ويخفي عنهُ
قاه
٢٢٩
جن

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
عيوبَهُ، إلا أنَّ الطبعَ مجبولٌ على تكذيبِ العدوِّ ، وحملٍ ما يقولُهُ على
الحسدٍ ، ولكنَّ البصيرَ لا يخلو عنِ الانتفاع بقولِ أعدائِهِ؛ فإنَّ مساوئَهُ لا بدَّ
وأنْ تنتشرَ على ألسنتِهم .
ـني
الطريقُ الرابعُ : أنْ يخالطَ الناسَ ، فكلُّ ما رآهُ مذموماً فيما بينَ الخلقِ
فليطالبْ نفسَهُ بهِ وينسبْها إليهِ ؛ فإنَّ المؤمنَ مرآةُ المؤمنِ ، فيرىْ مِنْ عيوبٍ غيرِهِ
عيوبَ نفسِهِ ، ويعلمُ أنَّ الطباعَ متقاربةٌ في اتباع الهوى ، فما يتصفُ بهِ واحدٌ
مِنَ الأقرانِ لا ينفكُّ القرنُ الآخرُ عنْ أصلِهِ ، أوْ عنْ أعظمَ منهُ ، أوْ عنْ شيءٍ
منهُ ، فليتفقَّدْ نفسَهُ ويطهرها منْ كلِّ ما يذمُّهُ مِنْ غيرِهِ ، وناهيكَ بهذا تأديباً ،
فلوْ تركَ الناسُ كلُّهُمْ ما يكرهونَهُ مِنْ غيرِهِمْ .. لاستغنوا عنِ المؤذِّبِ .
قيلَ لعيسىُ عليهِ السلامُ : مَنْ أَذَّبَكَ؟ قالَ : ما أدَّبَني أحدٌ ، رأيتُ جهلَ
الجاهلِ شيئاً فاجتنبتُهُ(١) .
وهذا كلُّهُ حِيَّلُ مَنْ فقدَ شيخاً عارفاً زكياً ، بصيراً بعيوبِ النفسِ ، مشفقاً
ناصحاً في الدينِ ، فارغاً مِن تهذيبِ نفسِهِ ، مشتغلاً بتهذيبٍ عبادِ اللهِ
تعالى، ناصحاً لهُمْ، فَمَنْ وجدَ ذلكَ .. فقدْ وجدَ الطبيبَ، فليلازمْهُ،
فهوَ الذي يخلِّصُهُ مِنْ مرضِهِ ، وينجيهِ مِنَ الهلاكِ الذي هوَ بصددِهِ .
محرم
ـنين
(١) كذا أورده ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)» (٤٤٢/٢)، ورواه الدينوري في
((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٤٥٠) ولكن عن بعض الحكماء .
٢٣٠
...

ربع المهلكات
من
كتاب رياضة النفس
بيان شواهد النقل من أرباب البصائر وشواحد الشّرع
على أن الطريق في معالجة أمراض القلوب ترك الشّهوات
وأنّ مادة أمراضها في أتّارع الشّهوات
اعلمْ : أنَّ ما ذكرناهُ إنْ تأمَّتَهُ بعين الاعتبارِ .. انفتحَتْ بصيرتُكَ،
وانكشفَتْ لكَ عللُ القلوبِ وأمراضُها وأدويتُها بنورِ العلمِ واليقينِ ، فإنّ
عجزتَ عنْ ذلكَ .. فلا ينبغي أنْ يفوتَكَ التصديقُ والإيمانُ على سبيلِ التلقي
والتقليدِ لمَنْ يستحقُّ التقليدَ ؛ فإنَّ للإيمانِ درجةً كما أنَّ للعلم درجةً ،
والعلمُ يحصلُ بعدَ الإيمانِ، وهوَ وراءَهُ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾.
5
فمَنْ صدَّقَ بأنَّ مخالفةَ الشهواتِ هيَ الطريقُ إلى اللهِ عزَّ وجلّ ، ولمْ
يطّلعْ على سببهِ وسرِّهِ .. فهوَ مِنَ الذينَ آمنوا، وإذا اطلعَ على ما ذكرناهُ مِنْ
أغوارِ الشهواتِ وأسرارِها .. فهوَ مِنَ الذينَ أُوتوا العلمَ، وكُلاًّ وعدَ اللهُ
الحسنى .
ـور
والذي يقتضي الإيمانَ بهذا الأمرِ في القرآنِ والسنَّةِ وأقاويلِ العلماءِ أكثرُ
مِنْ أنْ يُحصى .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ: ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾.
٢٣١
ـمعن

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
وقال تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَى﴾، قيلَ : نزعَ منها
محبَّةَ الشهواتِ(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( المؤمنُ بينَ خمسٍ شدائدَ: مؤمنٌ
يحسدُهُ، ومنافقٌ يبغضُهُ، وكافرٌ يقاتلُهُ، وشيطانٌ يضلُّهُ، ونفسٌ
تنازعُهُ))(٢) ، فبيَّنَ أنَّ النفسَ عدوٌّ منازعٌ يجبُ مجاهدتُهُ .
ويُروى أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( يا داوودُ ؛ حذِّر
وأنذرْ أصحابَكَ أكلَ الشهواتِ ؛ فإنَّ القلوبَ المتعلِّقَةَ بشهواتِ الدنيا عقولُها
عنِّي محجوبةٌ )(٣) .
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( طوبىُ لمَنْ تركَ شهوةٌ حاضرةً لموعودٍ
غائبٍ لمْ يرَهُ )(٤) .
وقالَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقوم قدموا مِنَ الجهادِ : (( مرحباً بكُمْ ،
قدمتُمْ مِنَ الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ )) ، قالوا : يا رسولَ اللهِ ؛
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٨/٩) بنحوه عن عمر رضي الله عنه.
(٢) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٦٥٤٨)، وقال الحافظ العراقي: (رواه
أبو بكر بن لال في ((مكارم الأخلاق)) من حديث أنس بسند ضعيف). («إتحاف))
(٣٥١/٧ ) .
(٣) رواه عبد الجبار الخولاني في ((تاريخ داريا)) (ص١٠٩) .
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥/١٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
( ٤٧ /٤٣٢ ) .
٢٣٢
ں

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
حن
وما الجهادُ الأكبرُ؟ قالَ: ((جهادُ النفسِ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المجاهدُ مَنْ جاهدَ نفسَهُ في اللهِ عزَّ
وجلَّ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كُفَّ أذاكَ عنْ نفسِكَ ، ولا تتابعْ هواها
في معصيةِ اللهِ تعالى ، إذاً؛ تخاصمْك يومَ القيامةِ، فيلعنْ بعضُكَ بعضاً ،
إلاَّ أنْ يغفرَ اللهُ تعالى ويسترَ))(٣).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ : ( ما عالجتُ شيئاً أشدَّ عليَّ مِنْ نفسي ، مرَّةً لي ،
ومرَّةً عليَّ)(٤) .
وكانَ أبو العباسِ الموصليُّ يقولُ لنفسِهِ : ( يا نفسُ ؛ لا في الدنيا معَ
أبناءِ الملوكِ تتنعَّمينَ ، ولا في طلبِ الآخرةِ معَ العبَّادِ تجتهدينَ ، كأنِّي بكِ
بينَ الجنةِ والنارِ تُحبسينَ ، يا نفسُ ؛ ألا تستحينَ ؟! ) .
وقالَ الحسنُ : ( ما الدابَّةُ الجموحُ بأجِوجَ إلى اللجامِ الشديدِ مِنْ
نفسِكَ ) .
وقالَ يحيى بن معاذٍ الرازيُّ: ( جاهدْ نفسَكَ بأسيافِ الرياضةِ ،
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٧٣)، والخطيب في (( تاريخ بغداد))
(٤٩٨/١٣)، وابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (١١٨) بنحوه .
(٢) رواه الترمذي (١٦٢١) ضمن حديث عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه .
(٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده بهذا السياق). ((إتحاف)) (٣٥١/٧).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥/٧).
٢٣٣
حنين

كتاب رياضة النفس
يوصي
ربع المهلكات
ـحر
حرة
20 4 4
والرياضةُ على أربعة أوجهٍ : القوتُ مِنَ الطعام ، والغمضُ مِنَ المنام ،
والحاجةُ مِنَ الكلام ، وحملُ الأذى مِنْ جميعِ الأنامِ ، فيتولّدُ مِنْ قَلَّةِ الطعام
موتُ الشهواتِ ، ومِنْ قلَّةِ المنامِ صفوُ الإراداتِ ، ومِنْ قَلَّةِ الكلام السلامةُ مِنَ
الآفاتِ ، ومنِ احتمالِ الأذى البلوغُ إلى الغاياتِ ، وليسَ على العبدِ شيءٌ أشدَّ
مِنَ الحِلْمِ عندَ الجفا، والصبرِ على الأذى ، وإذا تحرّكَتْ مِنَ النفسِ إرادةُ
الشهواتِ والآثام ، وهاجَتْ منها حلاوةُ فضولِ الكلام .. جرَّدْتَ عليها سيوفَ
قلّةِ الطعام مِنْ غمدِ التهجُّدِ وقلَّةِ المنام، وضربتَها بأيدي الخمولِ وقلَّةِ
الكلام ، حتَّى تنقطعَ عنِ الظلمِ والانتقام ، فتأمنَ بوائقَها في سائرِ الأيامِ ،
وتصفِّيَها مِنْ ظلمةِ شهواتِها ، فتنجوَ مِنْ غوائلِ آفاتِها ، فتصيرَ عندَ ذلكَ روحانيَّةٌ
لطيفةٌ ، ونوريَّةً خفيفةً ، فتجولَ في ميدانِ الخيراتِ ، وتسيرَ في مسالكِ
الطاعاتِ ؛ كالفرسِ الفارهِ في الميدانِ ، وكالمَلِكِ المتنزِّهِ في البستانِ ) .
وقال أيضاً : ( أعداءُ الإنسانِ ثلاثةٌ: دنياهُ، وشيطانُهُ، ونفسُهُ ،
فاحترسْ مِنَ الدنيا بالزهدِ فيها ، ومِنَ الشيطانِ بمخالفتِهِ ، ومِنَ النفسِ بتركِ
الشهواتِ ) .
ـكن
حزن حن حن حن عن حن في
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( مَنِ استولَتْ عليهِ النفسُ .. صارَ أسيراً في جبِّ
شهواتِها ، محصوراً في سجنٍ هواها ، مقهوراً مغلولاً ، زمامُهُ في يدِها تجرُّهُ
حيثُ شاءَتْ، فتمنعُ قلبَهُ الفوائدَ)(١).
(١) روى القشيري في ((رسالته)) (ص٩٦) نحوه عن أبي محمد الجريري .
٢٣٤
درء
طارئ .

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
وقالَ جعفرُ بنُ حميدٍ : ( أجمعَتِ العلماءُ والحكماءُ على أنَّ النعيمَ
لا يُدركُ إلا بتركِ النعيمِ ).
جنة
وقالَ أبو يحيى الورَّاقُ: ( مَنْ أرضى الجوارحَ بالشهواتِ .. فقدْ غرسَ
في قلبهِ شجرَ النداماتِ )(١) .
وقالَ وُهيبُ بنُ الوردِ : ( ما زادَ على الخبزِ فهوَ شهوةٌ )(٢).
وقالَ أيضاً: ( مَنْ أحبَّ شهواتِ الدنيا .. فليتهيَأْ للذلِّ)(٣).
حن
ههه
ويُروى أنَّ امرأةً العزيزِ قالَتْ ليوسفَ عليهِ السلامُ بعدَ أنْ ملكَ خزائنَ
الأرضِ وقعدَتْ لهُ على رابيةِ الطريقِ في يومٍ موكبِهِ وكانَ يركبُ في زهاءِ اثني
عشرَ ألفاً مِنْ عظماءِ مملكتِهِ : سبحانَ مَنْ جعلَ الملوكَ عبيداً بالمعصيةِ ،
وجعلَ العبيدَ ملوكاً بطاعتِهِمْ لهُ، يا يوسفُ؛ إنَّ الحرصَ والشهوةَ صيّرا
الملوكَ عبيداً وذلكَ جزاءُ المفسدينَ ، وإنَّ الصبرَ والتقوى صيَّرا العبيدَ
ملوكاً ، فقالَ يوسفُ: كما أخبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ عنهُ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾(٤).
وقالَ الجنيدُ : أرقتُ ليلةً، فقمتُ إلى وردي ، فلمْ أجدِ الحلاوةَ التي
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٥٦)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٩٢) .
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية)) (١٤٨/٨).
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٥٧١ ).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١١٧٢٤) مختصراً.
٢٣٥

كتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
حن
كنتُ أجدُها ، فأردتُ أنْ أنامَ فلمْ أقدرْ ، فجلستُ فلمْ أطقِ الجلوسَ ،
فخرجتُ ، فإذا رجلٌ ملتفتٌّ في عباءةٍ مطروحٌ على الطريقِ ، فلما أحسَّ
بي .. قالَ: يا أبا القاسمِ ؛ إليَّ الساعةَ، فقلتُ : يا سيدي ؛ مِنْ غيرِ
موعدٍ ! فقالَ : بلى ، سألتُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يحرِّكَ لي قلبَكَ ، فقلتُ : قَدْ
فعلَ ، فما حاجتُكَ ؟ قالَ : متى يصيرُ داءُ النفسِ دواءَها ؟ فقلتُ : إذا
خالفَتِ النفسُ هواها ، فأقبلَ على نفسِهِ وقالَ : اسمعي ، قدْ أجبتُكِ بهذا
سبعَ مرَّاتٍ ، فأبيتِ أنْ تسمعيهِ إلا مِنَ الجنيدِ ، ها قدْ سمعتيهٍ (١)، قالَ :
فانصرفَ وما عرفتُهُ(٢) .
وقالَ يزيدُ الرقاشيُّ: ( السلامُ على الماءِ الباردِ في الدنيا ، لعلِّي
لا أُحرمُهُ في الآخرةِ)(٣).
وقالَ رجلٌ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ: متى أتكلّمُ ؟ قالَ : إذا
اشتهيتَ الصمتَ ، قالَ : متى أصمتُ ؟ قالَ: إذا اشتهيتَ الكلامَ(٤).
(١) كذا بزيادة الياء على لغة (ضربتيه)، والأصل أن يقال: ( سمعته ).
(٢) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٢٤)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٢٧٥).
(٣) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٠/٣) عن أشعث بن سوار قال : دخلت على يزيد
الرقاشي في يوم شديد الحر ، فقال : يا أشعث ؛ تعال حتى نبكي على الماء البارد في
يوم الظمأ، ثم قال : والهفاه ؛ سبقني العابدون وقطع بي ، قال : وكان قد صام ثنتين
وأربعين سنة .
(٤) أورده ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (٤٧٣/٢) .
٢٣٦
جن جم حن
بمن كن حن حن
ـم

ربع المهلكات
كتاب رياضة النفس
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنِ اشتاقَ إلى الجنةِ .. سلا عنِ الشهواتِ
في الدنيا)(١) .
ـحة
وكانَ مالكُ بنُ دينارٍ يطوفُ في السوقِ ، فإذا رأى الشيءَ يشتهيهِ .. قالَ
لنفسِهِ : اصبري، فواللهِ ما أمنعُكِ إلا مِنْ كرامتِكِ عليَّ (٢).
فإذاً ؛ قدِ اتفقَ العلماءُ والحكماءُ على أنْ لا طريقَ إلى سعادةِ الآخرةِ إلا
بنهي النفسِ عنِ الهوى ، ومخالفةِ الشهواتِ ، فالإيمانُ بهذا واجبٌ ، وأمَّا
علمُ تفصيلٍ ما يُتركُ مِنَ الشهواتِ وما لا يُتركُ .. فينكشفُ بما قدَّمناهُ .
وحاصلُ الرياضةِ وسؤُّها : ألا تتمتعَ النفسُ بشيءٍ ممَّا لا يوجدُ في القبرِ
إلا بقدرِ الضرورةِ ، فيكونُ مقتصراً مِنَ الأكلِ والنكاحِ واللباسِ والمسكنِ
وكلِّ ما هوَ مضطرّ إليهِ على قدْرِ الحاجةِ والضرورةِ ؛ فإنَّهُ لوْ تمثَّعَ بشيءٍ
منهُ .. أنسَ بهِ وألفَهُ، فإذا ماتَ .. تمنَّى الرجوعَ إلى الدنيا بسببِهِ،
ولا يتمنَّى الرجوعَ إلى الدنيا إلا مَنْ لا حظَّ لهُ في الآخرةِ بحالٍ ، ولا خلاصَ
منهُ إلا بأنْ يكونَ القلبُ مشغولاً بمعرفةِ اللهِ وحبِّهِ ، والتفكُّرِ فيهِ ، والانقطاع
إليهِ ، ولا قوَّةً على ذلكَ إلا باللهِ، ويقتصرُ مِنَ الدنيا على ما يدفعُ عوائقَ
الذكرِ والفكرِ فقطْ .
3
FO
1
ـجو
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠١٣٩)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٤/١) عنه
مرفوعاً .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( إصلاح المال)) (٣٦١/ ب).
--.
٢٣٧
حن

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
فمَنْ لمْ يقدرْ على حقيقةِ ذلكَ .. فليقربْ منهُ، والناسُ فيهِ أربعةٌ :
أحدُهُمْ : رجلٌ استغرقَ ذكرُ اللهِ قلبَهُ ، فلا يلتفتُ إلى الدنيا إلا في
ضروراتِ المعيشةِ ، فهوَ مِنَ الصديقينَ ، ولا ينتهي إلى هذهِ الرتبةِ إلا
بالرياضةِ الطويلةِ ، والصبرِ عنِ الشهواتِ مدَّةً مديدةٌ .
والثاني : رجلٌ استغرقَتِ الدنيا قلبَهُ، ولمْ يبقَ اللهِ تعالى ذكرٌّ في قلبِهِ ،
إلا مِنْ حيثُ حديثُ النفسِ حيثُ يذكرُهُ باللسانِ ، فهذا مِنَ الهالكينَ .
والثالثُ : رجلٌ اشتغلَ بالدنيا والدينِ ، ولكنَّ الغالبَ على قلبهِ هوَ
الدينُ ، فهذا لا بدَّ لهُ مِنْ ورودِ النارِ ، إلا أنَّهُ ينجو منها سريعاً ، بقدْرِ غلبةٍ
ذكْرِ اللهِ على قلبِهِ .
والرابعُ : رجلٌ اشتغلَ بهما جميعاً ، لكنَّ الدنيا أغلبُ على قلبهِ ، فهذا
يطولُ مُقامُهُ في النارِ ، لكنْ يخرجُ منها لا محالةَ ؛ لقوَّةِ ذكرِ اللهِ تعالى في
قلبِهِ ، وتمكُّنِهِ مِنْ صميمٍ فؤادِهِ ، وإنْ كانَ ذكرُ الدنيا أغلبَ على قلبهِ ،
اللهمَّ ؛ إنا نعوذُ بكَ مِنْ خزيِكَ ؛ فإنكَ أنتَ المعاذُ .
ـدرة
وربَّما يقولُ القائلُ: إنَّ التنقُّمَ بالمباحِ مباحٌ ، فكيفَ يكونُ التنقُّمُ سببَ
البعدِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ؟
وهذا خيالٌ ضعيفٌ ، بلْ حبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ ، وسببُ إحباطِ
كلِّ حسنةٍ ، والمباحُ الخارجُ عنْ قَدْرِ الحاجةِ أيضاً مِنَ الدنيا ، وهو
٢٣٨
من
دن

ربع المهلكات
5. 02
کتاب رياضة النفس
سببُ البعدِ ، وسيأتي ذلكَ في كتابٍ ذمِّ الدنيا .
وقدْ قالَ إبراهيمُ الخوَّاصُ : كنتُ مرةً في جبلِ اللُّكامِ ، فرأيتُ رُمَّاناً ،
فاشتهيتُهُ، فأخذتُ منهُ واحدةً ، فشققتُها ، فوجدتُها حامضةً ، فمضيتُ
وتركتُها ، فرأيتُ رجلاً مطروحاً وقدِ اجتمعَتْ عليهِ الزنابيرُ ، فقلتُ :
السلامُ عليكَ ، فقالَ : وعليكَ السلامُ يا إبراهيمُ ، فقلتُ : كيفَ عرفتني ؟!
قالَ: مَنْ عرفَ اللهَ عزَّ وجلَّ .. لمْ يخفَ عليهِ شيءٌ، فقلتُ : أرى لكَ حالاً
معَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلوْ سألتَهُ أنْ يحميَكَ مِنْ هذِهِ الزنابيرِ ! فقالَ: وأرى لكَ
حالاً معَ اللهِ تعالى ، فلوْ سألتَهُ أنْ يحميَكَ مِنْ شهوةِ الرمَّانِ ، فإنَّ لدغَ الرمَّانِ
يجدُ الإنسانُ ألمَهُ في الآخرةِ ، ولدغَ الزنابيرِ يجدُ ألمَهُ في الدنيا ، فتركتُهُ
ومضيتُ(١) .
2
وقالَ السريُّ : ( منذُ أربعينَ سنةً تطالبُني نفسي أنْ أغمسَ جزرةً في دبسٍ
فما أطعمتُها )(٢).
فإذاً ؛ لا يمكنُ إصلاحُ القلبِ لسلوكٍ طريقِ الآخرةِ ما لمْ يمنعْ نفسَه مِنَ
التنعُمِ بالمباحِ ؛ فإنَّ النفسَ إذا لمْ تُمنعْ بعضَ المباحاتِ .. طمعَتْ في
المحظوراتِ .
(١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٧٦).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٦/١٠)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) ( ٤١٩)،
والقشيري في ((رسالته)) (ص٢٧٧)، وفي (ج): ( أطعتها ) .
٢٣٩
حن حن
حن ش فن

کتاب رياضة النفس
ربع المهلكات
فمَنْ أرادَ حفظَ لسانِهِ عنِ الغيبةِ والفضولِ .. فحقُّهُ أنْ يلزمَ السكوتَ إلا
عنْ ذكرِ اللهِ، وإلا عَنِ المهمَّاتِ في الدينِ ؛ حتَّى تموتَ منهُ شهوةُ الكلام ،
فلا يتكلَّمُ إلا بحقِّ، فيكونُ سكوتُهُ عبادةٌ ، وكلامُهُ عبادةٌ .
G
ومهما اعتادَتِ العينُ رميَ البصرِ إلى كلِّ شيءٍ جميلٍ .. لمْ تتحقَّظ عن
النظرِ إلى ما لا يحلُّ ، وكذلكَ سائرُ الشهواتِ ؛ لأنَّ الذي يُشتهى بهِ الحلالُ
هوَ بعينِهِ الذي يُشتهىُ بهِ الحرامُ ، فالشهوةُ واحدةٌ ، وقدْ وجبَ على العبدِ
منعُها مِنَ الحرام ، فإنْ لمْ يعوِّدْها الاقتصارَ على قدْرِ الضرورةِ مِنَ
الشهواتِ .. غلبَتْهُ الشهوةُ .
فهذهِ إحدى آفاتِ المباحاتِ ، ووراءَها آفةٌ عظيمةٌ أعظمُ مِنْ هذهِ ،
وهوَ أنَّ النفسَ تفرحُ بالتنقُمِ في الدنيا وتركنُ إليها ، وتطمئنُّ بها أشراً وبطراً
حتَّى تصيرَ ثملةً ، كالسكرانِ الذي لا يفيقُ مِنْ سكرِهِ ، وذلكَ الفرحُ بالدنيا
سٌّ قاتلٌ يسري في العروقِ ، فيخرجُ مِنَ القلبِ الخوفَ والحزنَ ، وذكرَ
الموتِ وأهوالَ يوم القيامةِ ، وهذا هوَ موتُ القلبِ .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَرَضُواْ بِالْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ
بِالْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْخَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿أُعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَوٌ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ﴾، وكلُّ ذلكَ ذمّ
لها ، فنسألُ اللهَ السلامةَ .
فأولو الحزم مِنْ أربابِ القلوبِ جرَّبوا قلوبَهُمْ في حالِ الفرحِ بمؤاتاةِ
الدنيا ، فوجدوها قاسيةً بطرةً بعيدةً عنِ التأثّرِ بذكرِ اللهِ واليومِ الآخرِ ،
جن جن حن حن
حن
حن
٢٤٠