النص المفهرس
صفحات 201-220
ربع المهلكات كتاب رياضة النفس فإِذا صارَتِ النواةُ متأثرةً بالاختيارِ حتَّى تقبلَ بعضَ الأحوالِ دونَ بعضٍ .. فكذلكَ الغضبُ والشهوةُ، لوْ أردنا قمعَهما وقهرَهما بالكليَّةِ حتَّى لا يبقى لهما أثرٌ .. لمْ نقدرْ عليهِ أصلاً، ولوْ أردنا سلاستَهما وقودَهُما بالرياضةِ والمجاهدةِ .. قدرنا عليهٍ، وقدْ أُمرنا بذلكَ، وصارَ ذلكَ سببَ نجاتِنا ووصولنا إلى الله تعالى . نعم ، الجبلاتُ مختلفةٌ ، فبعضُها سريعةُ القبولِ ، وبعضُها بطيئةُ القبولِ ، ولاختلافِها سببانِ : أحدُهُما : قوَّةُ الغريزةِ في أصْل الجبلَّةِ ، وامتدادُ مَّّةِ الوجودِ : فإنَّ قوَّةَ الشهوةِ والغضبِ والتكتُّرِ موجودةٌ في الإنسانِ ، ولكنْ أصعبُها أمراً وأعصاها على التغييرِ قوَّةُ الشهوةِ ؛ فإنَّها أقدمُ وجوداً ، إذِ الصبيُّ في مبدأِ الفطرةِ تُخلقُ لهُ الشهوةُ، ثمَّ بعدَ سبع سنينَ ربَّما يُخلقُ لهُ الغضبُ، وبعدَ ذلكَ يُخلقُ لهُ قوَّةُ التمييزِ . والسببُ الثاني: أنَّ الخلُقَ قدْ يتأكَّدُ بكثرةِ العملِ بمقتضاهُ والطاعةِ لهُ ، وباعتقادِ كونِهِ حسناً ومرضياً ، والناسُ فيهِ على أربع مراتبَ : الأولى : وهوَ الإنسانُ الغفْلُ، الذي لا يميِّزُ بينَ الحقِّ والباطلِ ، والجميلِ والقبيح ، بل بقيَ كما فُطِرَ عليهِ ، خالياً عنْ جميع الاعتقاداتِ ، ولمْ تستتمَّ شهوتَهُ أيضاً باتباع اللذَّاتِ، فهذا سريعُ القبولِ للعلاج جداً ، فلا ٢٠١ حن حن حن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات يحتاجُ إلا إلى معلِّم ومرشدٍ، وإلى باعثٍ منْ نفسِهِ يحملُهُ على المجاهدةِ ، فیحسنُ خلقُهُ في أقربِ زمانٍ . 25.0 والثانيةُ : أنْ يكونَ قَدْ عرفَ قبحَ القبيح ، ولكنَّهُ لمْ يتعوَّدِ العملَ الصالحَ ، بلْ زُيِّنَ لهُ سوءُ عمِلِهِ ، فتعاطاهُ انقياداً لشهواتِهِ ، وإعراضاً عنْ صوابٍ رأيهِ ؛ لاستيلاءِ الشهوةِ عليهِ ، ولكنْ علمَ تقصيرَهُ في عملِهِ ، فأمرُّهُ أصعبُ مِنَ الأوَّلِ ؛ إِذْ قدْ تضاعفَتِ الوظيفةُ عليهِ ، إذْ عليهِ قْعُ ما رسخَ في نفسِهِ أولاً مِنْ كثرةِ الاعتيادِ للفسادِ ، والآخرُ أنْ يغرسَ في نفسِهِ صفةَ الاعتيادِ للصلاحِ ، ولكنهُ بالجملةِ محلٌّ قابلٌ للرياضةِ إنِ انتهضَ لها بجدٍّ وتشميرٍ وحزمٍ . والثالثةُ : أَنْ يعتقدَ في الأخلاقِ القبيحةِ أنَّها الواجبةُ المستحسنةُ ، وأنَّها حقٌّ وجميلٌ ، وتربَّى عليها ، فهذا تكادُ تمتنعُ معالجتُهُ ، ولا يُرجى صلاحُهُ إلا على الندورِ ، وذلكَ لتضاعفِ أسبابِ الضلالِ . والرابعةُ : أنْ يكونَ معَ وقوعِ نشوئِهِ على الرأيِ الفاسدِ ، وتربيتِهِ على العملِ بهِ يرى الفضيلةَ في كثرةِ الشرِّ واستهلاكِ النفوسِ ، ويباهي بهِ ، ويظنُّ أنَّ ذلكَ يرفعُ مِنْ قدرِهِ ، وهذا هوَ أصعبُ المراتبِ ، وفي مثلِهِ قيلَ : ومِنَ العناءِ رياضةُ الهرم ، ومِنَ التعذيبِ تهذيبُ الذيبِ . والأوَّلُ مِنْ هؤلاءِ جاهلٌ فقطْ ، والثاني جاهلٌ وضالٌّ ، والثالثُ جاهلٌ وضالٌّ وفاسقٌ ، والرابعُ جاهلٌ وضالٌ وفاسقٌ وشریرٌ . حن جن جن حن حن حن حم حن جن ح ٢٠٢ ربع المهلكات ئن کتاب رياضة النفس وأمَّا الخيالُ الآخرُ الذي استدلُوا بهِ ، وهوَ قولُهُمْ: ( إنَّ الآدميَّ ما دامَ حيّاً فلا ينقطعُ عنهُ الغضبُ والشهوةُ وحبُّ الدنيا وسائرُ هذهِ الأخلاقِ ) .. فهذا غلطٌ وقعَ لطائفةٍ ظنُّوا أنَّ المقصودَ مِنَ المجاهدَةِ قمعُ هذهِ الصفاتِ بالكليّةِ ومحوُها ، وهيهاتَ ؛ فإنَّ الشهوةَ خلقَتْ لفائدةٍ ، وهيَ ضروريَّةٌ في الجبلَّةِ ، فلوِ انقطعَتْ شهوةُ الطعام .. لهلكَ الإنسانُ، ولوٍ انقطعَتْ شهوةٌ الوقاع .. لانقطعَ النسلُ، ولوِ انعدمَ الغضبُ بالكليَّةِ .. لمْ يدفع الإنسانُ عنْ نفسِهِ ما يهلكُهُ ولهلكَ . ومهما بقيَ أصلُ الشهوةِ فيبقى - لا محالةَ - حبُّ المالِ الذي يوصلُهُ إلى الشهوةِ ، حتَّى يحملَهُ ذلكَ على إمساكِ المالِ ، وليسَ المطلوبُ إماطةَ ذلكَ بالكليّةِ، بلِ المطلوبُ ردُّها إلى الاعتدالِ الذي هوَ وسطٌ بينَ الإفراطِ والتفريطِ. % حن حن فالمطلوبُ في صفةِ الغضبِ حسنُ الحميَّةِ ، وذلكَ بأنْ يخلوَ عنِ التهوُّرِ وعنِ الجبنِ جميعاً . وبالجملةِ : أنْ يكونَ في نفسِهِ قويّاً ، ومعَ قوَّتِهِ منقاداً للعقلِ ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَشِدَُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَةُ بَيْنَهُمْ﴾، وصفَهُمْ بالشدَّةِ ، وإنَّما تصدرُ الشدَّةُ عنِ الغضبِ ، ولوْ بطلَ الغضبُ .. لبطلَ الجهادُ، وكيفَ يُقصدُ قلِعُ الشهوةِ والغضبِ بالكليّةِ والأنبياءُ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ لمْ ينفُوا عنْ ذلكَ ؟! إِذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما أنا بشرٌ أغضبُ كما يغضبُ البشرُ))(١). (١) رواه مسلم (٢٦٠١). ٢٠٣ تن حن حن حن ون كتاب رياضة النفس ربع المهلكات وكانَ إذا تُكُلِّمَ بينَ يديهِ بما يكرهُهُ .. يغضبُ حتَّى تحمرَّ وجنتاهُ ، ولكنْ لا يقولُ إلا حقّاً، فكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لا يخرجُهُ غضبُهُ عنِ الحقِّ(١). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَاَلْكَاظِمِينَ الْغَيْظُ﴾، ولمْ يقلْ: (والفاقدينَ الغيظَ ) . فردُّ الغضبِ والشهوةِ إلى حدِّ الاعتدالِ ، بحيثُ لا يقهرُ واحدٌ منهما العقلَ ولا يغلبُهُ، بلْ يكونُ العقلُ هوَ الضابطَ لهما والغالبَ عليهما .. ممكنٌ ، وهوَ المرادُ بتغييرِ الخلُقِ ؛ فإنَّهُ ربَّما تستولي الشهوةُ على الإنسانِ بحيثُ لا يقوى عقلُهُ على دفعِها عن الانبساطِ إلى الفواحشِ ، وبالرياضةِ تعودُ إلى حدِّ الاعتدالِ ، فدلَّ أنَّ ذلكَ ممكنٌ ، والتجربةُ والمشاهدةُ تدلُّ على ذلكَ دلالةٌ لا شكَّ فيها . والذي يدلُّ على أنَّ المطلوبَ هوَ الوسطُ في الأخلاقِ دونَ الطرفينِ أنَّ السخاءَ خلقٌ محمودٌ شرعاً ، وهوَ وسطٌ بينَ طرفي التبذيرِ والتقتيرِ ، وقدْ أثنى اللهُ تعالىُ عليهِ فقالَ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَّمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيَْ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اَلْبَسْطِ﴾. وكذلكَ المطلوبُ في شهوةِ الطعام الاعتدالُ دونَ الشَّرَهِ والخمودِ ، (١) فقد روى البخاري (٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧) في قصة تخاصم رجل مع الزبير رضي الله عنه في شراج الحرّة؛ إذ قال الرجل الأنصاري : أنْ كان ابن عمَّتك ؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقدم نحو هذا . ٢٠٤ حن ث ثرة ربع المهلكات كتاب رياضة النفس قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ـكن وقالَ في الغضبِ: ﴿أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيرُ الأمورِ أوساطُها))(١). وهذا لهُ سرٍّ وتحقيقٌ، وهوَ أنَّ السعادةَ منوطةٌ بسلامةِ القلبِ عنْ عوارضٍ هذا العالم، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، والبخلُ مِنْ عوارضِ الدنيا ، والتبذيرُ أيضاً مِنْ عوارضِ الدنيا ، وشرطُ القلبِ أنْ يكونَ سليماً منهما ؛ أيْ : لا يكونَ ملتفتاً إلى المالِ ، ولا يكونَ حريصاً على إمساكِهِ ولا على إنفاقِهِ ، فإنَّ الحريصَ على الإنفاقِ مصروفُ القلبِ إلى الإنفاقِ ، كما أنَّ الحريصَ على الإمساكِ مصروفُ القلبِ إلى الإمساكِ ، فكانَ كمالُ القلبِ أنْ يصفوَ عنِ الوصفينِ جميعاً ، وإذا لمْ يكنْ ذلكَ في الدنيا .. طلبنا ما هوَ الأشبهُ بعدم الوصفينِ وأبعدُ عنِ الطرفينِ ، وهوَ الوسطُ ، فإنَّ الفاترَ لا حارٌّ ولا باردٌ، بلْ هوَ وسطٍ بينَهُما ، فكأنَّهُ خالٍ عنِ الوصفينِ ؛ فكذلكَ السخاءُ بينَ التبذيرِ والتقتيرِ ، والشجاعةُ بينَ الجبنِ والتهور ، والعفَّةُ بينَ الشَّرَهِ والخمودِ ، وكذلكَ سائرُ الأخلاقِ ، فكلا طرفي قصْدِ الأمورِ ذميمٌ ، هذا هوَ المطلوبُ ، وهوَ ممكنٌ . نعمْ ، يجبُ على الشيخ المرشدِ للمريدِ أنْ يقبِّحَ عندَهُ الغضبَ رأساً ، (١) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣١٧٠/٦) عن معبد الجهني عن بعض الصحابة مرفوعاً . ٢٠٥ كن كن حن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات .25 ويذمَّ إمساكَ المالِ رأساً ، ولا يرخِّصَ لهُ في شيءٍ منهُ ؛ لأنَّهُ لوْ رخّصَ لهُ في أدنى شيءٍ .. اتخذَ ذلكَ عذراً في استبقاءِ بخلِهِ وغضبهِ، وظنَّ أنَّهُ القدْرُ المرخَّصُ فيهِ، فإذا قصدَ قطْعَ الأصلِ وبالغَ فيهِ .. لمْ يتيسَّرْ لهُ إلا كسْرُ سورتِهِ ، بحيثُ يعودُ إلى الاعتدالِ، فالصوابُ لهُ أنْ يقصدَ قَلْعَ الأصلِ حتَّى يتيسَّرَ لهُ القدْرُ المقصودُ، فلا يكشفُ هذا السرَّ للمريدِ؛ فإنَّهُ موضعُ غرورِ الحمقى، إذْ يظُنُّ بنفسِهِ أنَّ غضبَهُ بحقِّ، وأنَّ إمساكَهُ بحقِّ . ص طن خن من حن ٢٠٦ ـم ! ربع المهلكات كتاب رياضة النفس بيان السبب الذي بديال حسن الخلق على الجملة قدْ عرفتَ أنَّ حسْنَ الخلقِ يرجعُ إلى اعتدالِ قَوَّةِ العقلِ ، وكمالٍ الحكمةِ ، وإلى اعتدالِ قوَّةِ الغضبِ والشهوةِ ، وكونِها مطيعةً للعقلِ والشرعِ أيضاً . وهذا الاعتدالُ يحصلُ على وجهينِ : أحدُهُما : بجودٍ إلهيٍّ وكمالٍ فطريٍّ: بحيثُ يُخلقُ الإنسانُ ويُولدُ كاملَ العقلِ ، حسنَ الخلقِ ، قد كُفِيَ سلطانَ الشهوةِ والغضبِ ، بلْ خُلقَتا معتدلتينِ منقادتينِ للعقل والشرع ، فيصيرُ عالماً بغيرِ تعلَّم ، ومؤذَّباً بغيرِ تأذُّبٍ ؛ كعيسى ابنِ مريمَ ، ويحيى بنِ زكريّا عليهما السلامُ ، وكذا سائرُ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ ، ولا يبعدُ أنْ يكونَ في الطبع والفطرةِ ما قدْ يُنالُ بالاكتسابِ ، فربَّ صبيٍّ خُلِقَ صادقَ اللهجةِ ، سخيّاً جريئاً ، وربَّما يُخلقُ بخلافِهِ ، فيحصلُ ذلكَ فيهِ بالاعتيادِ ومخالطةِ المتخلُّقينَ بهذهِ الأخلاقِ ، وربَّما يحصلُ بالتعلُّم . ي هر . د .. ـح9 والوجهُ الثاني لاكتسابٍ هذهِ الأخلاقِ : المجاهدةُ والرياضةُ : وأعني بها : حملَ النفسِ على الأعمالِ التي يقتضيها الخلُقُ المطلوبُ . فمَنْ أرادَ مثلاً أنْ يحصِّلَ لنفسِهِ خلُقَ الجودِ .. فطريقُهُ أنْ يتكلَّفَ تعاطيَ فعلِ الجوادِ ، وهوَ بذلُ المالِ ، فلا يزالُ يطالبُ نفسَهُ ويواظبُ عليهِ تكلُّفاً ، ٢٠٧ ـور كتاب رياضة النفس ربع المهلكات مجاهداً نفسَهُ فيهِ حتَّى يصيرَ ذلكَ طبعاً لهُ ، ويتيسَّرَ عليهِ ، فيصيرَ بهِ جواداً . وكذا مَنْ أرادَ أنْ يحصِّلَ لنفسِهِ خلُقَ التواضع وقدْ غلبَ عليهِ الكبرُ .. فطريقُهُ أنْ يواظبَ على أفعالِ المتواضعينَ مدَّةً مديدةً ، وهوّ فيها مجاهدٌ نفسَهُ ومتكلِّفٌ إلى أن يصيرَ ذلكَ لهُ خلقاً وطبعاً ، فيتيسَّرَ عليهِ . وجميعُ الأخلاقِ المحمودةِ شرعاً تحصلُ بهذا الطريقِ . وغايتُهُ : أنْ يصيرَ الفعلُ الصادرُ منهُ لذيذاً، فالسخيُّ هوَ الذي يستلذُّ بذلَ المالِ دونَ الذي يبذلُهُ عنْ كراهةٍ ، والمتواضعُ هوَ الذي يستلذَّ التواضعَ ، ولنْ ترسخَ الأخلاقُ الدينيّةُ في النفسِ ما لمْ تتعوَّدِ النفسُ جميعَ العاداتِ الحسنةِ ، وما لمْ تتركْ جميعَ العاداتِ السيئةِ ، وما لمْ تواظبْ عليها مواظبةً مَنْ يشتاقُ إلى الأفعالِ الجميلةِ ويتنعَّمُ بها ، ويكرهُ الأفعالَ القبيحةَ ويتألمُ بها؛ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((وجُعلَتْ قَرَّةُ عيني في الصلاةِ))(١) . ومهما كانَتِ العباداتُ وتركُ المحظوراتِ معَ كراهةٍ واستثقالٍ .. فهوَ لنقصانٍ ، ولا يُنالُ كمالُ السعادةِ بهِ . نعم ، المواظبةُ عليها بالمجاهدةِ خيرٌ ، ولكنْ بالإضافةِ إلى تركِها ، لا بالإضافةِ إلى فعلِها عنْ طوع، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى اْخَشِعِينَ﴾. (١) رواه النسائي (٦١/٧)، وأحمد في ((المسند)) (١٢٨/٣). ٢٠٨ حن ربع المهلكات كتاب رياضة النفس وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اعبْدِ اللّهَ بالرضا، فإنْ لمْ تستطعْ .. ففي الصبرِ على ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ)) (١). ريح جن حق ثُمَّ لا يكفي في نيلِ السعادةِ الموعودةِ على حسْنِ الخلقِ استلذاذُ الطاعةِ واستكراهُ المعصيةِ في زمانٍ دونَ زمانٍ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ ذلكَ على الدوامٍ ، وفي جملةِ العمرِ ، وكلَّما كانَ العمرُ أطولَ .. كانَتِ الفضيلةُ أرسخَ وأكملَ، ولذلكَ لما سُئِل صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ السعادةِ .. قالَ: ((طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ تعالى))(٢). ولذلكَ كرهَ الأنبياءُ والأولياءُ الموتَ ؛ فإنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرةِ ، وكلَّما كانَتِ العباداتُ أكثرَ بطولِ العمرِ .. كانَ الثوابُ أجزلَ ، والنفسُ أزكى وأطهرَ ، والأخلاقُ أقوى وأرسخَ ، وإنَّما مقصودُ العباداتِ تأثيرُها في القلبِ ، وإنَّما تتأكَّدُ آثارُها بكثرةِ المواظبةِ على العباداتِ . وغايةُ هذهِ الأخلاقِ : أنْ ينقلعَ عنِ النفسِ حتُّ الدنيا ، ويرسخَ فيها (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٥٢٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الوصية المشهورة، ولفظه: (( فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا واليقين .. فافعل ، وإن لم تستطع .. فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ... )) الحديث. (٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣١٢)، والخطيب في (( تاريخ بغداد)) (١٦/٦)، وروى الترمذي (٢٣٢٩) من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه مرفوعاً وقد سئل صلى الله عليه وسلم من خير الناس؟ قال: (( من طال عمره وحسن عمله». ت ٢٠٩ حن كن حن ,من کتاب رياضة النفس ربع المهلكات حبُّ اللهِ تعالى ، فلا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليهٍ مِنْ لقاءِ اللهِ تعالى ، فلا يستعملُ جميعَ مالَهُ إلا على الوجهِ الذي يوصلُهُ إليهِ ، وغضبُهُ وشهوتُهُ مِنَ المسخراتِ لهُ ، فلا يستعملُهما إلا على الوجهِ الذي يوصلُهُ إلى اللهِ تعالى ، وذلكَ بأنْ يكونَ موزوناً بميزانِ الشرع والعقلِ ، ثمَّ يكونُ بعدَ ذلكَ فرِحاً بهِ ومستلذّاً لهُ . ـنع. ولا ينبغي أنْ يُستبعَدَ مصيرُ الصلاةِ إلى حدٍّ تصيرُ هيَ قرَّةَ العينِ ، ومصيرُ العباداتِ لذيذةً ؛ فإنَّ العادةَ تقتضي في النفسِ عجائبَ أغربَ مِنْ ذلكَ، فإنَّا قدْ نرى الملوكَ والمتنعمينَ في أحزانٍ دائمةٍ ، ونرى المقامرَ المفلسَ قدْ يغلبُ عليهِ مِنَ اللذَّةِ والفرح بقمارِهِ وما هوَ فيهِ ما يستنكرُ معَهُ فرحَ الناسِ بغيرِ القمارِ ، معَ أنَّ القمارَ ربَّما سلبَهُ مالَهُ، وخرَّبَ بيتَهُ، وتركَهُ مفلساً ، ومعَ هذا فهوَ يحبُّهُ ويلتذُّ بهِ ؛ وذلكَ لطولٍ إلفِهِ لهُ وصرفِ نفسِهِ إليهِ مَّةً مديدةٌ . وكذلكَ اللاعبُ بالحمام قدْ يقفُ طولَ النهارِ في حرِّ الشمسِ قائماً على رجليهِ وهوَ لا يحسنُّ بألمِها ؛ لفرحِهِ بالطيورِ وحركاتِها ، وطيرانِها وتحليقِها في جوِّ السماءِ . بلْ نرى الفاجرَ العِيَّارَ يفتخرُ بما يلقاهُ مِنَ الضرْبِ والقطْع والصبرِ على السياطِ(١) ، وعلى تقديمِهِ إلى الصلْبِ، وهوّ معَ ذلكَ متبجِّحٌ بنفسِهِ وبقوَّتِهِ في الصبرِ على ذلكَ ، حتَّى يرىُ ذلكَ فخراً لنفسِهِ، ويقطَّعُ الواحدُ منهُمْ إِرْباً جن جن جن حن ثن حن ضل شن من حن (١) العيّار : الشاطر الذي يختلس أموال الناس بلطف حيلة ومكر . ٢١٠ .3ن حن ربع المهلكات كتاب رياضة النفس إرباً على أنْ يقرَّ بما تعاطاهُ أوْ تعاطاهُ غيرُهُ فيصرُّ على الإنكارِ ، ولا يبالي بالعقوباتِ ؛ فرحاً بما يعتقدُهُ كمالاً وشجاعةٌ ورجوليَّةً ، فقدْ صارَتْ أحوالُهُ معَ ما فيها مِنَ النَّكالِ قَرَّةَ عينِهِ وسببَ افتخارِهِ . بلْ لا حالةَ أخسرُّ وأقبحُ مِنْ حالِ المخنَّثِ في تشبُّهِهِ بالإناثِ ؛ في نتْفٍ الشعرِ ، ووشمٍ الوجهِ ، ومخالطةِ النساءِ ، فترى المخنَّثَ في فرحِ بحالِهِ ، وافتخارِ بكمالِهِ في تختُّثِّهِ يتباهى بهِ معَ المخِِّينَ . حتَّى يجري بينَ الحجَّامينَ والكنَّسينَ التفاخرُ والمباهاةُ كما يجري بينَ الملوكِ والعلماءِ . ججن زن حن نت وكلُّ ذلكَ نتيجةُ العادةِ والمواظبةِ على نمطٍ واحدٍ على الدوامِ مدَّةً مديدةٌ ، ومشاهدةُ ذلكَ مِنَ المخالطينَ والمعارفِ . فإذا كانَتِ النفسُ بالعادةِ تستلذُّ الباطلَ ، وتميلُ إليهِ وإلى القبائحِ. فكيفَ لا تستلذُّ الحقَّ لو رُدَّتْ إليهِ مدَّةً ، وأُلزِمَتِ المواظبةَ عليهِ ؟! بلْ ميلُ النفسِ إلى هذهِ الأمورِ الشنيعةِ خارجٌ عنِ الطبع ، يضاهي الميلَ إلى أكلِ الطينِ ، فقدْ يغلبُ على بعضِ الناسِ ذلكَ بالعادةِ ، فأمَّا ميلُهُ إلى الحكمةِ ، وحبِّ اللهِ تعالى ، ومعرفتِهِ ، وعبادتِهِ .. فهوَ كالميلِ إلى الطعامِ والشرابِ ؛ فإنهُ مقتضى طبع القلبِ ؛ فإنَّهُ أمرٌ ربَّانيٌّ . وميلُهُ إلى مقتضياتِ الشهوةِ غريبٌ مِنْ ذاتِهِ ، وعارضٌ على طبعِهِ ، وإنَّما غذاءُ القلبِ الحكمةُ والمعرفةُ وحبُّ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولكنِ انصرفَ عنْ ٢١١ حن كتاب رياضة النفس حن ربع المهلكات G مقتضى طبعِهِ لمرضٍ قدْ حلَّ بهِ ؛ كما قدْ يحلُّ المرضُ بالمعدةِ ، فلا تشتهي الطعامَ والشرابَ وهما سببانٍ لحياتِها ، فكلُّ قلبٍ مالَ إلى حبِّ شيءٍ سوى حبِّ اللهِ تعالى فلا ينفكُ عنْ مرضٍ بقدْرِ ميلِهِ إلا إذا أحبَّ ذلكَ الشيءَ لكونِهِ معيناً لهُ على حبِّ اللهِ تعالى، وعلى دينِهِ ، فعندَ ذلكَ لا يدلُّ ذلكَ على المرضِ . فإذاً ؛ قدْ عرفتَ بهذا قطعاً أنَّ هذهِ الأخلاقَ الجميلةَ يمكنُ اكتسابُها بالرياضةِ، وهيَ تكلُّفُ الأفعالِ الصادرةِ عنها ابتداءً ؛ لتصيرَ طبعاً انتهاءً ، وهذا مِنْ عجيبِ العلاقةِ بينَ القلبِ والجوارحِ ؛ أعني : النفسَ والبدنَ ، فإنَّ كلَّ صفةٍ تظهرُ في القلبِ يفيضُ أثرُها على الجوارح حتَّى لا تتحرَّكَ إلا على وَفْقِها لا محالةَ ، وكلُّ فعلٍ يجري على الجوارحِ فإنَّهُ قدْ يرتفعُ منهُ أثرٌ إلى القلبِ ، والأمرُ فيهِ دورٌ، ويُعرفُ ذلكَ بمثالٍ؛ وهوَ أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يصيرَ الحذقُ في الكتابةِ لهُ صفةً نفسيةً حتَّى يصيرَ كاتباً بالطبع .. فلا طريقَ لهُ إلا أنْ يتعاطى بجارحةِ اليدِ ما يتعاطاهُ الكاتبُ الحاذقُ ، ويواظبَ عليهِ مدَّةٌ طويلةً ، وهوَ حكايةُ الخطِّ الحسنِ ، فإنَّ فعلَ الكاتبِ هوَ الخطُّ الحسنُ ، فيتشبَّهُ بالكاتبِ تكلُّفاً ، ثمَّ لا يزالُ يواظبُ عليهِ حتَّى يصيرَ صفةً راسخةً في نفسِهِ ، فيصدرَ منهُ في الآخرِ الخطُّ الحسنُ طبعاً كما كانَ يصدرُ منهُ في الابتداءِ تكلُّفاً ، فكانَ الخطُّ الحسنُ هوَ الذي جعلَ خطَّهُ حسناً ، ولكنَّ الأوَّلَ متكلَّفٌ، إلا أنَّهُ ارتفعَ منهُ أثرٌ إلى القلبِ ، ثمَّ انخفضَ مِنَ القلبِ إلى ٢١٢ مث ربع المهلكات حن كتاب رياضة النفس الجارحةِ ، فصارَ يكتبُ الخطَّ الحسنَ بالطبع . ـحر وكذلكَ مَنْ أرادَ أنْ يصيرَ فقيهَ النفسِ .. فلا طريقَ لهُ إلا أنْ يتعاطى أفعالَ الفقهاءِ ، وهوَ التكرارُ للفقهِ، حتَّى تنعطفَ منهُ على قلبهِ صفةٌ الفقهِ ، فيصيرَ فقية النفسِ . وكذلكَ مَنْ أرادَ أنْ يصيرَ سخيّاً عفيفاً حليماً متواضعاً .. فيلزمُهُ أنْ يتعاطى أفعالَ هؤلاءِ تكلُّفاً حتَّى يصيرَ لهُ ذلكَ بالعادةِ طبعاً ، فلا علاجَ لهُ إلا ذلكَ . وكما أنَّ طالبَ فقهِ النفسِ لا يبئسُ مِنْ نيلِ هذهِ الرتبةِ بتعطيلٍ ليلةٍ ولا ينالُها بتكرارِ ليلةٍ .. فكذلكَ طالبُ تزكية النفسِ وتكميلها وتحليتِها بالأخلاقِ الحسنةِ لا ينالُها بعبادةِ يومٍ ولا يحرمُ عنها بعصيانِ يومٍ ، وهوَ معنى قولنا : ( إنَّ الكبيرةَ الواحدةَ لا توجبُ الشقاوةَ المؤبَّدةَ ) ، ولكنَّ العُطلةَ في يومٍ واحدٍ تدعو إلى مثلها، ثمَّ تتداعى قليلاً قليلاً حتَّى تأنسَ النفسُ بالكسلِ ، وتهجرَ التحصيلَ رأساً ، فيفوتَهَا فضيلةُ الفقهِ ، وكذلكَ صغائرُ المعاصي يجُّ بعضُها إلى بعضٍ حتَّى تفوَّتَ أصلَ السعادةِ ، بهدمِ أصلٍ الإيمانِ عندَ الخاتمةِ . وكما أنَّ تكرارَ ليلةٍ لا يُحَسُّ تأثيرُهُ في تفقيهِ النفسِ ، بلْ يظهرُ فقهُ النفسِ شيئاً فشيئاً على التدريج مثلَ نموِّ البدنِ وارتفاع القامةِ .. فكذلكَ الطاعةُ الواحدةُ لا يُحسُّ تأثيرُها في تزكية النفسِ وتطهيرِها في الحالِ ، ولكنْ ٢١٣ حى جن فق مكن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات لا ينبغي أنْ يُستهانَ بقليل الطاعةِ ؛ فإنَّ الجملةَ الكثيرةَ منها مؤثرةٌ ، وإنَّما اجتمعَتِ الجملةُ مِنَ الآحادِ ، فلكلِّ واحدٍ منها تأثيرٌ ، فما مِنْ طاعةٍ إلا ولها أثرٌ وإنْ خفيَ ، فلهُ ثوابٌ لا محالةَ ؛ لأنَّ الثوابَ بإزاءِ الأثرِ ، وكذلكَ المعصيةُ . وكمْ مِنْ فقيهٍ يستهينُ بتعطيلِ يومٍ وليلةٍ ، وهكذا على التوالي ، يسوِّفُ نفسَهُ يوماً فيوماً ، إلى أنْ يخرجَ طبعُهُ عنْ قبولِ الفقهِ ؛ فكذا مَنْ يستهينُ بصغائرِ المعاصي ويسوِّفُ نفسَهُ بالتوبةِ على التوالي ، إلى أنْ يختطفَهُ الموتُ بغتةً ، أوْ تتراكمَ ظلمةُ الذنوبِ على قلبهِ وتتعذَّرَ عليه التوبةُ ؛ إذِ القليلُ يدعو إلى الكثيرِ ، فيصيرُ القلبُ مقيّداً بسلاسلِ الشهواتِ ، لا يمكنُ تخليصُهُ مِنْ مخالبها ، وهوَ المعنيُّ بانسدادِ بابِ التوبةِ ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَبْدِ يهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذًّا . .. ﴾ الآيَةَ. من حن. ولذلكَ قالَ عليٍّ رضيّ اللهُ عنهُ : ( إنَّ الإيمانَ ليبدو في القلبِ نكتةً بيضاءَ، كلَّما ازدادَ الإيمانُ .. ازدادَ ذلكَ البياضُ، فإذا استكملَ العبدُ الإيمانَ .. ابيضَّ القلبُ كلُّهُ، وإنَّ النفاقَ ليبدو في القلبِ نكتةً سوداءَ ، كلَّما ازدادَ النفاقُ .. ازدادَ ذلكَ السوادُ، فإذا استكملَ النفاقَ .. اسودَّ القلبُ كلُّهُ)(١) . فإذاً ؛ قدْ عرفتَ أنَّ الأخلاقَ الحسنةَ تارةً تكونُ بالطبعِ والفطرةِ ، وتارةً ـحن (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٧). ـحن ن: تت. ٢١٤ ربع المهلكات کتاب رياضة النفس تكونُ باعتيادِ الأفعالِ الجميلةِ ، وتارةً بمشاهدةِ أربابِ الأفعالِ الجميلةِ ومصاحبتِهِمْ، وهمْ قرناءُ الخيرِ وإخوانُ الصلاحِ ؛ إذِ الطبعُ يسرقُ مِنَ الطبع الشرَّ والخيرَ جميعاً، فمَنْ تظاهرَتْ في حقِّهِ الجهاتُ الثلاثُ حتَّى صارَ ذا فضيلةٍ طبعاً واعتياداً وتعلُّماً .. فهوَ في غايةِ الفضيلةِ، ومَنْ كانَ رذلاً بالطبع ، واتفقَ لهُ قرناءُ السوءِ، فتعلَّمَ منهُمْ، وتيسَّرَتْ لهُ أسبابُ الشرِّ حتَّى اعتادَها .. فهوَ في غايةِ البعدِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وبينَ الرتبتينِ مَنِ اختلفَتْ فيهِ هذهِ الجهاتُ ، ولكلِّ درجةٌ في القربِ والبعدِ بحسَبِ ما تقتضيهِ صفتُهُ وحالتُهُ؛ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ : ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ﴾، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . ـدن جيد حن ٢١٥ ح كتاب رياضة النفس ربع المهلكات بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق قدْ عرفتَ مِنْ قبلُ أَنَّ الاعتدالَ في الأخلاقِ هوَ صَّةٌ في النفسِ ، والميلَ عنِ الاعتدالِ سقمٌ ومرضٌ فيها ، كما أنَّ الاعتدالَ في مزاجِ البدنِ هوَ صحةٌ لهُ، والميلَ عنِ الاعتدالِ مرضٌ فيهِ ، فلنتخذِ البدنَ مثالاً ، فنقولُ : مثالُ النفسِ في علاجِها بمحوِ الرذائلِ والأخلاقِ الرديئةِ عنها ، وجلبٍ الفضائلِ والأخلاقِ الجميلةِ إليها .. مثالُ البدنِ في علاجِهِ بمحوِ العللِ عنهُ ، وكسبِ الصحَّةِ لهُ وجلبها إليهِ ، وكما أنَّ الغالبَ على أصلِ المزاجِ الاعتدالُ، وإنَّما تعتري العلَّةُ المضرَّةُ بعوارضِ الأغذيةِ والأهويةِ والأحوالِ .. فكذلكَ كلُّ مولودٍ يُولدُ معتدلاً صحيحاً على الفطرةِ ، وإنَّما أبواهُ يهودانِهِ أوْ ينصِّرانِهِ أوْ يمجِّسانِهِ ؛ أيْ : بالاعتيادِ والتعليم تُكتسبُ الرذائلُ، وكما أنَّ البدنَ في الابتداءِ لا يُخلقُ كاملاً، وإنَّما يكملُ ويقوى بالنشوءِ والتربيةِ بالغذاءِ .. فكذلكَ النفسُ تُخلقُ ناقصةً قابلةً للكمالِ ، وإنَّما تكملُ بالتزكيةِ وتهذيبِ الأخلاقِ والتغذيةِ بالعلمِ . وكما أنَّ البدنَ إِنْ كانَ صحيحاً فشأنُ الطبيبِ تمهيدُ القانونِ الحافظِ للصحةِ ، وإنْ كانَ مريضاً فشأنُهُ جلبُ الصحّةِ إليهِ .. فكذلكَ النفسُ منكَ ؛ إنْ كانَتْ زكيَّةً طاهرةً مهذَّبةً .. فينبغي أنْ تسعى لحفظها وحفظٍ صفتِها ، حن من حن ـدن ق ٢١٦ حن حن ربع المهلكات کتاب رياضة النفس وجلبٍ مزيدٍ قوَّةٍ إليها ، واكتسابِ زيادةٍ صفائِها ، وإنْ كانَتْ عديمةَ الكمالِ والصفاءِ .. فينبغي أن تُسعى لجلبٍ ذلكَ إليها . وكما أنَّ العلَّةَ المغيِّرَةَ لاعتدالِ البدنِ الموجبةَ للمرضِ لا تُعَالجُ إلا بضدِها ؛ فإنْ كانَتْ مِنْ حرارةٍ فبالبرودةِ ، وإنْ كانتْ مِنْ برودةٍ فبالحرارةِ .. فكذلكَ الرذيلةُ التي هيَ مرضُ القلبِ علاجُها بضدِّها ، فيُعالجُ مرضُ الجهلِ بالتعلُّمِ ، ومرضُ البخلِ بالتسخِّي ، ومرضُ الكبْرِ بالتواضع ، ومرضُ الشَّرَهِ بالكفِّ عنِ المشتهى تكلُّفاً . وكما أنَّهُ لا بدَّ مِنِ احتمالِ مرارةِ الدواءِ ، وشدَّةِ الصبرِ عنِ المشتهياتِ لعلاج الأبدانِ المريضةِ .. فكذلكَ لا بدَّ مِنِ احتمالِ مرارةِ المجاهدةِ والصبرِ المداواةِ مرضٍٍ القلبِ ، بلْ هذا أولى ، فإنَّ مرضَ البدنِ يخلصُ منهُ بالموتِ ، ومرضُ القلبِ والعياذُ باللهِ مرضٌ يدومُ بعدَ الموتِ أبد الآبادِ . وكما أنَّ كلَّ مبرِّدٍ لا يصلحُ لعلَّةٍ سببُها الحرارةُ إلا إذا كانَ على حدٍّ مخصوصٍٍ ، ويختلفُ ذلكَ بالشدَّةِ والضعفِ ، والدوام وعدمِهِ ، وبالكثرةِ والقلَّةِ ، ولا بدَّلهُ مِنْ معيارٍ يُعرفُ بهِ مقدارُ النافع منهُ ؛ فإنَّهُ إنْ لمْ يُحفظْ معيارُهُ زادَ الفسادُ .. فكذلكَ النقائضُ التي تُعالجُ بها الأخلاقُ لا بدَّ لها مِنْ معيارٍ . وكما أنَّ معيارَ الدواءِ مأخوذٌ مِنْ عيارِ العلَّةِ ، حتَّى إِنَّ الطبيبَ لا يعالجُ ما لمْ يعرفْ أنَّ العلَّةَ مِنْ حرارةٍ أوْ برودةٍ ؛ فإنْ كانَتْ مِنْ حرارةٍ . . فيعرفُ درجتَها أهيَ ضعيفةٌ أمْ قويَّةٌ ، فإذا عرفَ ذلكَ .. التفتَ إلى أحوالِ البدنِ ـير ٢١٧ حن خن حن بمن حن كتاب رياضة النفس 204 شر ربع المهلكات وأحوالِ الزمانِ وصناعةِ المريضِ وسنِّهِ وسائرٍ أحوالِهِ ، ثمَّ يعالجُ بحسَبها .. فكذلكَ الشيخُ المتبوعُ الذي يطبُّ نفوسَ المريدينَ ، ويعالجُ قلوبَ المسترشدينَ ، ينبغي ألا يهجمَ عليهِمْ بالرياضةِ والتكاليفِ في فنِّ مخصوصٍ وفي طريقٍ مخصوصٍ ما لمْ يعرفْ أخلاقَهُمْ وأمراضَهُمْ . وكما أنَّ الطبيبَ لوْ عالجَ جميعَ المرضى بعلاجٍ واحدٍ قتلَ أكثرَهُمْ .. فكذلكَ الشيخُ لوْ أشارَ على المريدينَ بنمطٍ واحدٍ مِنَ الرياضةِ .. أهلكَهُمْ ، وأماتَ قلوبَهُمْ ، بلْ ينبغي أنْ ينظرَ في مرضِ المريدِ ، وفي حالِهِ ، وسنِّهِ ، ومزاجِهِ ، وما تحتملُهُ بنيتُهُ مِنَ الرياضةِ ، ويبني على ذلكَ رياضتَهُ . فإنْ كانَ المريدُ مبتدئاً ، جاهلاً بحدودِ الشرع .. فيعلمُهُ أوّلاً الطهارةَ ، والصلاةَ ، وظواهرَ العباداتِ . ـحو من وإنْ كانَ مشغولاً بمالٍ حرام ، أوْ مقارفاً لمعصيةٍ .. فيأمرُهُ أُوَّلاً بتركِها ، فإذا تزيَّنَ ظاهرُهُ بالعباداتِ ، وطهَّرَ عنِ المعاصي الظاهرةِ جوارحَهُ .. نظرَ بقرائنِ الأحوالِ إلى باطنِهِ ؛ ليتفطَّنَ لأخلاقِهِ ، وأمراضٍ قلبهِ ، فإنْ رأى معَهُ مالاً فاضلاً عنْ قدْرٍ ضرورتِهِ .. أخذَهُ منهُ، وصرفَهُ إلى الخيراتِ ، وفرَّغَ قلبَهُ منهُ حتَّى لا يلتفتَ إليه . وإنْ رأى الرعونةَ والكبْرَ وعزَّةَ النفسِ غالبةٌ عليهِ .. فيأمرُهُ أنْ يخرِجَ إلى الأسواقِ للكُذيةِ والسؤالِ (١) ، فإنَّ عزَّةَ النفسِ والرئاسةَ لا تنكسرُ إلا بالذلِّ، ٤٠ (١) الكدية هنا: الإلحاح في السؤال والاستجداء . حبوب __ ٢١٨ ربع المهلكات كتاب رياضة النفس ولا ذلَّ أعظمُ مِنْ ذلِّ السؤالِ ، فيكلِّفُهُ المواظبةَ على ذلكَ مَّةً، حتَّى ينكسرَ كبرُهُ وعزَّةُ نفسِهِ ؛ فإنَّ الكبْرَ مِنَ الأمراضِ المهلكةِ ، وكذلكَ الرعونةُ . وإنْ رأى الغالبَ عليهِ النظافةَ في البدنِ والثيابِ ، ورأى قلبَهُ مائلاً إلى ذلكَ، فرحاً بهِ، ملتفتاً إليهِ .. استخدمَهُ في تعهُّدٍ بيتِ الماءِ وتنظيفِهِ ، وكفْسِ المواضع القذرةِ ، وملازمةِ المطبخِ ومواضع الدخانِ ، حتَّى تتشوَّشَ عليهِ رعونتُهُ في النظافةِ ، فإنَّ الذينَ ينظّفونَ ثيابَهُمْ ويزيَّنونَها ، ويطلبونَ المرقَّعاتِ النظيفةَ، والسجاداتِ الملوّنةَ .. لا فرقَ بينَهُمْ وبينَ العروسِ التي تزيِّنُ نفسَها طولَ النهارِ ، فلا فرقَ بينَ أنْ يعبدَ الإنسانُ نفسَهُ أَوْ يعبدَ صنماً ، فمهما عبَدَ غيرَ اللهِ .. فقدْ حُجِبَ عنِ اللهِ ، ومَنْ راعى في ثوبِهِ شيئاً سوى كونِهِ حلالاً وطاهراً مراعاةً يلتفتُ إليها قلبُهُ .. فهوَ مشغولٌ بنفسِهِ . حن ومِنْ لطائفِ الرياضةِ إذا كانَ المريدُ لا يسخو بتركِ الرعونةِ رأساً ، أوْ بتركِ صفةٍ أخرى ، ولمْ يسمحُ بضدِّها دفعةً .. فينبغي أنْ ينقلَهُ مِنَ الخلُقِ المذمومِ إلى خُلقٍ مذموم آخرَ أخفَّ منهُ ؛ كالذي يغسلُ الدمَ بالبولِ ، ثمّ يغسلُ البولَ بالماء ، إذا كانَ الماءُ لا يزيلُ الدمَ ، كما يُرغَّبُ الصبيُّ في المكتبِ باللعبِ بالكرةِ والصولجانِ وما أشبَهَهُ ، ثمَّ يُنقلُ مِنَ اللعبِ إلى الزينةِ وفاخرِ الثيابِ ، ثمَّ يُنقلُ مِنْ ذلكَ بالترغيبِ في الرئاسةِ وطلبِ الجاهِ ، ثُمَّ يُنقلُ مِنَ الجاهِ بالترغيبِ في الآخرةِ ؛ فكذلكَ مَنْ لمْ تسمحْ نفسُهُ بترْكِ الجاهِ دفعةً .. فليُنقلْ إلى جاهِ أخفَّ منهُ، وكذلكَ سائرُ الصفاتِ . قمة ٢١٩ جري كتاب رياضة النفس ربع المهلكات وكذلكَ إنْ رأىْ شَرَهَ الطعام غالباً عليهِ .. ألزمَهُ الصومَ وتقليلَ الطعامِ ، ثمَّ يكلِّفُهُ أنْ يهِّىءَ الأطعمةَ اللذيذةَ ويقدِّمَها إلى غيرِهِ وهوَ لا يأكلُ منها ، حتَّى يقوِّيَ بذلكَ نفسَهُ ، فيتعوَّدَ الصبرَ وينكسرَ شَرَهُهُ . وكذلكَ إذا رآهُ شابّاً متشوِّقاً إلى النكاحِ وهوَ عاجزٌ عنِ الطَّولِ، فيأمرُهُ بالصومِ ، وربَّما لا تسكنُ شهوتُهُ بذلكَ ، فيأمرُهُ أنْ يفطرَ ليلةً على الماءِ دونَ الخبزِ ، وليلةً على الخبزِ دونَ الماءِ ، ويمنعُهُ اللحمَ والأدْمَ رأساً ، حتَّى تذلَّ نفسُهُ، وتنكسرَ شهوتُهُ، فلا علاجَ في مبدأِ الإرادةِ أنفعُ مِنَ الجوعِ . وإنْ رأى الغضبَ غالباً عليهِ .. ألزمَهُ الحِلْمَ والسكوتَ، وسلَّطَ عليهِ مَنْ يصحبُهُ ممَّنْ فيهِ سوءُ خلقٍ ، ويلزمُهُ خدمةَ مَنْ ساءَ خلقُهُ؛ حتَّى يُمرِّنَ نفسَهُ على الاحتمالِ معَهُ ، كما حُكِيَ عنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ كانَ يعوِّدُ نفسَهُ الحِلْمَ ، ويزيلُ عنْ نفسِهِ شدَّةَ الغضبِ ، فكانَ يستأجرُ مَنْ يشتمُهُ على ملأٍ مِنَ الناسِ ، ويكلِّفُ نفسَهُ الصبرَ ، ويكظمُ غيظَهُ ، حتَّى صارَ الحِلْمُ عادةً لهُ ، بحيثُ كانَ يُضربُ بهِ المثلُ . وبعضُهُمْ كانَ يستشعرُ في نفسِهِ الجبنَ وضعفَ القلبِ ، فأرادَ أنْ يحصلَ لنفسِهِ خلُقَ الشجاعةِ ، فكانَ يركبُ البحرَ في الشتاءِ عندَ اضطرابِ الأمواجِ . ب وعبَّادُ الهندِ يعالجونَ الكسلَ عنِ العبادةِ بالقيامِ طَوالَ الليلِ على نصبةٍ واحدةٍ . وبعضُ الشيوخ في ابتداءِ إرادتِهِ كانَ يكسلُ عنِ القيامِ ، فألزمَ نفسَهُ القيامَ ٢٢٠ حن حن +خ