النص المفهرس
صفحات 181-200
ربع المهلكات كتاب رياضة النفس وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أحبَّكُمْ إليَّ وأقربَكُمْ منِّي مجلساً يومَ القيامةِ أحاسنُكُمْ أخلاقاً »(١) . حة وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ مَنْ لمْ تكنْ فيهِ أوْ واحدةٌ منهُنَّ فلا تعتدُّنَّ بشيءٍ مِنْ عملِهِ : تقوى تحجزُهُ عَنْ معاصي اللهِ ، أَوْ حِلمٌ يَكُفتُّ بهِ السّفيهَ ، أَوْ خلقٌ يعيشُ بهِ في الناسِ)) (٢) . وكانَ مِنْ دعائِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في افتتاحِ الصلاةِ: ((اللهمَّ ؛ اهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنتَ ، واصرفْ عِّي سيَِّها لا يصرفُ عنِّي سيَّها إلا أنتَ))(٣). وقالَ أسٌ: (( بينما نحنُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً إذْ قالَ: ((إنَّ حسنَ الخلقِ ليذيبُ الخطيئةَ كما تذيبُ الشمسُ الجليدَ)) (٤). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مِنْ سعادةِ المرءِ حسنُ الخلُقِ))(٥) ٠ (١) رواه الترمذي (٢٠١٨) ضمن خبر، وكما أورده المصنف رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق )) ( ٢٣ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) ( ٥٥)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٩)، وقد رواه الطبراني في «الكبير» (٣٠٧/٢٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها . (٣) رواه مسلم ( ٧٧١) . (٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤١)، ورواه البيهقي في (( الشعب)) (٧٦٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٥) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤٢)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٦٧٩) من حديث جابر رضي الله عنه . ١٨١ كتاب رياضة النفس ٥٫ جو جومى ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الْيُمْنُ حسْنُ الخلُقِ))(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لأبي ذرٍّ: (( يا أبا ذرِّ ؛ لا عقلَ كالتدبيرِ ، ولا حسَبَ كحسنِ الخلقِ»(٢). وعنْ أنسٍ قالَ : قَالَتْ أم حبيبةَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أرأيتَ المرأةَ منَّا يكونُ لها زوجانِ في الدنيا ، فتموتُ ويموتانِ ، ويدخلونَ الجنَّةَ، لأيَّهِما هيَ؟ قالَ: ((لأحسنِهِما خُلُقاً كانَ عندَها في الدنيا ، يا أمَّ حبيبةً ؛ ذهبَ حسْنُ الخلقِ بخيري الدنيا والآخرةِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المسلمَ المسدَّدَ ليدركُ درجةَ الصائمِ القائمِ بحسْنِ خلقِهِ وكرم ضريبتِهِ))(٤)، وفي روايةٍ: «درجةَ الظمآنِ في الهواجرِ ))(٥) . (١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤٣)، والقضاعي في (( مسند الشهاب)) (٥٤ ) من حديث عائشة رضي الله عنها . كن (٢) رواه ابن ماجه ( ٤٢١٨). (٣) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (١٢١٣)، والخرائطي في (( مكارم الأخلاق)» (٥٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢٢/٢٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٧١/٥) . (٤) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) ( ٥٣ ، ٦٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، والضريبة : الطبيعة . (٥) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . جن جن حن حن قارة ١٨٢ ربع المهلكات ٥٥٥ج كتاب رياضة النفس ن وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ سمرةَ : كنَّا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((إنِّي رأيتُ البارحةَ عجباً ، رأيتُ رجلاً مِنْ أمَّتي جاثياً على ركبتيهِ ، وبينَهُ وبينَ اللهِ حجابٌ، فجاءَ حسْنُ خلقِهِ فأدخلَّهُ على اللهِ تعالى))(١) . وقالَ أنسٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العبدَ ليبلغُ بحسْنِ خلقِهِ عظيمَ درجاتِ الآخرةِ وشرفَ المنازلِ وإنَّهُ لضعيفٌ في العبادةِ))(٢) . ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ استأذنَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعندَهُ نساءٌ مِنْ نساءِ قريشٍ يكلمنَهُ ويستكثرنَهُ عاليةٌ أصواتُهُنَّ على صوتِهِ ، فلمَّا استأذنَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ .. تبادرنَ الحجابَ ، فدخلَ عمرُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يضحكُ ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: أضحكَ اللهُ سنَّكَ، بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (( عجبتُ لهؤلاءِ اللاتي كُنَّ عندي! لمَّا سمعنَ صوتَكَ .. تبادرنَ الحجابَ)) ، فقالَ عمرُ : أنتَ كنتَ أحقَّ أنْ يهبنَكَ يا رسولَ اللهِ ، ثمَّ أقبلَ عليهِنَّ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : أيْ عدوَّاتِ أنفسِهِنَّ؛ أتهبنَي ولا تهبنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! قلنَ : نعمْ ، أنتَ أغلظُ وأفظُّ مِنْ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إيهاً يا بنَ الخطابِ ، والذي نفسي بيدِهِ ؛ ما لقيَكَ (١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( مداراة الناس)) (٨١)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٦١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٦٠/١). ١٨٣ ـكن -دن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات الشيطانُ قطُّ سالكاً فجّاً إِلَّ سلكَ فجّاً غيرَ فجِّكَ)) (١) . ٠ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( سوءُ الخلُقِ ذنبٌ لا يُغفرُ، وسوءُ الظَّنِّ خطيئةٌ نتوجٌ))(٢). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ العبدَ ليبلغُ مِنْ سوءِ خلقِهِ أسفلَ دَرَكٍ جهنَّمَ))(٣). الآثارُ : قالَ ابنُ لقمانَ الحكيمِ لأبيهِ : يا أبتِ ؛ أيُّ الخصالِ مِنَ الإنسانِ خيرٌ ؟ قالَ : الدينُ ، قالَ : فإذا كانَتِ اثنتينٍ ؟ قالَ : الدينُ والمالُ، قالَ : فإذا كانَتْ ثلاثاً ؟ قالَ : الدينُ والمالُ والحياءُ ، قالَ : فإذا كانَتْ أربعاً ؟ قالَ : الدينُ والمالُ والحياءُ وحسنُ الخلقِ ، قالَ : فإذا كانَتْ خمساً ؟ قالَ : الدينُ والمالُ والحياءُ وحسْنُ الخلقِ والسخاءُ ، قالَ : فإذا كانَتْ ستّاً ؟ قالَ : حن (١) رواه البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم ( ٢٣٩٧)، ولفظ المصنف عند الخرائطي في ((مكارم الأخلاق )) ( ٦٦ ) . (٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٧) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، ونتوج: تنتج الشرور، وهذا المعنى رواه الطبراني في (( الصغير)) (٢٠٠/١) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: (( ما من شيء إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق ؛ فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه)) . (٣) هو بعض حديث: ((إن العبد ليبلغ بحسن خلقه ... )) المتقدم. ١٨٤ جن ثم ربع المهلكات كتاب رياضة النفس يا بنيَّ ؛ إذا اجتمعَتْ فيهِ الخمسُ الخصالُ .. فهوَ تقيٌّ نقيٌّ، للهِ وليٌّ ، ومِنَ الشيطانِ بريٌّ(١) . وقالَ الحسنُ : ( مَنْ ساءَ خلقُهُ .. عذَّبَ نفسَهُ)(٢). وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : ( إنَّ العبدَ ليبلغُ بحسْنِ خلقِهِ أعلى درجةٍ في الجنَّةِ وهوَ غيرُ عابدٍ، ويبلغُ بسوءِ خلقِهِ أسفلَ درَكٍ في جهنَّمَ وهوّ عابدٌ )(٣). 2 وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( في سعةِ الأخلاقِ كنوزُ الأرزاقِ )(٤) . وقالَ وهبُ بنُ منبهٍ : ( مثلُ السِّىءِ الخلقِ كمثلِ الفخَّارةِ المكسورةِ ، لا تُرقِعُ ، ولا تعادُ طيناً ) . وقالَ الفضيلُ : ( لأَنْ يصحبَني فاجرٌ حسنُ الخلقِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يصحبَني عابدٌ سِىءُ الخلقِ)(٥) . وصحبَ ابنَ المباركِ رجلٌ سيِِّىءُ الخلقِ في سفرٍ ، فكانَ يحتملُ منهُ ويداريهِ ، فلمَّا فارقَهُ .. بكى ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : بكيتُهُ رحمةً لهُ ، فارقتُهُ وخلقُهُ معَهُ لمْ يفارقْهُ . (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٩٠)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٧٦٨٣ ) . (٣) تقدم قريباً من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً . (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٥) من غير نسبة . (٥) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٦٤ ). ١٨٥ ئن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات وقالَ الجنيدُ : ( أربعٌ ترفعُ العبدَ إلى أعلى الدرجاتِ وإنْ قلَّ عملُهُ وعلمُهُ ؛ الحلمُ، والتواضعُ، والسخاءُ ، وحسْنُ الخلقِ ، وهوَ كمالُ الإيمانِ )(١). وقالَ الكتانيُّ : ( التصوُّفُ خلقٌ، فَمَنْ زادَ عليكَ في الخلقِ .. زادَ عليكَ في التصوُّفِ )(٢) . ٢°م وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( خالطوا الناسَ بالأخلاقِ ، وزايلوهُمْ بالأعمالِ )(٣) . وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( سوءُ الخلقِ سيئةٌ لا تنفعُ معها كثرةُ الحسناتِ ، وحسْنُ الخلقِ حسنةٌ لا تضرُّ معَها كثرةُ السيئاتِ)(٤) . وسُئلَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ما الكرمُ ؟ فقالَ : هوَ ما بيَّنَ اللهُ في كتابِهِ العزيزِ: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾، قيلَ: فما الحسبُ ؟ قالَ : أحسنُكُمْ خُلُقاً أفضلُكُمْ حسبً(٥) . حن ٢ وقيلَ: ( لكلِّ بنيانٍ أساسٌ ، وأساسُ الإسلام حسْنُ الخلقِ )(٦) . ـحن (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٤٠). (٢) رواه القشيري في ((رسالته)) ( ص٤١٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) ( ٢١). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٤١). (٥) رواه البخاري في (( الأدب المفرد)» ( ٨٩٩). (٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٠/٣) من كلام عكرمة رحمه الله تعالى . ١٨٦ ربع المهلكات كتاب رياضة النفس وقالَ ابنُ عطاءٍ : ( ما ارتفعَ مَنِ ارتفعَ إلا بالخُلقِ الحسنِ ، ولمْ ينلْ أحدٌ كمالَهُ إلا المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقربُ الخلْقِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ السالكونَ آثارَهُ بحسْنِ الخُلُقِ )(١). حن (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٤١). ســ :3 ١٨٧ متوب کتاب رياضة النفس ربع المهلكات بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق اعلمْ : أنَّ الناسَ قدْ تكلّموا في حقيقةِ حسْنِ الخلقِ ، وأنَّهُ ما هوَ ؟ وما تعرَّضوا لحقيقتِهِ، وإنَّما تعرَّضوا لثمرتِهِ ، ثمَّ لمْ يستوعبوا جميعَ ثمراتِهِ ، بلْ ذكرَ كلُّ واحدٍ مِنْ ثمراتِهِ ما خطرَ لهُ ، وما كانَ حاضراً في ذهنِهِ ، ولمْ يصرفوا العنايةَ إلى ذكرِ حدِّهِ ، وحقيقتِهِ المحيطةِ بجميع ثمراتِهِ على التفصيلِ والاستيعابِ ، وذلكَ كقولِ الحسنِ : ( حسْنُ الخلقِ بسطٌ الوجهِ ، وبذلُ الندى، وكفُّ الأذى)(١) . %G وقالَ الواسطيُّ : (هوَ ألا يخاصمَ ولا يُخاصمَ مِنْ شدَّةِ معرفتِهِ باللهِ تعالى )(٢). وقالَ شاهٌ الكرمانيُّ: (هوَ كفُّ الأذى، واحتمالُ المؤنِ)(٣). وقالَ بعضُهُمْ : ( هوَ أنْ يكونَ مِنَ الناسِ قريباً ، وفيما بينَهُمْ غريباً ) (٤) . وقالَ الواسطيُّ مرَّةً: ( هوَ إرضاءُ الخلْقِ في السرَّاءِ والضرَّاءِ )(٥) (١) رواه الترمذي (٢٠٠٥) عن عبد الله بن المبارك . (٢) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٠). (٣) أورده القشيري في (( رسالته)) (ص٤١١). (٤) أورده القشيري في (( رسالته)) (ص٤١٣). (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٦) وفيه: ( حسن الخلق أرضى الخلق في السراء والضراء ) . ١٨٨ ربع المهلكات کتاب رياضة النفس وقالَ أبو عثمانَ: (هوَ الرضا عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١). وسُئِلَ سهلٌ التستريُّ عنْ حَسْنِ الخلُقِ فقالَ : ( أدناهُ الاحتمالُ، وتركُ المكافأةِ، والرحمةُ للظالم، والاستغفارُ لهُ، والشفقةُ عليه)(٢). وقالَ مرَّةٌ : ( ألاَّ تتهمَ الحقَّ في الرزقِ ، وتثقَ بهِ ، وتَسَكنَ إلى الوفاءِ بما ضمنَ ، فتطيعُهُ ولا تعصيهِ في جميع الأمورِ فيما بينَكَ وبينَهُ ، وفيما بينَكَ وبينَ الخلقِ )(٣) . وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( حسْنُ الخلقِ في ثلاثِ خصالٍ : اجتنابُ المحارم ، وطلبُ الحلالِ ، والتوسعةُ على العيالِ )(٤). وقالَ الحسينُ بنُ منصورِ : ( هوَ ألا يؤثرَ فيكَ جفاءُ الخلْقِ بعدَ مطالعتِكَ للحقِّ )(٥) . وقالَ أبو سعيدٍ الخرّازُ : ( هوَ ألا يكونَ لك همَّةٌ غيرَ اللهِ تعالى )(٦). فهذا وأمثالُهُ كثيرٌ ، وهو تعرُّضٌ لثمراتِ حسْنِ الخلقِ لا لنفسِهِ ، ثمَّ (١) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٨). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٩). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٣٩). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٤٠). (٥) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٠ ). (٦) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٠). ق ١٨٩ کتاب رياضة النفس ربع المهلكات ـكن ليسَ هوَ محيطاً بجميع الثمراتِ أيضاً(١) ، وكشفُ الغطاءِ عن الحقيقةِ أولى مِنْ نقلِ الأقاويلِ المختلفةِ . فنقولُ : الخلْقُ والخلُقُ عبارتانِ مستعملتانِ معاً ، يقالُ : ( فلانٌ حسنٌ الخلْقِ والخلُقِ ) أيْ : حسنُ الظاهرِ والباطنِ ، فيُرادُ بالخلْقِ الصورةُ الظاهرةُ ، ويُرادُ بالخُلُقِ الصورةُ الباطنةُ ، وذلكَ لأَنَّ الإنسانَ مركَّبٌ مِنْ جسدٍ مدرَكٍ بالبصرِ ، ومِنْ روحٍ ونفسٍ مدرَكةٍ بالبصيرةِ ، ولكلِّ واحدٍ منهُما هيئةٌ وصورةٌ ؛ إمَّا قبيحةٌ ، وإمّا جميلةٌ . والنفسُ المدركَةُ بالبصيرةِ أعظمُ قدراً مِنَ الجسدِ المدرَكِ بالبصرِ ، ولذلكَ عظَمَ اللهُ تعالى أمرَهُ بإضافتِهِ إِليهِ إذْ قالَ تعالى: ﴿إِنِ خَلِقٌ بَشَرًّا مِنِ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْلَمُ سَجِدِينَ﴾، فنَّهَ على أنَّ الجسدَ منسوبٌ إلى الطينِ ، والروحَ إلى ربِّ العالمينَ ، والمرادُ بالروحِ والنفسِ في هذا المقام واحدٌ . فالخلُقُ : عبارةٌ عنْ هيئةٍ في النفسِ راسخةٍ ، عنها تصدُرُ الأفعالُ بسهولةٍ ويسرٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى فكرٍ ورويَّةٍ . ـحر حن ـون (١) والعذر لهم في ذلك : أن الأخلاق لها ثمرات كثيرة ، ومكارمها غير محصورة ، وإحاطتها في جملة واحدة متعسرة ، ولها مراتب عليا وسفلى ، وبينهما أوساط ، وكل قد أشار إلى مرتبة من مراتبها بحسب الاقتضاء. ((إتحاف)) (٣٢٦/٧). ١٩٠ ربع المهلكات کتاب رياضة النفس فإنْ كانَتِ الهيئةُ بحيثُ تصدرُ عنها الأفعالُ الجميلةُ المحمودةُ عقلاً وشرعاً .. سُمِّيَتْ تلكَ الهيئةُ خُلُقاً حسناً . وإنْ كانَ الصادرُ عنها الأفعالَ القبيحةَ .. سُمِّيَتِ الهيئةُ التي هيَ المصدرُ خُلُقاً سيئاً . وإنَّما قلنا : ( إنَّها هيئةٌ راسخةٌ ) لأنَّ مَنْ يصدرُ منهُ بِذْلُ المالِ على الندورِ لحاجةٍ عارضةٍ .. لا يُقالُ: ( خلقُهُ السخاءُ ) ما لمْ يثبتْ ذلكَ في نفسِهِ ثبوتَ رسوخٍ . 3 هـ وإنَّما اشترطنا أنْ تصدرَ منهُ الأفعالُ بسهولةٍ مِنْ غيرِ رويَّةٍ لأنَّ مَنْ تكلَّفَ بذْلَ المالِ أوِ السكوتَ عندَ الغضبِ بجهْدٍ ورويَّةٍ .. لا يُقالُ: ( خلقُهُ السخاءُ والحِلْمُ ) . فهلهنا أربعةُ أمورٍ : أحدُها : فعلُ الجميلِ والقبيحِ . والثاني : القدرةُ عليهما . والثالثُ : المعرفةُ بهما . والرابعُ : هيئةٌ للنفسِ بها تميلُ إلى أحدِ الجانبينِ ، ويتيسَرُ عليها أحدُ الأمرينِ ، إمَّا الحسنُ وإمَّ القبيحٌ . وليسَ الخُلُقُ عبارةً عنِ الفعلِ : فرَّ شخصٍ خلقُهُ السخاءُ ولا يبذُلُ ، ١٩١ في حن حن کتاب رياضة النفس ربع المهلكات إمَّا لفقدِ المالِ أوْ لمانع، وربما يكونُ خلقُهُ البخلَ وهوَ يبذِلُ إمَّا لباعثٍ أوْ الرياءٍ . وليسَ هوَ عبارةً عنِ القوَّةِ: لأنَّ نسبةَ القوَّةِ إلى الإمساكِ والإعطاءِ بلْ إلى الضدينِ واحدٌ ، وكلُّ إنسانٍ خُلِقَ بالفطرةِ قادراً على الإعطاءِ والإمساكِ ، وذلكَ لا يوجبُ خُلُقَ البخلِ ولا خُلُقَ السخاءِ . وليسَ عبارةً عنِ المعرفةِ : فإنَّ المعرفةَ تتعلَّقُ بالجميلِ والقبيح جميعاً على وجهٍ واحدٍ . بلْ هوَ عبارةٌ عنِ المعنى الرابع ، وهوّ الهيئةُ التي بها تستعدُّ النفسُ لأنْ يصدرَ منها الإمساكُ أوِ البذلُ ، فالخُلُقُ إذاً عبارةٌ عنْ هيئةِ النفسِ وصورتها الباطنة . وكما أنَّ حسْنَ الصورةِ الظاهرةِ مطلقاً لا يتمُّ بحسْنِ العينينِ دونَ الأنفِ والفمِ والخدِّ ، بلْ لا بدَّ مِنْ حسْنِ الجميع ليتمَّ حسنُ الظاهرِ .. فكذلكَ في الباطنِ أربعةُ أركانٍ لا بدَّ مِنَ الحسنِ في جميعِها حتَّى يتمَّ حسْنُ الخلقِ ، فإذا استوتِ الأركانُ الأربعةُ ، واعتدلَتْ وتناسبَتْ .. حصلَ حسْنُ الخلقِ ، وهوَ قوَّةُ العلمِ ، وقوَّةُ الغضبِ ، وقوَّةُ الشهوةِ ، وقوَّةُ العدْلِ بينَ هذهِ القوى الثلاثِ . حن حن ـكن c أمَّا قوَّةُ العلم : فحسنُها وصلاحُها في أنْ تصيرَ بحيثُ يسهلُ بها درْكُ الفرقِ بينَ الصدْقِ والكذبِ في الأقوالِ ، وبينَ الحقِّ والباطلِ في ب حن ق ١٩٢ مثن ش جن فن حن دن حن ربع المهلكات كتاب رياضة النفس الاعتقاداتِ ، وبينَ الجميلِ والقبيح في الأفعالِ ، فإذا صلحَتْ هذهِ القوَّةُ .. حصلَ منها ثمرةُ الحكمةِ ، والحكمةُ رأسُ الأخلاقِ الحسنةِ ، وهي التي قالَ اللهُ تعالى فيها: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وأمَّا قوَّةُ الغضبِ : فحسنُها في أنْ يصيرَ انقباضُها وانبساطُها على حدٍّ ما تقتضيهِ الحكمةُ . حن وكذلكَ الشهوةُ : حسنُها وصلاحُها في أنْ تكونَ تحتَ إشارةِ الحكمةِ ؛ أعني : إشارةَ الدينِ والعقلِ . وأمَّا قوَّةُ العدْلِ : فهوَ ضبْطَ الغضبِ والشهوةِ تحتّ إشارةِ العقلِ والشرع(١). فالعقلُ مثالُهُ مثالُ الناصح المشيرِ ، وقوَّةُ العدلِ هيَ القدرةُ ، ومثالُها مثالُ المنفذِ الممضي لإشارةِ العقلِ ، والغضبُ هوَ الذي تنفذُ فيهِ الإشارةُ ، ومثالُهُ مثالُ كلبِ الصيدِ ؛ فإنَّهُ يحتاجُ إلى أن يؤذَّبَ حتَّى يكونَ استرسالُهُ وتوقفُهُ بحسَبِ الإشارةِ لا بحسَبِ هيجانِ شهوةِ النفسِ ، والشهوةُ مثالُها مثالٌ الفرسِ الذي يُركبُ في طلبِ الصيدِ ؛ فإنَّهُ تارةً يكونُ مروضاً مؤدّباً ، وتارةً يكونُ جموحاً . فمنِ استوَتْ فيهِ هذِهِ الخصالُ واعتدلَتْ .. فهوَ حسَنُ الخلقِ مطلقاً . ومَنِ اعتدلَ فيهِ بعضُها دونَ بعضٍ .. فهوَ حسَنُ الخلقِ بالإضافةِ إلى ذلكَ (١) وعن العدل بين هذه القوى وسّع المصنف الكلام في ((ميزان العمل)) (ص٢٧٢). ١٩٣ حن کتاب رياضة النفس ربع المهلكات المعنى خاصةً ؛ كالذي يحسُنُ بعضُ أجزاءٍ وجهِهِ دونَ بعضٍ . وحسْنُ القوَّةِ الغضبيَّةِ واعتدالُها يُعبَّرُ عنها بالشجاعةِ ، وحسْنُ قوَّةِ الشهوةِ واعتدالُها يُعبَّرُ عنها بالعقَّةِ ، فإنْ مالَتْ قوَّةُ الغضبِ عنِ الاعتدالِ إلى طرفٍ الزيادةِ تُسمَّى تهوُّراً ، وإنْ مالَتْ إلى الضعفِ والنقصانِ تُسمَّى جبناً وخَوَراً ، وإنْ مالَتْ قوَّةُ الشهوةِ إلى طرفِ الزيادةِ تُسمَّى شَرَهاً، وإنْ مالَتْ إلى النقصانِ تُسمَّى جموداً ، والمحمودُ هوَ الوسطُ ، وهوَ الفضيلةُ، والطرفانِ رذيلتانِ مذمومتانِ . والعدلُ إذا فاتَ .. فليسَ لهُ طرفانٍ ؛ زيادةٌ ونقصانٌ ، بلْ لهُ ضدٌ واحدٌ ومقابلٌ ، وهوَ الجورُ . وأمَّا الحكمةُ .. فيُسمَّى إفراطُها عندَ الاستعمالِ في الأغراضِ الفاسدةِ خِباً ودهاءً وجَرْبَزَةً(١) ، ويُسمَّى تفريطُها بَلَهاً، والوسطُ هوَ الذي يختصُّ باسمِ الحكمةِ . حز مئز فإذاً ؛ أمهاتُ الأخلاقِ وأصولُها أربعةٌ : الحكمةُ، والشجاعةُ ، والعقَّةُ ، والعدْلُ . من حن ونعني بالحكمةِ : حالةً للنفسِ بها يُدرَكُ الصوابُ مِنَ الخطأِ في جميع الأفعالِ الاختياريةِ . ش ش من حنى حن (١) الجريزة : الشطارة والخبث في المعاملة. ١٩٤ - فت ربع المهلكات کتاب رياضة النفس ونعني بالعدْلِ : حالةً للنفسِ وقوَّةً بها تسوسُ الغضبَ والشهوةَ ، وتحملُهُما على مقتضى الحكمةِ ، وتضبطُهُما في الاسترسالِ والانقباضِ على حسَبِ مقتضاها . ونعني بالشجاعةِ : كونَ قوَّةِ الغضبِ منقادةً للعقلِ في إقدامِها وإحجامِها . ونعني بالعقَّةِ : تأذُّبَ قوَّةِ الشهوةِ بتأديبِ العقلِ والشرعِ . فمِنِ اعتدالِ هذهِ الأصولِ الأربعةِ تصدرُ الأخلاقُ الجميلةُ كلُّها . 3 إذْ مِن اعتدالِ قوَّةِ العقلِ يصدُرُ حسنُ التدبيرِ ، وجودةُ الذهنِ ، وثقابةُ الرأيِ ، وإصابةُ الظنِّ، والتفطُّنُ لدقائقِ الأعمالِ وخفايا آفاتِ النفوسِ ، ومِنْ إفراطِها تصدرُ الجربزةُ ، والمكرُ ، والخداعُ ، والدهاءُ ، ومِنْ تفريطِها يصدرُ البلهُ، والغمارةُ، والحمْقُ ، والجنونُ ، وأعني بالغمارةِ : قلَّةَ التجربةِ في الأمورِ معَ سلامةِ التخيّلِ ، فقدْ يكونُ الإنسانُ غُمْراً في شيءٍ دونَ شيءٍ . والفرقُ بينَ الحمقِ والجنونِ : أنَّ الأحمقَ مقصودُهُ صحيحٌ ، ولكنْ سلوكُهُ للطريقِ فاسدٌ ، فلا تكونُ له رويَّةٌ صحيحةٌ في سلوكِ الطريقِ الموصلِ إلى الغرض ، وأمَّا المجنونُ .. فإنَّهُ يختارُ ما لا ينبغي أنْ يختارَ ، فيكونُ أصلُ اختيارِهِ وإيثارِهِ فاسداً . وأمَّا خلُقُ الشجاعةِ .. فيصدرُ منهُ الكرمُ ، والنجدةُ ، والشهامةُ ، وكِبْرُ ١٩٥ ثن كتاب رياضة النفس ربع المهلكات دن ٹں النفس(١)، والاحتمالُ، والحلمُ، والثباتُ، وكظمُ الغيظِ ، والوقارُ ، والتؤدةُ ، وأمثالُها ، وهيَ أخلاقُ محمودةٌ . وأمّا إفراطُها وهوَ التهؤُّرُ .. فيصدرُ منهُ الصلفُ، والبذْخُ ، والاستشاطةُ ، والتكبُّرُ، والعجْبُ . وأمَّا تفريطُها .. فيصدرُ منهُ المهانةُ، والذلَّةُ، والجزعُ، والخساسةُ ، وصغرُ النفسِ ، والانقباضُ عنْ تناولِ الحقِّ الواجبِ . وأمَّا خلقُ العفَّةِ .. فيصدرُ منهُ السخاءُ، والحياءُ، والصبرُ، والمسامحةُ ، والقناعةُ ، والورعُ، والطلاقةُ، والمساعدةُ، والظَّرْفُ ، وقلَّةُ الطمع . وأمَّا ميلُها إلى الإفراطِ أوِ التفريطِ .. فيصدرُ منهُ الحرْصُ، والشَّرَهُ، والوقاحةُ، والخبْثُ، والتبذيرُ، والتقتيرُ، والرياءُ، والهتكةُ، والمجانةُ، والعبثُ، والملَقُ، والحسَدُ ، والشماتةُ، والتذلُّلُ للأغنياءِ ، واستحقارُ الفقراءِ ، وغيرُ ذلكَ . فأمَّهاتُ محاسنِ الأخلاقِ هذهِ الفضائلُ الأربعةُ ، وهيَ الحكمةُ ، والشجاعةُ ، والعفةُ، والعدْلُ ، والباقي فروعُها . ولمْ يبلغْ كمالَ الاعتدالِ في هذهِ الأربع إلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ (١) أي: كبر همتها، والكبير الهمة هو الذي لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه . («إتحاف)) (٣٣٠/٧). ١٩٦ حر ن جن ثن حن تن حن جن ثن ربع المهلكات کتاب رياضة النفس حر وسلَّمَ ، والناسُ بعدَهُ متفاوتونَ في القرْبِ والبعدِ منهُ ، فكلُّ مَنْ قربَ منهُ في هذهِ الأخلاقِ فهوَ قريبٌ مِنَ اللهِ تعالى بقدْرِ قرِبِهِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وكلُّ مَنْ جمعَ كمالَ هذهِ الأخلاقِ .. استحقَّ أن يكون بينَ الخلقِ ملكاً مطاعاً يرجعُ الخلقُ كلُّهُمْ إليهِ ، ويقتدونَ بهِ في جميع الأفعالِ ، ومَنِ انفكَّ عنْ جملةِ هذهِ الأخلاقِ كلِّها ، واتصفَ بأضدادِها .. استحقَّ أنْ يخرِجَ مِنْ بينِ العبادِ والبلادِ ؛ فإنَّهُ قَدْ قربَ مِنَ الشيطانِ اللعينِ المبعَدِ ، فينبغي أنْ يُبْعَدَ ، كما أنَّ الأوَّلَ قريبٌ مِنَ المَلَكِ المقرَّبِ، فينبغي أنْ يُقتدى بهِ ويُتقرَّبَ إليهِ ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يُبعثْ إلا ليتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ كما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ(١). عے. وقد أشارَ القرآنُ إلى هذهِ الأخلاقِ في أوصافِ المؤمنينَ ، فقالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ هُمُ الْضَدِقُونَ﴾. فالإيمانُ باللهِ ورسولِهِ مِنْ غيرِ ارتيابٍ هوَ قوَّةُ اليقينِ ، وهوَ ثمرةُ العقلِ ومنتهى الحكمةِ ، والمجاهدةُ بالمالِ هوَ السخاءُ الذي يرجعُ إلى ضبْطِ قَوَّةِ الشهوةِ ، والمجاهدةُ بالنفسِ هيَ الشجاعةُ التي ترجعُ إلى استعمالِ قوَّةِ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨١/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٦١٣/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٢/١٠). ١٩٧ كتاب رياضة النفس ربع المهلكات الغضبِ على شرْطِ العقلِ وحدِّ الاعتدالِ ، فقدْ وصفَ اللهُ تعالى الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ فقالَ: ﴿أَشِذُُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ للشدَّةِ موضعاً وللرحمةِ موضعاً ، فليسَ الكمالُ في الشدَّةِ بكلِّ حالٍ ، ولا في الرحمةِ بكلِّ حالٍ . فهذا بيانُ معنى الخلُقِ وحسنِهِ وقبحِهِ ، وبيانُ أركانِهِ وثمراتِهِ وفروعِهِ . ن ١٩٨ ربع المهلكات ٠٢٠ كتاب رياضة النفس حر بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة اعلمْ : أنَّ بعضَ مَنْ غلبَتِ البطالةُ عليهِ .. استثقلَ المجاهدةَ والرياضةَ ، والاشتغالَ بتزكية النفسِ وتهذيبِ الأخلاقِ ، فلمْ تسمحْ نفسُهُ بأنْ يكونَ ذلكَ؛ لقصورِهِ ونقصِهِ وخبْثِ دُخْلَتِهِ، فزعمَ أنَّ الأخلاقَ لا يُتصوَّرُ تغييرُها ، وأنَّ الطباعَ لا تتغيّرُ ، واستدلَّ فيهِ بأمرينِ : أحدُهُما : أنَّ الخلُقَ هوَ صورةُ الباطنِ ، كما أنَّ الخَلْقَ هوَ صورةٌ الظاهرِ ، فالخلقةُ الظاهرةُ لا يُقدَرُ على تغييرِها ، فالطويلُ لا يقدرُ أنْ يجعلَ نفسَهُ قصيراً، ولا القصيرُ يقدرُ أنْ يجعلَ نفسَهُ طويلاً ، ولا القبيحُ يقدرُ على تحسينِ صورتِهِ ؛ فكذلكَ القبحُ الباطنُ يجري هذا المجرى . والثاني : أنَّهُمْ قالوا : حسنُ الخلقِ إنَّما يحصلُ بقمع الشهوةِ والغضبِ ، وقدْ جرَّبنا ذلكَ بطولِ المجاهدةِ ، وعرفنا أنَّ ذلكَ مِن مقتضى المزاجِ والطبعِ ، وأنَّهُ قطُ لا ينقطعُ عنِ الآدميِّ، فاشتغالُهُ بهِ تضييعُ زمانٍ بغيرِ فائدةٍ ؛ فإنَّ المطلوبَ هوَ قطعُ التفاتِ القلبِ إلى الحظوظِ العاجلةِ ، وذلكَ محالٌ وجودُهُ . فنقولُ : لوْ كانَتِ الأخلاقُ لا تقبلُ التغييرَ .. لبطلَتِ الوصايا والمواعظُ ٣٨٩٠٠٠ ١٩٩ دن ہے كن حن --.... كتاب رياضة النفس ربع المهلكات والتأديباتُ، ولما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حسِّنوا أخلاقَكُمْ))!(١). ـجو: مو وكيفَ يُنكرُ هذا في حقِّ الآدميِّ وتغييرُ خلُقِ البهيمةِ ممكنٌ؛ إذْ يُنقلُ البازي مِنَ الاستيحاشِ إلى الأنْسِ ، والكلبُ مِنْ شَرَهِ الأكلِ مِنَ الصيدِ إلى التأذُّبِ والإمساكِ والتخليةِ ، والفرسُ مِنَ الجماحِ إلى السلاسةِ والانقيادِ ، وكلُّ ذلكَ تغييرٌ للأخلاقِ ؟! والقولُ الكاشفُ للغطاءِ عنْ ذلكَ أنْ نقولَ : الموجوداتُ منقسمةٌ : إلى ما لا مدخلَ لاختيارِ الآدميِّ في أصلِهِ وتفصيلِهِ ؛ كالسماءِ والكواكبِ ، بلْ أعضاءِ البدنِ داخلاً وخارجاً ، وسائرِ أجزاءِ الحيواناتِ ، وبالجملةِ : كلُّ ما هوَ حاصلٌ كاملٌ وقعَ الفراغُ مِنْ وجودِهِ وكمالِهِ . وإلى ما وُجِدَ وجوداً ناقصاً وجُعلَ فيهِ قوَّةٌ لقبولِ الكمالِ بعدَ أنْ وُجِدَ شرطُهُ، وشرطُهُ قدْ يرتبطُ باختيارِ العبدِ ؛ فإنَّ النواةَ ليسَتْ بتفاحٍ ولا نخلٍ ، إلا أنَّها خُلقَتْ خلقةٌ يمكنُ أنْ تصيرَ نخلةً إنِ انضافَتِ التربيةُ إليها ، ولا تصيرُ تفاحاً أصلاً ، ولا بالتربيةِ . (١) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو بكر بن لال في ((مكارم الأخلاق)) من حديث معاذ: ((يا معاذ؛ حسن خلقك للناس))، منقطع ورجاله ثقات). ((إتحاف)» (٣٣٢/٧)، ولا يخفى أن مراد المصنف مجمل الأخبار الآمرة بتحسين الخلق . وروى الطبراني في «الأوسط)) (٦٥٠٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦/ ٤٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي؛ حسِّنْ خلقك ولو مع الكفار .. تدخلْ مدخل الأبرار ، فإن كلمتي سبقت لمن حسَّنَ خلقه أن أظلَّه تحت عرشي ... )) الحديث . ٢٠٠ wwwWY