النص المفهرس
صفحات 101-120
ربع المهلكات والتطاردُ بينَ جندي الملائكةِ والشياطينِ في معركةِ القلبِ دائمٌ إلى أنْ ينفتحَ القلبُ لأحدِهِمِا ، فيستوطنُ ويستمكنُ ، ويكونُ اجتيازُ الثاني اختلاساً . وأكثرُ القلوبِ قدْ فتحتْها جنودُ الشيطانِ وتملَّكتْها ، فامتلأَتْ بالوساوسِ الداعيةِ إلى إيثارِ العاجلةِ واطِّراح الآخرةِ ، ومبدأُ استيلائها اتباعُ الشهواتِ والهوى ، ولا يمكنُ فتحُها بعدَ ذلكَ إلا بتخليةِ القلبِ عنْ قوتِ الشيطانِ ، وهوَ الهوى والشهواتُ ، وعمارتِهِ بذكرِ اللهِ تعالى الذي هوَ مطرحُ أثرٍ الملائكةِ . مكن ھيـ قالَ جريرُ بنُ عبيدةَ العدويُّ : شكوتُ إلى العلاءِ بنِ زيادٍ ما أجدُ في صدري مِنَ الوسوسةِ ، فقالَ : إنَّما مثلُ ذلكَ مثلُ البيتِ الذي يمرُّ بهِ اللصوصُ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ .. عالجوهُ، وإلا .. مضوا وتركوهُ(١). 13 ٨ يعني : أنَّ القلبَ الخاليَ عنِ الهوى لا يدخلُهُ الشيطانُ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾، فكلُّ مَنِ اتبعَ الهوى فهوَ عبدُ الهوى لا عبدُ اللهِ ، ولذلكَ سلَّطَ اللهُ عليهِ الشيطانَ. .27 15 وقدْ قالَ تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ آَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُ﴾ إشارةً إلى أنَّ مَنِ الهوىُ إلَهُهُ ومعبودُهُ .. فهوَ عبدُ الهوىُ لا عبدُ اللهِ . وقالَ عثمانُ بنُ أبي العاصِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا رسولَ اللهِ ؛ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٥/٢). مو ١٠١ كن كن حن حن حن حن كة. كتاب عجائب القلب ـحة بسسى كتاب عجائب القلب ربع المهلكات حن حالَ الشيطانُ بيني وبينَ صلاتي وقراءتي، فقالَ: ((ذلكَ شيطانٌ يُقالُ لهُ : خَتْزَبٌّ، فإذا أحسسْتَهُ .. فتعوَّذْ باللهِ منهُ واتفلْ عنْ يسارِكَ ثلاثاً )) ، قالَ : ففعلتُ ذلكَ ، فأذهبَهُ اللهُ عنِّي (١) . وفي الخبرِ : ((إنَّ للوضوءِ شيطاناً يقالُ لهُ : الولهانُ ، فاستعيذوا باللهِ منهُ))(٢) . ولا يمحو وسوسةَ الشيطانِ مِنَ القلبِ إلا ذكرُ ما سوىُ ما يوسوسُ بهِ ؛ لأنَّهُ إذا حضرَ في القلبِ ذكرُ شيءٍ .. انعدمَ منهُ ما كانَ فيهِ مِنْ قبلُ ، ولكنْ كلُّ شيءٍ سوى اللهِ تعالى وسوى ما يتعلَّقُ بهِ فيجوزُ أيضاً أنْ يكونَ مجالاً للشيطانِ ، فذكرُ اللهِ هوَ الذي يُؤْمنُ جانبُهُ، ويُعلمُ أنَّهُ ليسَ للشيطانِ فيهِ مجالٌ ، فلا يعالجُ الشيءُ إلا بضدِّهِ ، وضدُّ جميع وساوس الشيطانِ ذكرُ اللهِ بالاستعاذةِ ، والتبرِّي عنِ الحولِ والقوّةِ ، وهوَ معنى قولِكَ: ( أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ ) . وذلكَ لا يقدرُ عليهِ إلا المتقونَ ، الذينَ الغالبُ عليهِمْ ذكرُ اللهِ تعالى ، وإنَّما الشيطانُ يطوفُ عليهِمْ في أوقاتِ الفلتاتِ على سبيلِ الخلسةِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾ . جن جن جن حن أن حن حن حن عن وق (١) رواه مسلم ( ٢٢٠٣) . (٢) رواه الترمذي ( ٥٧)، وابن ماجه (٤٢١). ١٠٢ ربع المهلكات حن كتاب عجائب القلب وقالَ مجاهدٌ في معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قالَ : ( هوَ منبسطٌ على القلبِ، فإذا ذكرَ اللهَ تعالى .. خنسَ وانقبضَ ، وإذا غفلَ .. انبسطَ على قلبهِ)(١) . ؟ فالتطاردُ بينَ ذكرِ اللهِ تعالى ووسوسةِ الشيطانِ كالتطاردِ بينَ النور والظلام ، وبينَ الليلِ والنهارِ (٢)، ولتضادِّهِما قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَئِنُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الشيطانَ واضحٌ خطمَهُ على قلبِ ابنِ آدمَ ، فإِنْ هوَ ذكرَ اللهَ تعالى .. خنسَ ، وإنْ نسيَ ذكرَ اللهِ تعالى .. التقمَ قلبَهُ))(٣). حن % وقالَ ابنُ وضَّاحِ في حديثٍ ذكرَهُ: ( إذا بلغَ الرجلُ أربعينَ سنةً ولمْ يتبْ .. مسحَ الشيطانُ وجهَهُ بيدِهِ وقالَ: بأبي وجهُ مَنْ لا يفلحُ) (٤) . وكما أنَّ الشهواتِ ممتزجةٌ بلحْمِ ابنِ آدمَ ودمِهِ .. فسلطنةُ الشيطانِ أيضاً (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٥٥/٣٠/١٥)، والسياق في ((القوت)) (١١٣/١). (٢) فإذا جاء الليل .. ذهب النهار ، وبالعكس ، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهاراً كله، وآخر ضده. («إتحاف)) ( ٢٦٩/٧). (٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٣٠١)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٨٦/٣)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٨٦/٦) . (٤) كذا حكاه من حديث ابن وضاح ابنُ عبد ربه في ((العقد الفريد)) (١٨٥/٣)، وأنشد للبحتري : فإذا رأى إبليسُ غرَّةً وجهِهِ حيًّا وقالَ: فديتُ مَنْ لا يفلحُ ١٠٣ كتاب عجائب القلب جور جو جمع ربع المهلكات ساريةٌ في لحمِهِ ودمِهِ ، ومحيطةٌ بالقلبِ مِنْ جوانبِهِ ، ولذلكَ قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الشيطانَ يجري منِ ابنِ آدَمَ مجرى الدم ، فضيِّقوا مجاريَهُ بالجوع))(١) . وذلكَ لأنَّ الجوعَ يكسرُ الشهوةَ ، ومَجرى الشيطانِ الشهواتُ ، ولأجلٍ اكتنافِ الشهواتِ للقلبٍ مِنْ جوانبِهِ قالَ اللهُ تعالى إخباراً عنْ إبليسَ: ﴿لَأَقْعُدَدَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ نْ: ثُمَّ ◌َتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾ . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ الشيطانَ قعدَ لابنِ آدمَ بأطرقِهِ ، فقعدَ لهُ بطريقِ الإسلامِ فقالَ : أتسلمُ وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائِكَ ؟! فعصاهُ وأسلمَ ، ثمَّ قعدَ لهُ بطريقِ الهجرةِ فقالَ : أتهاجرُ فتدعُ أرضَكَ وسماءَكَ ؟! فعصاهُ وهاجرَ ، ثمَّ قعدَ له بطريقِ الجهادِ فقالَ : أتجاهدُ وهوَ جَهْدُ النفسِ والمالِ فتقاتلُ فتقتلُ فتنكحُ نساؤُكَ ويقسمُ مالُكَ ؟! فعصاهُ (١) رواه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٤) دون زيادة: ((فضيقوا مجاريه بالجوع))، قال الحافظ الزبيدي : ( وأنا أظن أن هذه الزيادة وقعت تفسيراً للحديث من بعض رواته، فألحقها به من روى عنه). ((إتحاف)) (١٩٤/٤)، ومعنى الزيادة صحيح كما لا يخفى؛ إذ الشبع مسلك ومدخل من مداخل الشيطان ، روى أحمد في (( الزهد » (٣٩٣)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٣٢٨/٢) عن ثابت البناني قال: (بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال له : ما هذه المعاليق التي أراها عليك ؟ قال : هذه الشهوات التي أصيب بها بني آدم ، فقال له يحيى عليه السلام : هل لي فيها شيء ؟ قال : لا ، قال : فهل تصيب مني شيئاً ؟ قال : ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر ، قال : هل غير ذا ؟ قال : لا ، قال : لا جرم! والله لا أشبع أبداً) ، وأول خطيئة وسوس بها الشيطان لبني آدم لقمة . ـدة خات ق ١٠٤ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وجاهدَ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((فمَنْ فعلَ ذلكَ فماتَ .. كانَ حقّاً على اللهِ أنْ يدخلَهُ الجنَّةَ))(١) . فذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معنى الوسوسةِ ، وهيَ هذهِ الخواطرُ التي تخطرُ للمجاهدِ أنَّهُ يُقتلُ وتُنْكحُ نساؤُهُ، وغيرُ ذلكَ ممَّا يصرفُهُ عنِ الجهادِ ، وهذهِ الخواطرُ معلومةٌ، فإذاً ؛ الوسواسُ معلومٌ بالمشاهدةِ ، وكلُّ خاطرٍ فلهُ سببٌّ ، ويفتقرُ إلى اسمِ يعرِّفُهُ، فاسمُ سببهِ الشيطانُ ، ولا يُتصوَّرُ أنْ ينفكَّ عنهُ آدميٌّ، وإنَّما يختلفونَ بعصيانِهِ ومتابعتِهِ ، ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((ما مِنْ أحدٍ إلا ولهُ شيطانٌ))(٢). فقدِ اتضحَ بهذا النوع مِنَ الاستبصارِ معنى الوسوسةِ والإلهام ، والمَلَكِ والشيطانِ ، والتوفيقِ والخذلانِ . فبعدَ هذا ؛ نظرُ مَنْ ينظرُ في ذاتِ الشيطانِ ، وأنَّهُ جسمٌ لطيفٌ أوْ ليسَ بجسم ، وإنْ كانَ جسماً فكيفَ يدخلُ بدنَ الإنسانِ ما هوَ جسمٌ .. فهذا الآنَ غيرُ محتاجٍ إليهِ في علمِ المعاملةِ ، بلْ مثالُ هذا الباحثِ عِنْ هذا كمثالٍ مَنْ دخلَتْ في ثيابِهِ حيَّةٌ وهوَ محتاجٌ إلى إزالتِها ودفع ضررِها ، فاشتغلَ بالبحثِ عنْ لونِها وشكلِها ، وطولِها وعرضِها ، وذلكَ عينُ الجهلِ . (١) رواه النسائي (٢١/٦) من حديث سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه مرفوعاً. (٢) رواه مسلم (٢٨١٤) . ١٠٥ كتاب عجائب القلب ـحة ربع المهلكات فمصادمةُ الخواطرِ الباعثةِ على الشرِّ قَدْ عُلمَتْ، ودلَّ ذلكَ على أنَّهُ عنْ سببٍ لا محالةَ ، وعُلمَ أنَّ الداعيَ إلى الشرِّ المحذورِ في المستقبلِ عدوٍّ، فقدْ عُرفَ العدوُّ لا محالةً، فينبغي أنْ يُشتغلَ بمجاهدتِهِ ، وقد عرَّفَ اللهُ سبحانَهُ عداوتَةُ في مواضعَ كثيرةٍ مِنْ كتابِهِ ؛ ليُؤْمنَ بهِ ويُحترزَ عنهُ، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَايَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾. وقالَ تعالى: ﴿أَلَّمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . فينبغي للعبدِ أنْ يشتغلَ بدفع العدوِّ عنْ نفسِهِ ، لا بالسؤالِ عنْ أصلِهِ ونسبهِ ومسکنِهِ . نعمْ ، ينبغي أنْ يسألَ عنْ سلاحِهِ ليدفعَهُ عنْ نفسِهِ ، وسلاحُ الشيطانِ الهوى والشهواتُ ، وذلكَ كافٍ للعالمينَ(١)، فأمَّا معرفةُ ذاتِهِ وصفاتِهِ وحقيقتِهِ - نعوذُ باللهِ منهُ - وحقيقةِ الملائكةِ .. فذلكَ ميدانُ العارفينَ المتغلغلينَ في علوم المكاشفاتِ ، فلا يحتاجُ في علمِ المعاملةِ إلى معرفتِهِ . بكن نعمْ ، ينبغي أنْ يعلمَ أنَّ الخواطرَ تنقسمُ إلى ما يُعلمُ قطعاً أنَّهُ داعٍ إلى الشرِّ ، فلا يخفى كونُهُ وسوسةً ، وإلى ما يُعلمُ أنَّه داع إلى الخيرِ ، فلا يشكُ في كونِهِ إلهاماً ، وإلى ما يتردّدُ فيهِ ، فلا يدري أنَّهُ مِنْ لَمَةِ المَلَكِ ، أَوْ مِنْ لَمةِ الشيطانِ ؟ فإنَّ مِنْ مكايدِ الشيطانِ أنْ يعرضَ الشرَّ في معرضِ الخيرِ ، ٩٠ حن حن حن (١) في غير (ج، د): (العاملين). 46 ١٠٦ حن حن حرة ----- ربع المهلكات ٥٠ به جومى كتاب عجائب القلب والتمييزُ في ذلكَ غامضٌ، وأكثرُ العبَّادِ بهِ يهلكونَ ؛ فإنَّ الشيطانَ لا يقدرُ على دعائِهِمْ إلى الشرِّ الصريح، فيصوِّرُ الشرَّ بصورةِ الخيرِ ؛ كما يقولُ للعالمِ بطريقِ الوعظِ : أما تنظرُ إلى الخلْقِ وهُمْ موتى مِنَ الجهلِ ، هلكى مِنَ الغفلةِ، قدْ أشرفوا على النارِ ؟! أمالكَ رحمةٌ على عبادِ اللهِ تنقذُهُمْ مِنَ المعاطبِ بنصحِكَ ووعظِكَ وقدْ أنعمَ اللهُ عليكَ بقلبٍ بصيرٍ ، ولسانٍ ذلقٍ ، ولهجةٍ مقبولةٍ ؟! فكيفَ تكفرُ نعمةَ اللهِ تعالى، وتتعرَّضُ لسخطِهِ ، وتسكتُ عنْ إشاعةِ العلمِ ، ودعوةِ الخلقِ إلى الصراطِ المستقيمِ ؟! عيم ولا يزالُ يقرِّرُ ذلكَ في نفسِهِ ، ويستجرُّهُ بلطيفِ الحيلِ ، إلى أنْ يشتغلَ بوعْظِ الناسِ ، ثمَّ يدعوهُ بعدَ ذلكَ إلى أنْ يتزيَّنَ لهُمْ ويتصنَّعَ بتحسينِ اللفظِ وإظهارِ الخيرِ ، ويقولُ لهُ : إنْ لمْ تفعلْ ذلكَ .. سقطَ وقعُ كلامِكَ مِنْ قلوبِهِمْ، ولمْ يهتدوا إلى الحقِّ ، ولا يزالُ يقرِّرُ ذلكَ عندَهُ ، وهوَ في أثنائِهِ يؤكّدُ فيهِ شوائبَ الرياءِ ، وقبولَ الخلقِ ، ولذَّةَ الجاهِ ، والتعزُّزَ بكثرةِ الأتباع والعلمِ ، والنظرَ إلى الخلقِ بعينِ الاحتقارِ ، فيستدرجُ المسكينَ بالنصحِ إلى الهلاكِ، فيتكلَّمُ وهوَ يظنُّ أنَّ قصدَهُ الخيرُ، وإنَّما قصدُهُ الجاهُ والقبولُ ، فيهلكُ بسببٍ ذلكَ ، وهوَ يظنُّ أنَّهُ عندَ اللهِ بمكانٍ ، وهوَ مِنَ الذينَ قالَ فِيهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ليؤيِّدُ هذا الدينَ بأقوام لا خلاقَ لهُمْ))(١)، و((إنَّ اللهَ ليؤيِّدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجرِ))(٢). (١) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ٨٨٣٣) من حديث أنس رضي الله عنه . (٢) رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم ( ١١١) . ١٠٧ كن حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات .يو ولذلكَ رُوِيَ أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ تمثَّلَ لعيسى ابن مريمَ عليهِ السلامُ فقالَ لهُ : قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ، فقالَ: (كلمةُ حقٍّ ولا أقولُها بقولِكَ ) ؛ لأنَّ لهُ تحتَ الخيرِ أيضاً تلبيساتٍ ، وتلبيساتُ الشيطانِ مِنْ ههذا الجنسِ لا تتناهى ، وبها يهلكُ العلماءُ ، والعبَّادُ والزهَّادُ ، والفقراءُ والأغنياءُ ، وأصنافُ الخلْقِ ممَّنْ يكرهونَ ظاهرَ الشرِّ ولا يرضونَ لأنفسِهِمُ الخوضَ في المعاصي المكشوفةِ . وسنذكرُ جملةً مِنَ مكايدِ الشيطانِ في كتابِ الغرورِ في آخرِ هذا الربع ، ولعلَّنا إنْ أمهلَ الزمانُ .. صنَّفَنا فيهِ كتاباً على الخصوصِ ، نسمِّيهِ : (( تلبيسَ إبليسَ ))(١)؛ فإنَّهُ قدِ انتشرَ الآنَ تلبيسُهُ في البلادِ والعبادِ ، لا سيَّما في (١) وهل صنف الإمام هذا الكتاب؟ فقد ذكره ابن السبكي في ((طبقات الشافعية)) (٢٢٧/٦) سرداً، وكذا الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٤١/١) وغالب نقله عن ابن السبكي، ولم يذكرا أنهما وقفا عليه أو حققا القول في نسبته له، وفي كتاب (( منهاج العابدين)) ( ص٨٧) المنسوب للمصنف: (وقد صنَّفنا كتاباً سميناه (( تلبيس إبليس)))، وهذا نص في كونه رحمه الله تعالى صنَّف هذا الكتاب، ولكن (( منهاج العابدين)) كتاب نسب إلى غير المصنف، ونقل الزبيدي في «إتحافه)) (٤٣/١) عن بعض العارفين أنه للشيخ علي بن خليل السبتي ، وإنما عزي للإمام الغزالي لما فيه من المحاكاة لأسلوبه ولكثير من كلامه واستشهاداته وطريقته في التصنيف ، ومع هذا لا يمكن الجزم بنفي أو إثبات . ولولا أن المصنف هنا ذكر كتاب الغرور الذي هو قطعة من ((إحيائه)) .. لاتجه القول بأن (( التلبيس)) هو كتاب الغرور نفسه ، هذا وقد صنف ابن الجوزي مقتنصاً هذا العنوان كتاباً بهذا الاسم ردَّ فيه على المصنف وكتابه ((الإحياء)). ت﴾. ١٠٨ حنحن بمن ثق ربع المهلكات كتاب عجائب القلب المذاهبِ والاعتقاداتِ ، حتَّى لمْ يبقَ مِنَ الخيراتِ إلا رسمُها ، كلُّ ذلكَ إذعاناً لتلبيسات الشيطان ومكايدِهِ . فحقٌّ على العبدِ أنْ يقفَ عندَ كلِّ همٍّ يخطرُ لهُ؛ ليعلمَ أنَّهُ مِنْ لِمَّةِ المَلَكِ أوْ لمَّةِ الشيطانِ ، وأنْ يمعنَ النظرَ فيهِ بعينِ البصيرةِ ، لا بهوىٌ مِنَ الطبع ، ولا يطلعُ عليهِ إلا بنورِ التقوى والبصيرةِ وغزارةِ العلمِ ، كما قال تعالى : ﴿إِنَ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ إِذَا مَسَتُهُمْ طَلَِّفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ﴾ أيْ: رجعوا إلى نورِ العلمِ، ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ أيْ: ينكشف لهُمُ الإشكالُ، فأمَّا مَنْ لمْ يرضْ نفسَهُ بالتقوى .. فيميلُ طبعُهُ إلى الإذعانِ لتلبيسِهِ بمتابعةِ الهوى ، فيكثرُ فيهِ غلطُهُ ، ويتعجّلُ بهِ هلاكَهُ وهوَ لا يشعرُ ، وفي مثلِهِمْ قالَ تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، قيلَ: هيَ أعمالٌ ظنّوها حسناتٍ ، فإذا هيَ سيِّئَاتٌ(١) . وأغمضُ أنواع علوم المعاملةِ الوقوفُ على خدع النفسِ ومكايدٍ الشيطانِ ، وذلكَ فرضُ عينِ على كلِّ عبدٍ ، وقدْ أهملَهُ الخلْقُ ، واشتغلوا بعلومٍ تستجرُّ إليهِمُ الوسواسَ ، وتسلَّطُ عليهِمُ الشيطانَ ، وتنسيهِمْ عداوتَهُ وطريقَ الاحترازِ عنهُ . ولا ينجي مِنْ كثرةِ الوسواسِ إلا سدُّ أبوابِ الخواطرِ ، وأبوابُها مِنْ خارجٍ (١) روى ذلك الخطيب في ((تاريخ بغداد)» ( ٢٦٢/١٣) عن الفضيل بن عياض . نجود ١٠٩ ـن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات الحواسُّ الخمسُ ، وأبوابُها مِنْ داخلِ الشهواتُ وعلائقُ الدنيا ، والخلوةُ في بيتٍ مظلم تسدُّ بابَ الحواسِّ ، والتجرُّدُ عنِ الأهلِ والمالِ يقلِّلُ مداخلَ الوسواسِ مِنَ الباطنِ ، ويبقى معَ ذلكَ مداخلُ باطنةٌ من التخيُّلاتِ الجاريةِ في القلبِ ، وذلكَ لا يُدفعُ إلا بشغْلِ القلبِ بذكرِ اللهِ تعالى، ثمَّ إنَّهُ لا يزالُ يجاذبُ القلبَ وينازعُهُ ، ويلهيهِ عنْ ذكرِ اللهِ تعالى ، فلا بدَّ مِنْ مجاهدتِهِ ، وهذهِ مجاهدةٌ لا آخرَ لها إلا الموتُ ؛ إذْ لا يتخلَّصُ أحدٌ مِنَ الشيطانِ ما دامَ حيّاً(١). نعمْ، قَدْ يقوى بحيثُ لا ينقادُ لهُ، ويدفعُ عنْ نفسِهِ شرَّهُ بالجهادِ ، ولكنْ لا يستغني قطّ عنِ الجهادِ والمدافعةِ ما دامَ الدمُ يجري في بدنِهِ ، فإنَّهُ ما دامَ حيّاً .. فأبوابُ الشيطانِ مفتوحةٌ إلى قلبهِ لا تنغلقُ، وهيَ الشهوةُ ، والغضبُ، والحسدُ، والطمعُ ، والشَّرَهُ وغيرُها كما سيأتي شرحُها ، ومهما كانَ البابُ مفتوحاً والعدوُّ غيرَ غافلٍ .. لمْ يُدفعْ إلا بالحراسةِ والمجاهدةِ . قالَ رجلٌ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ أينامُ الشيطانُ ؟ فتبسَّمَ وقالَ : لوْ نامَ .. لوجدنا عنهُ راحةٌ(٢). ٢ حن (١) روى أحمد في ((المسند)) (٧٦/٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً : ((قال إبليس : أي ربِّ؛ لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، قال : فقال الربُّ عز وجل: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)». (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٦٤٤٠). حز ١١٠ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فإذاً ؛ لا خلاصَ للمؤمنِ منهُ . نعمْ ، لهُ سبيلٌ إلى دفعِهِ وتضعيفِ قوَّتِهِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المؤمنَ ينضي شيطانَةُ كما ينضي أحدُكُمْ بعيرَهُ في السفرِ))(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( شيطانُ المؤمنِ مهزولٌ)(٢). وقالَ قيسُ بنُ الحجّاج : قالَ لي شيطاني : دخلتُ فيكَ وأنا مثلُ الجزورِ ، وأنا الآنَ مثلُ العصفورِ ، قلتُ : ولِمَ ذاك ؟ قالَ : تذيبُني بذكرِ اللهِ تعالى(٣). حسـ حن فأهلُ التقوى لا يتعذَّرُ عليهِمْ سدُّ أبوابِ الشيطانِ ، وحفظُها بالحراسةِ ؛ أعني : الأبوابَ الظاهرةَ، والطرقَ الجليَّةَ التي تفضي إلى المعاصي الظاهرةِ ، وإنَّما يتعثَّرونَ في طرقِهِ الغامضةِ ، فإنَّهُمْ لا يهتدونَ إليها فيحرسونَها ؛ كما أشرنا إليهِ في غرورِ العلماءِ والوَّاظِ . والمشكلُ أنَّ الأبوابَ المفتوحةَ إلى القلبِ للشيطانِ كثيرةٌ ، وبابُ الملائكةِ بابٌ واحدٌ ، وقدِ التبسَ ذلكَ البابُ الواحدُ بهذهِ الأبوابِ الكثيرةِ ، فالعبدُ فيها مثالُ المسافرِ الذي يبقى في باديةٍ كثيرةٍ الطرقِ ، غامضةٍ المسالكِ ، في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلا يكادُ يعلمُ الطريقَ إلا بعينِ بصيرةٍ وطلوعٍ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٨٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، ويتضي : يهزل ويضعف . (٢) رواه الطبراني في «الكبير» (١٥٦/٩) بنحوه . (٣) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٧٦/٤٩) . ١١١ دں ـحر كتاب عجائب القلب ربع المهلكات شمسٍ مشرقةٍ ، والعينُ البصيرةُ ههنا هي القلبُ المصفَّى بالتقوى ، والشمسُ المشرقةُ هي العلمُ الغزيرُ المستفادُ مِنْ كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فبهما يهتدي إلى غوامضٍ طرقِهِ ، وإلا .. فطرقُهُ كثيرةٌ وغامضةٌ(١) . G قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: خطَّ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً خطّاً فقالَ: (( هذا سبيلُ اللهِ))، ثمَّ خطَّ خطوطاً عنْ يمينِ الخطّ وعنْ شمالِهِ فقالَ: (( هذهِ سبلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليهِ))، ثُمَّ تلا: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ يعني: تلكَ الخطوطَ، فبيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كثرةَ طرقِهِ (٢). وقدْ ذكرنا مثالاً للطريقِ الغامضِِ مِنْ طرقِهِ ، وهوَ الذي يخدعُ بهِ العلماءَ والعبَّادَ المالكينَ لشهواتِهِمْ، الكافِينَ عنِ المعاصي الظاهرةِ ، فلنذكرْ مثالاً الطريقِهِ الواضح الذي لا يخفى إلا أنْ يُضطرّ الآدميُّ إلى سلوكِهِ ، وذلكَ كما رُوِيَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: «كانَ راهبٌ في بني إسرائيلَ ، فعمدَ الشيطانُ إلى جاريةٍ فخنقَها ، وألقى في قلوبِ أهلِها أنَّ دواءَها عندَ الراهبِ ، فأتوا بها إليهِ ، فأبى أنْ يقبلَها ، فلم يزالوا بهِ حتَّى قبلَها ، فلمَّا كانَتْ عندَهُ ليعالجَها .. أتاهُ الشيطانُ، فزيَّنَ لهُ مقاربتَها ، فلمْ يزلْ بهِ حتَّى حن حن (١) والمراد بالعلم هنا هو علم المعرفة المخصوص به المقربون. ((إتحاف)) (٢٧٣/٧). (٢) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ١١١٠٩). ١١٢ حن تن حن ربع المهلكات حسن حز كتاب عجائب القلب واقعَها ، فحملَتْ منهُ ، فوسوسَ إليهِ وقالَ : الآنَ تفتضحُ ، يأتيكَ أهلُها ، فاقتلْها ، فإنْ سألوكَ .. فقلْ: ماتَتْ، فقتلَها ودفنَها ، فأتى الشيطانُ أهلَها ، فوسوسَ إليهِمْ وألقى في قلوبِهِمْ أنَّهُ أحبلَها ثمَّ قتلَها ودفنَها ، فأتاهُ أهلُها ، فسألوه عنها ، فقالَ : ماتَتْ، فأخذوهُ ليقتلوهُ بها ، فأتاهُ الشيطانُ فقالَ : أنا الذي أخذتُها ، وأنا الذي ألقيتُ في قلوبِ أهلِها ، فأطعْني .. تنجُ وأخلِّصُكَ منهُمْ، قالَ : بماذا؟ قال: اسجدْ لي سجدتينِ ، فسجدَ لهُ سجدتينِ ، فقالَ لهُ الشيطانُ: إنِّي بريءٌ منكَ، فهوَ الذي قالَ اللهُ تعالى فيهِ : ﴿ كُمْتَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنَّى بَرِىٌّ مِنْكَ﴾(١). فانظرِ الآنَ إلى حيلِهِ واضطرارِهِ الراهبَ إلى هذهِ الكبائرِ ، وكلُّ ذلكَ لطاعتِهِ لهُ في قبولِ الجاريةِ للمعالجةِ وهوَ أمرٌّ هيِّنٌ ، وربما يظنُّ صاحبُهُ أنَّهُ خيرٌ وحسنةٌ ، فيحسنُ ذلكَ في قلبِهِ بخفيِّ الهوى ، فيقدمُ عليهِ كالراغبِ في الخيرِ ، فيخرجُ الأمرُ بعدَ ذلكَ عنِ اختيارِهِ، ويجزُّهُ البعضُ إلى البعضِ ، بحيثُ لا يجدُ محيصاً ، فنعوذُ باللهِ مِنْ تضييع أوائلِ الأمورِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حامَ حولَ الحمى .. يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ))(٢) . عيــ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان))، والطبري في ((تفسيره)) (٦٢/٢٨/١٤ - ٦٤) عن علي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وطاووس، والحاكم في ((المستدرك)» (٤٨٤/٢) عن علي رضي الله عنهم ، وأورد رواية مفصلة طويلة القرطبيُّ في ((تفسيره)) ( ٣٧/١٨) . (٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم ( ١٥٩٩) . ١١٣ ونحن جن جن جن جن جن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب اعلمْ : أنَّ مثالَ القلبِ مثالُ حصنٍ ، والشيطانُ عدوٌّ يريدُ أنْ يدخلَ الحصنَ ويملكَهُ ويستوليَ عليهِ ، ولا يُقدرُ على حفظِ الحصنِ مِنَ العدوِّ إلا بحراسةِ أبوابِ الحصنِ ومداخلِهِ ومواضعٍ ثُلَمِهِ ، ولا يقدرُ على حراسةِ أبوابهِ مَنْ لا يعرفُ أبوابَهُ . وحمايةُ القلبِ مِنْ وسواسِ الشيطانِ واجبةٌ ، وهوَ فرضُ عينٍ على كلِّ عبدٍ مكلَّفٍ ، وما لا يُتوصَّلُ إلى الواجبِ إلا بِهِ .. فهوَ أيضاً واجبٌّ ، ولا يُتوصَّلُ إلى دفع الشيطانِ إلا بمعرفةِ مداخلِهِ ، فصارَتْ معرفةُ مداخلِهِ واجبةٌ . ومداخلُ الشيطانِ وأبوابُهُ صفاتُ العبدِ ، وهيَ كثيرةٌ ، ولكنَّا نشيرُ إلى الأبواب العظيمةِ الجاريةِ مَجرى الدروبِ التي لا تضيقُ عنْ كثرةِ جنودٍ الشيطانِ . فمِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : الغضبُ والشهوةُ : دن حن ٢٠ فإنَّ الغضبَ هوَ غولُ العقلِ ، فإذا ضعفَ جندُ العقلِ .. هجمَ جندُ الشيطانِ ، ومهما غضبَ الإنسانُ .. لعبَ الشيطانُ بهِ كما يلعبُ الصبيُّ بالكرةِ . ١١٤ شن حن فن ثم ضن ون كن ربع المهلكات جيد كتاب عجائب القلب فقدْ رُوِيَ أنَّ إبليسَ لقيَ موسى عليهِ السلامُ ، فقالَ لهُ : يا موسى ؛ أنتَ الذي اصطفاكَ اللهُ برسالتِهِ ، وكلَّمَك تكليماً ، وأنا خلقٌ مِنْ خلْقِ اللهِ أذنبتُ ، وأنا أريدُ أنْ أتوبَ ، فاشفعْ لي إلى ربِّي أنْ يتوبَ عليَّ، فقالَ لهُ موسى : نعمْ ، فلمَّا صعدَ موسى الجبلَ وكلَّمَ ربَّه عزَّ وجلَّ وأرادَ النزولَ .. قالَ لهُ ربُّهُ : أدِّ الأمانةَ، فقالَ موسى: يا ربِّ؛ عبدُكَ إبليسُ يريدُ أنْ تتوبَ عليهِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى موسى : يا موسى ؛ قدْ قضيتُ حاجتكَ ، مرْهُ أنْ يسجدَ لقبرِ آدمَ حتَّى يُتَابَ عليهِ ، فلقيَ موسى إبليسَ ، فقالَ لهُ : قدْ قضيتُ حاجتكَ، أَمرتَ أنْ تسجدَ لقبرِ آدَمَ حتَّى يُتَابَ عليكَ ، فغضبَ واستكبرَ، وقالَ: لمْ أسجدْ لهُ حيّاً ، أأسجدُ لهُ ميتاً؟! ثمَّ قالَ : يا موسى؛ إنَّ لكَ عليَّ حقّاً بما شفعتَ لي إلى ربِّكَ ، فاذكرْني عندَ ثلاثٍ لا أهلكُكَ فيهنَّ : اذكرْني حينَ تغضبُ ؛ فإنَّ روحي في قلبِكَ ، وعيني في عينِكَ ، وأجري منكَ مَجرى الدم ، واذكرْني حينَ تلقى الزحفَ ؛ فإني آتي ابنَ آدمَ حينَ يلقى الزحفَ، فأذكِّرُهُ زوجتَهُ وولدَهُ وأهلَهُ حتَّى يولِّيَ، وإِيَّاكَ أنْ تجلسَ إلى امرأةٍ ليسَتْ بذاتِ محرم ؛ فإنِّي رسولُها إليكَ ورسولُكَ إليها، فلا أزالُ حتى أفتَنَكَ بها وأفتَنَها بِكَ(١) . كن حة فقدْ أشارَ في هذا إلى الشهوةِ والغضبِ والحرْصِ ؛ فإنَّ الفرارَ مِنَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٤٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٢٧/٦١) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بنحوه. ١١٥ .كن ون عن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات الزحفِ حرصٌ على الدنيا ، وامتناعُهُ منَ السجودِ لآدمَ ميتاً هوَ الحسدُ ، وهوَ مِنْ أعظمٍ مداخلِهِ . وقدْ ذُكرَ أنَّ بعضَ الأولياءِ قالَ لإبليسَ : أرني كيفَ تغلبُ ابنَ آدمَ ، فقالَ: آخذُهُ عندَ الغضبِ وعندَ الهوى(١) . G؟ وحُكِيَ أَنَّ إبليسَ ظهرَ لراهبٍ، فقالَ لهُ الراهبُ : أَيُّ أخلاقِ بني آدمَ أعونُ لكَ ؟ قالَ : الحدَّةُ، فإنَّ العبدَ إذا كانَ حديداً .. قلَّبناهُ كما يقلِّبُ الصبيانُ الكرةَ(٢). وقيلَ : إِنَّ الشيطانَ يقولُ: كيفَ يغلبُني ابنُ آدَمَ وإذا رضيَ .. جئتُ حتَّى أكونَ في قلبهِ ، وإذا غضبَ .. طرتُ حتَّى أكونَ في رأسِهِ؟!(٣). ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : الحسدُ والحزْصُ : فمهما كانَ العبدُ حريصاً على شيءٍ .. أعماهُ حرْصُهُ وأصمَّهُ ؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حبُّكَ الشيءَ يعمي ويصمُّ)) (٤) ، ونورُ البصيرةِ هوَ الذي يُعرِّفُّ مداخلَ الشيطانِ، فإذا غطّاهُ الحسدُ والحرصُ .. لمْ ٩٠ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٧١) عن يزيد بن قسيط يحكيه عن بعض الأنبياء . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٣٨). كن (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٩٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١٧/٤). (٤) رواه أبو داوود (٥١٣٠ ) . ١١٦ حن حر ربع المهلكات كتاب عجائب القلب يبصرْ، فحينئذٍ يجدُ الشيطانُ فرصةٌ، فيحسِّنُ عندَ الحريصِ كلَّ ما يوصلُهُ إلى شهوتِهِ ، وإنْ كانَ منكراً وفاحشاً . فقدْ رُوِيَّ أنَّ نوحاً عليهِ السلامُ لمَّا ركبَ السفينةَ .. حملَ فيها مِنْ كلِّ زوجينِ اثنينِ كما أمرَهُ اللهُ تعالى ، فرأى في السفينةِ شيخاً لمْ يعرفْهُ ، فقالَ لهُ نوحٌ : ما أدخلَكَ ؟ فقالَ : دخلتُ لأصيبَ قلوبَ أصحابِكَ ، فتكونَ قلوبُهُمْ معي وأبدانُهُمْ معكَ، فقالَ لهُ نوحٌ : اخرجْ منها يا عدوَّ اللهِ ؛ فإنَّكَ رجيمٌ ، فقالَ لهُ إبليسُ : خمسٌ أهلكُ بهنَّ الناسَ ، وسأحدِّثُكَ منهنَّ بثلاثٍ ، ولا أحدِّثُكَ باثنتينِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نوحِ أَنَّهُ لا حاجةَ بكَ إلى الثلاثِ فليحدثْكَ بالاثنتينِ ، فقالَ لهُ نوحٌ : ما الاثنتانِ ؟ فقالَ : هما اللتانِ لا تكذباني ، هما اللتانِ لا تخلفاني ، بهما أهلكُ الناسَ ؛ الحرصُ والحسدُ، فبالحسدِ لُعنتُ، وجُعلتُ شيطاناً رجيماً ، وأمَّا الحرصُ .. فإنَّهُ أَبِيحَ لَآدَمَ الجنَّةُ كلُّها إلا الشجرةَ ، فأصبتُ حاجتي منهُ بالحرْصِ(١). عے ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : الشبعُ مِنَ الطعام وإنْ كانَ حلالاً صافياً : فإنَّ الشبعَ يقوِّي الشهواتِ ، والشهواتُ أسلحةُ الشيطانِ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٤٤)، وهو من حديث ابن عمر المتقدم قريباً . فات: ١١٧ ـحن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ـبيـ يو % % %G ويقالُ : في كثرةِ الأكلِ ستُّ خصالٍ مذمومةٍ : أولُها : أنْ يذهبَ خوفُ اللهِ منْ قلبهِ . والثاني : أنْ يذهبَ رحمةُ الخلقِ منْ قلبهِ ؛ لأنَّهُ يظنُّ أنَّهمْ كلَّهُمْ شِباعٌ . والثالثُ : أنَّهُ يثقلُ عنِ الطاعةِ . والرابعُ : أَنَّهُ إذا سمعَ كلامَ الحكمةِ .. لا يجدُ لهُ رقّةٌ . والخامسُ : أنَّهُ إذا تكلَّمَ بالموعظةِ والحكمةِ .. لا يقعُ في قلوبِ الناس . والسادسُ : أنْ يهيجَ فيهِ الأمراضُ . (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٩٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٩/٢) عن ثابت البناني . ؟ حن حن كن جم حن حخ خخ فقدْ رُوِيَ أنَّ إبليسَ ظهرَ ليحيى بنِ زكريا عليهما السلامُ، فرأى علیهِ معاليقَ مِنْ كلِّ شيءٍ ، فقالُ لهُ : يا إبليسُ ؛ ما هذهِ المعاليقُ ؟ قالَ : هذهِ الشهواتُ التي أصيبُ بها ابنَ آدمَ ، فقالَ : فهلْ لي فيها مِنْ شيءٍ ؟ قالَ : ربَّما شبعتَ فثقلناكَ عنِ الصلاةِ وعنِ الذكرِ ، قالَ : فهلْ غيرُ ذلكَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : للهِ عليَّ ألا أملاً بطني مِنْ طعام أبداً، فقالَ لهُ إبليسُ : وللهِ عليَّ ألا أنصحَ مسلماً أبداً(١) . ١١٨ حن متر ربع المهلكات حي جير كتاب عجائب القلب ومِنْ أبوابِهِ : حبُّ التزيُّنِ بالأثاثِ والثيابِ والدارِ : فإِنَّ الشيطانَ إذا رأى ذلكَ غالباً على قلبٍ إنسانٍ .. باضَ فيهِ وفرَّخَ ، فلا يزالُ يدعوهُ إلى عمارةِ الدارِ ، وتزيينٍ سقوفِها وحيطانِها ، وتوسيع أبنيتِها ، ويدعوهُ إلى التزيّنِ بالثيابِ والدوابِّ، ويستسخرُهُ فيها طولَ عمرِهِ ، وإذا أوقعَهُ في ذلكَ .. فقدِ استغنىُ أنْ يعودَ إليهِ ثانيةً ؛ فإنَّ بعضَ ذلكَ يجرُّهُ إلى البعضِ ، فلا يزالُ يؤدِّيهِ شيءٌ إلى شيءٍ ، إلى أنْ يُساقَ إليهِ أجلُهُ، فيموتَ وهوَ في سبيلِ الشيطانِ واتباع الهوىُ ، ويُخشى مِنْ ذلكَ سوءُ العاقبةِ بالكفرِ ، نعوذُ باللهِ منهُ . حن حن حن حن ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : الطمعُ في الناسِ : فإذا غلبَ الطمعُ على القلبِ .. لمْ يزلِ الشيطانُ يحبِّبُ إليهِ التصنُّعَ والتزيّنَ لمَنْ طمعَ فيهِ بأنواع الرياءِ والتلبيسِ، حتَّى يصيرَ المطموعُ فيهِ كأنَّهُ معبودُهُ ، فلا يزالُ يتفكّرُ في حيلةِ التوذُّدِ والتحبُّبِ إليهِ ، ويدخلُ كلَّ مدخلٍ للوصولِ إلى ذلكَ . وأقلُّ أحوالِهِ الثناءُ عليهِ بما ليسَ فيهِ ، والمداهنةُ لهُ بتركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ، فقدْ روى صفوانُ بنُ سليم : أنَّ إبليسَ تمثَّلَ لعبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ، فقالَ لهُ: يا بنَ حنظلةَ ؛ احفظْ عنِّي شيئاً أعلِّمُكَهُ فقالَ: لا حاجةَ لي بهِ ، قالَ : انظرْ فإنْ كانَ خيراً .. أخذْتَ، وإنْ كانَ حز ١١٩ كتاب عجائب القلب ٠٠حيــ ربع المهلكات شرّاً .. رددتَ، يا بنَ حنظلةَ؛ لا تسألْ أحداً غيرَ اللهِ سؤالَ رغبةٍ ، وانظرْ كيفَ تكونُ إذا غضبتَ ، فإنِّي أملكُكَ إذا غضبتَ(١) . ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : العجلةُ وتركُ التثبتُّتِ في الأمورِ : وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( العجلةُ مِنَ الشيطانِ ، والتأنِّي مِنَ اللهِ تعالى))(٢). وقال تعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وقالَ تعالى: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَنُ عَجُلًا﴾ . وقالَ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىّ إِلَيْكَ وَحْيُّهُ﴾ . وهذا لأنَّ الأعمالَ ينبغي أنْ تكونَ بعدَ التبصرةِ والمعرفةِ ، والتبصرةُ تحتاجُ إلى تأمُّلٍ وتمهُّلٍ ، والعجلةُ تمنعُ مِنْ ذلكَ ، وعندَ الاستعجالِ يروِّجُ الشيطانُ شرَّهُ على الإنسانِ مِنْ حيثُ لا يدري . فقدْ رُوِيَ أنَّهُ لمَّا وُلدَ عيسى ابنُ مريمَ عليهِ السلامُ .. أتتِ الشياطينُ إبليسَ ، فقالوا : أصبحتِ الأصنامُ قدْ نُكستْ رؤوسُها ، فقالَ : هذا حادثٌ حن (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٧/٢٧). (٢) رواه الترمذي (٢٠١٢) ولفظه: ((الأناة من الله، والعجلة من الشيطان)). ١٢٠ حر حنحن حن ٥٥٠