النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ضراوةَ الكلبِ بتسليطِ الخنزيرِ عليهِ ، ويجعلُ الكلَّ مقهوراً تحتَ سياستِهِ . فإنْ فعلَ ذلكَ وقدرَ عليهِ .. اعتدلَ الأمرُ ، وظهرَ العدلُ في مملكةٍ البدنِ ، وجرى الكلُّ على الصراطِ المستقيمِ . حن حن وإِنْ عجزَ عنْ قهرهِمْ .. قهروهُ واستخدموهُ ، فلا يزالُ في استنباطِ الحيلِ وتدقيقِ الفكرِ ليشبعَ الخنزيرَ ، ويرضيَ الكلبَ ، فيكونَ دائماً في عبادة كلبٍ وخنزيرٍ ، وهذا حالُ أكثرِ الناسِ مهما كانَ أكثرُ همَّتِهِمُ البطنَ والفرجَ ومنافسةَ الأعداءِ . والعجبُ منهُ أنَّهُ ينكرُ على عبدةِ الأصنامِ عبادتَهُمْ للحجارةِ ، ولوْ كُشِفَ الغطاءُ عنهُ، وكُوشفَ بحقيقةِ حالِهِ ، ومثَلَ لهُ حقيقةُ حالِهِ كما يمثُلُ للمكاشفينَ ؛ إمَّا في النومِ ، أوْ في اليقظةِ .. لرأى نفسَهُ مائلاً بينَ يدي خنزيرٍ ، ساجداً لهُ مرَّةً ، وراكعاً أخرى ، ومنتظراً لإشارتِهِ وأمرِهِ ، ومهما هاجَ الخنزيرُ لطلبٍ شيءٍ مِنْ شهواتِهِ .. انبعثَ على الفورِ في خدمتِهِ وإحضارٍ شهوتِهِ ، أَوْ رأىُ نفسَهُ مائلاً بينَ يدي كلبٍ عقورٍ ، عابداً لهُ ، مطيعاً سامعاً لما يقتضيهِ ويلتمسُهُ ، مدققاً للفكرِ في حيلِ الوصولِ إلى طاعتِهِ ، وهوَ بذلكَ ساع في مسرَّةِ شيطانِهِ ؛ فإنَّهُ الذي يهيِّجُ الخنزيرَ ويثيرُ الكلبَ، ويبعثُهُما على استخدامِهِ ، فهوَ مِنْ هذا الوجهِ يعبدُ الشيطانَ بعبادتِهِما (١). ٥٨٥٠ (١) فكيف ينكر من هو مثل هذا على عبدة الأصنام مع إقرارهم بأنهم إنما يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، وعابد الخنزير والكلب أسوأ حالاً منهم لفواتهم تلك النية؟! (( إتحاف)) ( ٢٢٧/٧ ) . ٤١ ذن تن % كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ثن فليراقبْ كلُّ عبدٍ حركاتِهِ وسكناتِهِ ، وسكوتَهُ ونطقَهُ ، وقيامَهُ وقعودَهُ ، ولينظرْ بعينِ البصيرةِ ؛ فإنَّهُ لا يرى - إنْ أنصفَ - نفسَهُ إلا ساعياً طولَ النهارِ في عبادةِ هؤلاءِ ، وهذا غايةُ الظلم ؛ إذ جعلَ المالكَ مملوكاً ، والربَّ مربوباً ، والسيِّدَ عبْداً، والقاهرَ مقهوراً؛ إذ العقلُ هوَ المستحقُّ للسيادةِ والقهرِ والاستيلاءِ، وقدْ سخّرَهُ لخدمةِ هؤلاءِ الثلاثةِ ، فلا جرمَ ينتشرُ إلى قلبهِ مِنْ طاعةِ هؤلاءِ الثلاثةِ صفاتٌ تتراكمُ عليهِ ، حتَّى يصيرَ طابعاً وريْناً مهلكاً للقلبٍ ومميتاً لهُ . أمَّا طاعةُ خنزيرِ الشهوةِ .. فيصدرُ منها صفةُ الوقاحةِ ، والخبْثِ ، والتبذيرِ والتقتيرِ ، والرياءِ ، والهتكةِ ، والمجانةِ ، والعبثِ ، والحرصِ والجشع ، والملقِ والحسدِ ، والحقدِ ، والشماتةِ ، وغيرِها . وأمَّا طاعةُ كلبِ الغضبِ .. فتنتشرُ منها إلى القلبِ صفةُ التهوُّرِ ، والنذالةِ (١) ، والبذْخ والصلفِ والاستشاطةِ، والتكُّرِ والعجْبِ ، والاستهزاءِ والاستخفافِ وتحقيرِ الخلقِ ، وإرادةِ الشرِّ وشهوةِ الظلمِ ، وغيرِها . وأمَّا طاعةُ الشيطانِ بطاعةِ الشهوةِ والغضبِ .. فيحصلُ منها صفةُ المكرِ والخداع ، والحيلةِ والدهاءِ ، والجَرْبَزَةِ(٢) ، والتلبيسِ، والتضريبِ، والغشِّ، والخِبِّ ، والخنا، وأمثالِها . (١) في (ب): (البذاءة) بدل (النذالة)، وعند الحافظ الزبيدي: ( البذالة). «إتحاف)) ( ٢٢٨/٧) . (٢) الجريزة : لفظة فارسية، معناها المكر والاحتيال، وتأتى بمعنى الجرأة كذلك. ٤٢ من ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ـن ولوْ عكسَ الأمرَ ، وقهرَ الجميعَ تحتَ سياسةِ الصفةِ الربَّانيَّةِ .. لاستقرَّ في القلبِ مِنَ الصفاتِ الربانيَّةِ العلمُ والحكمةُ واليقينُ ، والإحاطةُ بحقائقِ الأشياءِ ، ومعرفةُ الأمور على ما هيَ عليهِ ، والاستيلاءُ على الكلِّ بقوَّةِ العلمِ والبصيرة ، واستحقاقُ التقدُّم على الخلْقِ بكمالِ العلمِ وجلالِهِ ، ولاستغنى عنْ عبادةِ الشهوةِ والغضبِ . فينتشرُ إليهِ مِنْ ضبطِ خنزيرِ الشهوةِ وردِّهِ إلى حدِّ الاعتدال صفاتٌ شريفةٌ؛ مثلُ العفَّةِ ، والقناعةِ ، والهدوءِ ، والزهدِ ، والورع ، والتقوى ، والانبساطِ ، وحسنِ الهيئةِ ، والحياءِ ، والظّرْفِ ، والمساعدةِ ، وأمثالِها. ويحصلُ فيهِ مِنْ ضبطِ قوَّةِ الغضبِ وقهرِها ، وردِّها إلى حدِّ الواجبِ صفةٌ الشجاعةِ ، والكرم ، والنجدةِ ، وضبطِ النفسِ ، والصبرِ ، والحلمِ ، والاحتمالِ ، والعفوِ ، والثباتِ ، والنبْلِ ، والشهامةِ ، والوقارِ ، وغيرِها . ٠٨٠ والقلبُ في حكمٍ مرآةٍ قدِ اكتنفَتْهُ هذهِ الأمورُ المؤثِّرةُ فيهِ ، وهذهِ الآثارُ على التوالي واصلةٌ إلى القلبِ . أمَّا الآثارُ المحمودةُ التي ذكرناها .. فإنَّها تزيدُ مرآةَ القلبِ جلاءً وإشراقاً ، ونوراً وضياءً ، حتَّى يتلألأَ فيهِ جليَّةُ الحقِّ، وينكشفَ فيهِ حقيقةُ الأمرِ المطلوبِ في الدينِ . وإلى مثلِ هذا القلبِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أرادَ اللهُ ٤٣ ئن من حن كتاب عجائب القلب ےے ربع المهلكات حن ٹن بعبدٍ خيراً .. جعلَ لهُ واعظاً مِنْ قلبِهِ» (١) . ويقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ لهُ مِنْ قلبهِ واعظٌ .. كانَ عليهِ مِنَ اللهِ حافظٌ))(٢). وهذا القلبُ هوَ الذي يستقرُّ فيهِ الذكرُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَلَا بِذِِكْرٍ اللَّهِ تَطْمَبْنُّ الْقُلُوبُ﴾(٣). وأمّا الآثارُ المذمومةُ . . فإنَّها مثلُ دخانٍ مظلم يتصاعدُ إلى مرآةِ القلبِ ، ولا يزالُ يتراكَمُ عليهِ مرَّةً بعدَ أخرى إلى أنْ يسودَّ ويظلمَ ، ويصيرَ بالكليّةِ محجوباً عنِ اللهِ تعالى، وهوَ الطبْعُ، وهوَ الرِئْنُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿كَلَابَلٌ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . (١) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أم سلمة ، وإسناده جيد) ((إتحاف)) (٢٢٨/٧)، وزاد الحافظ الزبيدي : ( رواه ابن لال في ((مكارم الأخلاق))، ومن طريقه أورده الديلمي، ولفظه: (( جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه))، ولفظ ((القوت)) [١١٥/١]: وفي الخبر: ((إذا أراد الله بعبد خيراً .. جعل له زاجراً من نفسه وواعظاً من قلبه))، قلت: وأخرجه أبو نعيم في « الحلية)) [٢٦٤/٢] من قول ابن سيرين بزيادة: ((يأمره وينهاه))) . (٢) كذا في ((قوت القلوب)) (١١٥/١) غير أنه قال: (وفي الخبر ... ) وذكره ، وقد روى أبو نعيم في «الحلية)) (٥٥/٦) عن أبي الجلد قال: ( قرأت في الحكمة : من كان له من نفسه واعظ .. كان له من الله حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه .. زاده الله بذلك عزاً ، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية ) . (٣) ولولا أن الذكر استقر فيه .. ما اطمأن إليه. ((إتحاف)) (٢٢٨/٧). خل حي حن شن ٤٤ ش ش قن ربع المهلكات جومي كتاب عجائب القلب ش وقال تعالى: ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمَّ وَتَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، فربطُ عدمَ السماع بالطبع بالذنوبِ كما ربطَ السماء بالتقوى، فقالَ تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. ومهما تراكمَتِ الذنوبُ .. طُبعَ على القلبِ، وعندَ ذلك يَعمى القلبُ عنْ إداركِ الحقِّ وصلاحِ الدينِ ، ويستهينُ بأمرِ الآخرةِ ، ويستعظمُ أمرَ الدنيا ، ويصيرُ مقصورَ الهمِّ عليها . وإذا قرعَ سمعَهُ أمرُ الآخرةِ وما فيها مِنَ الأخطارِ .. دخلَ مِنْ أذنٍ وخرجَ مِنْ أخرى ، ولمْ يستقرَّ في القلبِ ، ولمْ يحرِّكْهُ إلى التوبةِ والتداركِ ، أولئكَ الذينَ يئسوا مِنَ الآخرةِ كما يئسَ الكفَّارُ مِنْ أصحابِ القبورِ ، وهذا هوَ معنى اسودادِ القلبِ بالذنوبِ كما نطقَ بهِ القرآنُ والسنةُ . قالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( إذا أذنبَ العبدُ ذنباً .. نُكِتَ في قلبهِ نكتةٌ سوداءُ ، فإنْ هوَ نزعَ وتابَ .. صُقِلَ، وإنْ عادَ .. زيدَ فيها حتَّى يعلوَ قلبَهُ ، فهوَ الرانُ)(١) . وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( قلبُ المؤمنِ أجردُ ، فيهِ سراجٌ ـسبـ (١) كذا رواه عنه أبو طالب في ((القوت)) (١١٣/١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٨٩/٤)، ورواه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً الترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٩٣٠ ). ٠٠٠ ٤٥ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات يزهرُ، وقلبُ الكافرِ أسودُ منكوسٌ)) (١) ، فطاعةُ اللهِ تعالى بمخالفةٍ الشهواتِ مصقلةٌ للقلبِ ، ومعاصيهِ مسوِّداتٌ لهُ، فمَنْ أقبلَ على المعاصي .. اسودَّ قلبُهُ، ومَنْ أتبعَ السيئةَ الحسنةَ، ومحا أثرَها .. لمْ يظلمْ قلبُهُ ، ولكنْ ينقصُ نورُهُ؛ كالمرآةِ التي يُتنفَّسُ فيها ثمَّ تُمسحُ، ويُتنفَّسُ ثمَّ تُمسحُ ؛ فإنَّها لا تخلو عنْ كدورةٍ . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أجردُ فيهِ سراجٌ يزهرُ ، فذلكَ قلبُ المؤمنِ ، وقلبٌ أسودُ منكوسٌ ، فذلكَ قلبُ الكافرِ ، وقلبٌ أغلفُ مربوطٌ على غلافِهِ ، فذلكَ قلبُ المنافقِ ، وقلبٌ مصفحٌ فيهِ إيمانٌ ونفاقٌ ، فمثلُ الإيمانِ فيهِ كمثلِ البقلةِ يمدُّها الماءُ الطَّيِّبُ ، ومثلُ النِّفاقِ فيهِ كمثلِ القرحةِ يمدُّها القيحُ والصديدُ ، فأيُّ المادَّتِينِ غلبَتْ عليهِ .. حُكِمَ لهُ بها )»، وفي روايةٍ: ((ذهبَتْ بهِ))(٢) . وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ تُبْصِرُونَ﴾، فأخبرَ أنَّ جلاءَ القلبِ وإبصارَهُ يحصلُ بالذكرِ ، وأنَّهُ لا يتمكنُ منهُ إلا الذينَ اتقوا، فالتقوى بابُ الذكرِ ، والذكرُ بابُ الكشفِ ، والكشفُ بابُ الفوزِ الأكبرِ ، وهوَ الفوزُ بلقاءِ اللهِ تعالى . خر (١) رواه أحمد في ((المسند)» (١٧/٣)، والطبراني في ((الصغير)) (١٠٩/٢)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٨٥/٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً ، وتمامه في الحديث بعده . (٢) هو تمام الحديث قبله، رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٧٦/١). ـق سيسـ ٤٦ 1 ربع المهلكات كتاب عجائب القلب بيان مثل الطلب بالإضافة إلى العلوم خاصة ١ ـية- عظام الفـ اعلمْ : أنَّ محلّ العلم هوَ القلبُ ؛ أعني : اللطيفةَ المدبّرةَ لجميع الجوارحِ ، المطاعةَ المخدومةَ مِنْ بينِ سائرِ الأعضاءِ ، وهيَ بالإضافةِ إلى حقائقِ المعلوماتِ كالمرآةِ بالإضافةِ إلى صورِ المتلوّناتِ ، فكما أنَّ للمتلوِّنِ صورةً ، ومثالُ تلكَ الصورةِ ينطبعُ في المرآةِ ويحصلُ بها .. فكذلكَ لكلِّ معلوم حقيقةٌ ، ولتلكَ الحقيقةِ صورةٌ تنطبعُ في مرآةِ القلبِ وتتضحُ فيها ، وكما أنَّ المرآةَ غيرٌ ، وصورُ الأشخاصِ غيرٌ، وحصولُ مثالِها في المرآةِ غيرٌ ، فهيَ ثلاثةُ أمورٍ .. فكذلكَ ههنا ثلاثةُ أمور : القلبُ ، وحقائقُ الأشياءِ ، وحصولُ نفسِ الحقائقِ في القلبِ وحضورِها فيهِ . فالعالمُ عبارةٌ عنِ القلبِ الذي فيهِ يحلُّ مثالُ حقائقِ الأشياءِ ، والمعلومُ عبارةٌ عنْ حقائقِ الأشياءِ ، والعلمُ عبارةٌ عنْ حصولِ المثالِ في المرآةِ . وكما أنَّ القبضَ مثلاً يستدعي قابضاً كاليدٍ ، ومقبوضاً كالسيفِ ، ووصولاً بينَ اليدِ والسيفِ بحصولِ السيفِ في اليدِ ويُسمَّى قبضاً .. فكذلكَ وصولُ مثالِ المعلوم إلى القلبِ يُسمَّى علماً ، وقدْ كانَتِ الحقيقةُ موجودةً ، والقلبُ موجوداً ، ولمْ يكنِ العلمُ حاصلاً ؛ لأنَّ العلمَ عبارةٌ عنْ وصولٍ الحقيقةِ إلى القلبِ، كما أنَّ السيفَ موجودٌ ، واليدَ موجودةٌ ، ولمْ يكنِ اسمُ القبضٍ والأخذِ حاصلاً ؛ لعدم وقوع السيفِ في اليدِ . ٤٧ حن ثر. كتاب عجائب القلب ربع المهلكات نعم ، القبضُ عبارةٌ عنْ حصولِ السيفِ بعينِهِ في اليدِ ، والمعلومُ بعينِهِ لا يحصلُ في القلبِ ، فَمَنْ علمَ النارَ .. لمْ تحصلْ عينُ النارِ في قلبِهِ ، ولكنَّ الحاصلَ حدُّها وحقيقتُها المطابقةُ لصورتِها ، فتمثيلُهُ بالمرآةِ أولى ؛ لأَنَّ عينَ الإنسانِ لا تحصلُ في المرآةِ ، وإنَّما يحصلُ مثالٌ مطابقٌ لهُ ، فكذلكَ حصولُ مثالٍ مطابقٍ لحقيقةِ المعلومِ في القلبِ يُسمَّى علماً . وكما أنَّ المرآةَ لا تنكشفُ فيها الصورُ لخمسةِ أمورٍ : أحدُها : نقصانُ صورتِها؛ كجوهرِ الحديدِ قبلَ أنْ يُدوَّرَ ويُشكَّلَ ويُصقلَ . والثاني : لخبثِهِ وصدِئِهِ وكدورتِهِ وإنْ كانَ تامّ الشكلِ . والثالثُ : لكونِهِ معدولاً بهِ عنْ جهةِ الصورةِ إلى غيرِها ؛ كما إذا كانَتِ الصورةُ وراءَ المرآةِ . والرابعُ : لحجابٍ مرسلٍ بينَ المرآةِ والصورةِ . ـترم والخامسُ : للجهلِ بالجهةِ التي فيها الصورةُ المطلوبةُ، حتَّى يتعذَّرَ بسببهِ أنْ يحاذيَ بها شطرَ الصورةِ وجهتَها . فكذلكَ القلبُ مرآةٌ مستعدةٌ لأنْ ينجليَ فيها حقيقةُ الحقِّ في الأمورِ كلِّها . وإنَّما خلَتِ القلوبُ عنِ العلومِ التي خلَتْ عنها لههذهِ الأسبابِ الخمسةِ : ٢٤٠ ٤٨ درم ربع المهلكات كتاب عجائب القلب أولُها : نقصانٌ في ذاتِ القلبِ : عن كقلبِ الصبيِّ؛ فإنَّهُ لا تتجلَّى لهُ المعلوماتُ لنقصانِهِ . والثاني : لكدورةِ المعاصي والخبَثِ الذي يتراكمُ على وجهِ القلبِ مِنْ كثرةٍ الشهواتِ : فإنَّ ذلكَ يمنعُ صفاءَ القلبِ وجلاءَهُ ، فيمنعُ ظهورَ الحقِّ فيهِ ؛ لظلمتِهِ وتراكمِهِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ قارفَ ذنباً .. فارقَهُ عقلٌ لمْ يعدْ إليهِ أبداً))(١) ؛ أيْ: حصلَ في قلبِهِ كدورةٌ لا يزولُ أثرُها أبداً؛ إذْ غايتُهُ أنْ يتبعَهُ بحسنةٍ تمحوها ، فلوْ جاءَ بالحسنةِ ولمْ تتقدَّم السيئةُ .. لازدادَ - لا محالةَ - إشراقُ القلبِ، فلمَّا تقدمَتِ السيئةُ .. سقطَتْ فائدةُ الحسنةِ ، لكنْ عادَ القلبُ بها إلى ما كانَ قبلَ السيئةِ ، ولمْ يزددْ بها نوراً ، فهذا خسرانٌ مبينٌ ، ونقصانٌ لا حيلةَ لهُ ، فليسَتِ المرآةُ التي تتدنَّسُ ثمَّ تُمسحُ بالمصقلةِ كالتي تُمسحُ بالمصقلةِ لزيادةِ جلائِها مِنْ غيرِ دنسٍ سابقٍ . فالإقبالُ على طاعةِ اللهِ والإعراضُ عنْ مقتضى الشهواتِ هوَ الذي يجلو القلبَ ويصفيهِ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . ٢٠٠ (١) قال الحافظ العراقي: (لم أر له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٣١/٧)، وسيأتي للمصنف غير مرة . ٤٩ .فيِّزْع كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ عملَ بما علمَ .. وَرَّثَهُ اللهُ علمَ ما لمْ يعلمْ))(١). ـ5g الثالثُ : أنْ يكونَ معدولاً بهِ عنْ جهةِ الحقيقةِ المطلوبةِ : 0 فإنَّ قلبَ المطيع الصالح وإنْ كانَ صافياً فإنَّهُ ليسَ يتضحُ فيهِ جليَّةُ الحقِّ ؛ لأنَّهُ ليسَ يطلبُ الحقَّ ، وليسَ محاذياً بمرآتِهِ شطرَ المطلوبِ ، بلْ ربَّما يكونُ مستوعبَ الهِمِّ بتفصيلِ الطاعاتِ البدنيّةِ ، أَوْ بتهيئةِ أسبابِ المعيشةِ ، ولا يصرفُ فكرَهُ إلى التأمُّلِ في حضرةِ الربوبيّةِ ، والحقائقِ الخفيَّةِ الإلهيةِ ، فلا ينكشفُ لهُ إلا ما هوَ متفكرٌ فيهِ مِنْ دقائقِ آفاتِ الأعمالِ وخفايا عيوبٍ النفسِ إنْ كانَ متفكِّراً فيها ، أوْ مصالح المعيشةِ إنْ كان متفكِّراً فيها . وإذا كانَ تقييدُ الهمِّ بالأعمالِ وتفصيلِ الطاعاتِ مانعاً عنِ انكشافِ جليّةٍ الحقِّ .. فما ظنُّكَ فيمَنْ صرفَ الهمَّ إلى شهواتِ الدنيا ولذَّاتِها وعلائقِها ؟! فكيفَ لا يُمنعُ عنِ الكشفِ الحقيقيِّ ؟! الرابعُ : الحجابُ : فإنَّ المطيعَ القاهرَ لشهواتِهِ ، المتجرِّدَ الفكرِ في حقيقةٍ مِنَ الحقائقِ قَدْ لا ينكشفُ لهُ ذلكَ؛ لكونِهِ محجوباً عنهُ باعتقادٍ سبقَ إليهِ منذُ الصبا على سبيلِ التقليدِ والقبولِ بحسن الظنِّ ؛ فإنَّ ذلكَ يحولُ بينَهُ وبينَ حقيقةِ الحقِّ ، مكن ٢ ـحن حن ـكن ـدة (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤/١٠). + ٥ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ويمنعُ مِنْ أَنْ ينكشفَ في قلبهِ خلافُ ما تلقَّفَهُ مِنْ ظاهرِ التقليدِ . وهذا أيضاً حجابٌ عظيمٌ، بهِ حُجِبَ أكثرُ المتكلَّمينَ والمتعصِّبينَ للمذاهبِ ، بلْ أكثرُ الصالحينَ المتفكّرينَ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ؛ لأنَّهُمْ محجوبونَ باعتقاداتٍ تقليديَّةٍ جمدَتْ في نفوسِهِمْ، ورسخَتْ في قلوبِهِمْ ، وصارَتْ حجاباً بينَهُمْ وبينَ درْكِ الحقائقِ . الخامسُ : الجهلُ بالجهةِ التي يقعُ منها العثور على المطلوب : فإنَّ طالبَ العلمِ ليسَ يمكنُهُ أنْ يحصِّلَ العلمَ بالمجهولِ إلا بالتذكُّرِ للعلومِ التي تناسبُ مطلوبَهُ، حتى إذا تذكَّرَها ورتَّبَّها في نفسِهِ ترتيباً مخصوصاً يعرفُهُ العلماءُ بطرقِ الاعتبار .. فعندَ ذلكَ يكونُ قدْ عثرَ على جهةٍ المطلوبِ ، فتنجلي حقيقةُ المطلوبِ لقلبِهِ ، فإنَّ العلومَ المطلوبةَ التي ليسَتْ فطريّةً (١) لا تقتنصُ إلا بشبكةِ العلومِ الحاصلةِ ، بلْ كلُّ علمٍ لا يحصلُ إلا عنْ علمينِ سابقينِ يأتلفانِ ويزدوجانِ على وجهٍ مخصوصٍ ، فيحصلُ مِنِ ازدواجِهِما علمٌ ثالثٌ على مثالٍ ما يحصلُ النّتاجُ مِن ازدواج الذكر والأنثى ، ثمَّ كما أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يستنتجَ رمكةً لمْ يمكنْهُ ذلكَ مِنْ حمارٍ وبعيرٍ وإنسانٍ(٢)، بلْ مِنْ أصلٍ مخصوصٍ مِنَ الخيلِ الذكر والأنثى، وذلكَ إذا وقعَ بينهما ازدواجٌ مخصوصٌ .. فكذلكَ كلُّ علمٍ فَلَهُ أصلانِ مخصوصانِ ، (١) في ( أ): ( أولية ) بدل ( فطرية ) . (٢) الرَّمَكَة: الأنثى من البراذين . ٥١ حن % ٨. كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وبينَهُما طريقٌ في الازدواج يحصلُ مِنِ ازدواجِهِما العلمُ المستفادُ المطلوبُ . فالجهلُ بتلكَ الأصولِ وبكيفيةِ الازدواج هوَ المانعُ مِنَ العلمِ ، ومثالُهُ : ما ذكرناهُ مِنَ الجهلِ بالجهةِ التي الصورةُ فيها ، بلْ مثالُهُ : أَنْ يريدَ الإنسانُ أنْ يرى قفاهُ مثلاً في المرآةِ ، فإنَّهُ إنْ رفعَ المرآةَ بإزاءِ وجهِهِ .. لمْ يكنْ قَدْ حاذى بها شطرَ القفا ، فلا يظهرُ فيها القفا، وإنْ رفعَها وراءَ القفا وحاذاهُ .. كانَ قدْ عدلَ بالمرآةِ عنْ عينِهِ ، فلا يرى المرآةَ ولا صورةَ القفا فيها ، فيحتاجُ إلى مرآةٍ أخرىُ ينصبُها وراءَ القفا ، وهذهِ في مقابلتِها بحيثُ يبصرُها ، ويرعى مناسبةٌ بينَ وضع المرآتينِ حتَّى تنطبعَ صورةُ القفا في المرآةِ المحاذيةِ للقفا، ثمَّ تنطبعَ صورةُ هذهِ المرآةِ في المرآةِ الأخرى التي في مقابلةِ العينِ ، ثمَّ تدركَ العينُ صورةَ القفا ؛ فكذلكَ في اقتناصِ العلومِ طرقٌ عجيبةٌ ، فيها ازوراراتٌ وتحريفاتٌ أعجبُ ممَّا ذكرناهُ في المرآةِ ، يعزُّ على بسيطِ الأرضِ مَنْ يهتدي إلى كيفيّةِ الحيلةِ في تلكَ الازوراراتِ . ـحن C دن حن فهذهِ هيَ الأسبابُ المانعةُ للقلوبِ مِنْ معرفةِ حقائقِ الأمورِ ، وإلا .. فكلُّ قلبٍ فهوَ بالفطرةِ صالحٌ لمعرفةِ الحقائقِ ؛ لأنَّهُ أمرٌ ربَّانِيٌّ شريفٌ ، فَارقَ سائرَ الجواهرِ بهذِه الخاصِّيَّةِ والشرفِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا اُلْإِنسَنُ﴾ إشارةً إلى أنَّ لهُ خاصيَّةً تميَّزَ بها عنِ السماواتِ والأرضِ والجبالِ ، فت ٥٢ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب بها صارَ مطبقاً لحمل أمانةِ اللهِ تعالى ، وتلكَ الأمانةُ هيَ المعرفةُ والتوحيدُ . وقلبُ كلِّ آدميٍّ مستعدٌّ لحملِ الأمانةِ ومطيقٌ لها في الأصلِ ، ولكنْ يثبّطُّهُ عنِ النهوضٍ بأعبائِها والوصولِ إلى تحقيقِها الأسبابُ التي ذكرناها ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ، فأبواهُ يهوِّدانِهِ وينصِّرانِهِ ويمجِّانِهِ )) (١) . وقولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لولا أنَّ الشياطينَ يحومونَ على قلوبٍ بني آدمَ .. لنظروا إلى ملكوتِ السماءِ)) (٢) إشارةٌ إلى بعضٍ هذهِ الأسبابِ التي هيّ الحجابُ بينَ القلبِ وبينَ الملكوتِ . وإليهِ الإشارةُ بما رُويَ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : قيلَ لرسولِ اللهِ : يا رسولَ اللهِ ؛ أينَ اللهُ؛ في الأرضِ أوْ في السماءِ ؟ قال : ((في قلوبِ عبادِهِ المؤمنينَ))(٣). 3 (١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، واللام في قوله : ( الفطرة ) للعهد ، والمعهود : فطرة الله التي فطر الناس عليها ؛ أي : الخلقة التي خلق الناس عليها من الاستعداد لقبول الدين والتهيؤ للتمييز بين الخطأ والصواب. ((إتحاف)) (٢٣٣/٧)، وفي رواية عند مسلم لهذا الحديث تؤكد ما بيَّنه المصنف هنا أن المراد بالفطرة : الاستعداد لحمل الأمانة ، لا وجود معارف سابقة ، وهي : (( كل إنسان تلده أمه على الفطرة ، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، فإن كانا مسلمين .. فمسلم ... )) الرواية . (٢) هو عند أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢) ضمن قصة الإسراء . (٣) قوت القلوب (١١٨/١). ں: ٥٣ جن شن تر حن مدن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وفي الخبرِ : (( قالَ اللهُ تعالى: لمْ يسعْني أرضي ولا سمائي ، ووسعَني قلبُ عبديَ المؤمنِ اللينِ الوادعِ ))(١). وفي الخبرِ: أنَّهُ قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ مَنْ خيرُ الناس؟ فقالَ: (( كلُّ مؤمنٍ مخموم القلبِ))، فقيلَ: وما مخمومُ القلبِ؟ فقالَ: ((هوَ التقيُّ النقيُّ، الذي لا غشَّ فيهِ ولا بغيَ، ولا غدرَ ولا غلَّ ولا حسدَ))(٢). ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( رأى قلبي ربِّي) ، إذْ كانَ قدْ رفعَ الحجاب بالتقوى . (١) قوت القلوب (١١٨/١)، وقد أورده الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٤٤٦٦) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه، ورواه أحمد في ((الزهد)) ( ٤٢٣) عن وهب بن منبه ، قال : إن الله عز وجل فتح السماوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش أو كما قال ، فقال حزقيل : سبحانك ما أعظمك يا رب ! فقال الله : إن السماوات والأرض لم تطق أن تحملني ، وضقنَ من أن تسعني ، ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين . ـحر حن حن من ٩٠ وفي (( الرسالة القشيرية)) ( ص ٣٨٥): ( وفي بعض الكتب : أن موسى عليه السلام قال : يا رب ؛ أين تسكن ؟ فأوحى الله تعالى إليه : في قلب عبدي المؤمن . ومعناه : سكون الذكر في القلب ؛ فإن الحق سبحانه وتعالى منزه عن كل سكون وحلول ، وإنما هو إثبات ذكر وتحصيل)، وقال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٣٤/٧) : (ويشهد لصحة معناه حديث أبي عنبة الخولاني المار ذكره قريباً عن الطبراني ، وهذا القدر يكفي للصوفي ، ولا يعترض عليه إذا عزاه إلى حضرة الرسالة ، والإنصاف من أوصاف المؤمنين ) . (٢) رواه ابن ماجه (٤٢١٦) بنحوه، وأصل الخمِّ في المعنى: الكنْس والتنقية . حم ٥٤ حن من ـتب ربع المهلكات دن كتاب عجائب القلب حن ومَنِ ارتفعَ الحجابُ بينَهُ وبينَ ربِّهِ .. تجلَّى صورةُ المُلْكِ والملكوتِ في قلبهِ ، فيرىُ جنَّةً عرضُ بعضِها السماواتُ والأرضُ ، أمَّا جملتُها .. فأكثرُ سَعَةٌ مِنَ السماواتِ والأرضِ ؛ لأنَّ السماواتِ والأرضَ عبارةٌ عنْ عالمٍ المُلْكِ والشهادةِ ، وهوَ وإنْ كانَ واسعَ الأطرافِ ، متباعدَ الأكنافِ .. فهوَ متناهٍ على الجملةِ ، وأمَّا عالمُ الملكوتِ ، وهوَ الأسرارُ الغائبةُ عنْ مشاهدةِ الأبصارِ ، المخصوصةُ بإدراكِ البصائرِ .. فلا نهايةَ لهُ(١). حن تن نعم ، الذي يلوحُ للقلبِ منهُ مقدارٌ متناهٍ ، ولكنَّهُ في نفسِهِ وبالإضافةِ إلى علمِ اللهِ تعالى لا نهايةَ لهُ . وجملةُ عَالم المُلْكِ والملكوتِ إذا أُخذَتْ دفعةً واحدةً تُسمَّى الحضرةَ الربوبيَّةَ ؛ لأنَّ الحضرةَ الربوبيَّةَ محيطةٌ بكلِّ الموجوداتِ ؛ إذْ ليسَ في الوجودِ شيءٌ سوى اللهِ تعالى وأفعالِهِ، ومملكتُهُ وعبيدُهُ مِنْ أفعالِهِ ، فما يتجلَّى مِنْ ذلكَ للقلبِ هوَ الجنَّةُ بعينها عندَ قومٍ ، وهوَ سببُ استحقاقِ الجنَّةِ عندَ أهلِ الحقِّ ، ويكونُ سعةُ ملكِهِ في الجنَّةِ بحسبٍ سعةٍ معرفتِهِ ، وبمقدارِ ما تجلَّىُ لهُ مِنَ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، وإنَّما مرادُ الطاعاتِ وأعمالِ الجوارحِ (١) لسعته، وعالم الشهادة بالنسبة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالنسبة إلى اللب، وكالصورة والقالب بالنسبة للروح ، وكالظلمة بالنسبة إلى النور ، وكالسفل بالنسبة إلى العلو ، ولذلك يسمى عالم الملكوت العالمَ العلوي ، والعالم الروحاني ، والعالم النوراني، وفي مقابلته العالم السفلي والجسماني والظلماني. ((إتحاف)) (٢٣٥/٧)، وأصله من كلام المصنف في «مشكاة الأنوار)). ٥٥ حن ن كتاب عجائب القلب ـكن ربع المهلكات كلُّها تصفيةُ القلبِ وتزكيتُهُ وجلاؤُهُ ، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ﴾ ، ومرادُ تزكيتِهِ حصولُ أنوارِ الإيمانِ فيهِ ؛ أعني : إشراقَ نورِ المعرفةِ ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾، وبقولِهِ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَوُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ . نعمْ ، هذا التجلي وهذا الإيمانُ لهُ ثلاثُ مراتبَ : المرتبةُ الأولى : إيمانُ العوامِّ : وهوَ إيمانُ التقليدِ المحضِ . والثانيةُ : إيمانُ المتكلمينَ : وهوَ ممزوجٌ بنوع استدلالٍ ، ودرجتُهُ قريبةٌ من درجةٍ إيمانِ العوامِّ . والثالثةُ : إيمانُ العارفينَ : وهوَ المشاهدةُ بنورِ اليقينِ(١) . ونبيِّنُ لكَ هذهِ المراتبَ بمثالٍ ، وهوَ أنَّ تصديقَكَ بكونِ زيدٍ مثلاً في الدار لهُ ثلاثُ درجاتٍ : حن حٹن الأولى : أنْ يخبرَكَ بهِ مَنْ جِرَّبتَهُ بالصدْقِ ، ولمْ تعرفُهُ بالكذبِ ، ولا اتهمتَهُ في القولِ ، فإنَّ قلبَكَ يسكنُ إليهِ ، ويطمئنُّ بخبرِهِ بمجرَّدِ السماع ، وهذا هوَ الإيمانُ بمجرَّدِ التقليدِ ، وهوَ مثلُ إيمانِ العوامِّ ؛ فإنَّهُمْ (١) ينظر في بيانها كلام المصنف في ((مشكاة الأنوار)) مجملاً، وقد روى أحمد في ((المسند)) (٢١٥/١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (( ليس الخبر كالمعاينة)) . سيد قء فاء ٥٦ -حن حن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب لمَّا بلغوا سنَّ التمييزِ .. سمعوا مِنْ آبَائِهِمْ وأمهاتِهِمْ وجودَ اللهِ تعالى ، وعلمِهِ وإرادتِهِ وقدرتِهِ وسائرِ صفاتِهِ ، وبعثةِ الرسلِ وصدقِهِمْ وما جاؤوا بهِ ، وكما سمعوا بهِ .. قبلوهُ، وثبتوا عليهِ ، واطمأنوا إليهِ ، ولمْ يخطر ببالِهِمْ خلافُ ما قالوهُ لُهُمْ ؛ لحسنِ ظنِّهِمْ بآبائِهِمْ وأمهاتِهِمْ ومعلِّمِيهِمْ . وهذا الإيمانُ سببُ النجاةِ في الآخرةِ ، وأهلُهُ مِنْ أوائلِ رتبِ أصحابِ اليمينِ ، وليسوا مِنَ المقرَّبينَ ؛ لأنَّهُ ليسَ فيهِ كشفتٌ وبصيرةٌ وانشراحُ صدرٍ بنورِ اليقينِ ؛ إذ الخطأَ ممكنٌ فيما سُمعَ مِنَ الآحادِ - بلْ مِنَ الأعدادِ - فيما يتعلَّقُ بالاعتقاداتِ ، فقلوبُ اليهودِ والنصارى أيضاً مطمئنةٌ بما يسمعونَهُ مِنْ آبَائِهِمْ وأمهاتِهِمْ إلا أنَّهُمْ اعتقدوا ما اعتقدوهُ خطأً لأنَّهُمْ أُلقيَ إليهِمُ الخطأُ ، والمسلمونَ اعتقدوا الحقَّ ، لا لاطلاعِهِمْ عليهِ، ولكنْ أَلقيَ إليهِمْ كلمةُ الحقِّ(١). 13 الرتبةُ الثانيةُ : أنْ تسمعَ كلامَ زيدٍ وصوتَهُ مِنْ داخلِ الدارِ ، ولكنْ مِنْ (١) ولقائل أن يقول: فما بال مقلِّد غير المسلمين يرى المصنف أنه من أهل النار ومقلد المسلمين أنه من أهل الجنة وكل منهما مشترك في التقليد ليس إلا ؟ فلهذا جواب حكميٌّ يطول ، وعلى طريقة أهل الكلام يمكن القول: بِمَ كُلِّفَ العبد: أبالبحث عن الإيمان أو بالإيمان ؟ ومعلوم أن التكليف متجه للإيمان ، فمن أصاب الإيمان بغير بحث ودليل .. فهو من أهله ، ومن لم يصبه .. كُلُّف بالبحث عنه ، فإن تراخى عن ذلك .. لم يكن من أهله ، والإمام الغزالي هنا وفي غيره من كتبه يميل إلى القول بإيمان المقلد الجازم بتقليده ، وهو رأي عامة أهل السنة والجماعة . خات ٥٧ حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وراءٍ جدارٍ ، فتستدلَّ بهِ على كونِهِ في الدارِ ، فيكونَ إيمانُكُ وتصديقُكَ ويقينُكَ بكونِهِ في الدارِ أقوىُ مِنْ تصديقِكَ بمجرَّدِ السماع ؛ فإنَّكَ إذا قيل لكَ: ( إنَّهُ في الدارِ ) ثمَّ سمعتَ صوتَهُ .. ازددتَ بهِ يقيناً؛ لأنَّ الصوتَ يدلُّ على الشكلِ والصورةِ عندَ مَنْ يسمعُ الصوتَ في حالِ مشاهدةِ الصورةِ ، فيحكمُ قلبُهُ بأنَّ هذا صوتُ ذلكَ الشخصِ . وهذا إيمانٌ ممزوجٌ بدليلٍ ، والخطأُ أيضاً ممكنٌ أنْ يتطرّقَ إليهِ ؛ إذِ الصوتُ قدْ يشبهُ الصوتَ ، وقدْ يمكنُ التكلُّفُ بطريقِ المحاكاةِ ، إلا أنَّ ذلكَ قدْ لا يخطرُ ببالِ السامع ؛ لأنَّهُ ليسَ يجعلُ للتهمةِ موضعاً ، ولا يقدرُ في هذا التلبيسِ والمحاكاةِ غرضاً . الرتبةُ الثالثةُ : أَنْ تدخلَ الدارَ فتنظرَ إليهِ بعينِكَ وتشاهدَهُ ، وهذهِ هيَ المعرفةُ الحقيقيَّةُ، والمشاهدةُ اليقينِيَّةُ، وهيَ تشبهُ معرفةَ المقرَّبينَ والصدِّيقينَ ؛ لأنَّهُمْ يؤمنونَ عنْ مشاهدةٍ ، فينطوي في إيمانِهِمْ إيمانُ العوامِّ والمتكلمينَ ، ويتميّزُونَ بمزيَّةٍ بِيِّنَةٍ يستحيلُ معها إمكانُ الخطأِ . 9 نعمْ ، وهمْ أيضاً يتفاوتونَ بمقاديرِ العلومِ ، وبدرجاتِ الكشفِ . ٢ مون أما درجاتُ الكشفِ : فمثالُهُ : أَنْ يبصرَ زيداً في الدارِ عنْ قربٍ ، وفي صحنِ الدارِ في وقتِ إشراقِ الشمسِ ، فيكملُ لهُ إدراكُهُ ، والآخرُ دركُهُ في بيتٍ أوْ مِنْ بعدٍ ، أو في وقتِ عشيةٍ ، فيتمثلُ لهُ في صورتِهِ ما يستيقنُ معَهُ أنَّهُ ٥٨ مؤرخ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب هوَ ، ولكنْ لا تتمثلُ في نفسِهِ الدقائقُ والخفايا مِنْ صورتِهِ ، ومثلُ هذا متصوَّرٌ في تفاوتِ المشاهدةِ للأمورِ الإلهيةِ . ـصدن وأمَّا مقاديرُ العلوم : فهو بأنْ يرى في الدارِ زيداً وعمراً وبكراً وغيرَ ذلك ، وآخرُ لا يرى إلا زيداً، فمعرفةُ ذلكَ تزيدُ بكثرةِ المعلوماتِ لا محالةَ . فهذهِ حالُ القلبِ بالإضافةِ إلى العلوم ، والله تعالى أعلمُ بالصوابِ . ـنء ٥٩ شن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان حال القلب بالإضافة إلى أقسام العلوم العقليّة والدّينية والديونيّة والأخرويّة اعلمْ : أنَّ القلبَ بغريزتِهِ مستعدٌّ لقبولِ حقائقِ المعلوماتِ كما سبقَ ، ولكنَّ العلومَ التي تحلُّ فيهِ تنقسمُ إلى عقليَّةٍ ، وإلى شرعيَّةٍ . والعقليَّةُ تنقسمُ إلى ضروريّةٍ ، ومكتسبةٍ . والمكتسبة إلى دنيويَّةٍ ، وأخرويَّةٍ أمَّا العقليّةُ : فنعني بها : ما تقضي بها غريزةُ العقلِ ، ولا تُوجدُ بالتقليدِ والسماعِ . وهيَ تنقسمُ : إلى ضروريةٍ لا يدري مِنْ أينَ حصلَتْ ، وكيفَ حصلَتْ ؛ كعلمِ الإنسانِ بأنَّ الشخصَ الواحدَ لا يكونُ في مكانينِ ، والشيءَ الواحدَ لا يكونُ حادثاً قديماً ، موجوداً معدوماً معاً؛ فإنَّ هذهِ علومٌ يجدُ الإنسانُ نفسَهُ منذُ الصبا مفطوراً عليها ، ولا يدري متى حصلَ لهُ هذا العلمُ ، ولا مِنْ أينَ حصلَ لهُ؛ أعني أنَّهُ لا يدري لها سبباً قريباً ، وإلا .. فليسَ يخفى عليهِ أنَّ اللهَ هوَ الذي خلقَهُ وهداهُ . حنحن حن حن جن جن حج حن حن حن وإلى علوم مكتسبةٍ ، وهيَ المستفادةُ بالتعلّم والاستدلالِ . تَت ٦٠ دن مدن