النص المفهرس
صفحات 741-760
ربع العادات كتاب آداب المعيشة وكانَ إذا أكل اللحمَ .. لمْ يطأطىءُ رأسَهُ إليهِ ، ويرفعُهُ إلى فيهِ رفعاً ، ثمّ ينتهشُهُ انتهاشاً(١) . وكانَ يأكلُ الخبزَ والسمنَ(٢). وكانَ يحبُّ مِنَ الشاةِ الذراعَ والكتفَ، ومِنْ القدْرِ الدُّبَّاءَ (٣) ، ومِنَ الصباغ الخلَّ ، ومِنَ التمرِ العجوةَ (٤). ( أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حُبارى ) ، وأما كونه صلى الله عليه وسلم لا يتبع الصيد .. فقد قال الحافظ العراقي : ( هذا هو الظاهر من أحواله ، فقد قال: ((من تبع الصيد .. غفل))، رواه أبو داوود [٢٨٥٩]، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي [١٩٥/٧] من حديث ابن عباس ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وأما حديث صفوان بن أمية عند الطبراني - في ((الكبير)) [٥١/٨] -: ((قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد)) .. فهو ضعيف جداً) . (١) روى أبو داوود (٣٧٧٩)، والترمذي (١٨٣٥) من حديث صفوان بن أمية قال : كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ اللحم بيدي من العظم ، فقال: ((أدْنِ العظم من فيك ؛ فإنه أهنا وأمرأ))، وعند البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه : ( فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه ، فنهس منها نهسة)، والنهس والنهش : أخذ اللحم بمقدم الأسنان ، فهما بمعنىّ ، وقيل : النهس : لمقدم الأسنان ، والنهش : بالأسنان والأضراس . ـح (٢) كما في خبر أبي طلحة وأم سليم حين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم على طعام هو خبز مأدوم بالسمن ، وهو عند البخاري ( ٣٥٧٨)، ومسلم ( ٢٠٤٠). (٣) القدر : أي المطبوخ في القدر . (٤) لما روى أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٥٩٤، ٦٠٢، ٦٢٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٧٤١ كتاب آداب المعيشة ربع العادات ودعا في العجوةِ بالبركةِ(١)، وقالَ: ((هيَ منَ الجنَّةِ، وشفاءٌ مِنَ السمِّ والسحرِ))(٢). وكانَ يحبُّ مِنَ البقولِ الهندباءَ(٣) ، والباذروجَ (٤)، والبقلةَ الحمقاءَ التي يُقالُ لها : الرجلُ(٥) . وكانَ يكرهُ الكليتينِ لمكانِهِما مِنَ البولِ(٦). وكانَ لا يأكلُ مِنَ الشاةِ سبعاً: الذَّكَرَ ، والأُنثيين ، والمثانةَ ، (١) لما روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٢٦/١١) من حديث جابر رضي الله عنه. (٢) روى الترمذي (٢٠٦٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦٣٦)، وابن ماجه ( ٣٤٥٣) من حديث أبي سعيد وجابر مرفوعاً: (( والعجوة من الجنة ، وهي شفاء من السم)) ، وعند البخاري ( ٥٤٤٥)، ومسلم ( ٢٠٤٧) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعاً: (( من تصبَّح كل يوم سبعَ تمرات عجوةً .. لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر )) . (٣) لما روى أبو القاسم الجرجاني في ((تاريخ جرجان)) (١٠٣/١) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً . (٤) الباذروج: لفظة فارسية، وهي الريحان ، وقال الحافظ الزبيدي: ( هو الريحان القرنفلي، وهو الضيمران). ((إتحاف)) (١٢١/٧ ). (٥) لما روى الحارث بن أسامة كما في ((زوائده)) (٥٣٥)، والجرجاني في (( تاريخ جرجان)) (٢٤٢/١) أنه صلى الله عليه وسلم دعا للرجلة بالبركة فقال: ((انبتي حيث شئتِ ، فأنت شفاء من سبعين داء أدناها الصداع)) . (٦) قال الحافظ العراقي: (رويناه في (( جزء من حديث أبي بكر محمد بن عبيد الله بن الشخير )) من حديث ابن عباس بسند ضعيف ، فيه أبو سعيد الحسن بن علي العدوي ، أحد الكذابين). ((إتحاف)) (١٢١/٧)، وزاد: (رواه ابن السني في كتاب (( الطب النبوي)) ) . ٧٤٢ ربع العادات كتاب آداب المعيشة والمرارةَ، والغددَ، والحياءَ، والدمَ(١) ويكرهُ ذلكَ. وكانَ لا يأكلُ الثومَ ، ولا البصلَ ، ولا الكرَّاثَ(٢). وما ذَّ طعاماً قطُّ، ولكنْ إنْ أعجبَهُ .. أكلَهُ، وإنْ كرهَهُ .. تركَهُ، وإنْ عافَهُ .. لمْ يبغِّضْهُ إلى غيرِهِ(٣) . وكانَ يعافُ الضبَّ والطحالَ ولا يحرمُهُما (٤). (١) روى النهي عنها الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٧٦) من حديث ابن عمر ، وابن عدي في ((الكامل)) (١٢/٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهم . والحياء هنا : الفرج من ذوات الخف والظلف ، والدم : المقصود به غير المسفوح ، إذ المسفوح حرام بالإجماع . (٢) ونهى عن ذلك، فقد روى مسلم (٥٦٤) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً: (( من أكل البصل والثوم والكراث .. فلا يقربنَّ مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )» ، وفي قصة أبي أيوب رضي الله عنه إذ بعث للنبي صلى الله عليه وسلم بطعام فيه ثوم، فلم يأكل منه، كما في (( مسلم)) (٢٠٥٣)، وقال: (( ولكني أكرهه من أجل ريحه))، وفي ((الحلية)) (٣٣٢/٦) من حديث أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل الثوم ولا الكراث ولا البصل . قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٢٢/٧): (ويقاس على هؤلاء الفجل وكل بقلة كريهة ) . (٣) تقدم أنه صلى الله عليه وسلم ما عاب طعاماً قط . (٤) تقدم الحديث عن حكم أكل الضب والخلاف فيه، وهو في (( الصحيحين)) بأنه صلى الله عليه وسلم كان يعافه لأنه ليس في أرض قومه ، وأما الطحال .. فعند ابن ماجه (٣٣١٤) مرفوعاً: ((أحلت لكم ميتتان ودمان ، فأما الميتتان .. فالحوت والجراد ، وأما الدمان .. فالكبد والطحال))، وروى البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧/١٠) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : ( إني لآكل الطحال وما بي إليه حاجة إلا ليعلم أهلى أنه لا بأس به ) . ٧٤٣ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَ يلعقُ بأصابعِهِ الصحفةَ ويقولُ: ((آخرُ الطعام أكثرُ بركةً))(١). وكانَ يلعقُ أصابعَهُ مِنَ الطعام حتَّى تحمرَّ (٢). وكانَ لا يمسحُ يدَهُ بالمنديلِ حتَّى يلعقَ أصابعَهُ واحدةٌ واحدةٌ ، ويقولُ : ((إِنَّهُ لا يُدرى في أيِّ الأصابع البركةُ))(٣)، وإذا فرِغَ .. قالَ: ((اللهمَّ؛ لكَ الحمدُ ، أطعمتَ فأشبعتَ ، وسقيتَ فأرويتَ ، لكَ الحمدُ غيرَ مكفورٍ ولا مودَّع ولا مستغنىَ عنهُ)) (٤) . وكانَ إذا أكل الخبزَ واللحمَ خاصَّةٌ . . غسل يديهِ غسلاً جيّداً ، ثمَّ يمسحُ بفضْلِ الماءِ على وجهِهِ (٥). وكانَ يشربُ في ثلاثِ دفعاتٍ ، ولهُ فيها ثلاثُ تسمياتٍ ، وفي آخرِها ثلاثُ تحميداتٍ(٦). (١) رواه مسلم (٢٠٣٤) من حديث أنس رضي الله عنه، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٧٣٦) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه مسلم (٢٠٣٢) من حديث كعب رضي الله عنه ، وقوله : ( حتى تحمزّ ) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٢٣/٧): ( والمعنى : المبالغة في لعقها ، وكأنه أخذ ذلك من رواية الترمذي في ((الشمائل)) (١٣٧) : كان يلعق أصابعه ثلاثاً ؛ أى : كل إصبع ثلاث مرات ) . (٣) تقدم في الحديث الذي قبله ، وفي ( ط ): ( في أي الطعام البركة ) . (٤) رواه أحمد في (( المسند)) (٢٣٦/٤)، ونحوه عند البخاري ( ٥٤٥٩ ) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . (٥) لما روى أبو يعلى في ((مسنده)) (٥٥٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. (٦) روى ذلك الطبراني في «الأوسط)) (٨٤٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعند = ٧٤٤ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وكانَ يمَصُّ الماءَ مصّاً ولا يعبُّ عبّاً (١) . وربَّما كانَ يشربُ بنَفَسٍ واحدٍ حتَّى يفرغ (٢). وكانَ لا يتنفَّسُ في الإناءِ، بلْ ينحرفُ عنهُ(٣). وكانَ يدفعُ فضْلَ سؤرِهِ إلى مَنْ على يمينِهِ (٤) ، فإنْ كانَ مَنْ على يسارِهِ أجلَّ رتبةً .. قالَ للذي على يمينِهِ: السنَّةُ أنْ تُعطى، فإنْ أحببتَ .. آثرتَهُمْ )»(٥) . وأَتَيَ بإناءٍ فيهِ عسلٌ ولبنٌ، فأبى أنْ يشربَهُ، وقالَ: (( شربتانِ في شربةٍ، وإدامانِ في إناءٍ واحدٍ))، ثمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه = وسلم كان يتنفس ثلاثاً . (١) لما روى الطبراني في ((الكبير)) (٤٧/٢)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٤٠/١) من حديث بهز . (٢) قال الحافظ العراقي : (رواه أبو الشيخ من حديث زيد بن أرقم بإسناد ضعيف ، وللحاكم حديث أبي قتادة وصححه: ((إذا شرب أحدكم .. فليشرب بنفس واحد ))، ولعل تأويل هذين الحديثين على ترك التنفس في الإناء، والله أعلم). ((إتحاف)) (١٢٥/٧ ) . (٣) لما روى البخاري (١٥٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه مرفوعاً . (٤) كما في ((البخاري)) (٢٣٥٢)، و((مسلم)) (٢٠٢٩) من حديث أنس رضي الله عنه . (٥) لما روى البخاري (٢٣٥١)، ومسلم (٢٠٣٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه . ٧٤٥ كتاب آداب المعيشة ربع العادات أحرِّمُهُ، ولكنِّي أكرَهُ الفخرَ والحسابَ بفضولِ الدنيا غداً، وأحبُّ التواضعَ، فإنَّ مَنْ تواضعَ للهِ .. رفعَهُ اللهُ))(١) . وكانَ في بيتِهِ أشدَّ حياءً مِنَ العاتقِ(٢)، لا يسألُهُمْ طعاماً ولا يتشهَّاهُ عليهِمْ، إنْ أطعموهُ .. أكلَ، وما أعطوْهُ .. قبلَ(٣)، وما سقوهُ .. شربَ(٤). وكانَ ربَّما قامَ فأخذَ ما يأكلُ بنفسِهِ أوْ يشربُ(٥) . (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٨٩١) من حديث عائشة رضي الله عنها . يمن (٢) العاتق: المرأة خرجت عن خدمة أبويها، وعن أن يملكها زوجها. ((إتحاف)) ( ١٢٦/٧ ) . ـجن حة: (٣) في غير (ج ): ( وما أطعموه ) بدل ( وما أعطوه ) . (٤) لما روى مسلم ( ١١٥٤) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٥) لما روى أبو داوود (٣٨٥٦)، والترمذي (٢٠٣٧) من حديث أم المنذر الأنصارية ، حم: والترمذي ( ١٨٩٢)، وابن ماجه (٣٤٢٣) من حديث كبشة رضي الله عنها قالت : ( دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشرب من في قربةٍ معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته ) . ٧٤٦ ربع العادات حر كتاب آداب المعيشة بيان آدابه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم في اللباس كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يلبسُ مِنَ الثيابِ ما وجدَ مِنْ إزارٍ ورداءٍ ، أوْ قميصٍ أوْ جبةٍ ، أوْ غيرِ ذلكَ(١). وكانَ يعجبُهُ الثيابُ الخضْرُ(٢). وكانَ أكثرُ لباسِهِ البياضَ، ويقولُ: (( ألبسوها أحياءَكُمْ، وكفِّنوا فيها موتاكُمْ))(٣). وكانَ يلبسُ القَباءَ المحشوَّ للحربِ وغيرَ المحشوِّ(٤). وكانَ لهُ قَبَاءٌ سندسٌ فيلبسُهُ ، فتحسنُ خضرتَهُ على بياضٍ لونِهِ(٥) . (١) لما روى البخاري (٣١٠٨)، ومسلم (٢٠٨٠)، وأحمد في ((المسند)) (١٣٣/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) لما روى الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٢٧) من حديث أنس رضي الله عنه ، وأبو داوود (٤٠٦٥)، والترمذي (٢٨١٢) عن أبي رمثة. (٣) روى أبو داوود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه ( ١٤٧٣ ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (( البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم))، وعند النسائي (٢٠٥/٨) من حديث سمرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((عليكم بالبياض من الثياب ، فليلبسها أحياؤكم ، وكفنوا فيها موتاكم ؛ فإنها من خیر ثیابکم )» . (٤) لما روى مسلم ( ٢٠٧٠) من حديث جابر رضي الله عنه . (٥) كما روى البخاري (٢٦١٥) من حديث أنس رضي الله عنه، وأحمد في (( المسند)) (٢٠٦/٣ ) . ٧٤٧ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَتْ ثيابُهُ كلُّها مشمرةً فوقَ الكعبينِ ، ويكونُ الإزارُ فوقَ ذلكَ إلى نصفِ الساقِ(١) . وكانَ قميصُهُ مشدودَ الأزرار ، وربَّما حلَّ الأزرارَ في الصلاةِ وغيرِها(٢). وكانَتْ لهُ ملحفةٌ مصبوغةٌ بالزعفرانِ ، وربَّما صلَّى بالناسِ فيها وحدَها(٣)، وربَّما لبسَ الكساءَ وحدَهُ ما عليهِ غيرُهُ(٤) . وكانَ لهُ كساءٌ ملبَّدٌ يلبسُهُ ويقولُ: ((إنَّما أنا عبدٌ ألبسُ كما يلبَسُ العبدُ ))(٥) . وكانَ لهُ ثوبانِ لجمعتِهِ خاصَّةً سوى ثيابِهِ في غيرِ الجمعةِ (٦). وربَّما لبسَ الإزارَ الواحدَ ليسَ عليهِ غيرُهُ(٧) ، ويعقدُ طرفيهِ بينَ (١) كما روى الحافظ ابن طاهر في ((صفوة التصوف)) (ص٢٢٧) من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه، والترمذي في (( الشمائل)) (١٢٠) من حديث عبيد بن خالد . (٢) لما روى أبو داوود (٤٠٨٢)، وابن ماجه (٣٥٧٨) من حديث قرة بن إياس رضي الله عنه ، وابن خزيمة في (( صحيحه )) ( ٧٧٩) عن زيد بن أسلم . ـة (٣) كما هو عند أبي داوود من حديث قيس بن سعد رضي الله عنه، والترمذي (٢٨١٤) من حديث قيلة بنت مخرمة . (٤) لما روى ابن ماجه (١٠٣٢) من حديث ثابت بن الصامت رضي الله عنه . (٥) تقدم حديث السيدة عائشة رضي الله عنها وذكرها للكساء الملبد الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم . (٦) لما روى الطبراني في ((الأوسط)) (٣٥٤٠) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٧) كما هو عند مسلم ( ١٤٧٩) في حديث هجره نساءه صلى الله عليه وسلم. حن ٧٤٨ ربع العادات كتاب آداب المعيشة كتفيهِ(١)، وربَّما أمّ بهِ الناسَ على الجنائزِ(٢). وربَّما صلَّى في بيتِهِ في الإزارِ الواحدِ ملتحفاً بهِ ، مخالفاً بينَ طرفيهِ ، ويكونُ ذلكَ الإزارُ الذي جامعَ فيهِ يومئذٍ(٣). وكانَ ربَّما صلَّى بالليلِ في الإزارِ ، ويرتدي ببعضٍ الثوبِ ممَّا يلي هدبَهُ ، ويلقي البقيَّةَ على بعضٍ نسائِهِ ، فيصلِّي كذلكَ (٤). ولقدْ كانَ لهُ كساءٌ أسودُ، فوهبَهُ ، فقالَتْ لهُ أمُّ سلمَةَ رضيَ اللهُ عنها : بأبي أنتَ وأمي، ما فعلَ ذلكَ الكساءُ الأسودُ؟ فقالَ: ((كسوتُهُ))، فقالَتْ : ما رأيتُ شيئاً قطُّ كانَ أحسنَ مِنْ بياضِكَ على سوادِهِ(٥) . وقالَ أنسٌ : ( وربَّما رأيتُهُ يصلّي بنا الظهرَ في شملةٍ عاقداً بينَ طرفيها )(٦). (١) رواه البخاري (٣٥٢) عن محمد بن المنكدر . (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف عليه). ((إتحاف)) (١٢٨/٧). (٣) كما روى أبو يعلى في ((مسنده)) (٧١٤٠) من حديث معاوية رضي الله عنه . (٤) كما روى أبو داوود (٦٣١) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٥) رواه أبو داوود (٤٠٧٤) من حديث عائشة رضي الله عنها ، وقال الحافظ العراقي : ( لم أقف عليه من حديث أم سلمة ). ((إتحاف)) (١٢٨/٧). (٦) قال الحافظ العراقي: (رواه البزار وأبو يعلى بلفظ: صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه ، وللبزار : خرج في مرضه الذي مات فيه مرتدياً بثوب قطن ، فصلى بالناس ، وإسنادهما صحيح ، ولابن ماجه [٣٥٥٣] من حديث عبادة بن الصامت : صلى في شملة قد عقد عليها، وفي ((كامل ابن عدي)) [٤١٤/١]: قد عقد عليها هكذا، وأشار سفيان إلى قفاه). ((إتحاف)) (١٢٩/٧)، وهو عند ابن عساكر في ((تاريخ = ٧٤٩ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَ يتختَّمُ(١). وربَّما خرجَ وفي خاتمِهِ الخيطُ المربوطُ يستذكرُ بهِ الشيءَ(٢). وكانَ يختمُ بهِ على الكتبِ ، ويقولُ: (( الخاتمُ على الكتابِ خيرٌ مِنَ التهمةٍ))(٣). وكانَ يلبسُ القلانسَ تحتَ العمائمِ وبغيرِ عِمامةٍ ، وربَّما نزعَ قلنسوتَهُ مِنْ رأسِهِ فجعلهَا سترةٌ بينَ يديهِ ثمَّ يصلّي إليها (٤) . وربَّما لمْ تكنِ العِمامةُ ، فيشدُّ العصابةَ على رأسِهِ وعلى جبهتِهِ(٥). وكانَتْ لهُ عِمامةٌ تسمَّى السحابَ ، فوهبَها مِنْ عليٍّ ، فربَّما طلعَ عليٌّ دمشق )) (٣/٣٨): ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قطيفة رومية قد = عقدها على عنقه ثم صلى بنا ما عليه غيرها ) . (١) كما في ((البخاري)) (٦٥)، و((مسلم)) (٢٠٩٢) من حديث أنس رضي الله عنه . (٢) كما روى ابن عدي فى ((الكامل)) (١٣/٢) من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، وابن سعد في ((الطبقات)) (٣٣٣/١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . (٣) ختمُهُ على الكتب جاء في الحديث المتقدم الذي رواه البخاري ( ٦٥)، ومسلم (٢٠٩٢)، وأما الحديث الذي أورده المصنف .. فقال الحافظ العراقي: ( لم أقف عليه ). ((إتحاف)) ( ١٢٩/٧). (٤) لما روى أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٣٠٢) ، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٨٤٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولأبي الشيخ ( ٣٠٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأبي داوود ( ٤٠٧٨ )، والترمذي ( ١٧٨٤ ) من حديث ركانة رضي الله عنه مرفوعاً . (٥) كما هو عند البخاري (٩٢٧) وكان ذلك بمرض موته صلى الله عليه وسلم . ٧٥٠ ربع العادات كتاب آداب المعيشة ـدر فيها، فيقولُ: صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتاكُمْ عليٍّ في السحابِ))(١). وكانَ إذا لبسَ ثوباً .. يلبسُهُ مِنْ قِبَلِ ميامنِهِ (٢)، ويقولُ: ((الحمدُ للهِ الذي كساني ما أواري بهِ عورتي وأتجمَّلُ بهِ في الناس))(٣). وإذا نزعَ ثوبَهُ .. أخرجَهُ مِنْ مياسرِهِ(٤). وكانَ لهُ ثوبٌ لجمعتِهِ خاصَّةً سوى ثيابِهِ لغيرِ الجمعةِ . وكانَ إذا لبسَ جديداً .. أعطىُ خَلَقَ ثيابِهِ مسكيناً، ثمَّ يقولُ: (( ما مِنْ مسلمٍ يكسو مسلماً مِنْ سَمَلِ ثيابِهِ ، لا يكسوهُ إلا للهِ . . إلا كانَ في ضمانِ اللهِ وحرزِهِ وخيرِهِ ما واراهُ حيّاً وميّاً))(٥). وكانَ لهُ فراشٌ مِنْ أدم ، حشوهُ ليفٌ ، طولُهُ ذراعانِ أوْ نحوُهُ ، وعرضُهُ ذراعٌ وشبرٌ أَوْ نحوُهُ(٦) . (١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٩٠/٦)، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٢٩٧) . (٢) كما في (( الترمذي)) (١٧٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) رواه الترمذي (٣٥٦٠)، وابن ماجه ( ٣٥٥٧) من حديث عمر رضي الله عنه . (٤) كما هو عند أبي الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٧٨٢) بنحوه. (٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٩٣/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) (٥٨٧٣) من حديث عمر رضي الله عنه ، وليس فيه ذكر التصدق . (٦) رواه مسلم (٢٠٨٢) من حديث عائشة رضي الله عنها ، وليس فيه ذكر الطول والعرض، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٤٦٢) من حديث أم سلمة رضي الله عنها . ٧٥١ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَتْ لهُ عباءةٌ تفرشُ لهُ حيثما تنقلَ، تُثنى طاقينِ تحتَهُ(١) ٠ وكانَ ينامُ على الحصيرِ ليسَ تحتَهُ شيءٌ غيرُهُ(٢). وكانَ مِنْ خلقِهِ تسميةُ دوابُهِ وسلاحِهِ ومتاعِهِ ، وكانَ اسمُ رايتِهِ العقابَ(٣)، واسمُ سيفِهِ الذي يشهدُ بهِ الحروبَ ذو الفقارِ (٤). وكانَ لهُ سيفٌ يُقالُ لهُ: المِخْذَمُ ، وآخرُ يُقالُ لهُ : الرسوبُ ، وآخرُ يُقالُ لهُ : القضيبُ(٥). وكانتْ قَبِيعَةُ سيفِهِ محلاةٌ بالفضةِ(٦). وكانَ يليسُ المنطقةَ مِنَ الأدم ، فيها ثلاثُ حلقٍ مِنْ فضةٍ(٧) . (١) لما روى ابن سعد في ((الطبقات)) (٤٠٠/١)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٤٦١) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) جاء هذا في حديث اعتزاله صلى الله عليه وسلم زوجاته رضي الله تعالى عنهن ، كما في ((البخاري)» ( ٤٩١٣)، و((مسلم)) (١٤٧٩) من حديث عمر رضي الله عنه . (٣) روى ذلك ابن عدي في ((الكامل)) (٢٩١/٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وهو عند ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٩٢/١) من مرسل الحسن . (٤) كما في ((الترمذي)) (١٥٦١)، و((ابن ماجه)) (٢٨٠٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . (٥) لما روى ابن سعد في ((طبقاته)) (٤١٨/١) عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى . (٦) روى ذلك أبو داوود ( ٢٥٨٣)، والترمذي (١٦٩١)، والنسائي (٢١٩/٨) من حديث أنس رضي الله عنه ، والقبيعة بوزان سفينة : التي على طرف مقبض السيف . (٧) لما روى ابن سعد في ((طبقاته)) (٤١٩/١) من رواية محمد بن علي بن الحسين مرسلاً، وحكى ابن سعد في (طبقاته)) (٣٥/٢) في حديثه عن غزوة أحد نحوه . ٧٥٢ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وكانَ اسمُ قوسِهِ الكتومَ ، وجَعبتِهِ الكافورَ(١). وكانَ اسمُ ناقتِهِ القصواءَ ، وهيَ التي يُقالُ لها : العضباءُ ، واسمُ بغلتِهِ الدُّلْدُلَ، وكانَ اسمُ حمارِهِ يعفوراً ، واسمُ شاتِهِ التي يشربُ لبنَها عينةَ(٢). وكانَ لهُ مطهرةٌ مِنْ فخَّارِ يتوضَّأُ فيها ويشربُ منها ، فيرسلُ الناسُ أولادَهُمُ الصِّغارَ الذين قدْ عقلوا، فيدخلونَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فلا يُدفعونَ عنهُ، فإذا وجدوا في المطهرةِ ماءً .. شربوا منهُ ومسحوا على وجوهِهِمْ وأجسادِهِمْ؛ يبتغونَ بذلكَ البركةَ(٣). (١) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (١٧٦/٢) عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري . (٢) لما روى البخاري (٢٧٣٤) في حديث الحديبية، وعنده أيضاً (٢٨٧١) من حديث أنس رضي الله عنه، وابن سعد في ((طبقاته)) (٤٢٢/١)، وأحمد في ((المسند " (٢٣٨/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٠/١٢)، والسيوطي في (( الشمائل)) (ص ٢٢٣)، وابن سعد في ((طبقاته)) (٤٢٦/١). وفي ( ب، ي): ( عيبة ) بدل (عينة)، وفي (ج ): ( عتبة ) ، وسقطت من بقية النسخ . (٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل )، أما التبرك بماء باشره عليه الصلاة والسلام .. فالأخبار فيه متوافرة في (( الصحيحين)) وغيرهما ، وأما اتخاذه صلى الله عليه وسلم مطهرة خاصة .. فلقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صاحب النعلين والوساد والمطهرة؛ كما في ((البخاري)) (٣٧٤٢). ٧٥٣ كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان عضوه صلى الله عليه وسلم مع المقدرة كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحلمَ الناسِ ، وأرغبَهُمْ في العفوِ معَ القدرةِ ، حتَّى أَتِي بقلائدَ مِنْ ذهبٍ وفضَّةٍ ، فقسمَها بينَ أصحابِهِ ، فقامَ رجلٌ مِنْ أهلِ الباديةِ فقالَ : يا محمدُ ؛ واللهِ لئنْ أمرَكَ اللهُ أنْ تعدلَ .. فما أراكَ تعدلُ! فقالَ: ((ويحَكَ ! فمَنْ يعدلُ عليكَ بعدي؟!))، فلمَّا ولَّى .. قالَ: ((ردُّوهُ عليَّ رويداً)»(١) . وروى جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقبضُ للناسِ يومَ حنينٍ مِنْ فضةٍ في ثوبِ بلالٍ ، فقالَ لهُ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ اعدلْ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ويحَكَ! فمَنْ يعدلُ إذا لمْ أعدلْ ؟! فقد خبتُ إذاً وخسرتُ إنْ كنتُ لا أعدلُ))، فقامَ عمرُ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ ألا أضرب عنقَهُ؛ فإنَّهُ منافقٌ؟ فقالَ: (( معاذَ اللهِ أنْ يتحدَّثَ الناسُ أَنِّي أقتلُ أصحابي))(٢). وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حربٍ ، فرأوا مِنَ المسلمينَ غِرَّةً ، فجاءَ رجلٌ حتَّى قامَ على رأسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالسيفِ (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٧١). (٢) رواه مسلم ( ١٠٦٣)، وهو عند البخاري (٣٦١٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . ٧٥٤ ربع العادات كتاب آداب المعيشة فقالَ: مَنْ يمنعُكَ مِنِّي؟ فقالَ: ((اللهُ))، قالَ: فسقطَ السيفُ مِنْ يدِهِ ، فأخذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ السيفَ وقالَ: ((مَنْ يمنعُكَ مِنِّي؟)) فقالَ: كُنْ خَيْرَ آخذٍ، قالَ : ((قُلْ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ))، فقالَ : لا ، غيرَ أنّي لا أقاتلُكَ ، ولا أكونُ معَكَ، ولا أكونُ معَ قومٍ يقاتلونَكَ ، فخلَّى سبيلَهُ ، فجاءَ أصحابَهُ فقالَ: جئتُكُمْ مِنْ عندِ خيرِ الناسِ (١). وروى أنسرٌ أنَّ يهوديةٌ أتتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بشاةٍ مسمومةٍ ليأكلَ منها ، فجيءَ بها إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فسألَها عنْ ذلكَ ، فقالَتْ : أردتُ قتَلَكَ، فقالَ: (( ما كانَ اللهُ ليسلِّطَكِ على ذلكَ، قالوا : أفلا نقتلُها؟ فقالَ: ((لا))(٢). وسحرَهُ رجلٌ مِنَ اليهودِ ، فأخبرَهُ جبريلُ عليهِ السلامُ بذلكَ حتَّى استخرجَهُ وحلَّ العقدَ ، فوجدَ لذلكَ خفَّةً، وما ذكرَ ذلكَ لليهوديِّ ولا أظهرَهُ عليهِ قطُّ (٣). (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٩/٣)، واسم الرجل : غورث بن الحارث، وأصل القصة عند البخاري ( ٣٩١٠)، ومسلم ( ٨٤٣). (٢) رواه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠)، وعلى رواية قتلها كما هي عند أبي داوود ( ٤٥١٢) فإنما اقتصَّ منها النبي صلى الله عليه وسلم لموت بشر بن البراء بن معرور بسمُها ، و کان ذلك عام خيبر . (٣) رواه النسائي (٧/ ١١٢) من حديث زيد بن الأرقم رضي الله عنه، وأصله عند البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة رضي الله عنها . ٧٥٥ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: بعثَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنا والزبيرَ والمقدادَ فقالَ: (( انطلقوا حتَّى تأتوا روضةَ خاخ، فإنَّ بها ظعينةً معها كتابٌ فخذوهُ منها)) ، فانطلقْنا، حتَّى أتينا روضةَ خاخ فإذا الظعينةُ ، فقلنا : أخرجي الكتابَ ، فقالَتْ : ما معي كتابٌ ، فقلنا : لتُخرجنَّ الكتابَ أوْ لننزعنَّ الثيابَ ، فأخرجتْهُ مِنْ عقاصِها، فأتينا بهِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإذا فيهِ : مِنْ حاطبٍ بنِ أبي بلتعةً إلى أناسٍ مِنَ المشركينَ بمكَّةً ، يخبرُهُمْ أمراً مِنْ أمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: (( يا حاطبُ ؛ ما هذا؟)) قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ لا تعجلْ عليَّ، إنِّي كنتُ امرأً ملصقاً في قومي ، وكانَ مَنْ معَكَ مِنَ المهاجرينَ لهُمْ قراباتٌ بمكَّةَ يحمونَ أهليهِمْ ، فأحببتُ إذْ فاتَني ذلكَ منهُمْ مِنَ النسبِ أنْ أتخذَ فيهِمْ يداً يحمونَ بها قرابتي ، ولمْ أفعلْ ذلك كفراً ، ولا رضاً بالكفرِ بعدَ الإسلام ، ولا ارتداداً عنْ ديني ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((صدقَكُمْ))، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: دَعْني أضربْ عنق هذا المنافقِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إِنَّهُ شهدَ بدراً ، وما يدريكَ ؛ لعلَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قِدِ اطلعَ على أهلِ بدرِ فقالَ : اعملوا ما شئتُمْ فقدْ غفرتُ لكُمْ))(١) . وقسمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قسمةً ، فقالَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ : هذهِ قسمةٌ ما أُرِيدَ بها وجهُ اللهِ ، فذُكِرَ ذلكَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، (١) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). ٧٥٦ ربع العادات كتاب آداب المعيشة فاحمرَّ وجهُهُ وقالَ : (( رحمَ اللهُ أخي موسى ، قدْ أُوذيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصبرَ ))(١) . وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( لا يبلّغُني أحدٌ منكُمْ عنْ أحدٍ مِنْ أصحابي شيئاً ؛ فإنِّي أحبُّ أنْ أخرجَ إليكُمْ وأنا سليمُ الصدرِ))(٢). (١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم ( ١٠٦٢ ). (٢) رواه أبو داوود (٤٨٦٠)، والترمذي (٣٨٩٦). ٧٥٧ حن كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان إغضائ صلى الله عليه وسلم عن كان يكرهه كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رقيقَ البشرةِ ، لطيفَ الظاهرِ والباطنِ ، يُعرفُ في وجهِهِ غضبُهُ ورضاهُ . وكانَ إذا اشتدَّ وجدُهُ .. أكثرَ منَّ لحيتِهِ (١). وكانَ لا يشافِهُ أحداً بما يكرهُهُ ؛ دخلَ عليهِ رجلٌ وعليهِ صفرةٌ ، فكرهَهَا ، فلمْ يقلْ لهُ شيئاً حتَّى خرجَ ، فقالَ لبعضِ القومِ: ((لوْ قلتُمْ لهذا أنْ يدعَ هذهِ)) ؛ يعني: الصفرةَ(٢). وبالَ أعرابيٌّ في المسجدِ بحضرتِهِ ، فهمَّ بهِ الأصحابُ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لا تزرموهُ)) أيْ: لا تقطعوا عليهِ البولَ، ثمَّ قالَ لهُ: ((إنَّ هذهِ المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ مِنَ هذا القذرِ ، والبولِ، والخلاءِ))، وفي روايةٍ: ((قرِّبوا ولا تنفِّروا))(٣). وجاءَهُ أعرابيٌّ يوماً يطلبُ منهُ شيئاً ، فأعطاهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمّ قالَ (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٥٤) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) رواه أبو داوود (٤١٨٢)، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٣٧/٧): ( الظاهر أن ذلك الأثر لم يكن محرماً وإلا .. لم يؤخر أمره صلى الله عليه وسلم بتركه إلى مفارقته للمجلس ) . (٣) رواه البخاري (٢١٩، ٦١٢٨)، ومسلم (٢٨٤)، وعند البخاري (٢٢٠): ((إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين)). ٧٥٨ ربع العادات كتاب آداب المعيشة لهُ: ((أحسنتُ إليكَ؟)) قالَ الأعرابيُّ: لا، ولا أجملتَ، قالَ : فغضبَ المسلمونَ وقاموا إليهِ ، فأشارَ إليهِمْ أنْ كُقُّوا ، ثمَّ قَامَ ودخلَ منزِلَهُ ، وأرسلَ إلى الأعرابيِّ وزادَهُ شيئاً، ثمَّ قالَ: ((أحسنتُ إليكَ؟)) قالَ : نعمْ، فجزاكَ اللهُ مِنْ أهلٍ وعشيرةٍ خيراً ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّكَ قلتَ ما قلتَ وفي نفسٍ أصحابي شيءٌ مِنْ ذلكَ ، فإنْ أحببتَ .. فقلْ بينَ أيدِيهِمْ ما قلتَ بينَ يديَّ حتَّى يذهبَ مِنْ صدورِهِمْ ما فيها عليكَ ، قالَ : نعمْ. فلمَّا كانَ الغدُ أوْ مِنَ العشيِّ .. جاءَ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ هذا الأعرابيَّ قالَ ما قالَ، فزدناهُ، فزعمَ أنَّهُ رضيَ، أكذلكَ؟ )) فقالَ الأعرابيُّ : نعمْ ، فجزاكَ اللهُ مِنْ أهلٍ وعشيرةٍ خيراً ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ مثلي ومثلَ هذا الأعرابيِّ كمثل رجلٍ كانَتْ لهُ ناقةٌ شردَتْ عليهِ ، فاتَّبَّعها الناسُ ، فلم يزيدُوها إلا نفوراً، فناداهُمْ صاحبُ الناقةِ : خلُّوا بيني وبينَ ناقتي ؛ فإنِّي أرفقُ بها وأعلمُ ، فتوجَّهَ لها صاحبُ الناقةِ بينَ يديها ، فأخذَ لها مِنْ قمام الأرضِ، فردَّها هُوْيْ هُوْيْ، حتَّى جاءَتْ واستناخَتْ، وشدَّ عليها رحلَها ، واستوى عليها ، وإنِّي لوْ تركتُكُمْ حيثُ قالَ الرجلُ ما قالَ، فقتلتموهُ .. دخلَ النارَ)) (١) . 3 (١) رواه أبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ١٧٥)، وقوله : ( هوي هوي ) بسكون الواو والياء وضم الهاء في أوله ، اسم صوت لدعاء الناقة . انظر ((الإتحاف)) (١٣٨/٧) . ٧٥٩ ـمحن كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان تخاوته وجوده صلّى الله عليه وغم كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أجودَ الناسِ وأسخاهُمْ ، وكانَ في شهرِ رمضانَ كالريح المرسلةِ لا يمسكُ شيئاً(١) . وكانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ إذا وصفَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. قالَ : كانَ أجودَ الناس كفّاً ، وأجرأَ الناسِ صدراً ، وأصدقَ الناسِ لهجةٌ ، وأوفاهُمْ بذمَّةٍ ، وألينَهُمْ عريكةٌ ، وأكرمَهُمْ عشرةً ، مَنْ رَآهُ بديهةً .. هابَهُ ، ومَنْ خالطَهَ معرفةٌ . . أحبَّهُ، يقولُ ناعتُهُ: لمْ أَرَ قبلَهُ ولا بعدَهُ مثلَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢) . وما سُئِلَ عنْ شيءٍ قطَّ على الإسلام إلا أعطاهُ ، وإنَّ رجلاً أتاهُ فسألَهُ ، فأعطاهُ غنماً سدَّتْ ما بينَ جبلينِ ، فرجعَ إلى قومِهِ وقالَ : أسلموا ؛ فإنَّ محمداً يُعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفاقةَ(٣). وما سُئِلَ شيئاً قطُّ فقالَ : لا(٤). (١) رواه البخاري (٦)، ومسلم (٢٣٠٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وتقدم الحديث عن جوده صلى الله عليه وسلم . (٢) رواه الترمذي (٣٦٣٨)، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)» ( ٨٥ ) واللفظ له . (٣) رواه مسلم (٢٣١٢) من حديث أنس رضي الله عنه . (٤) تقدم بنحوه، ورواه بلفظه هنا أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه )) ( ٩٢ ) . ٧٦٠