النص المفهرس
صفحات 701-720
ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف المصائبِ ، واستجلابُ الفوائدِ ، قالَ : فصاحَ وقالَ : ما علمتُ أنَّ أحداً بينَ جَنَبَتَي المشرقِ والمغربِ هذهِ صفتُهُ ، قالَ الحارثُ : فأردتُ أنْ أزيدَ عليهِ ، فقلتُ لهُ : أما علمتَ أنَّ أهلَ القلوبِ يُخمِلونَ أحوالَهُمْ ويكتمونَ أسرارَهُمْ ، ويسألونَ اللهَ عزَّ وجلَّ كتمانَ ذلكَ عليهِمْ، فمِنْ أينَ تعرِفُهُمْ ؟ قالَ : فصاحَ صيحةً غُشِيَ عليهِ منها ، فمكثَ عندي يومينَ لا يعقلُ ، ثُمَّ أفاقَ وقدْ أحدثَ في ثيابِهِ ، فعلمتُ إزالةَ عقلِهِ ، فأخرجتُ لهُ ثوباً جديداً ، وقلتُ لهُ : هذا كفني قدْ آثرتُكَ بهِ ، فاغتسلْ وأعدْ صلواتِكَ ، فقالَ : هاتِ الماءَ ، فاغتسلَ وصلَّى . جن: ثُمَّ التحفَ بالثوبِ وخرجَ ، فقلتُ لهُ : أينَ تريدُ ؟ فقالَ لي : قُمْ معي ، فلمْ يزلْ يمشي حتَّى دخلَ على المأمونِ أميرِ المؤمنينَ فسلَّمَ عليهِ ، ثمَّ قالَ : يا ظالمُ، وأنا ظالمٌ إنْ لمْ أقلْ لكَ : يا ظالمُ ، أستغفرُ اللهَ مِنْ تقصيري فيكَ ، أما تتقي اللهَ تعالى فيما قدْ ملَّكَكَ ، وتكلَّمَ بكلام كثيرٍ ، ثم أقبلَ يريدُ الخروجَ وأنا جالسٌ بالبابِ ، فأقبلَ عليهِ المأمونُ وقالَ : مَنْ أنتَ ؟ قالَ : أنا رجلٌ مِنَ السَّاحينَ ، فَكَّرْتُ فيما عملَ الصدِّيقونَ قبلي ، فلمْ أجدْ لنفسي فيهِ حظّاً ، فتعلقتُ بموعظتِكَ لعلِّي ألحقُهُمْ، قالَ : فأمرَ بضربِ عنِقِهِ ، فَأُخرجَ وأنا قاعدٌ على البابِ ملفوفاً في ذلكَ الثوبِ ، ومنادٍ ينادي: مَنْ وليُّ هذا فليأخذْهُ، قالَ حارثٌ : فاختبأتُ عنهُ ، فأخذهُ أقوامٌ غرباءُ فدفنوهُ ، وكنتُ معَهُمْ لا أعلمُهُمْ بحالِهِ ، فأقمتُ في مسجدٍ في المقابرِ محزوناً على الفتى ، فغلبتني عينايَ ، فإذا هوَ بينَ وصائفَ لمْ أرَ أحسنَ منهُنَّ ، وهوَ ٧٠١ جر كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات م.م يقولُ : يا حارثُ ؛ أتيتُ واللهِ الكاتمينَ الذينَ يخفونَ أحوالَهُمْ ويطيعونَ ربَّهُمْ ، قلتُ : وما فعلوا؟ قالَ : الساعةَ يتلقونَكَ ، فنظرتُ إلى جماعةٍ ركبانٍ ، فقلتُ : مَنْ أنتمْ؟ قالوا : الكاتمونَ أحوالَهُمْ، حرَّكَ هذا الفتى كلامُكَ لهُ ، فلمْ يكنْ في قلبِهِ ممَّا وصفتَ شيءٌ ، فخرجَ للأمرِ والنهي ، وإنَّ اللهَ تعالى أنزلَهُ معنا وغضبَ لعبدِهِ . وعنْ أحمدَ بنِ إبراهيمَ المقريِّ قالَ : كانَ أبو الحسينِ النوريُّ رجلاً قليلَ الفضولِ ، لا يسألُ عمَّا لا يعنيهِ، ولا يفتِّشُ عمَّا لا يحتاجُ إليهِ، وكانَ إذا رأى منكراً .. غيَّرَهُ ولوْ كانَ فيهِ تلفُهُ، فنزلَ ذاتَ يوم إلى مشرعةٍ(١) تُعرفُ بمشرعةِ الفخَّامينَ يتطهّرُ للصلاةِ ، إذْ رأى زورقاً فيهِ ثلاثونَ دَنّاً مكتوبٌ عليها بالقارِ : لطفٌ، فقرأهُ وأنكرَهُ ؛ لأنَّهُ لمْ يعرفْ في التجاراتِ ولا في البيوعِ شيئاً يُعبَّرُ عنهُ بلطفٍ ، فقالَ للملاحِ : أَيْشٍ في هذهِ الدنانِ ؟ فقالَ : وَأَيْشٍ عليكَ ؟ امضٍ لشغلِكَ ، فلمَّا سمعَ النوريُّ مِنَ الملاحِ هذا القولَ .. ازدادَ تعطُّشاً إلى معرفتِهِ ، فقالَ لهُ : أحبُّ أنْ تخبرَني أَيْشٍ في هذهِ الدنانِ ؟ فقالَ الملاحُ : وأيْشٍ عليكَ ؟ أنتَ واللهِ صوفيٌّ فضوليٍّ ، هذا خمرٌ للمعتضدِ يريدُ أنْ يتمِّمَ بهِ مجلسَهُ ، فقالَ النوريُّ: هذا خمرٌ؟! قالَ : نعمْ، فقالَ : أحبُّ أنْ تعطيَني ذلكَ المُرْدِيَّ(٢)، فاغتاظَ الملاَّحُ عليهِ وقالَ لغلامِهِ : أعطِهِ المُرْدِيَّ حتَّى أنظرَ ما يصنعُ ، فلمَّا صارَتِ المُرْدِيُّ في يدِهِ .. صعدَ إلى حن حة (١) مشرعة: مورد من موارد الدجلة. ((إتحاف)) ( ٨٧/٧). (٢) المُزْدِي : خشبة تدفع بها السفينة تكون في يد الملاح . ٧٠٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الزورقِ ، ولمْ يزلْ يكسرُها دَنّاً دَنّاً حتَّى أتى على آخرِها إلا دَنّاً واحداً والملاحُ يستغيثُ ، إلى أنْ ركبَ صاحبُ الجسرِ وهوَ يومَئذٍ يونسُ الخادمُ(١)، فقبضَ على النوريِّ، وأشخصَهُ إلى حضرةِ المعتضدِ ، وكانَ المعتضدُ سيفُهُ قبلَ كلامِهِ ، ولمْ يشكَّ الناسُ في أنَّهُ سيقتلُهُ . قالَ أبو الحسينِ : فَأُدخلتُ عليهِ وهوَ جالسٌ على كرسيٍّ حدیدٍ ، وبیدِهِ عمودٌ يقلبُهُ ، فلمَّا رآني .. قالَ: مَنْ أنتَ ؟ قلتُ : محتسبٌ ، قالَ : مَنْ ولأَّكَ الحِسبةَ ؟ قلتُ : الذي ولأَّكَ الإمامةَ ولَأَني الحِسبةَ يا أميرَ المؤمنينَ ، قالَ : فأطرقَ إلى الأرضِ ساعةً ثمَّ رفعَ رأسَهُ إليَّ وقالَ : ما الذي حملَكَ على ما صنعتَ ؟ فقلتُ : شفقةٌ مِنِّي عليكَ، إذْ بسطتُ يدي إلى صرفِ مكروهٍ عنكَ فقصرتُ عنهُ ، قالَ : فأطرقَ مفكِّراً في كلامي ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ إليَّ وقالَ : كيفَ تخلَّصَ هذا الذَّنُّ الواحدُ مِنْ جملةِ الدنانِ ؟ فقلتُ : في تخلُّصِهِ علَّةٌ أخبرُ بها أميرَ المؤمنينَ إنْ أذنَ ، فقالَ : هاتِ خبِّرني ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنِّي أقدمتُ على الدنانِ بمطالبةِ الحقِّ سبحانَهُ لي بذلكَ ، وغمرَ قلبي شاهدُ الإجلالِ للحقِّ وخوفِ المطالبةِ ، فغابَتْ هيبةُ الخلْقِ عِنِّي ، فأقدمْتُ عليها بهذهِ الحالِ ، إلى أنْ صرتُ إلى هذا الدَّنُّ ، فوجدتُ في نفسي كبْراً على أنِّي أقدمتُ على مثلِكَ ، فمنعتُ ، ولوْ أقدمتُ عليهِ (١) المثبت من (د)، وفي (ج): (قريش بن أفلح)، وفي (هـ): (مؤنس بن أفلح ) ، وفي بقيتها : ( مؤنس أفلح )، وعند الحافظ الزبيدي في نسخة عنده : ( ابن بشر أفلح). («إتحاف)) ( ٨٧/٧). ٧٠٣ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات بالحالِ الأوَّلِ وكانَتْ ملءَ الدنيا دنانٌ .. لكسرتُها ولمْ أبالٍ . فقالَ المعتضدُ : اذهبْ ، فقدْ أطلقْنا يدكَ، غيِّرْ ما أحببتَ أنْ تغيِّرَهُ مِنَ المنكرِ . قالَ أبو الحسين : فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ؛ بَغُضَ إليَّ التغييرُ(١)؛ لأَنِّي كنتُ أغيِّرُ عنِ اللهِ تعالى ، وأنا الآنَ أَغيِّرُ عن شرطيٍّ، فقالَ المعتضدُ : ما حاجتُكَ، قلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ تأمرُ بإخراجي سالماً، فأمرَ لهُ بذلكَ ، وخرجَ إلى البصرةِ ، فكانَ أكثرُ أيامِهِ بها ؛ خوفاً مِنْ أنْ يُسألَ حاجةٌ يسألُها المعتضدَ(٢) ، فأقامَ بالبصرةِ إلى أنْ تُوفِّيَ المعتضدُ ، ثمَّ رجعَ إلى بغدادَ . فهذهِ كانَتْ سيرةُ العلماءِ وعادتُهُمْ في الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ ، وقلَّةِ مبالاتِهِمْ بسطوةِ السلاطينِ ، لكنَّهُمُ اتكلوا على فضلِ اللهِ تعالى أنْ يحرسَهُمْ، ورضوا بحكمِ اللهِ تعالى إنْ رزقَهُمُ الشهادةَ ، فلمَّا أخلصوا للهِ النِيَّةَ .. أثَّرَ كلامُهُمْ في القلوبِ القاسيةِ فليّنَها ، وأزالَ قساوتَها . وأمَّا الآنَ .. فقدْ قَيَّتِ الأطماعُ ألسنَ العلماءِ فسكتوا، وإنْ تكلَّموا .. لمْ تساعدْ أقوالَهُمْ أحوالُهُمْ، فلم ينجحوا ، فلوْ صدقوا اللهَ وقصدوا حقَّ العلمِ .. لأفلحوا . (١) كذا في جميع النسخ، وفي هامش ( ب): ( نسخة : أبغض ). (٢) أي: خوفاً من كثرة الشفاعات. ((إتحاف)) (٨٨/٧). ٧٠٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف ففسادُ الرعايا بفسادِ الملوكِ ، وفسادُ الملوكِ بفسادِ العلماءِ ، وفسادُ العلماءِ باستيلاءِ حبِّ المالِ والجاهِ ، ومَنِ استولىُ عليهِ حبُّ الدنيا .. لمْ يقدر على الحِسبةِ على الأرذالِ ، فكيفَ على الملوكِ والأكابرِ ؟! واللهُ المستعانُ على كلِّ حالٍ . واللهُ الموفَّقُ للرشادِ ، والهادي إلى السدادِ ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، والصلاةُ على سيِّدِنا نبيِّهِ محمدٍ وآلِهِ الطاهرينَ . ثمّكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الكتاب التاسع من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد تدرب العالمين، حمدًا دائما كثيرا طيّب مباركً في وصلى الله على سيدنا محمد الشّي العربي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم يتلون كتابآداب المعيشة وأخلاق الشبوة ٧٠٥ ڪِتَابُ أَاء الْعِيَشَّةِ وَأخْلاق البِتُّبُوَّةْ وهو الكتاب العاشر من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين 0 ٧٠٧ درة ربع العادات كتاب آداب المعيشة حر كتابآداب المعيشة وأخلاق الشبوّة بِسِْاللهِالرَّمِ الرَّحَيَّةِ الحمدُ للهِ الذي خلقَ كلَّ شيءٍ فأحسنَ خلْقَهُ وترتيبَهُ ، وأدَّبَ نبيَّهُ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأحسنَ تأديبَهُ ، وزكَّى أوصافَهُ وأخلاقَهُ ثمَّ اتخذَهُ صفيَّهُ وحبيبَهُ، ووفَّقَ للاقتداءِ بِهِ مَنْ أرادَ تهذيبَهُ ، وحرمَ عنِ التخلُّقِ بأخلاقِهِ مَنْ أرادَ تخبيبَهُ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ سيِّدِ المرسلينَ ، وعلى آلهِ الطيِّبينَ الطاهرينَ ، وسلَّمَ كثيراً . أما بعد: فإنَّ آدابَ الظواهرِ عنوانُ آدابِ البواطنِ ، وحركاتِ الجوارحِ ثمراتُ الخواطرِ ، والأعمالَ نتيجةُ الأخلاقِ ، والآدابَ رشْحُ المعارفِ ، وسرائرَ القلوبِ هيَ مغارسُ الأفعالِ ومنابعُها ، وأنوارَ السرائرِ هيَ التي تشرقُ على الظواهرِ فتزيّنُها وتجلِّيها ، وتبدِّلُ بالمحاسنِ مكارهَها ومساويَها ، ومَنْ لمْ يخشعْ قلبُهُ .. لمْ تخشعْ جوارحُهُ، ومَنْ لمْ يكنْ صدرُهُ مشكاةَ الأنوارِ الإلهيّةِ .. لمْ يفضْ على ظاهرِهِ جمالُ الآدابِ النبويَّةِ . ولقدْ كنتُ عزمتُ على أنْ أختمَ ربعَ العاداتِ مِنْ هذا الكتابِ بكتابٍ جامع لآدابِ المعيشةِ ؛ لئلاَّ يشقَّ على طالبها استخراجُها مِنْ جميعِ هذهِ ٧٠٩ كتاب آداب المعيشة ربع العادات الكتبِ ، ثمَّ رأيتُ كلَّ كتابٍ مِنْ ربع العباداتِ وربع العاداتِ قدْ أتى على جملةٍ مِنَ الآدابِ ، فاستثقلتُ تكريرَها وإعادتها ؛ فإنَّ ظِلَّ الإعادةِ ثقيلٌ ، والنفوسُ مجبولةٌ على معاداةِ المعاداتِ . فرأيتُ أنْ أقتصرَ في هذا الكتابِ على ذكرٍ آدابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأخلاقِهِ المأثورةِ عنهُ بالإسنادِ ، فأسردَها مجموعةً فصْلاً فضْلاً ، محذوفةَ الأسانيدِ ؛ ليجتمعَ فيهِ معَ جمع الآدابِ تجديدُ الإيمانِ ، وتأكيدُهُ بمشاهدةِ أخلاقِهِ الكريمةِ ، التي يشهدُ آحادُها على القطع بأنَّهُ أكرمُ خلقِ اللهِ تعالىُ ، وأعلاهُمْ رتبةً ، وأجلُّهُمْ قَدْراً ، فكيفَ مجموعُها ؟! ثمّ أضيفُ إلی ذکرِ أخلاقِهِ ذکرَ خلقتِهِ ، ثمَّ ذکرَ معجزاتِهِ التي صحّتْ بها الأخبارُ ؛ ليكونَ ذلكَ معرِّفاً مكارمَ الأخلاقِ والشيمِ ، ومنَزِعاً عنْ آذانِ الجاحدينَ لنبوَّتِهِ صِمامَ الصممِ ، واللهُ تعالى وليُّ التوفيقِ للاقتداءِ بسيِّدٍ المرسلينَ ؛ في الأخلاقِ والأحوالِ وسائرِ معالمِ الدينِ ؛ فإنَّهُ دليلُ المتحيِّرِينَ ، ومجيبُ دعوةِ المضطرِّينَ . ولنذكرْ فيه أوَّلاً بيانَ تأديبِ اللهِ تعالىُ إِيَّاهُ بالقرآنِ ، ثمَّ بيانَ جوامعَ مِنْ محاسنِ أخلاقِهِ ، ثمَّ بيانَ جملةٍ مِنْ آدابِهِ وأخلاقِهِ ، ثمَّ بيانَ كلامِهِ وضحكِهِ ، ثمَّ بيانَ أخلاقِهِ وآدابِهِ في الطعامِ ، ثمَّ بيانَ أخلاقِهِ وآدابِهِ في اللباسِ ، ثُمَّ بيانَ عفوِهِ معَ القدرةِ ، ثمَّ بيانَ إغضائِهِ عمَّا كانَ يكرهُ ، ثمَّ بيانَ سخاوتِهِ وجودِهِ ، ثمَّ بيانَ شجاعتِهِ وبأسِهِ ، ثمَّ بيانَ تواضعِهِ ، ثُمَّ بيانَ صورتِهِ وخِلْقتِهِ ، ثمَّ بيانَ جوامع معجزاتِهِ وآياتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . ٧١٠ ربع العادات كتاب آداب المعيشة بيان تأديب الشه تعالى حبيبه وصفية محمد أ صلى الله عليه ولهم بالقرآن كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كثيرَ الضَّراعةِ والابتهالِ ، دائمَ السؤالِ مِنَ اللهِ تعالى أنْ يزيّنَهُ بمحاسنِ الآدابِ ومكارم الأخلاقِ ، فكانَ يقولُ في دعائِهِ : ((اللهمَّ؛ حسِّنْ خَلْقِي وخُلُقِي)) (١)، ويقولُ: ((اللهمَّ؛ جنِّبْني منكراتِ الأخلاقِ))(٢) . فاستجابَ اللهُ تعالى دعاءَهُ وفاءً بقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، فأنزلَ عليهِ القرآنَ ، وأَدَّبَهُ بهِ ، فكانَ خلقُهُ القرآنَ . قالَ سعدُ بنُ هشام : دخلتُ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها وعنْ أبيها ، فسألتُها عنْ أخلاقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَتْ: أما تقرأُ القرآنَ ؟ قلتُ : بلى ، قالَتْ: كانَ خلقُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ القرآنَ(٣) . وإنَّما أدَّبَهُ القرآنُ بمثل قولِهِ تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْخَهِلِينَ﴾. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٣/١)، (٦٨/٦) من حديث عبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهما، ولفظه: ((اللهم، أحسنت خلقي فأحسن خُلقي)) ، وحديث ابن مسعود رواه كذلك ابن حبان في « صحيحه» ( ٩٥٩ ). (٢) رواه الترمذي (٣٥٩١) ولفظه: ((اللهم؛ إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء)) . (٣) رواه مسلم (٧٤٦) . ٧١١ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وقولِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِىِ﴾ . وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ﴾ وقولِهِ : ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقولِهِ : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقولِهِ : ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقولِهِ : ﴿أَدْفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ . وقولِهِ: ﴿ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقولِهِ: ﴿ أَحْتِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِنْهُ وَلَا تَجَسَّـُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. جن ولمَّا كُسرتْ رَباعِيَتُهُ وشُجَّ يومَ أحدٍ .. فجعلَ الدمُ يسيلُ على وجهِهِ ، وهوَ يمسحُ الدمَ ويقولُ : ((كيفَ يفلحُ قومٌ خَضبوا وجْهَ نبيِّهِمْ بالدمِ وهوَ يدعُوهُمْ إلى ربِّهِمْ؟! )) فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ (١) تأديباً لهُ على ذلكَ . وأمثالُ هذهِ التأديباتِ في القرآنِ لا تنحصرُ . (١) رواه مسلم (١٧٩١) من حديث أنس رضي الله عنه. ٧١٢ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وهوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المقصودُ الأوَّلُ بالتأديبِ والتهذيبِ ، ثمَّ منهُ يشرقُ النورُ على كافَّةَ الخلقِ، فإنَّهُ أُدِّبَ بالقرآنِ ، وأُدِّبَ الخلقُ بهِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ))(١)، ثمَّ رغَّبَ الخلقَ في حسنِ الأخلاقِ بما أوردناهُ في كتابِ رياضةِ النفسِ وتهذيبٍ الأخلاقِ ، فلا نعيدُهُ . ثُمَّ لمَّا أكملَ اللهُ تعالىُ خُلُقَهُ . . أثنى عليهِ فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . عـ فسبحانَهُ ما أعظمَ شانَهُ ، وأتمَّ امتنانَهُ ! انظرْ إلى عميمٍ فضلِهِ كيفَ أعطىُ ثُمَّ أثنى، فهوَ الذي زيَّنَهُ بالخُلُقِ الكريمِ ، ثمَّ أضافَ إليهِ ذلكَ فقالَ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ثمَّ بيَّنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للخلْقِ أنَّ اللهَ يحبُّ مكارم الأخلاقِ ويبغضُ سفسافَها(٢) . وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: يا عجباً لرجلٍ مسلمٍ ! يجيئُهُ أخوهُ المسلمُ في حاجةٍ ، فلا يرىُ نفسَهُ للخيرِ أهلاً ، فلوْ كانَ لا يرجو ثواباً ولا يخشى (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨١/٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٢٧٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩١/١٠) واللفظ له. (٢) روى ذلك الحاكم في ((المستدرك)) (٤٨/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩١/١٠) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ، ورواه هناد في («الزهد)» (٨٢٨)، والبيهقي أيضاً في (( السنن الكبرى)) (١٩١/١٠) من حديث طلحة بن عبيد الله بن کریز مرسلاً . ٧١٣ حن كتاب آداب المعيشة ربع العادات عقاباً .. لقدْ كانَ ينبغي لهُ أنْ يسارعَ في مكارم الأخلاقِ ؛ فإنَّها ممّا تدلُّ على سبيلِ النجاةِ . فقالَ لهُ رجلٌ : أسمعتَهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ قالَ: نعمْ، وما هوَ خيرٌ منهُ؛ لمَّا أُتِيَ بسبايا طَيِّىءٍ .. وقفَتْ جاريةٌ في السبي ، فقالَتْ : يا محمدُ ؛ إنْ رأيتَ أنْ تخلَِّ عنِّي ولا تُشْمِتْ بي أحياءَ العربِ ، فإنِّي بنتُ سيِّدِ قومي ، وإنَّ أبي كانَ يحمي الذِّمارَ ، ويفكُ العانيَ ، ويشبعُ الجائعَ ، ويطعمُ الطعامَ ، ويفشي السلامَ، ولمْ يردَّ طالبَ حاجةٍ قطُّ، أنا ابنةُ حاتِم طيِّىءٍ، فقالَ لها صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا جاريةُ ؛ هذهِ صفةُ المؤمنينَ حقّاً ؛ لو كانَ أَبُوكِ مُسْلِماً .. لترخَّمْنا عليهِ ، خلُّوا عنها ؛ فإنَّ أباها كانَ يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ ، وإنَّ اللهَ يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ))، فقامَ أبو بردةَ بنُ نِيَّارِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ اللهُ يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ ؟ فقالَ : (( والذي نفسي بيدِهِ؛ لا يدخلُ الجنَّةَ إلا حسنُ الأخلاقِ ))(١) . وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : ((إنَّ اللهَ حفَّ الإسلامَ بمكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الأعمالِ ، ومِنْ ذلكَ: حسنُّ المعاشرةِ ، وكرمُ الصنيعةِ ، ولينُ الجانبِ ، وبذلُ المعروفِ ، وإطعامُ الطعام، وإفشاءُ السلام ، وعيادةُ المريضِ المسلمِ ؛ برّاً ـدرة (١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٢٩)، ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٤١/٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٥٨/١١)، وصاحبة الخبر هي سفانة بنت حاتم . ٧١٤ 1 ربع العادات كتاب آداب المعيشة كانَ أوْ فاجراً ، وتشييعُ جنازةِ المسلمِ ، وحسنُ الجوارِ لمَنْ جاورتَ ؛ مسلماً كانَ أوْ كافراً ، وتوقيرُ ذي الشيبةِ المسلمٍ ، وإجابةُ الطعام والدعاءُ عليهِ ، والعفوُ ، والإصلاحُ بينَ الناسِ ، والجودُ ، والكرمُ ، والسماحةُ ، والابتداءُ بالسلام ، وكظمُ الغيظِ ، والعفوُ عنِ الناسِ ، واجتنابُ ما حرَّمَهُ الإسلامُ منَ اللهوِ ، والباطلِ ، والغناءِ ، والمعازفِ كلِّها ، وكلِّ ذي وَتْرِ وكلِّ ذي ذَخَّلِ(١)، والكذبِ ، والغيبةِ، والبخلِ، والشحِّ، والجفاءِ ، والمكرِ ، والخديعةِ ، والنميمةِ ، وسوءِ ذاتِ البينِ ، وقطيعةِ الأرحامِ ، وسوءِ الخلقِ ، والتكبُّرِ ، والفخرِ ، والاختيالِ ، والاستطالةِ ، والبذخِ ، والفُحْشِ ، والتفخُشِ، والحقدِ ، والحسدِ ، والطَّيَرَةِ ، والبغي ، والعدوانِ والظلمٍ))(٢). قالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ : فلمْ يدعْ نصيحةً أوْ خصلةً جميلةً إلا قدْ دعانا إليها وأمرنا بها ، ولمْ يدعْ غشّاً - أوْ قالَ: عيباً - ولا شيئاً إلا حذرَناهُ ونهانا عنهُ، ويكفي مِنْ ذلكَ كلِّهِ هذهِ الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِينَآمٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾(٣). (١) الوَتْر: الثأر، والذَّحْل: الحقد والعداوة، والثأر أيضاً، وهو أيضاً بالدال المهملة والخاء المعجمة . (٢) قال الحافظ العراقي: ( الحديث بطوله لم أقف له على أصل ، ويغني عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث). («إتحاف)) ( ٩٥/٧). (٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع ) ، وعلّق على ذلك الحافظ الزبيدي : ( والذي يظهر لي من سياق المصنف أن الحديث = ٧١٥ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وقال معاذٌ رضيَ اللهُ عنهُ: أوصاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : (( يا معاذُ ؛ أوصيكَ باتقاءِ اللهِ ، وصدقِ الحديثِ ، والوفاءِ بالعهدِ ، وأداءِ الأمانةِ ، وتركِ الخيانةِ ، وحفظِ الجارِ ، ورحمةِ اليتيمٍ ، ولينِ الكلامِ ، وبذلِ السلام ، وحسْنِ العملِ ، وقصرِ الأملِ ، ولزومِ الإيمانِ ، والتفقُّهِ في القرآنِ ، وحبِّ الآخرةِ ، والجزع مِنَ الحسابِ ، وخفضِ الجناحِ ، وأنهاكَ أنْ تسبَّ حكيماً ، أوْ تكذِّبَ صادقاً، أوْ تطيعَ آئماً ، أوْ تعصيَ إماماً عادلاً ، أوْ تفسدَ أرضاً ، وأوصيكَ باتقاءِ اللهِ عندَ كلِّ شجرٍ وحجرٍ ومدرٍ ؛ وأن تحدثَ لکلِّ ذنبٍ توبةً، السرّ بالسرِّ والعلانيةُ بالعلانيةِ))(١). فهكذا أدَّبَ عبادَ اللهِ ، ودعاهُمْ إلى مكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الآدابِ(٢). المتقدم هو من رواية أنس عن معاذ ، فتأمل ) . = وروى الطبراني في (( الكبير)) (١٣٢/٩) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( إن أجمع آية في القرآن لخير وشر آية في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ الآية). وروى الطبري في «تفسيره)) (٢٠٠/١٤/٨) عن قتادة: ( إنه ليس من خُلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به ، وليس من خلق سيِّىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامُها). مدن (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٠/١)، والبيهقي في (( الزهد الكبير)) (٩٥٦)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨/ ٤٣٤). (٢) شرح هذا البيان بتمامه العلامة اللحجي في ((منتهى السول)) (٣١٦/٢ -٣٨٥). ٧١٦ ربع العادات كتاب آداب المعيشة بيان جملة من محاس خلاقد صلى الله عليه وسلم التي تجمعها بعض العلماء والثقطها من الأخبار فقالَ: كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحلمَ الناسِ(١)، وأشجعَ الناسِ(٢)، وأعدلَ الناسِ(٣)، وأعفَّ الناسِ، لمْ تمسنَّ يدُهُ قطُ يدَ امرأةٍ لا يملكُ رفَّها ، أوْ عصمةَ نكاحِها ، أوْ تكونَ ذاتَ محرمٍ منهُ(٤) . وكانَ أسخى الناسِ ، لا يبيتُ عندَهُ دينارٌ ولا درهمٌ ، وإنْ فضلَ شيءٌ ولمْ يجدْ مَنْ يعطيهِ وفجأهُ الليلُ .. لمْ يأوِ إلى منزلِهِ حتَّى يتبرَّأَ منهُ إلى مَنْ یحتاجُ إليهِ(٥) . ولا يأخذُ ممَّا آتاهُ اللهُ إلا قوتَ عامِهِ فقطْ، مِنْ أيسرِ ما يجدُ مِنَ التمرِ والشعيرِ ، ويضعُ سائرَ ذلكَ في سبيلِ اللهِ . (١) كما في ((أخلاق النبي وآدابه)) (١٧٣) من حديث عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه ، و (( صحيح ابن حبان)) ( ٢٨٨) من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه . (٢) كما في (( البخاري)) (٢٨٢٠)، و((مسلم)) (٢٣٠٧). (٣) كما في (( الشمائل)) للترمذي (٣٣٦) من حديث سيدنا علي كرم الله وجهه . (٤) كما في (( البخاري)) (٢٧١٣)، و((مسلم)) (١٨٦٦) من حديث عائشة رضي الله عنها ، والترمذي (٣٣٠٦) عن طاووس مرسلاً، ومالك (٢/ ٩٨٢) من حديث أميمة بنت رقيقة مرفوعاً . (٥) رواه أبو داوود (٣٠٥٥)، وابن حبان في ( صحيحه)) (٦٣٥١) من حديث بلال رضي الله عنه . ٧١٧ كتاب آداب المعيشة ربع العادات لا يُسألُ شيئاً إلا أعطاهُ(١)، ثمَّ يعودُ على قوتٍ عامِهِ فيؤثرُ منهُ، حتَّى إنَّهُ ربَّما احتاجَ قبلَ انقضاءِ العام إنْ لمْ يأتِهِ شيءٌ(٢) . وكانَ يخصفُ النعلَ(٣)، ويرقعُ الثوبَ، ويخدمُ في مَهْنِةِ أهلِهِ (٤) ، ويقطعُ اللحمَ معَهُنَّ(٥)، وكانَ أشدَّ الناسِ حياءً، لا يثبتُ بصرُهُ في وجهِ أحدٍ (٦). ويجيبُ دعوةَ العبدِ والحرِّ(٧)، ويقبلُ الهديَّةَ ولوْ أنَّها جَرعةُ لبنِ أَوْ فخذُ أرنبٍ ، ويكافىءُ عليها(٨)، ويأكلُها ولا يأكلُ الصدقةَ، ولا يستكبرُ عنْ إجابةِ الأَمَّةِ والمسكينِ . يغضبُ لربِّهِ عزَّ وجلَّ ولا يغضبُ لنفسِهِ (٩) ، وينفذُ الحقَّ وإنْ عادَ (١) كما في ((البخاري)) (١٢٧٧، ٢٠٩٣)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه ، و((مسلم)) (٢٣١٢) من حديث أنس رضي الله عنه . (٢) رواه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٣) أي : يصلحها بترقيع وخرز . (٤) رواه أحمد في (( المسند)) (١٦٧/٦) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٤/٦) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها . (٦) كما في ((البخاري)) (٣٥٦٢)، و((مسلم)) (٢٣٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وانظر (جوامع السيرة)) (ص ٣٣). (٧) لما روى الترمذي (١٠١٧) واللفظ له، وابن ماجه (٤١٧٨) من حديث أنس رضي الله عنه . ـدن (٨) لما روى البخاري (١٦٦٢، ٢٥٧٢، ٢٥٨٥) من حديث أم المؤمنين عائشة وغيرها رضي الله عنهم ، ومسلم ( ١١٢٣، ١٩٥٣). (٩) كما روى البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها ، والترمذي في ((الشمائل)) (٢٢٥) من حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه . ٧١٨ ربع العادات كتاب آداب المعيشة ذلكَ بالضررِ عليهِ أوْ على أصحابِهِ (١). عُرِضَ عليهِ الانتصارُ بالمشركينَ على المشركينَ ، وهوَ في قَلَّةٍ وحاجةٍ إلى إنسانٍ واحدٍ يزيدُه في عددٍ مَنْ معَهُ .. فأبى وقالَ: (( إنَّا لا نستنصرُ بمشركٍ))(٢). ووجدَ مِنْ فضلاءِ أصحابِهِ وخيارِهِمْ قتيلاً بينَ اليهودِ ، فلمْ يحفٍ عليهِمْ (٣) ، ولا زادَ علىْ مُرِّ الحقِّ، بلْ وداهُ بمئةِ ناقةٍ ، وإنَّ بأصحابِهِ لحاجةٌ إلى بعيرٍ واحدٍ يتقوَّونَ بهِ(٤). (١) أشار الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٧/ ١٠٠) أنه وجد بخط الحافظ ابن حجر في طرة كتاب شيخه العراقي في تخريجه لـ((الإحياء)): (أشار به إلى قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو )، وهي عند البخاري (٢٧١٣) ؛ حيث اشترط لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد كل آت وإن كان مسلماً كما طلب ذلك سهيل ، فردَّ ولده أبا جندل وأنفذ الحق مع أنه جاء مسلماً . (٢) روى مسلم (١٨١٧) عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر ، فلما كان بحرَّة الوبرة .. أدركه رجل قد كان يُذكر منه جرأة ونجدة ، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه ، فلما أدركه .. قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئت لأتبعك وأصيب معك ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: لا، قال: (( فارجع ، فلن أستعين بمشرك)). وكان قد راجعه ، فلم يقبله صلى الله عليه وسلم حتى أقرَّ بالإيمان بالله ورسوله . (٣) أي: لم يجرْ عليهم. (( إتحاف)) (١٠٠/٧). (٤) روى ذلك البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩)، والقتيل هو عبد الله بن سهل الأنصاري رضي الله عنه . و ٧١٩ TES كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَ يعصِبُ الحجرَ على بطنِهِ مرَّةٌ مِنَ الجوع(١) ، ومرَّةً يأكلُ ما حضرَ ، ولا يردُّما وجدَ ، ولا يتوزَّعُ عنْ مطعمٍ حلالٍ(٢). وإنْ وجدَ تمراً دونَ خبزٍ .. أكلَهُ(٣)، وإنْ وجدَ شواءً .. أكلَهُ(٤)، وإِنْ وجدَ خبزَ بُرِّ أوْ شعيرٍ .. أكلَهُ(٥)، وإنْ وجدَ حلواءَ أوْ عسلاً .. أكلَهُ(٦)، وإنْ وجدَ لبناً دونَ خبزٍ .. اكتفى بهِ (٧)، وإنْ وجدَ بطيخاً أوْ رطباً .. أكلَهُ(٨) . لا يأكلُ متَكئاً ، ولا على خِوانٍ ، منديلُهُ باطنُ قدميهِ (٩) . لمْ يشبعْ مِنْ خبزِ برِّ ثلاثةَ أيام متواليةٍ حتَّى لقيَ اللهَ تعالى؛ إيثاراً على نفسِهِ ، لا فقراً ولا بخلاً . (١) كما جاء ذلك في قصة الخندق في (( البخاري)) (٤١٠١) من حديث جابر رضي الله عنه . (٢) روى ذلك ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٧١) عن الأوزاعي مرسلاً، ومسلم ( ٢٠٥٢ ) . (٣) رواه مسلم (٢٠٤٤) من حديث أنس رضي الله عنه . (٤) رواه الترمذي (١٨٢٩) من حديث أم سلمة رضي الله عنها . (٥) لما روى البخاري (٥٤١٦)، ومسلم ( ٢٩٧٠) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها . (٦) كما روى البخاري (٥٤٣١)، ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٧) كما روى البخاري (٢١١)، ومسلم (٣٥٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . (٨) رواه أبو داوود (٣٨٣٨)، والترمذي ( ١٨٤٣)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (٦٦٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٩) رواه البخاري ( ٥٤٥٧) من قول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . ٧٢٠