النص المفهرس
صفحات 661-680
ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف حن الْبَابُ الرَّابِعُ في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر قدْ ذكرنا درجاتِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ ، وأَنَّ أَوَّلَهُ التعريفُ، وثانيَهُ الوعظُ ، وثالثَهُ التخشينُ في القولِ ، ورابعَهُ المنعُ بالقهرِ ، والحملُ على الحقِّ بالضربِ والعقوبةِ(١). والجائزُ مِنْ جملةِ ذلكَ معَ السلاطينِ الرتبتانِ الأوليانِ ، وهما التعريفُ والوعظُ . وأمَّا المنعُ بالقهرِ .. فليسَ ذلكَ لآحادِ الرعيَّةِ معَ السلطانِ ، فإنَّ ذلكَ يحرِّكُ الفتنةَ، ويهيِّجُ الشرَّ، ويكونُ ما يتولَّدُ منهُ مِنَ المحذورِ أكثرَ . وأمَّا التخشينُ في القولِ ؛ كقولِهِ : يا ظالمُ ، يا مَنْ لا يخافُ اللهَ ، وما يجري مجراهُ؛ فذلكَ إِنْ كانَ يحرِّكُ فتنةٌ يتعدَّى شرُّها إِلى غيرِهِ .. لَمْ يجزْ، وإنْ كانَ لا يخافُ إلا على نفسِهِ .. فهوَ جائزٌ ، بلْ مندوبٌ إليهِ . فلقدْ كانَ مِنْ عادةِ السلفِ التعرُّضُ للأخطارِ ، والتصريحُ بالإنكارِ ، مِنْ غيرِ مبالاةٍ بهلاكِ المهجةِ ، والتعرُّضِ لأنواع العذابِ ؛ لعلمِهِمْ بأنَّ ذلكَ شهادةٌ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُ الشهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ (١) قوله : ( والحمل على الحق بالضرب) هو الدرجة الخامسة كما عدَّها سابقاً. ٦٦١ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات المطلبِ ، ثمَّ رجلٌ قامَ إِلى إمام فأمرَهُ ونهاهُ في ذاتِ اللهِ تعالى ، فقتلَهُ على ذلكَ)) (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقِّ عندَ سلطانٍ جائرٍ))(٢) . ـم .. ووصفَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: ((قرنٌ مِنْ حديدٍ ، لا تأخذُهُ في اللهِ لومةُ لائم ، تركَهُ الحقُّ ما لهُ مِنْ صديقٍ ))(٣). ولمَّا علمَ المتصلِّبُونَ في الدينِ أنَّ أفضلَ الكلام كلمةُ حقٌّ عندَ سلطانٍ جائرٍ ، وأنَّ صاحبَ ذلكَ إنْ قُتلَ فهوَ شهيدٌ كما وردَتْ بهِ الأخبارُ .. أقدموا على ذلكَ موطِّينَ أنفسَهُمْ على الهلاكِ ، ومحتملينَ أنواعَ العذابِ ، وصابرينَ عليهِ في ذاتِ اللهِ تعالى ، ومحتسبينَ لما يبذلونَهُ مِنْ مهجِهِمْ عندَ اللهِ . (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٩٥/٣). (٢) رواه أبو داوود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه ( ٤٠١١). (٣) روى الترمذي (٣٧١٤) من حديث علي رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (( رحم الله عمرَ، يقول الحق وإن كان مرّاً، تركه الحقُّ وما له صديق)»، وروى الطبراني في ((الكبير)) (٨٤/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥/٦) أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار ، فقال : يا كعبُ ؛ كيف تجد نعتي ؟ قال : أجد نعتك قرناً من حديد ، قال : وما قرنٌ من حديد؟ قال : أمير سديد ، لا يأخذه في الله لومة لائم . ٦٦٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وطريقُ وعظِ السلاطينِ وأمرِهِمْ بالمعروفِ ونهيهِمْ عنِ المنكرِ : ما نُقْلَ عنْ علماءِ السلفِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، وقدْ أوردنا جملةً مِنْ ذلكَ في بابِ الدخولِ على السلاطينِ في كتابِ الحلالِ والحرامِ ، ونقتصرُ الآنَ على حكاياتٍ تعرِّفُ وجِهَ الوعظِ وكيفيَّةَ الإنكارِ عليهِمْ . فمنها : ما رُوِيَ مِنْ إنكارِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ على أكابرٍ قريشٍ حينَ قصدوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالسوءِ ، وذلكَ ما رُوِيَ عنْ عروةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ : قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عمرو : ما أكثرُ ما رأيتَ قريشاً نالَتْ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما كانَتْ تُظْهرُ مِنْ عداوتِهِ ؟ قالَ : حضرتُهُمْ وقدِ اجتمعَ أشرافُهُمْ يوماً في الحِجْرِ ، فذكروا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالوا : ما رأينا مثلَ ما صبرْنا عليهِ مِنْ هذا الرجلِ ، سفَّهَ أحلامَنا، وشتمَ آباءَنا ، وعابَ دينَا ، وفرَّقَ جماعتَنَا ، وسبَّ آلهتَنَا ، ولقدْ صبرْنا منهُ على أمرٍ عظيمٍ، أوْ كما قالوا، فبينا هُمْ في ذلكَ .. إذْ طلعَ عليهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبلَ يمشي حتَّى استلمَ الركنَ ، ثُمَّ مرَّ بِهِمْ طائفاً بالبيتِ ، فلما مرَّ بِهِمْ .. غمزوهُ ببعضِ القولِ ، قالَ : فعرفتُ ذلكَ في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ مضى فلمَّا مرَّ بِهِمُ الثانيةَ .. غمزوهُ بمثلها، فعرفتُ ذلكَ في وجهِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ثمّ مضى ، فمرَّ بهِمُ الثالثةَ، فغمزوهُ بمثلِها حتَّى وقفَ، ثمَّ قالَ: «أتسمعونَ يا معشرَ قريشٍٍ؟ أما والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ ؛ لقدْ جئتُكُمْ بالذبح)» قالَ : فأطرقَ القومُ حتَّى ما منهُمْ رجلٌ إلا كأنَّما على رأسِهِ طائرٌ واقعٌ ، حتَّى إِنَّ ٦٦٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ـن؟ أشدَّهُمْ فيهِ وصاً قبلَ ذلكَ ليرفؤُهُ بأحسن ما يجدُ مِنَ القولِ(١)، حتَّى إِنَّهُ ليقولُ: انصرفْ يا أبا القاسمِ راشداً ، فو اللهِ؛ ما كنتَ جهولاً، قالَ : فانصرفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى إذا كانَ مِنَ الغدِ .. اجتمعوا في الحِجْرِ وأنا معَهُمْ ، فقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ : ذكرتُمْ ما بلغَ منكُمْ وما بلغَكُمْ عنهُ حتى إذا بادأَكُمْ بما تكرهونَ .. تركتموهُ! فبينا هُمْ في ذلكَ .. إذْ طلعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فوثبوا إليهِ وثبةَ رجلٍ واحدٍ ، فأحاطوا بهِ يقولونَ : أنتَ الذي تقولُ كذا، أنتَ الذي تقولُ كذا ؟ لما كانَ بلغَهُمْ مِنْ عيبِ آلهتِهِمْ ودينِهِمْ، قالَ: فيقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نعمْ، أنا الذي أقولُ ذلكَ))، قالَ: فلقدْ رأيتُ منهُمْ رجلاً أخذَ بمجامع ردائِهِ ، قالَ : وقامَ أبو بكرِ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ دونَهُ يقولُ وهوَ يبكي : ويلكُمْ؛ أتقتلونَ رجلاً أنْ يقولَ : ربِّيَ اللهُ؟! قالَ: ثمَّ انصرفوا عنهُ ، وإنَّ ذلكَ لأشدُّ ما رأيتُ قريشاً بلغَتْ منهُ قَطُّ(٢). وفي روايةٍ أخرى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : بينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بفناءِ الكعبةِ .. إذْ أقبلَ عقبةُ بنُ أبي معيطٍ ، فأخذَ بمَنْكِبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلفتَّ ثوبَهُ في عنقِهِ ، فخنقَهُ حن ٤ ٤ حن (١) الوصاة : أشد من كان يوصي غيره بإيذائه صلى الله عليه وسلم، ويرفؤه: يسكنه ويرفق به ويدعو له . (٢) أصله عند البخاري (٣٦٧٨)، وهو بطوله عند أحمد في ((المسند)) (٢١٨/٢)، وابن حبان في (( صحيحه)) ( ٦٥٦٧ ) . ٦٦٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف خنقاً شديداً، فجاءَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ فأخذَ بمنكبهِ ، ودفعَهُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : أتقتلونَ رجلاً أنْ يقولَ : ربِّيَ اللهُ، وقدْ جاءَكُمْ بالبيناتِ منْ ريَّكُمْ؟!(١). ورُوِيَ أنَّ معاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ حبسَ العطاءَ ، فقامَ إليهِ أبو مسلمٍ الخولانيُّ فقالَ لهُ: يا معاويةُ؛ إنَّهُ ليسَ مِنْ كدِّكَ ، ولا كدِّ أبيكَ، ولا كدِّ أمِّكَ ، قالَ : فغضبَ معاويةُ ونزلَ عنِ المنبرِ وقالَ لهُمْ : مكانَكُمْ ، فغابَ عنْ أعينِهِمْ ساعةً ثمَّ خرجَ عليهِمْ وقدِ اغتسلَ فقالَ : إنَّ أبا مسلم كلَّمَني بكلام أغضبَي ، وإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : (« الغضبُ مِنَ الشيطانِ ، والشيطانُ خُلقَ مِنَ النارِ ، وإنَّما تُطْفأُ النارُ بالماءِ، فإذا غضبَ أحدُكُمْ .. فليغتسلْ))(٢)، وإنِّي دخلتُ فاغتسلتُ ، وصدقَ أبو مسلمٍ ، إنَّهُ ليسَ مِنْ كِّي ولا كدِّ أبي ، فهلُوا إلى عطائِكُمْ(٣). ورُوِيَ عنْ ضَبَّةَ بنِ مِحْصَنِ العَنْزِيِّ قالَ : كانَ علينا أبو موسى الأشعريُّ أميراً بالبصرةِ ، فكانَ إذا خطبَنا فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ، وصلَّى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. وأنشأَ يدعو لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: فغاظَني ذلكَ منهُ، فقمتُ إليهِ فقلتُ لهُ : أينَ أنتَ مِنْ صاحبهِ ، تفضِّلُهُ عليهِ ؟! (١) رواه البخاري (٣٨٥٦)، وهو الحديث السابق عنده . (٢) رواه أبو داوود (٤٧٨٤) من حديث عطية بن عروة رضي الله عنه . (٣) رواه بهذه القصة أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٠/٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ١٦٩/٥٩ ) . ٦٦٥ سدعـ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات فصنعَ ذلكَ جُمعاً ، ثمَّ كتبَ إلى عمرَ يشكوني ، يقولُ : إنَّ ضبَّةَ بنَ محصنٍ العَنْزِيَّ يتعرَّضُ لي في خطبتي، فكتبَ إليهِ عمرُ أنْ أشخصُهُ إليَّ ، قَالَ : فأشخصَني إليهِ ، فقدمتُ ، فضربتُ عليهِ البابَ ، فخرجَ إليَّ، فقالَ : مَنْ أنتَ ؟ فقلتُ : أنا ضبَّةُ بنُ محصنِ العَنْزِيُّ ، فقالَ لي : لا مرحباً ، ولا أهلاً ، قلتُ : أمَّا المرحبُ .. فمِنَ اللهِ ، وأمَّا الأهلُ .. فلا أهلَ لي ولا مالَ ، فبماذا استحللتَ يا عمرُ إشخاصي مِنْ مصري بلا ذنبٍ أذنبتُهُ ولا شيءٍ أتيتُهُ ؟ فقالَ : ما الذي شجرَ بينَكَ وبينَ عاملي ؟ قالَ : قلتُ : الآنَ أخبرُكَ بهِ ، إِنَّهُ كانَ إذا خطبَنَا فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ، وصلَّى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. أنشأَ يدعو لكَ، فغاظَني ذلكَ منهُ ، فقمتُ إليهِ فقلتُ لهُ : أينَ أنتَ مِنْ صاحبِهِ تفضِّلُهُ عليهِ ، فصنعَ ذلكَ جُمعاً ، ثمَّ كتبَ إليكَ يشكوني ، قالَ : فاندفعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ باكياً وهوَ يقولُ : أنتَ واللهِ أوفقُ منهُ وأرشدُ ، فهلْ أنتَ غافرٌ لي ذنبي يغفرُ اللهُ لكَ ؟ قالَ : قلتُ : غفرَ اللهُ لكَ يا أميرَ المؤمنينَ ، قالَ: ثُمَّ اندفعَ باكياً وهوَ يقولُ : واللهِ ؛ لليلةٌ مِنْ أبي بكرٍ ويومٌ خيرٌ مِنْ عمرَ وآلِ عمرَ ، فهلْ لكَ أنْ أحدثَكَ بليلتِهِ ويومِهِ ؟ قلتُ : نعمْ، قالَ : أمَّا الليلةُ : فإِنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا أرادَ الخروجَ مِنْ مَّةَ هارباً مِنَ المشركينَ .. خرجَ ليلاً ، فتبعَهُ أبو بكرٍ ، فجعلَ يمشي مرَّةً أمامَهُ ومرَّةً خلفَهُ ، ومرَّةٌ عنْ يمينِهِ ، ومرَّةً عنْ يسارِهِ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما هذا يا أبا بكرٍ ؟ ما أعرفُ هذا مِنْ أفعالِكَ! » فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أذكرُ الرصْدَ .. فأكونُ أمامَكَ، وأذكرُ الطلبَ .. فأكونُ خلفَكَ، ومرَّةَ عنْ ٦٦٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف يمينِكَ، ومرةً عنْ يسارِكَ ، لا آمنُ عليكَ، قالَ: فمشى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليلتَهُ على أطرافِ أصابعِهِ حتَّى حفيَتْ ، فلمَّا رأى أبو بكر أنَّها قدْ حفيَتْ .. حملَهُ على عاتقِهِ ، وجعلَ يشتدُ بهِ حتَّى أتى فمَ الغارِ فأنزلَهُ، ثمَّ قالَ : والذي بعثَكَ بالحقِّ نبيّاً؛ لا تدخلُهُ حتَّى أدخلَهُ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ .. نزلَ بي قبلَكَ ، قالَ : فدخلَ ، فلمْ يرَ فيهِ شيئاً ، فحملَهُ فأدخلَهُ ، وكانَ في الغارِ خَرْقٌ فيهِ حيَّاتٌ وأفاع فألقمَهُ أبو بكرٍ قدمَهُ ؛ مخافةَ أنْ يخرجَ منهُ شيءٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيؤذيَهُ، فنهشَتْهُ حيةٌ (١) ، وجعلَتْ دموعُ أبي بكرٍ تنحدرُ على خذَّيْهِ مِنْ ألمٍ ما يجدُهُ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ لأبي بكرٍ : (( يا أبا بكرٍ ؛ لا تحزنْ، إنَّ اللهَ معنا ))، فأنزلَ اللهُ سكينتَهُ عليهِ ؛ أيٍ : الطمأنينةَ لأبي بكرٍ ، فهذهِ ليلتُهُ . وأمَّا يومُهُ : فلمَّا تُوفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. ارتدَّتِ العربُ، فقالَ بعضُهُمْ: نصلّي ولا نزكِّي، فأتيتُهُ لا آلوهُ نصحاً ، فقلتُ : يا خليفةَ رسولِ اللهِ؛ تألَّفِ الناسَ وارفقْ بِهِمْ، فقالَ لي : أجبارٌ في الجاهليةِ خوارٌ في الإسلام؟! فبماذا أتألَّفُهُمْ؟! قُبضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وارتفعَ الوحيُّ ، فواللهِ ؛ لوْ منعوني عِقالاً كانوا يعطونَهُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. لقاتلْتُهُمْ عليهِ، قالَ: فقاتلنا عليهِ، فكانَ واللهِ رشيدَ الأمرِ ، فهذا يومُّهُ . (١) قوله: (فنهشته حية) زيادة من (ب، هـ)، وفي (ط ): ( وجعلن يضربن أبا بكر ) بدل ( فنهشته حية ) . ٦٦٧ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ثمَّ كتبَ إلى أبي موسى يلومُهُ(١). وعنِ الأصمعيِّ قالَ : دخلَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ على عبدِ الملكِ بنِ مروانَ وهوَ جالسٌ على سريرِهِ ، وحوالَيْهِ الأشرافُ مِنْ كلِّ بطنٍ ، وكانَ بمكَّةَ في وقتٍ حجِّهِ في خلافتِهِ ، فلما بصرَ بهِ .. قامَ إليهِ وأجلسَهُ معَهُ على السريرِ ، وقعدَ بينَ يديهِ ، وقالَ لهُ : يا أبا محمدٍ ؛ ما حاجتُكَ ؟ فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ اتقِ اللهَ في حرمِ اللهِ وحرم رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فتعاهدْهُ بالعمارةِ ، واتقِ اللهَ في أولادِ المهاجرينَ والأنصارِ ؛ فإنَّكَ بِهِمْ جلستَ هذا المجلسَ ، واتقِ اللهَ في أهلِ الثغورِ ؛ فإنَّهُمْ حصنُ المسلمينَ ، وتفقدْ أمورَ المسلمينَ ؛ فإنَّكَ وحدَكَ المسؤولُ عنهُمْ ، واتقِ اللهَ فيمَنْ على بابِكَ ، فلا تغفُلْ عنْهُمْ ، ولا تغلقْ بابَكَ دونَهُمْ، فقالَ لهُ : أجلْ، أفعلُ ، ثمَّ نهضَ وقامَ ، فقبضَ عليهِ عبدُ الملكِ ، فقالَ : يا أبا محمدٍ ؛ إنَّما سألتَنَا حاجةٌ لغيرِكَ وقدْ قضيناها ، فما حاجتُكَ ؟ فقالَ : ما لي إلى مخلوقٍ حاجةٌ ، ثمَّ خرجَ ، فقالَ عبدُ الملكِ: هذا - وأبيكَ - الشرفُ(٢). ورُوِيَ أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ قالَ لحاجبهِ يوماً : قِفْ على البابِ ، فإذا (١) رواه بسياق المصنف هنا أبو قاسم المقدسي في (( تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق)) ( ص ١٢٤)، وبنحوها الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٨٣)، والبيهقي في (( دلائل النبوة)) (٤٧٦/٢). وروى مفرداً حادثة الغار البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم ( ٢٣٨١)، وحادثة مقاتلة المرتدين كذلك البخاري (١٤٠٠)، ومسلم (٢٠). (٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٥٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٠ / ٣٨٥) . ٦٦٨ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف مرَّ بكَ رجلٌ فأدخلْهُ عليَّ ليحدِّثَنِي، فخرجَ الحاجبُ ، فوقفَ على البابِ مدَّةٌ ، فمرَّ بهِ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وهوَ لا يعرفُهُ ، فقالَ لهُ : يا شيخٌ ؛ ادخلْ إلى أميرِ المؤمنينَ ؛ فإنَّهُ أمرَ بذلكَ ، فدخلَ عطاءٌ على الوليدِ وعندَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ، فلمَّا دنا عطاءٌ مِنَ الوليدِ .. قالَ : السلامُ عليكَ يا وليدُ، قالَ : فغضبَ الوليدُ على حاجبهِ وقالَ لهُ : ويلَكَ ، أمرتُكَ أنْ تدخلَ إليَّ رجلاً يحدِّثُني ويسامرُني، فأدخلتَ إليَّ رجلاً لمْ يرضَ أنْ يسمِّيَني بالاسمِ الذي اختارَهُ اللهُ لي! فقالَ لهُ حاجبُهُ : ما مرَّ بي غيرُهُ ، ثمَّ قالَ لعطاءٍ : اجلسْ، ثمَّ أقبلَ عليهِ يحدِّثُهُ فكانَ فيما حدَّثَهُ عطاءٌ أنْ قالَ : بلغَنا أنَّ في جهنَّمَ وادياً يُقالُ لهُ : هَبْهَبُ ، أعدَّهُ اللهُ لكلِّ إمام جائرٍ في حكمِهِ (١) ، فصعقَ الوليدُ مِنْ قولِهِ، وكانَ جالساً بينَ يدي عتبةِ بابٍ المجلسِ ، فوقعَ على قفاهُ إلى جوفِ المجلسِ مغشياً عليهِ ، فقالَ عمرُ لعطاءٍ : قتلتَ أميرَ المؤمنينَ ، فقبضَ عطاءٌ على ذراع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فغمزَهُ غمزةً شديدةً وقالَ لهُ : يا عمرُ ؛ إنَّ الأمرَ جدٌّ فجدًّ، ثمَّ قامَ عطاءٌ وانصرفَ ، فبلغَنا عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ أنَّهُ قالَ : مكثتُ سنةً أجدُ ألمَ غمزتِهِ في ذراعي(٢) . ـة ستفعة (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٩٦/٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولفظه مرفوعاً: (( في جهنم واد ، في ذلك الوادي بئر يقالُ له : هبهبُ ، حق على الله تعالى أن یسکنها كل جبار)). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مواعظ الخلفاء)). ((إتحاف)) ( ٦٩/٧). ٦٦٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات وكانَ ابنُ أبي شميلةَ يُوصفُ بالعقلِ والأدبِ ، فدخلَ على عبد الملكِ بنِ مروانَ ، فقالَ لهُ عبدُ الملكِ: تكلَّمْ ، قالَ : بمَ أتكلّمُ وقدْ علمتُ أنَّ كلَّ كلام تكلَّمَ بهِ المتكلِّمُ عليهِ وبالٌ إلا ما كانَ للهِ ؟ فبكىُ عبدُ الملكِ ثمَّ قالَ : يرحمُكَ اللهُ، لمْ يزلِ الناسُ يتواعظونَ ويتواصَونَ ، فقالَ الرجلُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّ الناسَ في القيامةِ لا ينجونَ مِنْ غصصٍ مرارتها ومعاينةٍ الردى فيها ، إلا مَنْ أرضى اللهَ بسخطِ نفسِهِ ، فبكىُ عبدُ الملكِ، ثمَّ قالَ : لا جرمَ ، لأجعلنَّ هذهِ الكلماتِ مثالاً نصبَ عينيَّ ما عشتُ حيّاً(١). ويُروى عنِ ابنِ عائشةَ أنَّ الحجَّاجَ دعا فقهاءَ البصرةِ وفقهاءَ الكوفةِ ، فدخلوا عليهِ، ودخلَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ آخرَ مَنْ دخلَ، فقالَ الحجَّاجُ: مرحباً بأبي سعيدٍ، إليَّ إليَّ، ثمَّ دعا بكرسيٍّ، فوُضِعَ إلى جنبِ سريرِهِ ، فقعدَ علیهِ ، فجعلَ الحَجَّاجُ يذاكرُنا ويسألُنا ، إذْ ذكرَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، فنالَ منهُ، ونلنا منهُ مقاربةً لهُ وفرقاً مِنْ شرِّهِ ، والحسنُ ساكتٌ عاضٌّ على إبهامِهِ ، فقالَ : يا أبا سعيدٍ ؛ ما لي أراكَ ساكتاً ؟ قالَ : ما عسيتُ أنْ أقولَ ؟ قالَ : أخبرني برأيكَ في أبي ترابٍ، قالَ: سمعتُ اللهَ جلَّ ذكرُهُ يقولُ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَقَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، فعليٌّ ممَّنْ هدى اللهُ مِنْ أهلِ الإيمانِ ، فأقولُ : ابنُ عمِّ النبيِّ عليهِ الصلاةُ ـدة (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٠٥ )، وقد تقدم . ٦٧٠ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف والسلامُ، وختنُهُ على ابنتِهِ ، وأحبُّ الناسِ إِليهِ ، وصاحبُ سوابقَ مباركاتٍ سبقَتْ لهُ مِنَ اللهِ ، لنْ تستطيعَ أنتَ ولا أحدٌ مِنَ الناسِ أنْ يحظرَها عليهِ ، ولا يحولَ بينَهُ وبينَها، وأقولُ : إنَّهُ إنْ كانَتْ لعليٍّ هناةٌ .. فاللهُ حسيبُهُ(١)، واللهِ؛ ما أجدُ فيهِ قولاً أَعدلَ مِنْ هذا ، فبسرَ وجهُ الحجّاجِ وتغيَّرَ ، وقامَ عنِ السريرِ مغضباً، فدخلَ بيتاً خلفَهُ وخرجْنا، قالَ عامرٌ الشعبيُّ: فأخذتُ بيدِ الحسنِ، فقلتُ : يا أبا سعيدٍ ؛ أغضبتَ الأميرَ وأوغرتَ صدرَهُ ، فقالَ : إليك عنِّي يا عامرُ ، يقولُ الناسُ : عامرٌ الشعبيُّ عالمُ أهلِ الكوفةِ ! أتيتَ شيطاناً مِنْ شياطين الإنسِ تكلّمُهُ بهواهُ ، وتقاربُهُ في رأيِهِ ؟ ويحكَ يا عامرُ ؛ هلاَّ اتقيتَ إنْ سئلتَ .. فصدقْتَ، أوْ سكثَّ .. فسلمْتَ؟ قالَ عامرٌ : يا أبا سعيدٍ ؛ قدْ قلتَها وأنا أعلمُ ما فيها، قالَ الحسنُ: فذاكَ أعظمُ في الحجَّةِ عليكَ ، وأشدُّ في التبعةِ . قالَ : وبعثَ الحجَّاجُ إلى الحسنِ ، فلمَّا دخلَ عليهِ .. قالَ : أنتَ الذي تقولُ: قاتلَهُمْ اللهُ، قتلوا عبادَ اللهِ على الدينارِ والدرهمِ ؟ قالَ : نعمْ ، قالَ : ما حملَكَ على هذا؟ قالَ : ما أخذَ اللهُ على العلماءِ مِنَ المواثيقِ ليبيننَّهُ للناس ولا يكتمونَهُ ، قالَ : يا حسنُ ؛ أمسكْ عليكَ لسانَكَ، وإِيَّاكَ أنْ يبلغَني عنكَ ما أكرهُ فأفرقَ بينَ رأسِكَ وجسدِكَ(٢). (١) في (ب): ( إنه كانت لعلي هناة والله حسنة، والله ما أجد فيه)، وفي (د، هـ): ( حسبه ) . (٢) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣٧٩/٢) وفيه: ( إنه إن كانت لعلي ذنوب .. فالله حسيبه)، ولم يذكر القطعة الأخيرة من استدعاء الحجاج للحسن . ٦٧١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات وحُكِيَ أنَّ خطيطاً الزياتَ جيءَ بهِ إلى الحجّاج ، فلمَّا دخلَ عليهِ .. قالَ : أنتَ حطيطٌ ؟ قالَ : نعمْ ، سلْ عمَّا بدا لك ؛ فإنِّي عاهدتُ اللهَ عندَ المقام على ثلاث خصالٍ : إنْ سُئلتُ .. لأصدقَنَّ، وإنِ ابتليتُ .. الأصبرنَّ ، وإِنْ عُوفيتُ .. لأشكرَنَّ، قالَ : فما تقولُ فيَّ ؟ قالَ : أقولُ : إِنَّكَ مِنْ أعداءِ اللهِ في الأرضِ ، تنتهكُ المحارمَ، وتقتلُ بالظَّنَّةِ ، قالَ : فما تقولُ في أميرِ المؤمنينَ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ ؟ قالَ : أقولُ : إنَّهُ أعظمُ جرماً منكَ، وإنَّما أنتَ خطيئةٌ مِنْ خطاياهُ ، قالَ : فقالَ الحجّاجُ : ضعوا عليهِ العذابَ ، قالَ : فانتهى بهِ العذابُ إلى أنْ شُقُّقَ لهُ القصبُ، ثمَّ جعلوهُ على لحمِهِ ثمَّ شدُوهُ بالحبالِ ، ثمَّ جعلوا يمدُّونَ قصبةً قصبةً حتى انتجلوا لحمَهُ ، فما سمعوهُ يقولُ شيئاً !(١) . قالَ : فقيلَ للحجَّاج : إنَّهُ في آخرِ رمقٍ ، فقالَ : أخرجوهُ فارموا بهِ في السوقِ، قالَ جعفرٌ: فأتيتُهُ أنا وصاحبٌ لهُ، فقلنا لهُ : حطيطُ ؛ ألكَ حاجةٌ ؟ قالَ : شربةَ ماءٍ ، فأتوهُ بشربةٍ ؛ ثمَّ ماتَ وكانَ ابنَ ثمانٍ عشرةَ سنةٌ رحمَهُ اللهُ (٢) . ورُوِيَ أنَّ عمرَ بنَ هبيرةَ دعا بفقهاءِ أهلِ البصرةِ وأهلِ الكوفةِ وأهلِ المدينةِ وأهلِ الشام وقرَّائِها ، فجعل يسألُهُمْ، وكلَّمَ عامراً الشعبيَّ، فجعلَ (١) انتجلوا لحمه: نجل الشيء ينجله نجلاً؛ شقه، والمنجول : هو الذي يُسلخ من رجليه إلى رأسه . (٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٥٣١ ). ٦٧٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف لا يسألُهُ عنْ شيءٍ إلا وجدَ عندَهُ منهُ علماً، ثمَّ أقبلَ على الحسنِ البصريِّ فسألَهُ، ثمّ قالَ : هما هذانِ ، هذا رجلُ أهلِ الكوفةِ ؛ يعني الشعبيّ، وهذا رجلُ أهلِ البصرةِ ؛ يعني الحسنَ ، فأمرَ الحاجبَ فأخرجَ الناسَ ، وخلا بالشعبيِّ والحسنِ ، فأقبلَ على الشعبيِّ، فقالَ : يا أبا عمرٍو ؛ إنِّي أمينُ أميرِ المؤمنينَ على العراقِ وعاملُهُ عليها ، ورجلٌ مأمورٌ على الطاعةِ ، ابتليتُ بالرعيَّةِ، ولزمَني حقُّهُمْ، فأنا أحبُّ حفظَهُمْ، وتعهُّدَ ما يصلحُهُمْ معَ النصيحةِ لهُمْ ، وقدْ يبلغُني عنِ العصابةِ مِنْ أهلِ الديارِ الأمرُ أجدُ عليهِمْ فيهِ ، فأقبضُ طائفةً مِنْ عطائِهِمْ فأضعُهُ في بيتِ المالِ ، ومِنْ نِيََّي أنْ أردّهُ عليهِمْ ، فيبلغُ أميرَ المؤمنينَ أنِّي قدْ قبضتُهُ على ذلكَ النحوِ ، فيكتبُ إليَّ ألا تردَّهُ ، فلا أستطيعُ ردَّ أمرِهِ ، ولا بدَّ مِنْ إنفاذٍ كتابِهِ ، وإنَّما أنا رجلٌ مأمورٌ على الطاعةِ ، فهلْ عليَّ في هذا تبعةُ وفي أشباهِهِ مِنَ الأمورِ والنيَّةُ فيها على ما ذكرتُ ؟ قالَ الشعبيُّ : فقلتُ: أصلحَ اللهُ الأميرَ! إنَّما السلطانُ والدٌ يخطىءُ ويصيبُ ، قالَ : فسُرَّ بقولي وأعجبَ بهِ ، ورأيتُ البشرَ في وجهِهِ ، وقالَ : فلله الحمدُ . ثمَّ أقبلَ على الحسنِ ، فقالَ : ما تقولُ يا أبا سعيدٍ ؟ قالَ : قدْ سمعتُ قولَ الأميرِ ، يقولُ : إنَّهُ أمينُ أميرِ المؤمنينَ على العراقِ وعاملُهُ عليها ، ورجلٌ مأمورٌ على الطاعةِ ، ابتليتُ بالرعيَّةِ ، ولزمَني حقُّهُمْ والنصيحةُ لهُمْ، والتعهُّدُ لما يصلحُهُمْ، وحقُّ الرعيَّةِ لازمٌ لكَ، وحقٌّ عليكَ أنْ تحوطَهُمْ ٦٧٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات بالنصيحةِ ، وإنِّي سمعتُ عبد الرحمنِ بنَ سمرةَ القرشيَّ صاحبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ استُرعيَ رعيَّةً فلمْ يحطُها بالنصيحةِ .. حرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّةَ))(١) ، وتقولُ : إنِّي إنَّما قبضتُ مِنْ عطائِهِمْ إرادةَ صلاحِهِمْ واستصلاحِهِمْ ، وأنْ يرجعوا إلى طاعتِهِمْ ، فيبلغُ أميرَ المؤمنينَ أنِّي قبضتُها على ذلكَ النحوِ ، فيكتبُ إليَّ ألا تردَّهُ ، فلا أستطيعُ ردَّ أمرِهِ ، ولا أستطيعُ إلا إنفاذَ كتابِهِ ، وحقُّ اللهِ ألزمُ مِنْ حقِّ أميرٍ المؤمنينَ ، واللهُ أحقُّ أنْ يُطاعَ ، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ اللهِ ، فاعرِضْ كتابَ أميرِ المؤمنينَ على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فإنْ وجدتَهُ موافقاً لكتابِ اللهِ .. فخذْ بهِ، وإنْ وجدتَهُ مخالفاً لكتابِ اللهِ . . فانبذْهُ، يا بنَ هبيرةَ؛ اتقِ اللهَ، فإنَّهُ يوشكُ أنْ يأتيَكَ رسولٌ مِنْ ربِّ العالمينَ يزيلُكَ عنْ سريرِكَ، ويخرجُكَ مِنْ سعةِ قصرِكَ إلى ضيقِ قبرِكَ ، فتدعُ سلطانَكَ ودنياكَ خلفَ ظهرِكَ ، وتقدمُ على ربِّكَ ، وتنزلُ على عملِكَ، يا بنَ هبيرةً ؛ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليمنعُكَ مِنْ يزيدَ ، وإنَّ يزيدَ لا يمنعُكَ مِنَ اللهِ ، وإنَّ أمرَ اللهِ فوقَ كلِّ أمرٍ ، وإنَّهُ لا طاعةَ في معصيةِ اللهِ ، (١) رواه تمام في ((فوائده)) (٩١١)، ولفظه عن الشعبي قال : سمعت الحسن بن أبي الحسن يحدث ونحن عند ابن هبيرة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سمرة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من استرعي رعية فلم يحطها بالنصيحة .. حرَّم الله عليه الجنة)) . وأصل الحديث عند البخاري ( ٧١٥٠)، ومسلم ( ١٤٢) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قاله لزياد بن أبيه . ٦٧٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وإنِّي أحذِّرُكَ بأسَ الله الذي لا يُردُّ عنِ القومِ المجرمينَ . فقالَ ابنُ هبيرةَ : اربعْ على ظَلْعِكَ أيُّها الشيخُ(١)؛ وأعرضْ عنْ ذكرِ أميرٍ المؤمنينَ ، فإنَّ أميرَ المؤمنينَ صاحبُ العلمِ وصاحبُ الحلمِ وصاحبُ الفضل ، وإنَّما ولاَهُ اللهُ تعالى ما ولاَّهُ مِنْ أَمرِ هذهِ الأمّةِ لعلمِهِ بهِ ، وما يعلمُ مِنْ فضلِهِ و نیِّهِ . فقالَ الحسنُ : يا بنَ هبيرةَ ؛ الحسابُ مِنْ ورائِكَ سوطٌ بسوطٍ ، وغضبٌ بغضبٍ ، واللهُ بالمرصادِ ، يا بنَ هبيرةَ ؛ إنَّكَ إنْ تلقَ مَنْ ينصحُ لكَ في دينِكَ ، ويحملُكَ على أمرٍ آخرِكَ .. خيرٌ مِنْ أنْ تلقى رجلاً يغرُّكَ ويمنِّكَ . فقامَ ابنُ هبيرةَ وقدْ بسرَ وجهُهُ وتغيَّرَ لونُهُ ، وقالَ الشعبيُّ : فقلتُ : يا أبا سعيدٍ ؛ أغضبتَ الأميرَ ، وأوغرتَ صدرَهُ، وحرمتَنَا معروفَهُ وصلتَهُ ، فقالَ : إليكَ عنِّي يا عامرُ . قالَ : فخرجَتْ إلى الحسنِ التحفُ والطرفُ ، وكانَتْ لهُ المنزلةُ ، واستُخفَّ بنا وجُفينا ، فكانَ أهلاً لما أدَّى إليهِ ، وكَّا أهلاً أنْ يُفعلَ ذلكَ بنا ، فما رأيتُ مثلَ الحسنِ فيمَنْ رأيتُ مِنَ العلماءِ إلا مثلَ الفرسِ العربيِّ بينَ المقاريفِ(٢)، وما شهدْنا مشهداً إلا برزَ علينا، وقالَ للهِ عزَّ وجلَّ وقلنا مقاربةً لهُمْ . (١) اربع على ظلعك: كأنه يشير إلى ضعفه ، والظلع : العرج، فقوله له هذا معناه : لا تحمل نفسك ما لا تطيق . (٢) المقاريف من الخيل : هي الهجينة لا الأصيلة . ٦٧٥ كتاب الأمر بالمعروف 55 ربع العادات قالَ عامرٌ الشعبيُّ: وأنا أعاهدُ اللهَ عزَّ وجلَّ ألا أشهدَ سلطاناً بعدَ هذا المجلسِ فأحابيَهُ (١). ودخلَ محمدُ بنُ واسع على بلالِ بنِ أبي بردةً ، فقالَ لهُ : ما تقولُ في القدر؟ فقالَ: جيرانُكَ أهلُ القبورِ فتفكّرْ فيهِمْ؛ فإنَّ فيهِمْ شُغلاً عنِ القدرِ (٢). وعنِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : حدَّثنا عمِّ محمدُ بنُ عليٍّ قالَ : إنِّي لحاضرٌ مجلسَ أميرِ المؤمنينَ أبي جعفر المنصورِ وفيهِ ابنُ أبي ذئبٍ ، وكانَ والي المدينةِ الحسنَ بنَ زيدٍ ، قالَ : فأتى الغفاريُّونَ ، فشكَوا إلى أبي جعفرٍ شيئاً مِنْ أمرِ الحسنِ بنِ زيدٍ ، فقالَ الحسنُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ سلْ عنهُمُ ابنَ أبي ذئبٍ ، قالَ : فسألَهُ ، فقالَ : ما تقولُ فيهِمْ يا بنَ أبي ذئبٍ ؟ فقالَ : أشهدُ أنَّهُمْ أهلُ تحكّمٍ في أعراضِ الناسِ ، كثيرو الأذىُ لهُمْ ، فقالَ : أبو جعفرٍ : قدْ سمعتُمْ ، فقالَ الغفاريُّونَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ سلْهُ عنِ الحسنِ بنِ زيدٍ ، فقالَ : يا بنَ أبي ذئبٍ ؛ ما تقولُ في الحسنِ بنِ زيدٍ ؟ فقالَ : أشهدُ عليهِ أنَّهُ يحكمُ بغيرِ الحقِّ ويتبعُ هواهُ ، فقالَ : قَدْ سمعتَ يا حسنُ ما قالَ فيكَ ابنُ أبي ذئبٍ وهوَ الشيخُ الصالح ؟! فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ سلْهُ عنْ نفسِكَ ، فقالَ : ما تقولُ فيَّ ؟ قالَ : تعفيني يا أميرَ (١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٤٩/٢) بنحوه . (٢) هو قريب مما رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٤/٢) أن بلال بن أبي بردة قال لمحمد بن واسع : ما تقول في القضاء والقدر ؟ قال : أيها الأمير ؛ إن الله عز وجل لا يسأل يوم القيامة عباده عن قضائه وقدره ، إنما يسألهم عن أعمالهم . ٦٧٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف المؤمنينّ ؟ قالَ : أسألُكَ باللهِ إلا أخبرتَني، قالَ : تسألُني باللهِ كأنَّكَ لا تعرفُ نفسَكَ، قالَ: واللهِ لتخبرُني، قالَ: أشهدُ أنَّكَ أخذتَ هذا المالَ مِنْ غيرِ حقُّهِ ، فجعلتَهُ في غيرِ أهلِهِ ، وأشهدُ أنَّ الظلمَ ببابِكَ فاشٍ . قالَ : فجاءَ أبو جعفرٍ مِنْ موضعِهِ حتَّى وضعَ يدَهُ في قفا ابنِ أبي ذئبٍ فقبضَ عليهِ ، ثمَّ قالَ لهُ : أما واللهِ ؛ لولا أنِّي جالسٌ ههنا .. لأخذتْ فارسُ والرومُ والديلمُ والتركُ بهذا المكانِ منكَ ، قالَ : فقالَ ابنُ أبي ذئبٍ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ قدْ وليَ أبو بكرٍ وعمرُ ، فأخذا بالحقِّ ، وقسما بالسويَّةِ ، وأخذا بأقفاءِ فارسَ والروم ، وأصغرا آنافَهُمْ ، قالَ : فخلَّى أبو جعفرٍ قفاهُ وخلَّى سبيلَهُ، وقالَ: واللهِ ؛ لولا أنِّي أعلمُ أنَّكَ صادقٌ .. لقتلتُكَ، فقالَ ابنُ أبي ذئبٍ : واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنِّي لأنصحُ لكَ مِنِ ابنِكَ المهديِّ(١) . قالَ : فبلغَنا أنَّ ابنَ أبي ذئبٍ لمَّا خرجَ مِنْ مجلسِ المنصورِ .. لقيَهُ سفيان الثوريُّ ، فقالَ لهُ : يا أبا الحارثِ ؛ لقدْ سرَّني ما خاطبتَ بهِ هذا الجبّارَ، ولكنْ ساءَني قولُكَ لهُ : ابنُكَ المهديُّ، فقالَ: يغفرُ اللهُ لكَ، يا أبا عبدِ اللهِ ؛ كلُّنا مهديٌّ، كلُّنا كانَ في المهدِ . وعنِ الأوزاعيِّ عبدِ الرحمنِ بنِ عمروٍ قالَ : بعثَ إليَّ أبو جعفرٍ المنصورُ أميرُ المؤمنينَ وأنا بالساحلِ ، فأتيتُهُ ، فلمَّا وصلتُ إليهِ وسلَّمتُ G (١) رواه أبو عبد الله الحميدي في ((جذوة المقتبس)) (ص ٢٨١). ٦٧٧ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات عليهِ بالخلافةِ .. ردَّ عليَّ واستجلسَني، ثمَّ قالَ لي: ما الذي بطَّأَ بكَ عنَّا يا أوزاعيُّ ؟ قالَ : قلتُ : وما الذي تريدُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ : أريدُ الأخذَ عنكُمْ والاقتباسَ منكُم ، قالَ : قلتُ : فانظرْ يا أميرَ المؤمنينَ ألا تجهلَ شيئاً ممَّا أقولُ لكَ، قالَ : وكيفَ أجهلُهُ وأنا أسألُكَ عنهُ ، وفيهِ وجَّهْتُ إليكَ وأقدمتُكَ لهُ ، قالَ : قلتُ : أخافُ أنْ تسمعَهُ ثمَّ لا تعملَ بهِ ، قالَ : فصاحَ بِيَ الربيعُ وأهوىُ بيدِهِ إلى السيفِ ، فانتهرَهُ المنصورُ وقالَ : هذا مجلسُ مثوبةٍ لا مجلسُ عقوبةٍ ، فطابَتْ نفسي ، وانبسطتُ في الكلام ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ حذَّثَنَي مكحولٌ، عنْ عطيّةَ بنِ بسرٍ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أَيُّما عبدٍ جاءَتْهُ موعظةٌ مِنَ اللهِ في دينِهِ فإنَّها نعمةٌ مِنَ اللهِ سيقَتْ إليهِ، فإنْ قبلَها بشكرٍ، وإلا .. كانَتْ حَجَّةٌ مِنَ اللهِ عليهِ ليزدادَ بها إثماً، ويزدادَ اللهُ عليهِ بها سخطاً))(١). يا أميرَ المؤمنينَ؛ حدَّثَنِي مكحولٌ، عنْ عطيّةَ بنِ بسرٍ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أيُّما والٍ ماتَ غاشّاً لرعيَِّهِ .. حرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّةَ))(٢) . (١) رواه مع تمام القصة بما فيها من الأحاديث ابنُ أبي الدنيا في (( مواعظ الخلفاء)) كما نقل ذلك الحافظ الزبيدي عن الحافظ العراقي في « إتحافه)) (٧٤/٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٦/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٠٢٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢١٤/٣٥)، وبعضه عند الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول)) ( ص ١٨٧) ، وما سيذكر في تخريج الأحاديث الآتية زيادة على هؤلاء. (٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٨٨/١) كذلك. ٦٧٨ ربع العادات حن كتاب الأمر بالمعروف يا أميرَ المؤمنينَ ؛ مَنْ كرهَ الحقَّ .. فقدْ كرهَ اللهَ، إنَّ اللهَ هوَ الحقُّ المبينُ، إنَّ الذي ليَّنَ قلوبَ أمَّتِكُمْ لكُمْ حينَ ولأَكُمْ أمورَهُمْ لقرابتِكُمْ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقدْ كانَ بِهِمْ رؤوفاً رحيماً ، مواسياً لهُمْ بنفسِهِ في ذاتِ يدِهِ ، محموداً عندَ اللهِ وعندَ الناسِ ، فحقيقٌ بكَ أنْ تقومَ لهُ فِيهِمْ بالحقِّ، وأنْ تكونَ بالقسطِ لهُ فيهِمْ قائماً ، ولعوراتِهِمْ ساتراً ، لا تغلقُ عليكَ دونَهُمُ الأبوابَ ، ولا تقيمُ دونَهُمُ الحجَّابَ ، تبتهجُ بالنعمةِ عندَهُمْ ، وتبتئسُ بما أصابَهُمْ مِنْ سوءٍ . يا أميرَ المؤمنينَ ؛ قَدْ كنتَ في شغلٍ شاغلٍ مِنْ خاصَّةِ نفسِكَ عنْ عامَّةِ الناسِ الذينَ أصبحتَ تملكُهُمْ؛ أحمرَهُمْ وأسودَهُمْ، مسلمَهُمْ وكافرَهُمْ، وكلٌّ لهُ عليكَ نصيبٌ مِنَ العدلِ ، فكيفَ بكَ إذا انبعثَ منهُمْ فِئامٌ وراءَ فِئَامٍ ليسَ منهُمْ أحدٌ إلا وهوَ يشكو بليَّةً أدخلْتَها عليهِ ، أوْ ظُلامةٌ سقتَها إليهِ ؟! يا أميرَ المؤمنينَ ؛ حدثَني مكحولٌ ، عنْ عروةَ بنِ رويمٍ قالَ : كانَتْ بیدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جريدةٌ يستاكُ بها ، ويروِّعُ بها المنافقينَ ، فأتاهُ جبرائيلُ عليهِ السلامُ ، فقالَ لهُ: يا محمدُ ؛ ما هذهِ الجريدةُ التي كسرتَ بها قلوبَ أمَّتِكَ، وملأتَ قلوبَهُمْ رعباً؟(١). فكيفَ بمَنْ شقَّقَ أبشارَهُمْ ، وسفكَ دماءَهُمْ، وخرَّبَ ديارَهُمْ ، وأجلاهُمْ عنْ بلادِهِمْ ، وغشيَهُمُ الخوفُ منهُ ؟! (١) هو عند مخرجي مجمل الخبر. ٦٧٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات يا أميرَ المؤمنينَ ؛ حدَّثَنَي مكحولٌ ، عنْ زيادِ بنِ جاريةَ ، عنْ حبيبِ بنِ مسلمةَ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دعا إلى القصاصِ مِنْ نفسِهِ في خدْشٍ خدشَهُ أعرابياً لمْ يتعمدْهُ ، فأتاهُ جبريلُ عليهِ السلامُ ، فقالَ : يا محمدُ ؛ إنَّ اللهَ لمْ يبعثْكَ جبَّاراً ولا متكبِّراً ، فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأعرابيَّ فقالَ: (( اقتصَّ مِنِّي))، فقالَ الأعرابيُّ: قدْ أحللتُكَ بأبي أنتَ وأمِّي ، وما كنتُ لأفعلَ ذلكَ أبداً ولوْ أتيتَ على نفسي ، فدعا لهُ بخيرٍ (١). يا أميرَ المؤمنينَ؛ رُضْ نفسَك لنفسِكَ، وخذْ لها الأمانَ مِنْ رَبِّكَ ، وارغبْ في جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، التي يقولُ فيها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لقيدُ قوسِ أحدِكُمْ مِنَ الجنَّةِ خيرٌ له مِنَ الدنيا وما فيها))(٢). يا أميرَ المؤمنينَ؛ إنَّ الملكَ لوْ بقيَ لمَنْ قبلَكَ .. لمْ يصلْ إليكَ ، وكذا لا يبقى لكَ كما لمْ يبقَ لغيرِكَ . (١) هو عند مخرجي مجمل الخير كذلك، وروى النسائي (٣٤/٨)، وأبو داوود (٤٥٣٧)، أن عمر رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصُّ من نفسه ) . (٢) هو عند البخاري ( ٢٧٩٣) بلفظ: ((لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب)"، وعند ابن حبان في ((صحيحه)) (٦١٥٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ((لقيد سوط أحدكم من الجنة خير له مما بين السماء والأرض))، قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٧/ ٧٥) : ( وجدت بخط الحافظ السخاوي على طرة هذا الكتاب : بل الراوي شك : هل قال : قاب أو قيد ) . ٦٨٠