النص المفهرس

صفحات 601-620

ربع العادات
کتاب الأمر بالمعروف
فإذاً ؛ مخالفتُهُ للمقلَّدِ متفقٌ على كونِهِ منكراً بينَ المحصِّلينَ ، وهوَ
عاصٍ بالمخالفةِ .
إلا أنَّهُ يلزمُ مِنْ هذا أمرٌ أغمضُ منهُ، وهوَ أنَّهُ يجوزُ للحنفيِّ أنْ يعترضَ
على الشافعيِّ إذا نكحَ بغيرِ وليٍّ، بأنْ يقولَ لهُ : الفعلُ في نفسِهِ حقٌّ ، ولكنْ
لا في حقُّكَ ، فأنتَ مبطلٌ بالإقدام عليهِ معَ اعتقادِكَ أنَّ الصوابَ مذهبُ
الشافعيِّ، ومخالفةُ ما هوَ صوابٌ عندَكَ معصيةٌ في حقِّكَ وإنْ لمْ يكنْ صواباً
عندَ اللهِ تعالى(١) ، وكذلكَ الشافعيُّ يحتسبُ على الحنفيِّ إذا شاركَهُ في أكلِ
الضبِّ ومتروكِ التسميةِ وغيرِهِ ، ويقولُ: إمّا أنْ تعتقدَ أنَّ الشافعيَّ أولى
بالاتباعِ ثمَّ تقدمَ عليهِ أوْ لا تقدمَ عليهِ على خلافِ معتقدِكَ .
ثُمَّ ينجرُّ هذا إلى أمرٍ آخرَ في المحسوساتِ ، وهوَ أنْ يجامعَ الأصمُّ مثلاً
امرأةً على قصدِ الزنا ، وعلمَ المحتسبُ أنَّ هذهِ امرأتُهُ زوَّجَهُ إيّاها أبوهُ في
صغرِهِ ، ولكنَّهُ ليسَ يدري ، وعجزَ عنْ تعريفِهِ ذلكَ لصممِهِ ، أَوْ لكونِهِ غيرَ
عالمٍ بلغتِهِ ، فهوَ في الإقدامِ معَ اعتقادِهِ أنَّها أجنبيّةٌ عاصٍ ومعاقبٌ عليهِ في
الدار الآخرةِ ، فينبغي أنْ يمنعَهُ منهُ معَ أنَّها زوجتُهُ ، وهوَ بعيدٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ
حلالٌ في علم اللهِ ، قريبٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ حرامٌ عليهِ بحكمٍ غلطِهِ وجهلِهِ ،
ولا شكّ في أنَّهُ لوْ علَّقَ طلاقَ زوجتِهِ على صفةٍ في قلبِ المحتسبِ مثلاً مِنْ
مشيئةٍ أوْ غضبٍ أوْ غيرِهِ ، وقدْ وجدَتِ الصفةُ في قلبِهِ وعجزَ عنْ تعريفٍ
(١) وفي (ج ) : ( وإن كان صواباً ) .
٦٠١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
الزوجينِ ذلكَ ، ولكنْ علمَ وقوعَ الطلاقِ في الباطنِ ، فإذا رآهُ يجامعُها ..
فعليهِ المنعُ ؛ أعني : باللسانِ؛ لأنَّ ذلكَ زناً ، إلا أنَّ الزانيَ غيرُ عالمٍ بهِ ،
والمحتسبُ عالمٌ بأنَّها طلقَتْ منهُ ثلاثاً ، وكونُهُما غيرَ عاصيينِ لجهلِهِما
بوجودِ الصفةِ .. لا يُخرجُ الفعلَ عنْ كونِهِ منكراً ، ولا يتقاعدُ ذلكَ عنْ زنا
المجنونِ ، وقدْ بيَّنا أنَّهُ يمنعُ منهُ .
فإذا كانَ يمنعُ ممَّا هوَ منكرٌ عندَ اللهِ وإنْ لمْ يكنْ منكراً عندَ الفاعلِ ولا هوَ
عاصٍ بهِ لعذرِ الجهلِ .. فيلزمُ مِنْ عكسِ هذا أنْ يُقالَ: ما ليسَ بمنكرٍ
عندَ اللهِ وإنَّما هوَ منكرٌ عندَ الفاعلِ لجهلِهِ .. لا يمنعُ منهُ، وهذا هوَ الأظهرُ
والعلمُ عندَ اللهِ .
فتحصَّلَ مِنْ هذا أنَّ الحنفيَّ لا يعترضُ على الشافعيِّ في النكاحِ بلا
وليٍّ ، وأنَّ الشافعيَّ يعترضُ على الشافعيِّ فيهِ ؛ لكونِ المعترَضِ عليهِ منكراً
باتفاقِ المحتسبِ والمحتسَبِ عليهِ .
وهذهِ مسائلُ فقهيَّةٌ دقيقةٌ ، والاحتمالاتُ فيها متعارضةٌ ، وإنَّما أفتينا
فيها بحسَبِ ما ترجّحَ عندَنا في الحالِ ، ولسنا نقطعُ بخطأِ المخالفِ فيها إنْ
رأى أنَّه لا يجري الاحتسابُ إلا في معلومٍ على القطع ، وقدْ ذهبَ إليهِ
ذاهبونَ ، وقالوا : ( لا حِسبةَ إلا في مثلِ الخمرِ والخنزيرِ وما يُقطعُ بكونِهِ
حراماً )، ولكنَّ الأشبهَ عندَنا أنَّ الاجتهادَ يؤثِّرُ في حقِّ المجتهدِ ، إذْ يبعدُ
غايةَ البعدِ أنْ يجتهدَ في القبلةِ ويعترفَ بظهورِ القبلةِ عندَهُ في جهةٍ بالدلالاتِ
ـجر
٦٠٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
كن
الظنِيَّةِ ثُمَّ يستدبرَها ، ولا يمنعُ منهُ لأجلِ ظنِّ غيرِهِ ، إذْ ربَّما يظنُّ غيرُهُ أنَّ
الاستدبارَ هوَ الصوابُ .
ورأيُ مَنْ يرى أنَّهُ يجوزُ لكلِّ مقلِّدٍ أنْ يختارَ مِنَ المذاهبِ ما أرادَ .. غيرُ
معتدٍّ بهِ ، ولعلَّهُ لا يصحُّ ذهابُ ذاهبٍ إليهِ أصلاً ، فهذا مذهبٌ لا يثبتُ ،
وإنْ ثبتَ .. فلا يُعتدُّ بهِ .
فإن قلتَ : إذا كانَ لا يُعترضُ على الحنفيِّ في النكاح بلا وليٍّ لأنَّهُ يرى
أنَّهُ حقٌّ .. فينبغي ألا يُعترضَ على المعتزليِّ في قولِهِ: ( إنَّ اللهَ لا يُرى ) ،
وقولِهِ : ( إنَّ الخيرَ مِنَ اللهِ، والشرَّ ليسَ مِنَ اللهِ)، وقولِهِ: ( كلامُ اللهِ
مخلوقٌ ) ، ولا على الحشويِّ في قولِهِ: (إنَّ اللهَ تعالى جسمٌ ولهُ صورةٌ ،
وإِنَّهُ مستقرٍّ على العرشِ ) ، بلْ لا ينبغي أنْ يُعترضَ على الفلسفيِّ في قولِهِ:
( الأجسادُ لا تُبُعثُ، وإنَّما تُبُعثُ النفوسُ)؛ لأنَّ هؤلاءِ أيضاً أدَّى
اجتهادُهُمْ إلى ما قالوهُ، وهمْ يظنُّونَ أنَّ ذلكَ هوَ الحقُّ ، فإنْ قلتَ :
بطلانُ مذهبٍ هؤلاءِ ظاهرٌ .. فبطلانُ مذهبٍ مَنْ يخالفُ نصَّ الحديثِ
الصحيح أيضاً ظاهرٌ، وكما ثبتَ بظواهرِ النصوصِ أنَّ اللهَ تعالىُ يُرى
والمعتزليُّ ينكرُها بالتأويلِ .. فكذلكَ ثبتَ بظواهرِ النصوصِ مسائلُ
خالفَ فيها الحنفيُّ ؛ كمسألةِ النكاحِ بلا وليٍّ ، ومسألةِ شفعةِ الجوارِ
ونظائرِهما .
حفظه
٦٠٣

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
فاعلمْ : أنَّ المسائلَ تنقسمُ :
إلى ما يتصوَّرُ أنْ يُقالَ فيها : ( كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ ) ، وهيَ أحكامُ
الأفعالِ في الحلِّ والحرمةِ ، وذلكَ هوَ الذي لا يُعترضُ على المجتهدينَ
فيهِ ؛ إذْ لا يُعلمُ خطؤُهُمْ قطعاً ، بلْ ظنّاً .
وإلى ما لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ المصيبُ فيهِ إلا واحداً ؛ كمسألةِ الرؤيةِ ،
والقدرِ ، وقدمِ الكلامِ ، ونفي الصورةِ والجسميةِ والاستقرارِ عنِ اللهِ
تعالى ، فهذا ممَّا يُعلمُ خطأَ المخطىءِ فيهِ قطعاً ، فلا يبقىُ لخطئِهِ الذي هوَ
جهلٌ محضٌ .. وجهٌ .
فإذاً ؛ البدعُ كلُّها ينبغي أنْ تُحسمَ أبوابُها ، وتُكرَ على المبتدعينَ بدعُهُمْ
وإنِ اعتقدوا أنَّها الحقُّ ؛ كما يُردُّ على اليهودِ والنصارى كفرُهُمْ وإنْ كانوا
يعتقدونَ أنَّ ذلكَ حقٌّ ؛ لأنَّ خطأَهُمْ معلومٌ على القطع ، بخلافِ الخطأ في
مظانِّ الاجتهادِ .
فإِنْ قلتَ : فمهما اعترضتَ على القدريِّ في قولهِ : ( الشرُ ليسَ
مِنَ اللهِ) .. اعترضَ عليكَ القدريُّ أيضاً في قولِكَ: ( الشُّ مِنَ اللهِ ) ،
وكذلكَ في قولِكَ : ( إنَّ الله يُرى ) ، وفي سائرِ المسائلِ ، إذِ المبتدعُ محقٌّ
عندَ نفسِهِ ، والمحقُّ مبتدعٌ عندَ المبتدع ، وكلٌّ يدَّعي أنَّهُ محقٌّ وينكرُ كونَهُ
مبتدعاً ، فكيفَ يتمُّ الاحتسابُ ؟
حن: حن
ـحر
ء
٦٠٤

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فاعلمْ : أنَّا لأجلِ هذا التعارضِ نقولُ : ينظرُ إلى البلدةِ التي فيها
أظهرَتْ تلكَ البدعةُ ، فإنْ كانَتِ البدعةُ غريبةً والناسُ كلُّهُمْ على السنَّةِ ..
فلهُمُّ الحِسبةُ عليهِمْ بغيرِ إذنِ السلطانِ ، وإنِ انقسمَ أهلُ البلدِ إلى أهلِ البدعةِ
وأهلِ السنَّةِ ، وكانَ في الاعتراضِ تحريكُ فتنةٍ بالمقاتلةِ .. فليسَ للآحادِ
الحِسبةُ في المذاهبِ إلا بنصبِ السلطانِ ، فإذا رأى السلطانُ الرأيَ الحقَّ
ونصرَهُ ، وأذنَ لواحدٍ أنْ يزجرَ المبتدعةَ عنْ إظهارِ البدعةِ .. كانَ لهُ ذلكَ
وليسَ لغيرِهِ ، فإنَّ ما يكونُّ بإذنِ السلطانِ لا يتقابلُ ، وما يكونُ مِنْ جهةٍ
الآحادِ فيتقابلُ الأمرُ فيهِ .
من
وعلى الجملةِ : فالحِسبةُ في البدع أهمُّ مِنَ الحِسبةِ في كلِّ المنكراتِ ،
ولكنْ ينبغي أنْ يُراعىُ فيها هذا التفصيلُ الذي ذكرناهُ ؛ كي لا يتقابلَ الأمرُ
فيها ، ولا ينجرَّ إلى تحريكِ الفتنةِ .
بلْ لوْ أذنَ السلطانُ مطلقاً في منع كلِّ مَنْ يصرِّحُ بأنَّ القرآن مخلوقٌ ، أوْ
أنَّ اللهَ تعالى لا يُرى، أوْ أنَّهُ مستقرٍّ على العرشِ مماسٌّ لهُ، أَوْ غيرِ ذلكَ مِنَ
البدع .. تَسلَّطَ الآحادُ على المنعِ منهُ، ولمْ يتقابلِ الأمرُ فيهِ ، وإنَّما يتقابلُ
عندَ عدم إذنِ السلطانِ فقطْ .
٦٠٥

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
الركن الثالث: المحتشَب عليه
وشرطُهُ : أنْ يكونَ بصفةٍ يصيرُ الفعلُ الممنوعُ منهُ في حقِّهِ منكراً ،
ولعلَّهُ(١) يكفي في ذلكَ أنْ يكونَ إنساناً ، ولا يُشترطُ كونُهُ مكلَّفاً، إذْ بيَنَّا أنَّ
الصبيَّ لوْ شربَ الخمرَ .. مُنِعَ منهُ واحتسبَ عليهِ ، وإنْ كانَ قبلَ البلوغِ ،
ولا يُشترطُ كونُهُ مميّزاً ، إذْ بيَّنَّا أنَّ المجنونَ لوْ كانَ يزني بمجنونةٍ أَوْ يأتي
بهيمةً .. لوجبَ منعُهُ منهُ .
نعمْ ، مِنَ الأفعالِ ما لا يكونُ منكراً في حقِّ المجنونِ ؛ كتركِ الصلاةِ
والصومِ وغيرِهِ ، ولكنَّا لسنا نلتفتُ إلى اختلافِ التفاصيلِ، فإنَّ ذلكَ أيضاً
ممَّا يختلفُ فيهِ المقيمُ والمسافرُ ، والمريضُ والصحيحُ ، وغرضُنا الإشارةُ
إلى الصفةِ التي بها يتهيّأْ توجُّهُ أصلِ الإنكارِ عليهِ ، لا ما بهِ يُتَهِيَّأُ للتفاصيلِ .
فإنْ قلتَ : فاكتفِ بكونِهِ حيواناً ، ولا تشترطْ كونَهُ إنساناً ، فإنَّ البهيمةَ
لوْ كانَتْ تفسدُ زرعاً لإنسانٍ .. لكنَّا نمنعُها منهُ كما نمنعُ المجنونَ مِنَ الزنا
وإتيانِ البهيمةِ .
فاعلمْ : أنَّ تسميةَ ذلكَ حِسبةً لا وجهَ لها ؛ إذِ الحِسبةُ عبارةٌ عنِ المنعِ
عنْ منكرٍ لحقِّ اللهِ ؛ صيانةٌ للممنوع عنْ مقارفةِ المنكرِ ، ومنعُ المجنونِ عنِ
(١) وعند الحافظ الزبيدي: (وأقلُّ ما). انظر ((الإتحاف)) (٣٩/٧).
٦٠٦

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
حن
الزنا وإتيانِ البهيمةِ لحقِّ اللهِ ، وكذا منعُ الصبيِّ عنْ شربِ الخمرِ ، والإنسانُ
إذا أتلفَ زرعَ غيرِهِ .. مُنعَ منهُ لحقّينِ :
أحدُهُما : حقُّ اللهِ تعالى ؛ فإنَّ فعلَهُ معصيةٌ .
والثاني : حقُّ المتَلَفِ عليهِ .
فهما علَّتانِ ، تنفصلُ إحداهما عنِ الأخرى ، فلوْ قطعَ طرفَ غيرِهِ
بإذنِهِ .. فقدْ وُجدتِ المعصيةُ وسقطَ حقُّ المجنيِّ عليهِ بإذنِهِ ، فتثبتُ الحِسبةُ
والمنعُ بإحدى العلَّتينِ ، والبهيمةُ إذا أتلفَتْ .. فقدْ عدمَتِ المعصيةُ ، ولكنْ
يثبتُ المنعُ بإحدى العلَّتينِ ، ولكنْ فيهِ دقيقةٌ، وهوَ أنَّا لسنا نقصدُ بإخراج
البهيمةِ منعَ البهيمةِ ، بلْ حفظَ مالِ المسلم ؛ إذِ البهيمةُ لوْ أكلَتْ ميتةً أَوْ
شربَتْ مِنْ إناءٍ فيهِ خمرٌ أوْ ماءٌ مشوبٌ بخمرٍ .. لمْ نمنعْها منهُ ، بلْ يجوزُ
إطعامُ كلابِ الصيدِ الجيفَ والميتاتِ ، ولكنَّ مالَ المسلمِ إذا تعرَّضَ للضياعِ
وقدرنا على حفظِهِ بغيرِ تعبٍ .. وجبَ ذلكَ علينا ؛ حفظاً للمالِ .
بلْ لوْ وقعَتْ جِرَّةٌ لإنسانٍ مِنْ علوٍّ وتحتَها قارورةٌ لغيرِهِ ، فَتُدفعُ الجرّةُ
لحفظِ القارورةِ ، لا لمنع الجرَّةِ مِنَ السقوطِ ، فإنَّا لا نقصدُ منعَ الجرَّةِ
وحراستَها مِنْ أنْ تصيرَ كاسرةً للقارورةِ .
ونمنعُ المجنونَ مِنَ الزنا وإتيانِ البهيمةِ وشربِ الخمرِ وكذا الصبيّ ..
لا صيانةً للبهيمةِ المأتيةِ أوِ الخمرِ المشروبِ ، بلْ صيانةً للمجنونِ عنْ شربِ
الخمرِ ، وتنزيهاً لهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ إنسانٌ محترمٌ .
٦٠٧

کتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
فهذهِ لطائفُ دقيقةٌ لا يتفطَّنُ لها إلا المحقِّقونَ ، فلا ينبغي أنْ يُغفلَ
عنها .
ثمَّ فيما يجبُ تنزيهُ الصبيِّ والمجنونِ عنهُ نظرٌ ؛ إذْ قدْ يتردّدُ في منعِهِما
مِنْ لبس الحريرِ وفي غيرِ ذلكَ ، وسنتعرَّضُ لما نشيرُ إليهِ في البابِ الثالثِ .
فإنْ قلتَ : فكلُّ مَنْ رأى بهائمَ قدِ استرسلَتْ في زرع إنسانٍ فهلْ يجبُ
عليهِ إخراجُها ؟ وكلُّ مَنْ رأى مالاً لمسلمٍ أشرفَ على الضياع هلْ يجبُ عليهِ
حفظُهُ ؟
فإنْ قلتُمْ : ( إنَّ ذلكَ واجبٌ ) .. فهذا تكليفٌ شططٍ يؤدِّي إلى أنْ يصيرَ
الإنسانُ مسخّراً لغيرِهِ طولَ عمرِهِ ، وإنْ قلتُمْ: ( لا يجبُ ) .. فلمَ يجبُ
الاحتسابُ على مَنْ يغصِبُ مالَ غيرِهِ وليسَ لهُ سببٌ سوى مراعاةِ مالِ الغيرِ .
فنقولُ : هذا بحثٌ دقيقٌ غامضٌ ، والقولُ الوجيزُ فيهِ أنْ نقولَ : مهما
قدرَ على حفظِهِ عنِ الضياعِ ، مِنْ غير أنْ ينالَهُ تعبٌ في بدنِهِ ، أوْ خسرانٌ في
مالِهِ ، أَوْ نقصانٌ في جاهِهِ .. وجبَ عليهِ ذلكَ، فذلكَ القدْرُ واجبٌّ في
حقوقِ المسلمِ ، بلْ هوَ أقلُّ درجاتِ الحقوقِ .
والأدلَّةُ الموجبةُ لحقوقِ المسلمينَ كثيرةٌ ، وهذا أقلُّ درجاتِها وهوَ أولى
بالإيجابِ مِنْ ردِّ السلام ؛ فإنَّ الأذى في هذا أكثرُ مِنَ الأذى في ترْكِ رِدٌ
السلام ، بلْ لا خلافَ في أنَّ مالَ الإنسانِ إذا كانَ يضيعُ بظلمٍ ظالمٍ ، وكانَ
٦٠٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
عندَهُ شهادةٌ لوْ تكلَّمَ بها لرجعَ الحقُّ إليهِ .. وجبَ عليهِ ذلكَ ، وعصى
بكتمانِ الشهادةِ ، ففي معنى تركِ الشهادةِ تركُ كلِّ دفع لا ضررَ على الدافع
فيهِ .
فأمّا إنْ كانَ عليهِ تعبٌ أَوْ ضررٌ في مالٍ أوْ جاهٍ . . لمْ يلزمْهُ ذلكَ ؛ لأنَّ
حقَّهُ مرعيٌّ في منفعةِ بدنِهِ وفي مالِهِ وجاهِهِ كحقِّ غيرِهِ ، فلا يلزمُهُ أنْ يفديَ
غيرَهُ بنفسِهِ .
نعمْ ، الإيثارُ مستحبٌّ ، وتجشُّمُ المصاعبِ لأجل المسلمينَ قربةٌ ، فأمَّا
إيجابُها .. فلا .
فإذاً ؛ إنْ كانَ يتعبُ بإخراجِ البهائمِ عنِ الزرعِ .. لمْ يلزمْهُ السعيُّ في
ذلكَ ، ولكنْ إذا كانَ لا يتعبُ ؛ بتنبيهِ صاحبِ الزرعِ مِنْ نومِهِ ، أَوْ
بإعلامِهِ .. يلزمُهُ ذلكَ، فإهمالُ تعريفِهِ وتنبيهِهِ كإهمالِ تعريفِ القاضي
بالشهادةِ ، وذلكَ لا رخصةَ فيهِ .
ولا يمكنُ أنْ يُراعىُ فيهِ الأقلُّ والأكثرُ، حتَّى يُقالَ : إنْ كانَ لا يضيعُ مِنْ
منفعتِهِ في مدَّةِ اشتغالِهِ بإخراج البهائمِ إلا قدْرُ درهمٍ مثلاً ، وصاحبُ الزرع
يفوتُهُ مالٌ كثيرٌ، فيترجَّحُ جانبُهُ ؛ لأنَّ الدرهمَ الذي لهُ هوَ يستحقُّ حفظَهُ كما
يستحقُّ صاحبُ الألفِ حفظَ الألفِ ، فلا سبيلَ للمصيرِ إلى ذلكَ .
فأمَّا إذا كانَ فواتُ المالِ بطريقِ هوَ معصيةٌ ؛ كالغصبِ ، أَوْ قتلِ
عبدٍ مملوكٍ للغيرِ .. فهذا يجبُ المنعُ منهُ وإنْ كانَ فيهِ تعبٌ ما ؛ لأنَّ
٦٠٩

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
المقصودَ حقُّ الشرع ، والغرضُ دفعُ المعصيةِ .
وعلى الإنسانِ أنْ يُتعبَ نفسَهُ في دفع المعاصي كما عليهِ أنْ يُتعبَ نفسَهُ
في تركِ المعاصي ، والمعاصي كلُّها في تركِها تعبٌ ، وإنَّما الطاعاتُ كلُّها
ترجعُ إلى مخالفةِ النفسِ ، وهيَ غايةُ التعبِ ، ثمَّ لا يلزمُهُ احتمالُ كلِّ
ضررٍ ، بلِ التفصيلُ فيهِ ما ذكرناهُ مِنْ درجاتِ المحذوراتِ التي يخافُها
المحتسب .
G
وقدِ اختلفَ الفقهاءُ في مسألتينِ تقرُبانِ مِنْ غرضِنا :
إحداهما : أنَّ الالتقاطَ هلْ هوَ واجبٌ ، واللُّقَطَةُ ضائعةٌ ، والملتقطُ مانعٌ
عنِ الضياعِ وساعٍ في الحفظِ ؟
والحقُّ فيهِ عندَنا : أنْ يُفضَّلَ ويُقالَ :
إِنْ كانَتِ اللقطةُ في موضعٍ لوْ تركَها فيهِ لمْ تضعْ ، بلْ يلتقطُها مَنْ
يعرِّفُها ، أَوْ تُركُ؛ كما لوْ كانَتْ في مسجدٍ ، أوْ رباطٍ يتعيَّنُ مَنْ يدخلُهُ
وكلُّهُمْ أمناءُ .. فلا يلزمُهُ الالتقاطُ .
وإنْ كانتْ في مَضِيعةٍ .. نظرَ ؛ فإنْ كانَ عليهِ تعبٌ في حفظِها ، كما لوْ
كانَتْ بهيمةٌ وتحتاجُ إلى علفٍ وإصطبلٍ .. فلا يلزمُهُ ذلكَ؛ لأنَّهُ إنَّما يجبُ
الالتقاطُ لحقِّ المالكِ، وحقُّهُ بسببٍ كونِهِ إنساناً محترماً ، والملتقطُ أيضاً
إنسانٌ ، ولهُ حقٌّ في ألا يتعبَ لأجلِ غيرِهِ ، كما لا يتعبُ غيرُهُ لأجلِهِ .
وإنْ كانتِ اللقطةُ ذهباً أوْ ثوباً أوْ شيئاً لا ضررَ عليهِ فيهِ إلا مجرَّدُ تعبٍ
٦١٠

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
التعريفِ .. فهلهذا ينبغي أنْ يكونَ في محلِّ الوجهينِ ؛ فقائلٌ يقولُ : التعريفُ
والقيامُ بشرطِهِ شبْهُ تعبٍ ، فلا سبيلَ إلى إلزامِهِ ذلكَ إلا أنْ يتبرَّعَ فيلتزمَ طلباً
للثواب ، وقائلٌ يقولُ: إنَّ هذا القدْرَ مِنَ التعبِ مستصغرٌ بالإضافةِ إلى
مراعاةٍ حقوقِ المسلمينَ ، فينزَّلُ هذا منزلةَ تعبِ الشاهدِ في حضورِ مجلسٍ
الحكم ، فإنَّهُ لا يلزمُهُ السفرُ إلى بلدةٍ أخرى إلا أنْ يتبرَّعَ بهِ ، وإذا كانَ
مجلسُ القاضي في جوارِهِ .. لزمَهُ الحضورُ وكانَ التعبُ بهذهِ الخطواتِ
لا يُعدُّ تعباً في غرضٍ إقامةِ الشهادةِ وأداءِ الأمانةِ ، وإنْ كانَ في الطرفِ الآخرِ
مِنَ البلدِ وأحوجَ إلى الحضورِ في الهاجرةِ وعندَ شدَّةِ الحرِّ .. فهذا قدْ يقعُ
في محلِّ الاجتهادِ والنظرِ .
فإذاً ؛ الضررُ الذي ينالُ الساعيَ في حفظ حقِّ الغيرِ لهُ طرفٌ في القلّةِ
لا يُشكُّ في أنَّهُ لا يُبالىُ بِهِ ، وطرفٌ في الكثرةِ لا يُشكّ في أنَّهُ لا يلزمُ
احتمالُهُ، ووسطٌ يتجاذبُهُ الطرفانِ ، ويكونُ ذلكَ أبداً في محلِّ الشبهةِ
والنظرِ ، وهيَ مِنَ الشبهاتِ المزمنةِ التي ليسَ في مقدورِ البشرِ إزالتُها ، إذْ
لا علَّةَ تفرَّقُ بينَ أجزائِها المتقاربةِ ، ولكنَّ المتقيَ ينظرُ فيها لنفسِهِ ويدعُ
ما يريبُهُ إلى ما لا يرييُّهُ .
فهذا نهايةُ الكشفِ عنْ هذا الأصلِ(١)
(١) ولم يذكر المصنف المسألة الثانية التى تقرب من الغرض. ((إتحاف)) ( ٧/ ٤١).
٦١١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
الركن الرابع: نفس الاحتساب
ولهُ درجاتٌ وآدابٌ .
أمَّا الدرجاتُ: فأوَّلُها : التعرُّفُ، ثمَّ التعريفُ، ثمَّ النهيُ بالوعظِ
والنصحِ ، ثمَّ السبُّ والتعنيفُ، ثمَّ التغييرُ باليدِ، ثمَّ التهديدُ بالضربِ ، ثمَّ
إيقاعُ الضربِ وتحقيقُهُ، ثمَّ شهْرُ السلاح ، ثمَّ الاستظهارُ فيهِ بالأعوانِ
وجمع الجنودِ .
أمَّا الدرجةُ الأولى: وهي التعرُّفُ:
ونعني بهِ طلبَ المعرفةِ بجريانِ المنكرِ ، وذلكَ منهيٌّ عنهُ ، وهوَ
التجسُّسُ الذي ذكرناهُ ، فلا ينبغي أن يسترقَ السمعَ على دارِ غيرِهِ ليسمِعَ
صوتَ الأوتارِ ، ولا أنْ يستنشقَ ليدركَ رائحةَ الخمرِ ، ولا أنْ يمسَّ ما في
ثوبِهِ ليعرِفَ شكلَ المزمارِ ، ولا أنْ يستخبرَ مِنْ جيرانِهِ ليخبروهُ بما يجري في
دارِهِ .
حن
نعمْ ، لوْ أخبرَهُ عدلانِ ابتداءً مِنْ غيرِ استخبارِ بأنَّ فلاناً يشرب الخمرَ في
دارِهِ، أَوْ بأنَّ في دارِهِ خمراً أعدَّهُ للشربِ .. فلهُ إذْ ذاكَ أنْ يدخلَ دارَهُ ،
ولا يلزمُهُ الاستئذانُ ، ويكونُ تخطِّ ملكِهِ بالدخولِ للتوصُّلِ إلى دفع
المنكرِ ؛ ككسرِ رأسِهِ بالضربِ للمنع مهما احتاجَ إليهِ .
٦١٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
وإنْ أخبرَهُ عبدانِ أوْ عدلٌ واحدٌ ، وبالجملةِ : كلُّ مَنْ تقبلُ روايتُهُ
لا شهادتُهُ .. ففي جوازِ الهجوم على دارِهِ بقولِهِمْ نظرٌ واحتمالٌ، والأولى أنْ
يمتنعَ ؛ لأنَّ لهُ حقّاً في ألا يتخطَّى دارَهُ بغيرِ إذنِهِ ، ولا يسقطُ حقُّ المسلمِ عمَّا
ثبتَ عليهِ حقُّهُ إلا بشاهدينِ، فهذا أولى ما يُجعلُ مردّاً فيهِ (١)، وقدْ قِيلَ: إنَّهُ
كانَ نقشُ خاتم لقمانَ : ( السترُ لما عاينتَ أحسنُ مِنْ إذاعةِ ما ظننتَ ) .
الدرجةُ الثانيةُ : التعريفُ :
فإنَّ المنكرَ قدْ يقدمُ عليهِ المقدمُ بجهلِهِ ، وإذا عُرِّفَ أَنَّهُ منكرٌ .. تركَهُ؛
كالسواديِّ يصلي ولا يحسنُ الركوعَ والسجودَ(٢) ، فيُعلمُ أنَّ ذلكَ لجهلِهِ بأنَّ
هذهِ ليستْ بصلاةٍ، ولوْ رضيَ بألا يكونَ مصلِّياً .. لتركَ أصلَ الصلاةِ.
فيجبُ تعريفُهُ باللطفِ مِنْ غيرِ عنفٍ ، وذلكَ لأنَّ في ضمنِ التعريفِ نسبةً
إلى الجهلِ والحمقِ ، والتجهيلُ إيذاءٌ، وقلَّما يرضى الإنسانُ بأنْ يُنسبُ إلى
الجهلِ بالأمورِ ، لا سيما بالشرع ، ولذلكَ ترى الذي يغلبُ عليهِ الغضبُ
كيفَ يغضبُ إذا نُبُّهَ على الخطأِ والجهلِ ، وكيفَ يجتهدُ في مجاحدةِ الحقِّ
بعدَ معرفتِهِ ؛ خيفةً مِنْ أنْ تنكشفَ عورةُ جهلِهِ .
والطباعُ أحرصُ على سترِ عورةِ الجهلِ منها على سترِ العورةِ الحقيقيةِ ؛
(١) أي: يردُّ عليه، ففي كل منهما إسقاط الحق. ((إتحاف)) ( ٤٢/٧).
(٢) السوادي : المنسوب إلى سواد البلد، وتقدم بيان السواديّة وأنهم الأكَّارون ومن يعمل
بالفلاحة .
٦١٣
رق

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
لأنَّ الجهلَ قبحٌ في صورةِ النفسِ ، وسوادٌ في وجهِهِ ، وصاحبُهُ ملومٌ عليهِ ،
وقبحُ السوءتينِ يرجعُ إلى صورةِ البدنِ ، والنفسُ أشرفُ مِنَ البدنِ ، وقبحُها
أشدُّ مِنْ قبح البدنِ ، ثمَّ هوَ غيرُ ملومِ عليهِ ؛ لأنَّهُ خِلقةٌ لمْ يدخلْ تحتَ
اختيارِهِ حصولُهُ ، ولا في اختيارِهِ إزالتُهُ وتحسينُهُ ، والجهلُ قبحٌ يمكنُ إزالتُهُ
وتبديلُهُ بحسْنِ العلمِ ، فلذلكَ يعظمُ تألُّمُ الإنسانِ بظهورِ جهلِهِ ، ويعظُمُ
ابتهاجُهُ في نفسِهِ بعلمِهِ ، ثمَّ لذَّتُهُ عندَ ظهورِ جمالِ علمِهِ لغيرِهِ .
وإذا كانَ التعريفُ كشفاً للعورةِ مؤذياً للقلبِ .. فلا بدَّ وأنْ يُعالجَ دفعُ أذاهُ
بلطفِ الرفقِ ، فنقولُ لهُ : إنَّ الإنسانَ لا يُولِدُ عالماً، ولقدْ كَّا أيضاً جاهلينَ
بأمورِ الصلاةِ ، فعلَّمنا العلماءُ ، ولعلَّ قريتَكَ خاليةٌ عنْ أهلِ العلمِ ، أَوْ
عالِمَها مقصِّرٌ في شرح الصلاةِ وإيضاحِها ، إنَّما شرطُ الصلاةِ الطمأنينةُ في
الركوع والسجودِ .
فهكذا يتلطّفُ بهِ ليحصلَ التعريفُ مِنْ غيرِ إيذاءٍ ، فإنَّ إيذاءَ المسلمِ حرامٌ
محذورٌ، كما أنَّ تقريرَهُ على المنكرِ محذورٌ ، وليسَ مِنَ العقلاءِ مَنْ يغسلُ الدمَ
بالدمِ أوْ بالبولِ ، ومَنِ اجتنبَ محذورَ السكوتِ على المنكرِ واستبدلَ عنهُ محذورَ
الإيذاءِ للمسلمِ معَ الاستغناءِ عنهُ .. فقدْ غسلَ الدمَ بالبولِ على التحقيقِ .
وأمَّا إذا وقفتَ على خطأٍ في غيرِ أمرِ الدينِ .. فلا ينبغي أنْ تردّهُ عليهِ ؛
فإنَّهُ يستفيدُ منكَ علماً ، ويصيرُ لكَ عدوّاً، إلا إذا علمتَ أنَّهُ يغتنمُ العلمَ ،
وذلكَ عزيزٌ جدّاً .
٦١٤

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
الدرجة الثالثة : النهيُ بالوعظِ والنصحِ والتخويفِ باللهِ عزَّ وجلَّ :
وذلكَ فيمَنْ يُقدمُ على الأمرِ وهوَ عالمٌ بكونِهِ منكراً ، أوْ فيمَنْ أصرَّ علیهِ
بعدَ أنْ عرفَ كونَهُ منكراً ؛ كالذي يواظبُ على الشربِ ، أَوْ على الظلمِ ، أَوْ
على اغتيابِ المسلمينَ ، أوْ ما يجري مجراهُ .
فينبغي أنْ يُوعظَ ويُخوَّفَ بِاللهِ تعالى، وتُوردَ عليهِ الأخبارُ الورادةُ
بالوعيدِ في ذلكَ، وتُحكى لهُ سيرةُ السلفِ وعادةُ المتقينَ ، وكلُّ ذلكَ بشفقةٍ
ولطفٍ مِنْ غيرِ عنفٍ وغضبٍ ، بلْ ينظرُ إليهِ نظرَ المترخِّمِ عليهِ ، ويرى
إقدامَهُ على المعصيةِ مصيبةً على نفسِهِ ؛ إذِ المسلمونَ كنفسٍ واحدةٍ .
وهلهنا آفةٌ عظيمةٌ ينبغي أنْ يتوقَّها ؛ فإنَّها مهلكةٌ ، وهيَ أنَّ العالِمَ يرى عندَ
التعريفِ عزَّ نفسِهِ بالعلمِ وذلَّ غيرِهِ بالجهلِ ، فربَّما يقصدُ بالتعريفِ الإذلالَ
وإظهارَ التميُّزِ بشرفِ العلمِ وإذلالِ صاحبِهِ بالنسبةِ إلى خسَّةِ الجهلِ ، فإنْ كانَ
الباعثُ هذا .. فهذا المنكرُ أقبحُ في نفسِهِ مِنَ المنكرِ الذي يعترضُ عليهِ .
ومثالُ هذا المحتسِبِ مثالُ مَنْ يخلِّصُ غيرَهُ مِنَ النارِ بإحراقِ نفسِهِ ،
وهوَ غايةُ الجهلِ ، وهذهِ مزلَّةٌ عظيمةٌ، وغائلةٌ هائلةٌ(١) ، وغرورٌ للشيطانِ
يتدلَّىُ بحبلِهِ كلُّ إنسانٍ ، إلا مَنْ عَّفَهُ اللهُ عيوبَ نفسِهِ ، وفتحَ بصيرتَهُ بنورِ
هدايتِهِ ، فإنَّ في الاحتكام على الغيرِ لذَّةٌ للنفسِ عظيمةٌ مِنْ وجهينِ :
أحدُهُما : مِنْ جهةِ دالَّةِ العلمِ .
(١) الغائلة هنا : الشر العظيم والداهية.
٦١٥

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
والآخرُ : مِنْ جهةِ دالَّةِ الاحتكامِ والسلطنةِ .
وذلكَ يرجعُ إلى الرياءِ وطلبِ الجاهِ ، وهوَ الشهوةُ الخفيَّةُ الداعيةُ إلى
الشرْكِ الخفيِّ ، ولهُ محٌّ ومعيارٌ ينبغي أنْ يمتحنَ بهِ المحتسبُ نفسَهُ ، وهوَ
أنْ يكونَ امتناعُ ذلكَ الإنسانِ عنِ المنكرِ بنفسِهِ أَوْ باحتسابِ غيرِهِ أحبَّ إليهِ
منِ امتناعِهِ باحتسابِهِ ؛ فإنْ كانَتِ الحِسبةُ شاقَّةً عليهِ ثقيلةً على نفسِهِ ، وهوّ
يودّ أنْ يُكفى بغيرِهِ .. فليحتسبْ ؛ فإنَّ باعثَهُ هوَ الدينُ .
وإنْ كانَ اتعاظُ ذلكَ العاصي بوعظِهِ وانز جارُهُ بزجرِهِ أحبَّ إليهِ منِ اتعاظِهِ
بوعظٍ غيرِهِ .. فما هوَ إلا متبعٌ هوى نفسِهِ ، ومتوسِّلٌ إلى إظهارِ جاهِ نفسِهِ
بواسطةٍ حسبتِهِ ، فليتقِ اللهَ تعالى فيهِ ، وليحتسبْ أولاً على نفسِهِ ، وعندَ
هذا يُقالُ لهُ ما قيلَ لعيسى عليهِ السلامُ: ( يا بنَ مريمَ؛ عظْ نفسَكَ ، فإنِ
اتعظتَ .. فعظِ الناسَ، وإلا .. فاستحي منِّي)(١).
وقيلَ لداوودَ الطائيٍّ: أرأيتَ رجلاً دخلَ على هؤلاءِ الأمراءِ ، فأمرَهُمْ
بالمعروفِ ونهاهُمْ عنِ المنكرِ ، فقالَ : أخافُ عليهِ السوطَ ، قيلَ: إِنَّهُ
يقوى عليهِ، قالَ: أخافُ عليهِ السيفَ ، قيلَ: إنَّهُ يقوىُ عليهِ ، قالَ :
أخافُ عليهِ الداءَ الدفينَ ، وهوَ العجبُ(٢).
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٢/٢).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٨/٧).
٦١٦

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
الدرجةُ الرابعةُ : السبُّ والتعنيفُ بالقولِ الغليظِ الخشنِ :
وذلكَ يُعدلُ إليهِ عندَ العجزِ عنِ المنعِ باللطفِ ، وظهورٍ مبادي الإصرارِ
والاستهزاءِ بالوعظِ والنصح ، وذلكَ مثلُ قولِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ: ﴿أَفّ
لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ولسنا نعني بالسبِّ الفحشَ بما فيهِ نسبةٌ إلى الزنا ومقدماتِهِ ،
ولا الكذبَ ، بلْ أنْ يخاطبَهُ بما فيهِ ، ممَّا لا يُعدُّ مِنْ جملةِ الفحشِ ؛
كقولِهِ : يا فاسقُ ، يا أحمقُ، يا جاهلُ؛ ألا تخافُّ اللهَ، وكقولِهِ :
يا سواديُّ ، يا غبيُّ، وما يجري هذا المَجرىُ، فإنَّ كلَّ فاسقٍ فهوَ أحمقُ
وجاهلٌ ، ولولا حمقُهُ .. لما عصىَ اللهَ تعالى ، بلْ كلُّ مَنْ ليسَ بكيِّسٍ فهوَ
أحمقُ ، والكيُِّ : مَنْ شهدَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالكياسةِ
حيثُ قالَ: (( الكيُِّ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ الموتِ ، والأحمقُ مَنْ
أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ))(١) .
جراحة
جن
ولهلذهِ الرتبةِ أدبانِ :
أحدُهُما : ألا يقدمَ عليها إلا عندَ الضرورةِ والعجزِ عنِ اللطفِ .
(١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وفيهما: ((العاجز)) بدل
((الأحمق))، وورد لفظ (الأحمق) عند ابن سلام في ((غريب الحديث))
(١٣٤/٣)، دان نفسه: جعلها منقادة مطيعة لربِّها تعالى، وتمنّى على الله: فهو مع
تقصيره في طاعة الله واتباع الشهوات .. لا يعتذر ولا يرجع ، بل يتمنى على الله العفو
والجنة مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار. انظر ((الإتحاف)) (٤٤/٧).
٦١٧

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
والثاني : ألا ينطقَ إلا بالصدقِ ، ولا يسترسلَ فيهِ ، فيطلقَ لسانَهُ الطويلَ
بما لا يُحتاجُ إليه ، بلْ يقتصرُ على قدْرِ الحاجةِ .
فإِنْ علمَ أنَّ خطابَهُ بهذهِ الكلماتِ الزاجرةِ ليستْ تزجرُهُ .. فلا ينبغي أن
يطلقَهُ ، بلْ يقتصرُ على إظهارِ الغضبِ والاستحقارِ لهُ، والإزراءِ بمحلِّهِ
لأجلِ معصيتِهِ ؟
وإنْ علمَ أنَّهُ لوْ تكلَّمَ .. ضربَ ، ولوٍ اكفهرَّ وأظهرَ الكراهةَ بوجهِهِ لمْ
يضربْ .. لزمَهُ ولمْ يكفِهِ الإنكارُ بالقلبِ ، بلْ يلزمُهُ أنْ يقطُّبَ وجهَهُ ويظهرَ
الإنكارَ لهُ .
الدرجةُ الخامسةُ : التغييرُ باليدِ :
وذلكَ ككسرِ الملاهي ، وإراقةِ الخمرِ ، وخلع الحريرِ مِنْ رأسِهِ وعنْ
بدِهِ ، ومنعِهِ مِنَ الجلوسِ عليهِ ، ودفعِهِ عنِ الجلوسِ على مالِ الغيرِ ،
وإخراجِهِ مِنَ الدارِ المغصوبةِ بالجرِّ برجْلِهِ، وإخراجِهِ مِنَ المسجدِ إذا كانَ
جالساً فيهِ وهوَ جنبٌّ ، وما يجري مجراهُ .
ويُتصوَّرُ ذلكَ في بعضِ المعاصي دونَ بعضٍ ، فأمَّا معاصي اللسانِ
والقلبٍ .. فلا يُقدرُ على مباشرةِ تغييرِها ، وكذلكَ كلُّ معصيةٍ تقتصرُ على
نفسِ العاصي وجوارحِهِ الباطنةِ .
وفي هذهِ الدرجةِ أدبانِ :
٦١٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
أحدُهُما : ألا يباشرَ بيدِهِ التغييرَ ما لمْ يعجزْ عنْ تكليفِ المحتسَبِ عليهِ
ذلكَ، فإذا أمكنَهُ أنْ يكلِّفَهُ المشيَ في الخروجِ عنِ الأرضِ المغصوبةِ
والمسجدِ .. فلا ينبغي أنْ يدفعَهُ أوْ يجرّهُ، وإذا قدرَ على أن يكلِّفَهُ إراقةً
الخمرِ ، وكسرَ الملاهي ، وحلَّ دروزِ الثوبِ الحريرِ(١) .. فلا ينبغي أنْ
يباشرَ ذلكَ بنفسِهِ ، فإنَّ في الوقوفِ على حدِّ الكسرِ نوعَ عسرٍ ، فإذا لم
يتعاطَ بنفسِهِ ذلكَ .. كُفِيَ الاجتهادَ فيهِ ، وتولاَّهُ مَنْ لا حجرَ عليهِ في فعلِهِ .
الثاني : أنْ يقتصرَ في طريقِ التغييرِ على القدْرِ المحتاجِ إليهِ ، وهوَ ألا
يأخذَ بلحيتِهِ في الإخراج ولا برجلِهِ إذا قدرَ على جرِّهِ بيدِهِ ، فإنَّ زيادةَ الأذى فيهِ
مستغنىَ عنْهُ، وألا يمزِّقَ الثوبَ الحريرَ، بل يحلَّ دروزَةُ فقطْ، ولا يحرِقَ
الملاهيَ والصليبَ الذي أظهرَهُ النصارى، بلْ يبطلُ صلاحيتها للفسادِ بالکسرِ .
وحدُّ الكسرِ : أنْ يصيرَ إلى حالٍ تحتاجُ في استئنافِ إصلاحِهِ إلى تعبٍ
يساوي تعبَ الاستئنافِ مِنَ الخشبِ ابتداءً .
وفي إراقةِ الخمورِ يتوقَّى كسرَ الأواني إنْ وجدَ إليهِ سبيلاً ، فإنْ لم يقدرْ
عليها إلا بأنْ يرميَ ظروفَها بحجرٍ .. فلهُ ذلكَ، وسقطَتْ قيمةُ الظرْفِ
وتقوُّمُهُ بسبب الخمرِ ؛ إذْ صارَ حائلاً بينَهُ وبينَ الوصولِ إلى إراقةِ الخمرِ ،
ولوْ سترَ الخمرَ ببدنِهِ .. لكنَّا نقصدُ بدنَهُ بالجرح والضربِ ؛ لنتوصَّلَ إلى
(١) ودروز الثوب : هي العقود التي تربط بها مواضع من الثوب على البدن ، وهي في بلاد
العجم بمنزلة الأزرار في هذه البلاد. («إتحاف)) ( ٤٥/٧).
٦١٩

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
إراقةِ الخمرِ ، فإذاً لا تزيدُ حرمةُ ملكِهِ في الظروفِ على حرمةِ نفسِهِ .
ولوْ كانَ الخمرُ في قواريرَ ضيّةِ الرؤوسِ ولوِ اشتغلَ بإراقتِها طالَ الزمانُ
وأدركَهُ الفسَّاقُ ومنعوهُ .. فلهُ كسرُها، فهذا عذرٌ، وإنْ كانَ لا يحذرُ ظفرَ
الفسَّاقِ بهِ ومِنْعَهُمْ، ولكنْ كانَ يضيعُ فيهِ زمانُهُ، وتتعطَّلُ عليهِ أشغالُهُ .. فلهُ
كسرُها ، فليسَ عليهِ أنْ يضيِّعَ منفعةً بدنِهِ وغرضَهُ مِنْ أشغالِهِ لأجلِ ظروفٍ
الخمرِ ، وحيثُ تكونُ الإراقةُ متيسرةً بدونِ الكسرِ فکسرَهُ .. لزمَهُ الضمانُ .
فإن قلت : فهلاَّ جازَ الكسرُ لأجلِ الزجرِ ؟ وهلاَّ جازَ الجرُّ بالرجْلِ في
الإخراجِ عنِ الغصبِ ليكونَ ذلكَ أبلغَ في الزجرِ ؟!
فاعلم : أنَّ الزجرَ إنَّما يكونُ عنِ المستقبلِ ، والعقوبةَ تكونُ على
الماضي ، والدفعَ عنِ الحاضرِ الراهنِ ، وليسَ إلى آحادِ الرعيَّةِ إلا الدفعُ ،
وهوَ إعدامُ المنكرِ ، فما زادَ على قدْرِ الإعدام فهوَ إمَّا عقوبةٌ على جريمةٍ
سابقةٍ أوْ زجرٌ عنْ لاحقٍ ، وذلكَ إلى الولاةِ ، لا إلى الرعيَّةِ .
نعمْ ، الوالي لهُ أنْ يفعلَ ذلكَ إذا رأى المصلحةَ فيهِ .
وأقولُ : لهُ أنْ يأمرَ بكسرِ الظروفِ التي فيها الخمرُ زجراً، وقدْ فُعِلَ
ذلكَ في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تأكيداً للزجرِ (١) ، ولمْ يثبتْ
(١) فقد روى الترمذي (١٢٩٣) عن أبي طلحة رضي الله عنه أنه قال: يا نبيَّ الله؛ إني
اشتريت خمراً لأيتام فى حجري، قال: (( أهرق الخمر، واكسر الدنان)).
٦٢٠