النص المفهرس

صفحات 581-600

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
وجهاً ، وهوَ عينُ الإهلاكِ ، فإنَّ المقصودَ أنْ يؤثِّرَ في الدينِ أثراً ويفديَهُ
بنفسِهِ ، فأمَّا تعريضُ النفسِ للهلاكِ مِنْ غيرِ أثرٍ .. فلا وجهَ لهُ ، بلْ ينبغي أنْ
يكونَ هذا حراماً .
وإنَّما يُستحبُّ لهُ الإنكارُ إذا قدرَ على إبطالِ المنكرِ ، أَوْ ظهرَ لفعلِهِ
فائدةٌ ، وذلكَ بشرطِ أنْ يقتصرَ المكروهُ عليهِ ، فإنْ علمَ أنَّهُ يُضربُ معَهُ غيرُهُ
مِنْ أصحابِهِ أَوْ أقاربِهِ أوْ رفقائِهِ .. فلا تجوزُ لهُ الحِسبةُ، بلْ تحرمُ ؛ لأنَّهُ
عجزَ عنْ دفع المنكرِ ، إلا بأنْ يفضيَ ذلكَ إلى منكرٍ آخرَ ، وليسَ ذلكَ مِنَ
القدرةِ في شيءٍ ، بلْ لو علمَ أنَّهُ لوٍ احتسبَ لبطلَ ذلكَ المنكرُ ولكنْ كانَ
ذلكَ سبباً لمنكرٍ آخرَ يتعاطاهُ غيرُ المحتسَبِ عليهِ .. فلا يحلُّ لهُ الإنكارُ على
الأظهرِ ؛ لأنَّ المقصودَ عدمُ مناكيرِ الشرع مطلقاً، لا مِنْ زيدٍ ولا مِنْ
عمروٍ ، وذلكَ بأنْ يكونَ مثلاً معَ الإنسانِ شرابٌ حلالٌ نَجِسَ بسببٍ وقوع
نجاسةٍ فيهِ ، وعلمَ أنَّهُ لوْ أراقَهُ .. لشربَ صاحبُهُ الخمرَ، أوْ شربَ أولادُهُ
الخمرَ ؛ لإعوازِهِمُ الشرابَ الحلالَ ، فلا معنى لإراقةِ ذلكَ .
ويحتملُ أنْ يُقالَ : إِنَّهُ يريقُ ذلكَ، فيكونُ هوَ مبطلاً لمنكرٍ ، وأمَّا شربُ
الآخرِ .. فهوَ الملومُ فيهِ ، والمحتسبُ غيرُ قادرٍ على منعِهِ مِنْ ذلكَ المنكرِ .
وقدْ ذهبَ إلى هذا ذاهبونَ ، وليسَ ببعيدٍ ؛ فإنَّ هذهِ مسائلُ فقهيةٌ
لا يمكنُ فيها الحكمُ إلا بظنِّ، ولا يبعدُ أنْ يُفرَّقَ بينَ درجاتِ المنكرِ المغيَّرِ
والمنكرِ الذي تفضي إليهِ الحِسبةُ والتغييرُ، فإنَّهُ إذا كانَ يذبحُ شاةً لغيرِهِ حتَّى
٥٨١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
يأكلَها وعلمَ أنَّهُ لوْ منعَهُ مِنْ ذلكَ لذبحَ إنساناً وأكلَهُ .. فلا معنى لهذهِ
الحِسبةِ .
نعمْ ؛ لو كانَ منْعُهُ عنْ ذبح إنسانٍ أوْ قطع طرفِهِ يحملُهُ على أخذِ مالِهِ ..
فذلكَ لهُ وجهٌ .
فهذِهِ دقائقُ واقعةٌ في محلِّ الاجتهادِ ، وعلى المحتسبِ اتباعُ اجتهادِهِ في
ذلكَ كلِّهِ، ولهذهِ الدقائقِ نقولُ: العامِّيُّ ينبغي لهُ ألا يحتسبَ إلا في
الجليَّاتِ المعلومةِ ؛ كشربِ الخمرِ ، والزنا ، وتركِ الصلاةِ، فأمَّا ما يُعلمُ
كونُهُ معصيةً بالإضافةِ إلى ما يطيفُ بهِ مِنَ الأفعالِ ، ويفتقرُ فيهِ إلى اجتهادٍ . .
فالعامِّيُّ إنْ خاضَ فيهِ .. كانَ ما يفسدُهُ أكثرَ ممَّا يصلحُهُ .
وعنْ هذا يتأكَّدُ ظنُّ مَنْ لا يثبتُ ولايةَ الحِسبةِ إلا بتعيينِ الوالي ، إذْ ربَّما
يُنتدبُ لها مَنْ ليسَ أهلاً لها ؛ لقصورِ معرفتِهِ ، أوْ قصورِ ديانتِهِ ، فيودِّي ذلكَ
إلى وجوهٍ مِنَ الخللِ ، وسيأتي كشفُّ الغطاءِ عنْ ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
فإنْ قيلَ : وحيثُ أطلقُتُم العلمَ بأنَّهُ صيبُهُ مكروهٌ أَوْ أنَّهُ لا تفيدُ حسبتُهُ ؛
فلوْ كانَ بدلَ العلمِ ظنٌّ .. فما حكمُهُ ؟
قلنا : الظنُّ الغالبُ في هذهِ الأبوابِ في معنى العلمِ ، وإنَّما يظهرُ الفرقُ
عندَ تعارض الظنِّ والعلمِ ، إذْ يرجحُ العلمُ اليقينِيُّ على الظنِّ ، ويُفرَّقُ بينَ
العلمِ والظنِّ في مواضعَ أخرَ ، وهوَ أنَّهُ يسقطُ وجوبُ الحِسبةِ عنهُ حيثُ علمَ
٥٨٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
قطعاً أنَّهُ لا يفيدُ ، فإنْ كانَ غالبُ ظنِّهِ أنَّهُ لا يفيدُ ولكنْ يحتملُ أنْ يفيدَ ، وهوَ
مَعَ ذلكَ لا يتوقَّعُ مكروهاً .. فقدِ اختلفوا في وجوبِهِ ، والأظهرُ : وجوبُهُ ؛
إذ لا ضررَ فيهِ ، وجدواهُ متوقعٌ(١) ، وعموماتُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ
المنكرِ تقتضي الوجوبَ بكلِّ حالٍ ، ونحنُ إنَّما نستثني عنهُ بطريقِ التخصيصِ
ما إذا عُلمَ أنَّهُ لا فائدةَ فيهِ ؛ إمَّا بالإجماع ، أوْ بقياسٍ ظاهرٍ ، وهوَ أنَّ الأمرَ
ليسَ يُرادُ لعينِهِ، بلْ للمأمورِ ؛ فإذا عُلمَ اليأسُ عنهُ .. فلا فائدةَ فيهِ ، فأمَّا إذا
لمْ يكنْ يأسٌ .. فينبغي ألا يسقطَ الوجوبُ .
فإنْ قيلَ : فالمكروهُ الذي تُتوقَّعُ إصابتُهُ إنْ لمْ يكنْ متيقناً ولا معلوماً
بغالبِ الظنِّ ، ولكنْ كانَ مشكوكاً فيهِ ، أوْ كانَ غالبُ ظنِّهِ أنَّهُ لا يُصابُ
بمكروهٍ ، ولكنِ احتملَ أَنْ يُصابَ بمكروهٍ .. فهذا الاحتمالُ هلْ يُسقطُ
الوجوبَ حتَّى لا يجبُ إلا عندَ اليقينِ بأنَّهُ لا يصيبُهُ مكروهٌ، أمْ يجبُ في كلِّ
حالٍ إلا إذا غلبَ على ظنِّهِ أَنَّهُ يُصابُ بمكروهٍ ؟
3
قلنا : إنْ غلبَ على الظنِّ أنَّهُ يُصابُ .. لمْ يجبْ، وإنْ غلبَ أنَّهُ
لا يُصابُ .. وجبَ، ومجرَّدُ التجويزِ لا يسقطُ الوجوبَ؛ فإنَّ ذلكَ ممكنٌ
في كلِّ حِسبةٍ .
وإنْ شكَّ فيهِ مِنْ غيرِ رجحانٍ .. فهذا محلُّ النظرِ، فيُحتملُ أنْ يُقالَ :
(١) أي: نفعه؛ لوجود الاحتمال. («إتحاف)) (٢٨/٧).
٥٨٣

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
G
الأصلُ الوجوبُ بحكم العموماتِ ، وإنَّما يسقطُ بمكروهٍ ، والمكروهُ هوَ
الذي يُظنُّ أَوْ يُعلمُ حتَّى يكونَ متوقعاً، وهذا هوَ الأظهرُ، ويُحتملُ أنْ يُقالَ:
إِنَّهُ إنَّما يجبُ عليهِ إذا علمَ أنَّهُ لا ضررَ فيهِ عليهِ ، أَوْ ظنَّ أنَّهُ لا ضررَ عليهِ .
والأوَّلُ أصُّ ؛ نظراً إلى قضيّةِ العموماتِ الموجبةِ للأمرِ بالمعروفِ .
فإنْ قيلَ : فالتوقُّعُ للمكروهِ يختلفُ بالجبْنِ والجراءةِ ، فالجبانُ الضعيفُ
القلبِ يرى البعيدَ قريباً ، حتَّى كأنَّهُ يشاهدُهُ ويرتاعُ منهُ ، والمتهوِّرُ الشجاعُ
يبعدُ وقوعَ المكروهِ بهِ بحكمٍ ما جُبِلَ عليهِ مِنْ حسْنِ الأملِ، حتَّى إِنَّهُ
لا يصدّقُ بهِ إلا بعدَ وقوعِهِ ، فعلى ماذا التعويلُ ؟
قلنا : التعويلُ على اعتدالِ الطبع ، وسلامةِ العقلِ والمزاج ، فإنَّ الجبنَ
مرضٌ ، وهوَ ضعفٌ في القلبِ سبيُهُ قصورٌ في القوَّةِ وتفريطٌ ، والتهوُّرُ إفراطٌ
في القوَّةِ وخروجٌ عنِ الاعتدالِ بالزيادةِ ، وكلاهما نقصانٌ ، وإنَّما الكمالُ في
الاعتدالِ الذي يُعبَّرُ عنهُ بالشجاعةِ ، وكلُّ واحدٍ مِنَ الجبنِ والتهوُّرِ يصدرُ تارةً
عنْ نقصانِ العقلِ ، وتارةً عنْ خللٍ في المزاجِ بتفريطٍ أوْ إفراطٍ ، فإنَّ مَنِ
اعتدلَ مزاجُهُ في صفةِ الجبنِ والجراءةِ قدْ لا يتفطَّنُ لمداركِ الشرِّ ، فيكونُ
سببَ جراءتِهِ جهلُهُ ، وقدْ لا يتفطَّنُ لمداركٍ دفع الشرِّ، فيكونُ سببَ جبنِهِ
جهلُهُ ، وقدْ يكونُ عالماً بحكم التجربةِ والممارسةِ بمداخلِ الشرِّ ودوافعِهِ ،
ولكنْ يعملُ الشرّ البعيدُ في تخذيلِهِ وتحليلِ قوَّتِهِ في الإقدامِ بسببٍ ضعفٍ
٥٨٤

ربع العادات
کتاب الأمر بالمعروف
قلبهِ ما يفعلُهُ الشرُّ القريبُ في حقِّ الشجاع المعتدلِ الطبع ، فلا التفاتَ إلى
الطرفينِ .
وعلى الجبانِ أنْ يتكلَّفَ إزالةَ الجبنِ بإزالةِ علَّتِهِ، وعلَّتُهُ جهلٌ أوْ
ضعفٌ، ويزولُ الجهلُ بالتجربةِ ، ويزولُ الضعفُ بممارسةِ الفعلِ المَخُوفِ
منهُ تكلُّفاً حتَّى يصيرَ معتاداً ، إذِ المبتدىءُ في المناظرةِ والوعظِ مثلاً قدْ يجبنُ
عنهُ طبعُهُ لضعفِهِ ، فإذا مارسَ واعتادَ .. فارقَهُ الضعفُ، فإنْ صارَ ذلكَ
ضرورياً غيرَ قابلٍ للزوالِ بحكمٍ استيلاءِ الضعفِ على القلبِ .. فحكْمُ ذلكَ
الضعيفِ يتبعُ حالَهُ ، فيُعذرُ كما يُعذرُ المريضُ في التقاعدِ عنْ بعضٍٍ
الواجباتِ .
ولذلكَ قدْ نقولُ على رأي : لا يجبُ ركوبُ البحرِ لأجلِ حَجَّةِ الإسلامِ
١
على مَنْ يغلبُ عليهِ الجبنُ في ركوبِ البحرِ ، ويجبُ على مَنْ لا يعظمُ خوفُهُ
منهُ ، فكذلكَ الأمرُ في وجوبِ الحِسبةِ .
فإنْ قيلَ : فالمكروهُ المتوقَّعُ ما حدُّهُ؟ فإنَّ الإنسانَ قدْ يكرهُ كلمةً ، وقدْ
يكرهُ ضربةٌ ، وقدْ يكرهُ طولَ لسانِ المحتسَبِ عليهِ في حقِّهِ بالغيبةِ ، وما مِنْ
شخصٍ يُؤمرُ بالمعروفِ إلا ويُتوقَّعُ منه نوعٌ مِنَ الأذى ، وقدْ يكونُ منهُ أنْ
يسعىُ بهِ إلى سلطانٍ ، أوْ يقدحَ فيهِ في مجلسٍ يتضرَّرُ بقدحِهِ فيهِ ، فما حدٌّ
المكروهِ الذي يسقطَ الوجوبُ بهِ ؟
- -.
تح
٥٨٥
كن : حن

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
قلنا : هذا أيضاً فيهِ نظرٌ غامضٌ، وصورُهُ منتشرةٌ ، ومجاريهِ كثيرةٌ ،
ولكنّاً نجتهدُ في ضمِّ نشرِهِ وحصرِ أقسامِهِ ، فنقولُ :
جي
المكروهُ نقيضُ المطلوبِ ، ومَطالبُ الخلقِ في الدنيا ترجعُ إلى أربعةِ
أمور :
أمَّا في النفسِ .. فالعلمُ .
وأمَّا في البدنِ .. فالصحةُ والسلامةُ .
وأمَّا في المالِ .. فالثروةُ .
وأمَّا في قلوبِ الناسِ .. فقيامُ الجاهِ .
فإذاً ؛ المطلوبُ : العلمُ ، والصحةُ، والثروةُ، والجاهُ .
ومعنى الجاهِ : ملكُ قلوبِ الناسِ ، كما أنَّ معنى الثروةِ ملكُ الدراهمِ ؛
لأنَّ قلوبَ الناسِ وسيلةٌ إلى الأغراضِ ، كما أنَّ ملكَ الدراهمِ وسيلةُ جمع
ما في الدنيا منَ المطالبِ ، وسيأتي تحقيقُ معنى الجاهِ وسببُ ميلِ الطبعِ إليهِ
في ربع المهلكاتِ .
وكلُّ واحدةٍ مِنْ هذهِ الأربعةِ يطلبُها الإنسانُ لنفسِهِ ولأقاربهِ والمختصينَ
بهِ ، ويُكرهُ في هذهِ الأربعةِ أمرانِ :
أحدُهُما : زوالُ ما هوَ حاصلٌ موجودٌ .
والآخرُ : امتناعُ ما هوَ منتظرٌ مفقودٌ ؛ أعني : اندفاعَ ما يتوقَّعُ وجودَهُ .
٥٨٦

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فلا ضررَ إلا في فواتِ حاصلٍ وزوالِهِ ، أَوْ تعوُّقِ منتظرٍ ، فإنَّ المنتظرَ
عبارةٌ عنِ الممكنِ حصولُهُ ، والممكنُ حصولُهُ كأنَّهُ حاصلٌ ، وفواتُ إمكانِهِ
كأنَّهُ فواتُ حصولِهِ ، فرجعَ المكروهُ إلى قسمينِ :
أحدُهُما : خوفُ امتناع المنتظرِ : وهذا لا ينبغي أنْ يكونَ مرخِّصاً في
تركِ الأمرِ بالمعروفِ أصلاً ، ولنذكرْ مثالَهُ في المطالبِ الأربعةِ :
أمَّا العلمُ : فمثالُهُ: تركُهُ الحسبةَ على مَنْ يختصُّ بأستاذِهِ خوفاً مِنْ أن
يقبحَ حالُهُ عندَهُ فيمتنعَ مِنْ تعلیمِهِ .
جن
وأمَّا الصحةُ : فتركُهُ الإنكارَ على الطبيبِ الذي يدخلُ عليهِ مثلاً وهوَ
لابسٌ حريراً خوفاً مِنْ أنْ يتأخّرَ عنهُ فتمتنعَ بسببهِ صحتُهُ المنتظرةُ .
١٠٠٠: ٠ ٨٥
وأمَّا المالُ : فتركُهُ الحسبةَ على السلطانِ وأصحابِهِ ، وعلى مَنْ يواسيهِ
مِنْ مالِهِ خيفةً مِنْ أنْ يقطعَ إدرارَهُ في المستقبلِ ويتركَ مواساتَهُ .
وأمَّا الجاهُ : فتركُهُ الحسبةَ على مَنْ يتوقَّعُ منهُ نصرةً وجاهاً في المستقبلِ
خيفةً مِنْ ألا يحصلَ لهُ الجاهُ ، أوْ خيفةً مِنْ أنْ يقبحَ حالُهُ عندَ السلطانِ الذي
يتوقَّعُ منهُ ولایةً .
وهذا كلُّهُ لا يُسقطُ وجوبَ الحِسبةِ ؛ فإنَّ هذهِ زياداتٌ امتنعَتْ ،
وتسميةُ امتناع حصولِ الزياداتِ ضرراً مجازٌ ، وإنَّما الضررُ الحقيقيُّ فواتُ
حاصلٍ ، ولا يُستثنى عنْ هذا شيءٌ إلا ما تدعو إليهِ الحاجةُ، ويكونُ في
فواتِهِ محذورٌ يزيدُ على محذورِ السكوتِ على المنكرِ ، كما إذا كانَ محتاجاً
.. 95
٥٨٧
حن
شن

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
إلى الطبيبٍ لمرضٍ ناجزٍ ، والصحَّةُ منتظرةٌ مِنْ معالجةِ الطبيبِ ، ويعلمُ أنَّ
في تأخُرِهِ شدَّةَ الضنا بهِ وطولَ المرضِ ، وقدْ يفضي إلى الموتِ ، وأعني
بالعلمِ : الظنَّ الذي يجوزُ بمثلِهِ تركُ استعمالِ الماءِ ، والعدولُ إلى التيممِ ،
فإذا انتهى إلى هذا الحدِّ .. لمْ يبعدْ أنْ يرخّصَ في تركِ الحِسبةِ.
وأمَّا في العلم : فمثلُ أنْ يكونَ جاهلاً بمهمَّاتٍ دينِهِ ، ولمْ يجدْ إلا معلِّماً
واحداً ، ولا قدرةَ لَهُ على الرحلةِ إلى غيرِهِ ، وعلمَ أنَّ المحتسَبَ عليهِ قادرٌ على
أنْ يسدَّ عليهِ طريقَ الوصولِ إليهِ ؛ لكونِ العالمِ مطيعاً لهُ، أَوْ مستمعاً لقولِهِ.
فإذاً؛ الصبرُ على الجهلِ بمهمَّاتِ الدينِ محذورٌ ، والسكوتُ على
المنكرِ محذورٌ، ولا يبعدُ أنْ يرجحَ أحدُهُما ، ويختلفُ ذلكَ بتفاحشِ
المنكرِ ، وشدَّةِ الحاجةِ إلى العلمِ لتعلَّقِهِ بمهمَّاتِ الدينِ .
وأمَّا في المالِ : فكمّنْ يعجزُ عنِ الكسبِ والسؤالِ وليسَ هوَ قويّ النفسِ
في التوكُّلِ ، ولا منفقَ عليهِ سوى شخصٍ واحدٍ ، ولوِ احتسبَ عليهِ .. قطعَ
رزقَّهُ ، وافتقرَ في تحصيلِهِ إلى طلبِ إدرارٍ حرامٍ ، أَوْ ماتَ جوعاً ؛ فهذا
أيضاً إذا اشتدَّ الأمرُ فيهِ .. لمْ يبعدْ أنْ يُرخَّصَ لهُ في السكوتِ .
وأمَّا الجاهُ : فهوَ أنْ يؤذيَهُ شريرٌ، ولا يجدَ سبيلاً إلى دفع شرِّهِ إلا بجاهٍ
يكتسبُهُ مِنْ سلطانٍ ، ولا يقدرَ على التوصُّلِ إليهِ إلا بواسطةِ شخصٍ يلبسُ
الحريرَ، أوْ يشربُ الخمرَ، ولوِ احتسبَ عليهِ .. لمْ يكنْ واسطةٌ ووسيلةً
لهُ، فيمتنعُ عليهِ حصولُ الجاهِ ، ويدومُ بسببِهِ أذى الشريرِ .
ـحة:
ـكن
٥٨٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فهذهِ الأمورُ كلُّها إذا ظهرَتْ وقويَتْ .. لمْ يبعدِ استثناؤُها ، ولكنَّ الأمرَ
فيها منوطُ باجتهادِ المحتسِبِ ، حتَّى يستفتيَ فيها قلبَهُ، ويزنَ أحدَ
المحذورينِ بالآخرِ ، ويرجِّحَ بنظرِ الدينِ لا بموجَبِ الهوى والطبع ، فإنْ
رجحَ بموجَبِ الدينِ .. سُمِّيَ سكوتُهُ مداراةٌ ، وإنْ رجحَ بموجَبِ الهوى ..
سُمِّيَ سكوتُهُ مداهنةً .
وهذا أمرٌ باطنٌ لا يُطلعُ عليهِ إلا بنظرٍ دقيقٍ ، ولكنَّ الناقدَ بصيرٌ ، فحقٌّ
على كلِّ متديّنِ أنْ يراقبَ قلبَهُ، ويعلمَ أنَّ اللهَ تعالى مطلعٌ على باعثِهِ وصارفِهِ
أنَّهُ الدينُ أوِ الهوى ، وستجدُ كلُّ نفسٍ ما عملَتْ مِنْ سوءٍ أوْ خيرٍ محضراً
عندَ اللهِ ، ولوْ في فلتةِ خاطرٍ أوْ في لفتةِ ناظرٍ ، مِنْ غيرِ ظلمٍ وجورٍ ، فما اللهُ
بظلام للعبيدِ .
وأمَّا القسمُ الثاني وهوَ فواتُ الحاصلِ : فهوَ مكروهٌ ومعتبرٌ في جوازٍ
السكوتِ في الأمورِ الأربعةِ إلا العلمَ ، فإنَّ فواتهُ غيرُ مخوفٍ إلا بتقصيرٍ
منهُ ، وإلا .. فلا يقدرُ أحدٌ على سلبِ العلمِ مِنْ غيرِهِ وإِنْ قدرَ على سلبٍ
الصحّةِ والسلامةِ والثروةِ والجاهِ والمالِ ، وهذا أحدُ أسبابِ شرفِ العلمِ ،
فإنَّهُ يدومُ في الدنيا ، ويدومُ ثوابُهُ في الآخرةِ ، فلا انقطاعَ لهُ أبد الآبادِ .
ـو
وأمَّا الصحةُ والسلامةُ: ففواتُهُما بالضربِ ، فكلُّ مَنْ علمَ أنَّهُ لوْ أمرٌ
بالمعروفِ ونهى عنِ المنكرِ أنَّهُ يُضربُ ضرباً مؤلماً يتأذّى بهِ في الحِسبة ..
٥٨٩

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
لمْ تلزمْهُ الحسبةُ ، وإنْ كانَ يُستحبُّ لهُ ذلكَ كما سبقَ ، وإذا فُهمَ هذا في
الإيلام بالضربِ .. فهوَ في الجرحِ والقطعِ والقتلِ أظهرُ .
%G
وأمّا الثروةُ: فهوَ بأنْ يعلمَ أنَّهُ تُهبُ دارُهُ، ويخربُ بيتُهُ ، وتُسلبُ
ثيابُهُ ، فهذا أيضاً يسقط عنهُ الوجوبَ ، ويبقى الاستحبابُ ؛ إذْ لا بأسَ بأنْ
يفديَ دينَهُ بدنياهُ ، ولكلِّ واحدٍ مِنَ الضربِ والنهْبِ حدٌّ في القلَّةِ لا يُكترثُ
بهِ ؛ كالحبّةِ في المالِ ، واللطمةِ الخفيفِ ألمُّها في الضربِ ، وحدٍّ في
الكثرةِ يُتَيقَّنُ باعتبارِهما، ووسطٌ يقعُ في محلِّ الاشتباهِ والاجتهادِ ، وعلى
المتديّنِ أنْ يجتهدَ في ذلكَ، ويرجِّحَ جانبَ الدينِ ما أمكنَ .
وأمَّا الجاهُ : فقواتُهُ بأنْ يُضربَ ضرباً غيرَ مؤلمٍ ، أَوْ يُسبَّ على ملأٍ مِنَ
الناس ، أوْ يُطرِحَ منديلُهُ في رقبتِهِ ويُدارَ بهِ في البلدِ ، أَوْ يُسوَّدَ وجهُهُ ويُطافَ
بهِ ، وكلُّ ذلكَ مِنْ غيرِ ضربٍ مؤلمٍ للبدنِ ، وهوَ قادحٌ في الجاهِ ، ومؤلمٌ
للقلب .
وهذا لهُ درجاتٌ ، والصوابُ : أنْ يُقسمَ إلى ما يُعبَّرُ عنهُ بسقوطِ
المروءةِ ؛ كالطوافِ بهِ في البلدِ حاسراً حافياً ، فهذا يرخِّصُ في السكوتِ ؛
لأنَّ المروءةَ مأمورٌ بحفظِها في الشرع ، وهذا مؤلمٌ للقلبِ ألماً يزيدُ على
ألمٍ ضرباتٍ معدودةٍ ، وعلى فواتِ دريهماتٍ قليلةٍ ، فهذهِ درجةٌ .
13
الثانيةُ : ما يُعبَّرُ عنهُ بالجاهِ المحضِ وعلوِّ الرتبةِ ، فإنَّ الخروجَ في ثيابٍ
فاخرةٍ تجمُّلٌ ، وكذلكَ الركوبُ للخيولِ، فلوْ علمَ أنَّهُ لوِ احتسبَ .. لِكُلِّفَ
٥٩٠

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
المشيَ في السوقِ في ثيابٍ لا يعتادُ هوَ مثلَها ، أوْ كُلِّفَ المشيَ راجلاً وعادتهٌ
الرکوبُ .
فهذا مِنْ جملةِ المزايا ، وليسَ المواظبةُ على حفظِها محمودةً ، وحفظُ
المروءةِ محمودٌ ، فلا ينبغي أنْ يسقطَ وجوبُ الحِسبةِ بمثلٍ هذا القذْرِ .
وفي معنى هذا ما لوْ خافَ أنْ يُتعرَّضَ لهُ باللسانِ إمَّا في حضرتِهِ
بالتجهيلِ والتحميقِ والنسبةِ إلى الرياءِ والنفاقِ ، وإمَّا في غيبتِهِ بأنواع الغيبةِ ،
فهذا لا يُسقطُ الوجوبَ ؛ إذْ ليسَ فيهِ إلا زوالُ فضلاتِ الجاهِ التي ليسَ إليها
كبيرُ حاجةٍ ، ولوْ تُركتِ الحِسبةُ بلومٍ لائمٍ ، أوْ باغتيابِ فاسقٍ ، أَوْ شتمِهِ
وتعنيفِهِ ، أوْ سقوطِ المنزلةِ عَنْ قلبِهِ وقلبٍ أمثالِهِ .. لمْ يكنْ للحِسبةِ وجوبٌ
أصلاً؛ إذْ لا تنفكُ الحِسبةُ عنْ ذلكَ إلا إذا كانَ المنكرُ هوَ الغيبةَ، وعلمَ أنَّهُ
لوْ أنكرَ .. لمْ يسكتِ المغتابُ، ولكنْ أضافَهُ إليهِ وأدخلَهُ معَهُ في الغيبةِ ،
فتحرمُ هذهِ الحِسبةُ؛ لأنَّها سببُ زيادةِ المعصيةِ ، وإنْ علمَ أنَّهُ يتركُ تلكَ
الغيبةَ ويقتصرُ على غيبتِهِ .. فلا تجبُ عليهِ الحسبةُ ؛ لأنَّ غيبتَهُ أيضاً معصيةٌ
في حقِّ المغتابِ ، ولكنْ يُستحبُّ لهُ ذلك ؛ ليفديَ عرضَ المذكورِ بعرْضٍ
نفسِهِ على سبيلِ الإيثارِ .
وقدْ دَّتِ العموماتُ على تأكُّدِ وجوبِ الحِسبةِ وعظمِ الخطرِ في السكوتِ
عنها ، فلا يقابلُهُ إلا ما عظمَ في الدينِ خطرُهُ ، والمالُ والنفسُ والمروءةُ قَدْ
ظهرَ في الشرع خطرُها ، فأمَّا مزايا الجاهِ والحشمةِ ودرجاتُ التجمُّلِ وطلبُ
ثناءِ الخلقِ .. فكلُّ ذلكَ لا خطرَ لهُ .
٥٩١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
وأمَّا امتناعُهُ لخوفِ شيءٍ مِنْ هذهِ المكارهِ في حقِّ أولادِهِ وأقاربِهِ .. فهوَ في
حقِّهِ دونَهُ ؛ لأنَّ تأذيَهُ بأمرِ نفسِهِ أشدُّ مِنْ تأذِّيهِ بأمرِ غيرِهِ ، ومِنْ وجهِ الدينِ هوَ
فوقَهُ ؛ لأنَّ لهُ أنْ يسامحَ في حقوقِ نفسِهِ ، وليسَ لهُ المسامحةُ في حقِّ غيرِهِ .
فإذاً ؛ ينبغي أنْ يمتنعَ ، فإنَّهُ إنْ كانَ ما يفوتُ مِنْ حقوقِهِمْ يفوتُ على
طريقِ المعصيةِ ؛ كالضربِ والنّهْبِ .. فليسَ لهُ هذهِ الحِسبةُ؛ لأنَّهُ دفْعُ
منكرٍ يفضي إلى منكرٍ .
وإنْ كانَ يفوتُ لا بطريقِ المعصيةِ .. فهوَ إيذاءُ مسلم أيضاً ، وليسَ لهُ
ذلكَ إلا برضاهُمْ .
فإنْ كانَ يؤدِّي ذلكَ إلى أذى قومِهِ .. فليتركْهُ ، وذلكَ كالزاهدِ الذي لهُ
أقاربُ أغنياءُ ، فإنَّهُ لا يخافُ على مالِهِ إن احتسبَ على السلطانِ ، ولكنَّهُ
يقصدُ أقاربَهُ انتقاماً منهُ بواسطتِهِمْ ، فإذا كانَ يتعدَّى الأذىْ مِنْ حِسبتِهِ إلى
أقاربِهِ وجيرانِهِ .. فليتركْها ؛ فإنَّ إيذاءَ المسلمينَ محذورٌ، كما أنَّ السكوتَ
على المنكرِ محذورٌ(١).
نعمْ ، إنْ كانَ لا ينالُهُمْ أذىً في مالٍ ونفسٍ ، ولكنْ ينالُهُمُ الأذى بالشتمِ
والسبِّ .. فهذا فيهِ نظرٌ، ويختلفُ الأمرُ فيهِ بدرجاتِ المنكراتِ في
تفاحشِها ، ودرجاتِ الكلامِ المحذورِ في نكايتِهِ في القلبِ وقدحِهِ في العرضِ .
(١) والأرجح: ترك إيذاء المسلمين. ((إتحاف)) (٣٣/٧).
٥٩٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فإنْ قيلَ : فلو قصدَ الإنسانُ قطعَ طرفٍ مِنْ نفسِهِ ، وكانَ لا يمتنعُ عنهُ إلا
بقتالٍ ربَّما يؤدِّي إلى قتلِهِ . . فهلْ نقاتلُهُ عليهِ ؟ فإنْ قلتُمْ: ( نقاتلُ) .. فهوَ
محالٌ ؛ لأنَّهُ إهلاكُ نفسٍ خوفاً مِنْ إهلاكِ طرفٍ ، وفي إهلاكِ النفسِ إهلاكُ
الطرفِ أيضاً !
قلنا : نمنعُهُ عنهُ ونقاتلُهُ؛ إذْ ليسَ غرضُنا حفْظَ نفسِهِ وطرفِهِ ، بلٍ
الغرضُ حسْمُ سبيلِ المنكرِ والمعصيةِ ، وقتلُهُ في الحِسبةِ ليسَ بمعصيةٍ ،
وقطعُهُ طرفَ نفسِهِ معصيةٌ ، وذلكَ كدفع الصائلِ على مالِ مسلمٍ بما
يأتي على قتلِهِ، فإنَّهُ جائزٌ لا على معنى أنَّا نفدي درهماً مِنْ مالِ مسلمٍ
بروحٍ مسلم ، فإنَّ ذلكَ محالٌ ، ولكنْ قصدُهُ لأخذِ مالِ المسلمينَ
معصيةٌ ، وقتلُهُ في الدفع عنِ المعصيةِ ليسَ بمعصيةٍ ، وإنَّما المقصودُ دفعُ
المعاصي .
فإنْ قيلَ : فإنْ علمْنا أنَّهُ لوْ خلا بنفسِهِ قطعَ طرفَ نفسِهِ .. فينبغي أنْ نقتلَهُ
في الحالِ حسماً لبابِ المعصيةِ !
قلنا : ذلكَ لا يُعلمُ يقيناً ، ولا يجوزُ سفكُ دِمِهِ بتوهُّمِ معصيةٍ ، ولكنَّا إذا
رأيناهُ في حالِ مباشرةِ القطع .. دفعناهُ، فإنْ قاتلَنا .. قاتلناهُ، ولمْ نبالٍ بما
يأتي على روحِهِ .
٥٩٣
حر

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
فإذاً ؛ المعصيةُ لها ثلاثةُ أحوالٍ :
إحداها : أنْ تكونَ متصرِّمةً ، فالعقوبةُ على ما تصرَّمَ منها حدٍّ أوْ تعزيرٌ ،
وهوَ إلى الولاةِ لا إلى الآحادِ .
الثانيةُ : أنْ تكونَ المعصيةُ راهنةً وصاحبُها مباشرٌ لها ؛ كلبسِهِ الحريرَ ،
وإمساكِهِ العودَ والخمرَ ، فإبطالُ هذهِ المعصيةِ واجبٌ بكلِّ ما يمكنُ ما لمْ
تؤدِّ إلى معصيةٍ أفحشَ منها أوْ مثلِها، وذلكَ يثبتُ للآحادِ والرعيَّةِ(١) .
الثالثةُ : أنْ يكونَ المنكرُ متوقَّعاً ؛ كالذي يستعدُّ بكنسِ المجلسِ وتزيينِهِ
وجمعِ الرياحينِ لشربِ الخمرِ وبعدُ لمْ يحضرِ الخمرُ ، فههذا مشكوكٌ فِيهِ ،
إذْ ربَّما يعوِّقُ عنهُ عائقٌ، فلا يثبتُ للآحادِ سلطنةٌ على العازم على الشربِ إلا
بطريقِ الوعظِ والنصح ، فأمَّا بالتعنيفِ والضربِ .. فلا يجوزُ للآحادِ
ولا للسلطانِ ، إلا إذا كانَتْ تلكَ المعصيةُ عُلمتْ منهُ بالعادةِ المستمرّةِ ،
وقدْ أقدمَ على السببِ المفضي إليها ، ولمْ يبقَ لحصولِ المعصيةِ إلا ما ليسَ
لهُ فيهِ إلا الانتظارُ ، وذلكَ كوقوفِ الأحداثِ على أبوابِ حماماتِ النساءِ
للنظرِ إليهنَّ عندَ الدخولِ والخروجِ ، فإنَّهُمْ وإنْ لم يضيِّقوا الطريقَ لسعتِهِ ..
فتجوزُ الحِسبةُ عليهِمْ بإقامتِهِمْ مِنَ الموضعِ ومنعِهِمْ مِنَ الوقوفِ بالتعنيفِ
والضربِ .
(١) كذا في جميع النسخ و((الإتحاف)) (٣٣/٧)، وفيه: (وفي نسخة: ((للآحاد من
الرعية))) .
٥٩٤

ربع العادات
کتاب الأمر بالمعروف
وكانَ تحقيقُ هذا إذا بُحِثَ عنهُ يرجعُ إلى أنَّ هذا الوقوفَ في نفسِهِ
معصيةٌ ، وإنْ كانَ مقصدُ العاصي وراءَهُ ، كما أنَّ الخلوةَ بالأجنبيةِ في نفسِها
معصيةٌ؛ لأنَّها مَظِنَّةُ وقوع المعصيةِ ، وتحصيلُ مظنَّةِ المعصيةِ معصيةٌ ،
ونعني بالمظنَّةِ : ما يتعرَّضُ الإنسانُ بهِ لوقوع المعصيةِ غالباً ؛ بحيثُ لا يقدرُ
على الانكفافِ عنها ، فإذاً هوَ على التحقيقِ حِسبةٌ على معصيةٍ راهنةٍ ،
لا على معصيةٍ منتظرةٍ .
٥٩٥

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
الركن الثاني الحسبة: ما في الحسبة
وهوَ كلُّ منكرٍ موجودٍ في الحالِ ، ظاهرٍ للمحتسِبِ بغيرِ تجسُّسٍ ،
معلومٍ کونُهُ منكراً بغيرِ اجتهادٍ .
فهذهِ أربعةُ شروطٍ ، فلنبحثْ عنها .
الأوّلُ : كونُهُ منكراً :
ونعني بهِ : أنْ يكونَ محذورَ الوقوع في الشرع ، وعدلْنا عنْ لفظِ
المعصيةِ إلى هذا لأنَّ المنكرَ أعمُّ مِنَ المعصيةِ؛ إذْ مَنْ رأى صبيّاً أوْ مجنوناً
يشرب الخمرَ .. فعليهِ أنْ يريقَ خمرَهُ ويمنعَهُ ، وكذا إنْ رأى مجنوناً يزني
بمجنونةٍ أوْ بهيمةٍ .. فعليهِ أنْ يمنعَهُ منهُ، وليسَ ذلكَ لتفاحشِ صورةِ الفعلِ
وظهورِهِ بينَ الناسِ ، بلْ لو صادفَ هذا المنكرَ في خلوةٍ .. وجبَ المنعُ
منهٌ .
وهذا لا يُسمَّى معصيةً في حقِّ المجنونِ ؛ إذْ معصيةٌ لا عاصيَ بها
محالٌ ، فلفظُ المنكرِ أدلُّ عليهِ وأعمُّ مِنْ لفظِ المعصيةِ .
وقدْ أدرجْنا في عموم هذا الصغيرةَ والكبيرةَ ، فلا تختصُّ الحِسبةُ
بالكبائرِ ، بلْ كشفُ العورةِ في الحمَّام ، والخلوةُ بالأجنبيةِ ، وإتباعُ النظرِ
للنسوةِ الأجنبيَّاتِ .. كلُّ ذلكَ مِنَ الصغائِرِ، ويجبُ النهيُ عنها ، وفي الفرْقِ
بينَ الصغيرة والكبيرةِ نظرٌ سيأتي في كتابِ التوبةِ .
٥٩٦

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
الشرطُ الثاني : أنْ يكونَ موجوداً في الحالِ :
وهوَ احترازٌ عنِ الحِسبةِ على مَنْ فرِغَ مِنْ شربِ الخمرِ ، فإنَّ ذلكَ ليسَ
إلى الآحادِ وقدِ انقرضَ المنكرُ ، واحترازٌ عمَّا سيوجدُ في ثاني الحالِ ، كمَنْ
يُعلمُ بقرينةِ حالِهِ أنَّهُ عازمٌ على الشرْبِ في ليلتِهِ ، فلا حِسبةَ عليهِ إلا
بالوعظِ ، وإنْ أنكرَ عزمَهُ عليهِ .. لمْ يجزْ وعظُهُ أيضاً فيهِ ، فإنَّ فِيهِ إساءةَ
ظنٌّ بالمسلمِ ، وربَّما صدقَ في قولِهِ ، وربَّما لا يقدمُ على ما عزمَ عليهِ
لعائقٍ .
وليتنبّه للدقيقةِ التي ذكرناها ؛ وهوَ أنَّ الخلوةَ بالأجنبيةِ معصيةٌ ناجزةٌ ،
وكذا الوقوفُ على بابِ حمَّامِ النساءِ وما يجري مجراهُ .
الشرطُ الثالثُ : أنْ يكونَ المنكرُ ظاهراً للمحتسِبِ بغيرِ تجتُسٍ :
فكلُّ مَنْ سترَ معصيةً في دارِهِ وأغلقَ بابَهُ .. لا يجوزُ أنْ يُتجسَّسَ عليهِ ،
وقدْ نهى اللهُ تعالى عنهُ، وقصَّةُ عمرَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ
عنهُما فيهِ مشهورةٌ ، وقدْ أوردناها في كتابِ آدابِ الصحبةِ .
وكذلكَ ما رُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ تسلَّقَ دَارَ رجلٍ ، فرآهُ على حالةٍ
مكروهةٍ ، فأنكرَ عليهِ ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنْ كنتُ أنا قدْ عصيتُ اللهَ
مِنْ وجهٍ واحدٍ .. فقدْ عصيتَهُ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ ، فقالَ : وما هيَ ؟ فقالَ : قَدْ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ وقدْ تجسَّسْتَ، وقال تعالى: ﴿وَأَتُواْ
٥٩٧
ـرو

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾ وقدْ تسوَّرْتَ مِنَ السطح، وقالَ: ﴿لَا تَدْخُلُواْ
بُوُنَّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا﴾ وقدْ دخلتَ وما سلَّمتَ
عليَّ ، فتركَهُ عمرُ ، وشرطَ عليهِ التوبةَ .
ولذلكَ شاورَ عمرُ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ وهوَ على المنبرِ ، وسألَّهُمْ
عنِ الإمامِ إذا شاهدَ بنفسِهِ منكراً .. فهلْ لهُ إقامةُ الحدِّ فيهِ ؟ وأشارَ عليٍّ
رضيَ اللهُ عنهُ بأنَّ ذلكَ منوطٌ بعدلينِ ، فلا يكفي فيهِ واحدٌ .
وقدْ أوردنا هذهِ الأخبارَ في بيانِ حقِّ المسلمٍ مِنْ كتابِ آدابِ الصحبةِ ،
فلا نعيدُها .
فإنْ قلتَ : فما حدُّ الظهورِ والاستتارِ ؟
فاعلمْ : أَنَّ مَنْ أغلق بابَ دارِهِ وتستَّرَ بحيطانِهِ . . فلا يجوزُ الدخولُ عليهِ
بغيرِ إذنِهِ لتُعرفَ المعصيةُ ، إلا أنْ يظهرَ في الدارِ ظهوراً يعرفُهُ مَنْ هوَ خارجَ
الدارِ ؛ كأصواتِ المزاميرِ والأوتارِ إذا ارتفعَتْ بحيثُ جاوزَ ذلكَ حيطانَ
الدارِ ، فَمَنْ سمعَ ذلكَ .. فلهُ دخولُ الدارِ وكسرُ الملاهي ، وكذلكَ إذا
ارتفعَتْ أصواتُ السكارى بالكلماتِ المألوفةِ بينَهُمْ، بحيثُ يسمعُهُ أهلُ
الشوارع ، فهذا إظهارٌ موجبٌ للحِسبةِ .
حن
فإِذاً ؛ إنَّما يُدرَكُ معَ تخلُّل الحيطانِ صوتٌ أوْ رائحةٌ ، فإذا فاحَتْ روائحُ
الخمرِ ؛ فإنِ احتملَ أنْ يكونَ ذلكَ مِنَ الخمورِ المحترمةِ .. فلا يجوزُ
٥٩٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
قصدُها بالإراقةِ ، وإنْ علمَ بقرينةِ الحالِ أنَّها فاحَتْ لتعاطيهِمُ الشربَ ..
فهذا محتملٌ ، والظاهرُ : جوازُ الحسبةِ .
وقدْ تُسترُ قارورةُ الخمرِ وظروفُهُ في الكمِّ وتحتَ الذيلِ ، وكذلكَ
الملاهي ، فإذا رأى فاسقاً وتحتَ ذيلِهِ شيءٌ .. لمْ يجزْ أنْ يكشفَ عنهُ ما لمْ
يظهرْ بعلامةٍ خاصَّةٍ ، فإنَّ فسقَهُ لا يدلُّ على أنَّ الذي معَهُ خمرٌ ؛ إذِ الفاسقُ
يحتاجُ أيضاً إلى الخلِّ وغيرِهِ ، ولا يجوزُ أَنْ يستدلَّ بإخفائِهِ ، وأنَّهُ لو كان
خلاًّ .. لما أخفاهُ ؛ لأنَّ الأغراضَ في الإخفاءِ ممَّا تكثرُ .
وإنْ كانَتِ الرائحةُ فائحةً .. فهذا محلُّ النظرِ، والظاهرُ : أنَّ لهُ
الاحتسابَ ؛ لأنَّ هذهِ علامةٌ تفيدُ الظنَّ، والظنُّ كالعلمِ في أمثالِ هذهِ
الأمور ، وكذلكَ العودُ ربَّما يُعرفُ بشكلِهِ إذا كانَ الثوبُ الساترُ لهُ رقيقاً ،
١
فدلالةُ الشّكْلِ كدلالةِ الرائحةِ والصوتِ ، وما ظهرَتْ دلالتُهُ فهوَ غيرُ
مستورٍ ، بلْ هَو مكشوفٌ .
وقدْ أُمرْنا بأنْ نسترَ ما سترهُ اللهُ تعالى ، وننكرَ على مَنْ أبدى لنا
صفحتهُ(١) ، والإبداءُ لهُ درجاتٌ ؛ فتارةً يبدو لنا بحاسَّةِ السمع ، وتارةً
بحاسَّةِ الشمِّ ، وتارةٌ بحاسَّةِ البصرِ ، وتارةً بحاسَّةِ اللمسِ ولا يمكنُ
(١) روى مالك في ((الموطأ)) (٨٢٥/٢) عن زيد بن أسلم يرفعه للنبي صلى الله عليه
وسلم: (( يا أيها الناس ؛ قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ، من أصاب من هذه
القاذورات شيئاً .. فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته .. نُقُم عليه
كتاب الله)).
٥٩٩
....

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
تخصيصُ ذلكَ بحاسَّةِ البصرِ ، بلِ المرادُ العلمُ ، وهذهِ الحواسُ أيضاً تفيدُ
العلمَ ، فإذاً إنَّما يجوزُ أنْ يكسرَ ما تحتَ الثوبِ إذا علمَ أنَّهُ خمرٌ ، وليسَ لهُ
أنْ يقولَ : أرني لأعلمَ ما فيهِ ، فإنَّ هذا تجسُّسٌ ، ومعنى التجئُّسِ :
طلبُ الأماراتِ المعرِّفةِ، فالأمارةُ المعرِّفةُ إنْ حصلَتْ وأورثَتِ
المعرفةً .. جازَ العملُ بمقتضاها، وأمَّا طلبُ الأمارةِ المعرِّفةِ .. فلا رخصةً
فیهِ أصلاً .
الشرطُ الرابعُ : أنْ يكونَ كونُّهُ منكراً معلوماً بغيرِ اجتهادٍ :
فكلُّ ما هوَ في محلِّ الاجتهادِ فلا حِسبةَ فيهِ ، فليسَ للحنفيِّ أنْ ينكرَ على
الشافعيِّ أكلَهُ الضبَّ والضبعَ ومتروكَ التسميةِ ، ولا للشافعيِّ أنْ ينكْرَ على
الحنفيِّ شربَهُ النبيذَ الذي ليسَ بمسكرٍ وتناولَهُ ميراثَ ذوي الأرحامِ ،
وجلوسَهُ في دارٍ أخذَها بشفعةِ الجوارِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مجاري الاجتهادِ .
نعمْ ، لو رأى الشافعيُّ شافعياً يشربُ النبيذَ، وينكحُ بلا وليٍّ ويطأَ
زوجتهُ .. فهذا في محلِّ النظرِ ، والأظهرُ : أنَّ لهُ الحِسبةَ والإنكارَ ، إذْ لمْ
يذهبْ أحدٌ مِنَ المحصِّلينَ إلى أنَّ المجتهدَ يجوزُ لهُ أنْ يعملَ بموجَبِ اجتهادٍ
غيرِهِ ، ولا أنَّ الذي أدَّى اجتهادُهُ في التقليدِ إلى شخصٍ رآهُ أفضلَ العلماءِ أنَّ
لهُ أنْ يأخذَ بمذهبٍ غيرِهِ ، فينتقدَ مِنَ المذاهبِ أطيبَها عندَهُ ، بلْ على كلِّ
مقلِّدِ اتباعُ مقلَّدِهِ في كلِّ تفصيلٍ .
٦٠٠