النص المفهرس
صفحات 541-560
ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، فقرنَ ذلكَ بالصلاةِ والزكاةِ في نعتِ الصالحينَ والمؤمنينَ . وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ وهذا أمرٌ جزْمٌ ، ومعنى التعاونِ : الحثُّ عليهِ، وتسهيلُ طرقِ الخيرِ ، وسدُّ سبلِ الشرِّ والعدوانِ بحسَبِ الإمكانِ . وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَّهُمُ الرَّبَِّتُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، فبيَّنَ أنَّهُمْ أثموا بترْكِ النهيٍ . وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اَلْأَرْضِ ... ﴾ الآيةَ، فبيَّنَ أنَّهُ أهلكَ جميعَهُمْ إلا قليلاً منهم كانوا ينهونَ عنِ الفسادِ . .٠٠٨٥ وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِينَ﴾، وذلكَ هوَ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكرِ للوالدينِ والأقربينَ . وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ... ) الآيةَ، ٥٤١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات والإصلاحُ : نهيٌّ عنِ البغي ، وإعادةٌ إلى الطاعةِ ، فإنْ لمْ يفعلْ .. فقدْ أمرَ اللهُ تعالى بقتالِهِ، فقالَ تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتّى تَّفِىَّ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾، وذلكَ هوَ النهيُ عنِ المنكرِ . وأمَّا الأخبارُ : فمنها ما رُوِيَ عنْ أبي بكرِ الصدّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَالَ في خطبةٍ خطبَها : ( أيُّها الناسُ ؛ إنَّكُمْ تقرؤونَ هذهِ الآيةَ وتؤوِّلونَها على خلافِ تأويلِها: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( ما مِنْ قومِ عملوا بالمعاصي وفيهِمْ مَنْ يقدرُ أنْ ينكرَ عليهِمْ، فلمْ يفعلْ .. إلا يوشكُ أنْ يعمَّهُمُ اللهُ بعذابٍ مِنْ عندِهِ)))(١) . ورُوِيَ عنْ أبي ثعلبةَ الخشنيِّ أنَّهُ سألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾، فقالَ: (( يا أبا ثعلبةَ ؛ مُرْ بالمعروفِ وانْهَ عنِ المنكرِ ، فإذا رأيتَ شُحاً مطاعاً ، وهوىّ متبعاً ، ودنيا مؤثرةً ، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِهِ .. فعليكَ بنفسِكَ ، ودعْ عنكَ العوامَّ ، إِنَّ مِنْ ورائِكُمْ فتناً كقطع الليلِ المظلمٍ ، للمتمسّكِ فيها بمثلِ الذي أنتمْ عليهِ ـرة (١) رواه أبو داوود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٩٢)، وابن ماجه (٤٠٠٥). ٥٤٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف أجرُ خمسينَ منكُمْ))، قيلَ: بلْ منهُمْ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( بلْ منكُمْ؛ لأنَّكُمْ تجدونَ على الخيرِ أعواناً ولا يجدونَ عليهِ أعواناً)) (١) . وسُئِلَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ تفسيرِ هذهِ الآيةِ ، فقالَ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ هذا ليسَ زمانَها ، إنَّها اليومَ مقبولةٌ ، ولكنْ قدْ أوشكَ أنْ يأتيَ زمانُها، تأمرونَ بالمعروفِ فيُصنعُ بكمْ كذا وكذا ، وتقولونَ فلا يُقبلُ منكُمْ ، فحينئذٍ عليكُمْ أنفسَكُم ، لا يضرُّكُمْ مَنْ ضلَّ إذا اهتديتُمْ)(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لتأمرُنَّ بالمعروفِ وتنهوُنَّ عنٍ المنكرِ أوْ ليسلّطَنَّ اللهُ عليكُمْ شرارَكُمْ، ثمَّ يدعو خيارُكُمْ فلا يُستجابُ لهُمْ))(٣) ، معناهُ: تسقطَ مهابتُهُمْ منْ أعينِ الأشرارِ ، فلا يخافونَهُمْ. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا أيُّها الناسُ ؛ إنَّ اللهَ يقولُ: لتأمرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عنِ المنكرِ قبلَ أنْ تدعوا فلا يُستجابُ لكُمْ))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما أعمالُ البرِّ عندَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ (١) رواه أبو داوود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤). (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٢٣/٧/٥). (٣) رواه البزار في ((مسنده)) (٨٥١٠)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٤٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ونحوه رواه الترمذي (٢١٦٩) من حديث حذيفة رضي الله عنه . (٤) رواه أحمد في (( المسند)) (١٥٩/٦) ، وابن حبان في (صحيحه)) (٢٩٠) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ مقارب ، وهو عن ابن ماجه ( ٤٠٠٤ ) ولم يذكر فيه أنه من كلام الله تعالى . ٥٤٣ مصر» ـحن كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات كن إلا كنفئةٍ في بحرٍ لجِّيٍّ ، وما جميعُ أعمالِ البرِّ والجهادِ في سبيلِ اللهِ عندَ الأمرِ بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ إلا كنفئةٍ في بحرٍ لجِّيٍّ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ تعالى ليسألُ العبدَ: ما منعَكَ إِذْ رأيْتَ المنكرَ أنْ تنكرَهُ؟ فإذا لقَّنَ اللهُ العبدَ حجَّتَهُ .. قالَ: ربِّ؛ وثقتُ بكَ وفَرِفْتُ مِنَ الناسِ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إيّاكُمْ والجلوسَ على الطرقاتِ)) ، قالوا: ما لنا بدٌّ، إنَّما هيَ مجالسُنا نتحدَّثُ فيها، قالَ: (( فإذا أبيتُمْ إلا ذلكَ .. فأعطوا الطريقَ حقَّها »، قالوا : وما حقُّ الطريقِ؟ قالَ: (( غضُّ البصرِ ، وكفُّ الأذى، وردُ السلام، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عنِ المنكرِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كَلامُ ابنِ آدمَ كلَّهُ عليهِ لا لهُ، إلا أمرٌ بمعروفٍ أوْ نهيٌ عنْ منكرٍ، أَوْ ذكرُ اللهِ تعالى)»(٤). (١) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) [٦٣٢٦] مقتصراً على الشطر الأول من حديث جابر - وهو عنده [٦٣٠٣] من حديث أبي هريرة بلفظ أقرب - بإسناد ضعيف، وأما الشطر الأخير .. فرواه علي بن معبد في كتاب (( الطاعة والمعصية )) من رواية يحيى بن عطاء مرسلاً أو معضلاً ، ولا أدري من يحيى بن عطاء ) («إتحاف)) (٨/٧)، وفي (ج): (كتفلة) بدل ( كنفئة) في الموضعين . (٢) رواه ابن ماجه (٤٠١٧)، والخطابي في ((العزلة)) ( ٦٧)، ولفظه هنا قريب لما رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩/٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . (٣) رواه البخاري (٢٤٦٥)، ومسلم ( ٢١٢١) . (٤) رواه الترمذي (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤) بنحوه . ٥٤٤ ربع العادات حز كتاب الأمر بالمعروف وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إِنَّ اللهَ لا يعذِّبُ الخاصَّةَ بذنوبِ العامَّةِ حتَّى يُرى المنكرُ بينَ أظهرِهِمْ وهمْ قادرونَ على أنْ ينكروهُ فلا ينكروهُ))(١). وروى أبو أمامة الباهليُّ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( كيْفَ أنتُمْ إذا طغى نساؤُكُمْ، وفسقَ شبَّانُكُمْ، وتركتُمْ جهادَكُمْ؟ » قالوا : وإنَّ ذلكَ لكائنٌ يا رسولَ اللهِ؟! قالَ: (( نعمْ، والذي نفسي بيدهِ ، وأشدُّ منهُ سيكونُ))، قالوا: وما أشدُّ منهُ يا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: (( كيفَ أَنتُمْ إذا لمْ تأمرُوا بمعروفٍ ولمْ تنهَوا عنْ منكرٍ ؟)) قالُوا: وكائنٌ ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ: ((نعمْ ، والذي نفسي بيدهِ ؛ وأشدُّ منْهُ سيكونُ ))، قالُوا: وما أشدُّ منهُ؟ قالَ: ((كيفَ أنْتُمْ إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً ، وَرأيتُمُ المنكرَ معروفاً؟ » قالوا : وكائنٌ ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟! قالَ: ((نعمْ، والذي نفسي بيدِهِ ، وأشدُّ مِنْهُ سيكونُ ))، قالوا: وما أشدُّ منهُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((كيف أنتُمْ إذا أمرتُمْ بالمنكرِ ونهيتُمْ عنِ المعروفِ ؟» قالوا: وكائنٌ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟! قالَ: ((نعمْ، والذي نفسي بيدِهِ ، وأشدُّ منهُ سيكونُ، يقولُ اللهُ تعالى: بي حلفتُ ؛ لأتيحنَّ لهُمْ فتنةً يصيرُ الحليمُ فيها حيرانَ))(٢) . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٥٢) وفيه: ( فلا ينكرونه)، وأحمد في (( المسند)) (١٩٢/٤) من حديث عدي الكندي . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٣١)، ونحوه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٤٢٠)، والطبراني في «الأوسط)) (٩٣٢١) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . ٥٤٥ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات وعنْ عكرمةَ ، عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تقفنَّ عندَ رجلٍ يُقتلُ مظلوماً ؛ فإنَّ اللعنةَ تنزلُ على مَنْ حضرَهُ حينَ لمْ يدفعوا عنهُ ، ولا تقفنَّ عندَ رجلٍ يَضربُ مظلوماً ؛ فإنَّ اللعنةَ تنزلُ على مَنْ حَضرَهُ))(١) . قالَ: وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا ينبغي لامرىءٍ يشهدُ مقاماً فيهِ حقٌّ إلا تكلّم بهِ ؛ فإنَّهُ لنْ يقدِّمَ أجلَهُ، ولنْ يحرمَهُ رزقاً هوَ لهُ)) (٢). وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّهُ لا يجوزُ دخولُ دورِ الظلمةِ والفسقةِ ، ولا حضورُ المواضع التي يُشاهدُ المنكرُ فيها ولا يُقدرُ على تغييرِهِ ، فإنَّهُ قالَ: ((اللعنةُ تنزلُ على مَنْ حضرَ )). - - ٥ ولا يجوزُ لهُ مشاهدةُ المنكرِ مِنْ غيرِ حاجةٍ اعتذاراً بأنَّهُ عاجزٌ ، ولهذا اختارَ جماعةٌ مِنَ السلفِ العزلةَ ؛ لمشاهدتِهِمُ المنكراتِ في الأسواقِ والأعيادِ والمجامع وعجزِهِمْ عنِ التغييرِ ، وهذا يقتضي لزومَ الهجرةِ للخلقِ . ولهذا قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ: ( ما ساحَ السوَّاحُ وخلّوا دورَهُمْ وأولادَهُمْ إلا لمثلِ ما نزلَ بنا حينَ رأوا الشرَّ قَدْ ظهرَ ، والخيرَ قدِ (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٦٠/١١)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧١٧٣). (٢) كذا رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٧١٧٣) بسند الحديث السابق. ٥٤٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف اندرسَ ، ورأوا أنَّهُ لا يُقبلُ ممَّن تكلَّمَ ، ورأوا الفتنَ ولمْ يأمنوا أنْ تعتريَهُمْ ، وأنْ ينزلَ العذابُ بأولئكَ القوم فلا يسلمونَ منهُ ، فرأَوا أنَّ مجاورةَ السباع وأكلَ البقولِ خيرٌ مِنْ مجاورةِ هؤلاءٍ في نعيمِهِمْ، ثمَّ قرأَ: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِنِّيِ لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: ففرَّ قومٌ، فلولا ما جعلَ اللهُ جلَّ ثناؤُهُ في النبوَّةِ مِنَ السرِّ .. لقلنا: ما همْ بأفضلَ مِنْ هؤلاءِ فيما بلغَنا إنَّ الملائكةَ عليهمُ السلامُ لتلقَّاهُمْ وتصافحُهُمْ، والسحابُ والسباعُ تمرُّ بأحدِهِمْ فيناديها فتجيبُهُ ، ويسألُها : أينَ أُمرتِ ؟ فتخبرُهُ ، وليسَ بنبيٌّ ) . وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ حضرَ معصيةً فكرهَها .. فكأنَّهُ غابَ عنها ، ومَنْ غابَ عنها فأحبَّها .. فكأنَّهُ حضرَها )) (١) ، ومعنى الحديثِ: أنْ يحضرَ لحاجةٍ أوْ يتفقَ جريانُ ذلكَ بينَ يديهِ ، فأمَّا الحضورُ قصداً .. فممنوعٌ بدليلِ الحديثِ الأوَّلِ . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما بعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ نبيّاً إلا ولهُ حواريٌّ ، فيمكثُ النبيُّ بينَ أظهرِهِمْ ما شَاءَ اللهُ تعالى يعملُ فيهِمْ بكتابِ اللهِ وبأمرِهِ ، حتَّى إذا قبضَ اللهُ نبيَّهُ .. مكثَ الحواريُّونَ يعملونَ بكتابِ اللهِ وبأمرِهِ ، وبسنَّةِ نبيِّهِمْ ، فإذا انقرضوا .. كانَ مِنْ بعدِهِمْ قومٌ يركبونَ رؤوسَ المنابرِ ، يقولونَ ما تعرفونَ ، ويعملونَ ما تنكرونَ ، فإذا رأيتُمْ ذلكَ .. فحقٌّ على كلِّ مؤمنٍ جهادُهُمْ بيدِهِ ، فإنْ لمْ (١) رواه ابن عدي في (( الكامل)) (٢٣٠/٧)، وهو عند أبي داوود (٤٣٤٥) من حديث العرس بن عميرة رضي الله عنه . ٥٤٧ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات يستطعْ .. فبلسانِهِ، فإنْ لمْ يستطعْ .. فبقلبهِ، وليسَ وراءَ ذلكَ إسلامٌ))(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كانَ أهلُ قريةٍ يعملونَ بالمعاصي ، وكانَ فيهِمْ أربعةُ نفرٍ ينكرونَ ما يعملونَ، فقامَ أحدُهُمْ فقالَ : إِنَّكُمْ تعملونَ كذا وكذا ، فجعلَ ينهاهُمْ ويخبرُهُمْ بقبيح ما يصنعونَ ، فجعلوا يردُّونَ علیهِ ولا يرعوونَ عنْ أعمالِهِمْ، فسبَّهُمْ فستُّوهُ، وقاتلَهُمْ فغلبوهُ، فاعتزلَ ، ثمَّ قالَ: اللهمَّ ؛ إنِّي نهيتُهُمْ فعصوني ، وسببتُهُمْ فسبُّونِي ، وقاتلتُهُمْ فغلبوني ، ثمَّ ذهَب ، ثمَّ قامَ الآخرُ، فنهاهُمْ، فلمْ يطيعوهُ ، فسبَّهُمْ فسبُّوهُ ، فاعتزلَ ، ثمَّ قالَ : اللهمَّ ؛ إنِّي قَدْ نهيتُهُمْ فلمْ يطيعوني ، وسببتُهُمْ فسبُّونِي ، ولوْ قاتلتُهُمْ .. لغلبوني، ثمَّ ذهبَ ، ثمَّ قامَ الثالثُ ، فنهاهُمْ ، فلم يطيعوهُ ، فاعتزلَ ، ثمَّ قالَ : اللهمَّ ؛ إِنِّي قدْ نهيتُهُمْ فلمْ يطيعوني ، ولوْ سببْتُهُمْ .. لسبُّونِي، ولوْ قاتلتُهُمْ .. لغلبوني، ثمَّ ذهبَ، ثمَّ قَامَ الرابع فقالَ : اللهمَّ؛ إِنِّي لَوْ نهيتُهُمْ .. لعصوني، ولوْ سببتُهُمْ .. لسُّوني ، ولوْ قاتلتُهُمْ .. لغلبونِي، ثمَّ ذهبَ، قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : كانَ الرابع أدناهُم منزلةً ، وقليلٌ فيكُمْ مثلُهُ ) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أتهلكُ القريةُ وفيها الصالحونَ ؟ قالَ: (( نعمْ))، قيلَ: بِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ : ((بتهاونِهِمْ وسكوتِهِمْ عنْ معاصي اللهِ عزَّ وجلَّ))(٢). (١) رواه مسلم ( ٥٠ ) بنحوه . (٢) رواه البزار في ((مسنده)) ( ٤٧٤٣)، والطبراني في ((الكبير)) (١١/ ٢٧٠). ٥٤٨ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وقالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أوحى اللهُ تباركَ وتعالى إلى ملكٍ مِنَ الملائكةِ: أنِ اقلبْ مدينةَ كذا وكذا على أهلِها ، فقالَ : يا ربِّ؛ إنَّ فيهِمْ عبدَكَ فلاناً ، لمْ يعصِكَ طرفةَ عينٍ ! قالَ: اقلبْها عليهِ وعليهِمْ ؛ فإنَّ وجهَهُ لمْ يتمعَّرْ فيَّ ساعةً قطُّ ))(١) ٠ وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( عُذِّبَ أهلُ قريةٍ فيها ثمانيةَ عشرَ ألفاً عملُهُمْ عملُ الأنبياءِ)) ، قالوا: يا رسولَ اللهِ؛ كيفَ؟ قالَ: ((لمْ يكونوا يغضبونَ للهِ، ولا يأمرونَ بالمعروفِ ، ولا ينهونَ عنِ المنكرِ))(٢) . وعنْ عروةَ عنْ أبيهِ قالَ : قالَ موسىُ عليهِ السلامُ : يا ربِّ؛ أيُّ عبادِكَ أحبُّ إليكَ ؟ قالَ : الذي يتسرَّعُ إلى هوايّ كما يتسرَّعُ النسرُ إلى هواهُ، والذي يكلَفُ بعباديَ الصالحينَ كما يكلَّفُ الصبيُّ بالثدي ، والذي يغضبُ إذا أُتّيتْ محارمي كما يغضبُ النَّمِرُ لنفسِهِ ، فإنَّ النمرَ إذا غضبَ لنفسِهِ .. لمْ يبالِ قلَّ الناسُ أمْ كثروا(٣) . (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٦٥٧)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧١٨٩)، والتمغُّرُ : تغيُّرُّ الوجه عند الغضب . (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف عليه مرفوعاً)، وسيأتي نحوه للمصنف قريباً . انظر ((الإتحاف)) ( ١١/٧ ) . G (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٤٢٥)، وهناد في (( الزهد)) ( ٤٨٨)، ورواه من حديث عائشة مرفوعاً الطبراني في ((الأوسط)) ( ١٨٦٠)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٣/١) . ٥٤٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات وهذا يدلُّ على فضيلةِ الحِسْبةِ معَ شدَّةِ الخوفِ . وقالَ أبو ذرِّ الغفاريُّ: قالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ مِنْ جهادٍ غيرِ قتالِ المشركينَ ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نعمْ يا أبا بكرٍ ؛ إِنَّ للهِ تباركَ وتعالى مجاهدينَ في الأرضِ ، أفضلُ مِنَ الشهداءِ ، أحياءٌ مرزوقونَ ، يمشونَ على الأرضِ ، يباهي اللهُ بِهِمْ ملائكةَ السماءِ ، وتُزْيَّنُ لهُمُ الجنَّةُ كما تزيَّنَتْ أمُّ سلمةَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ))، فقالَ أبو بكرٍ رضيّ اللهُ عنهُ: يا رسولَ اللهِ؛ ومَنْ هُمْ ؟ قالَ: ((هُمُ الآمرونَ بالمعروفِ ، والناهونَ عنِ المنكرِ ، والمحبُّونَ في اللهِ، والمبغضونَ في اللّهِ))، ثمَّ قالَ: (( والذي نفسي بيدهِ ؛ إنَّ العبدَ مِنْهُمْ ليكونُ في الغرفةِ فوقَ الغرفاتِ فوقَ غُرَفِ الشهداءِ ، للغرفةِ منها ثلاثُ مئة ألفِ بابٍ ، منها الياقوتُ والزمردُ الأخضرُ ، على كلِّ بابِ نورٌ ، وإنَّ الرجلَ منهُمْ لِيُرُوَّجُ بثلاثِ مئة ألفِ حوراءَ قاصراتِ الطرفِ عينٍ ، كلَّما التفتَ إلى واحدةٍ منهُنَّ فنظرَ إليها .. تقولُ لهُ : أتذكرُ يومَ كذا وكذا أمرتَ بالمعروفِ ونهيتَ عنِ المنكرِ ؟ كلَّما التفتَ إلى واحدةٍ منهُنَّ .. ذكرَتْ لهُ كلَّ مقامٍ أمرَ فيهِ بمعروفٍ ، ونهىْ فيهِ عنْ منكرٍ))(١) . وقالَ أبو عبيدةَ بنُ الجرّاحِ رضيَ اللهُ عنهُ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيُّ الشهداءِ أكرمُ على اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قالَ: ((رجلٌ قامَ إلى والٍ جائرٍ، أَمرَهُ (١) قال الحافظ العراقي: ( الحديث بطوله لم أقف له على أصل، وهو منكر) . ((إتحاف )) ( ٧/ ١٢ ). ٥٥٠ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف بالمعروفِ ونهاهُ عنِ المنكرِ فقتلَهُ ، فإنْ لمْ يقتلْهُ . . فإنَّ القلمَ لا يجري عليهِ بعدَ ذلكَ وإنْ عاشَ ما عاشَ))(١) . وقالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ شهداءِ أمَّتي رجلٌ قامَ إلى إمام جائرٍ ، فأمرَهُ بالمعروفِ ونهاهُ عنِ المنكرِ فقتلَهُ على ذلكَ، فذلكَ الشهيدُ منزلتُهُ في الجنَّةِ بينَ حمزةَ وجعفرٍ))(٢). وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( بئسَ القومُ قومٌ لا يأمرونَ بالقسطِ ، وبئسَ القومُ قومٌ لا يأمرون بالمعروفِ ولا ينهونَ عنِ المنكرِ)» (٣). وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لتأمرنَّ بالمعروفِ ، ولتنهوُنَّ عنٍ المنكرِ أوْ ليسلَّطِنَّ اللهُ عليكُمْ سلطاناً ظالماً ، لا يجلُّ كبيرَكُمْ، ولا يرحمُ (١) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٣٥٤١) إلى قوله : ( فقتله )، ونعت الحافظ العراقي الزيادة بأنها منكرة. انظر ((الإتحاف )) (١٢/٧). (٢) روى نحو هذا من حديث جابر الحاكمُ في ((المستدرك)) (١٩٥/٣)، ولفظه: ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله)). (٣) قال الحافظ العراقي : ( رواه أبو الشيخ ابن حيان من حديث جابر بسند ضعيف ، وأما حديث عمر .. فأشار إليه أبو منصور الديلمي في (( مسند الفردوس)) بقوله : وفي الباب، ورواه علي بن معبد في كتاب (( الطاعة والمعصية)) من حديث الحسن مرسلاً). ((إتحاف)) ( ١٢/٧ ). ٥٥١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات صغيرَكُمْ، ويدعو عليهِ خيارُكُمْ فلا يُستجابُ لهُمْ، وتنتصرونَ فلا تُصرونَ، وتستغفرونَ فلا يُغفرُ لكُمْ)(١) . وسُئِلَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ ميتِ الأحياءِ ، فقالَ : ( الذي لا ينكرُ المنكرَ بيدِهِ ، ولا بلسانِهِ ، ولا بقلبِهِ) (٢) . وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : كانَ حبرٌ مِنْ أحبارِ بني إسرائيلَ يغشى الرجالُ والنساءُ منزِلَهُ ، يعظُهُمْ ويذكِّرُهُمْ بأيام اللهِ عزَّ وجلَّ، فرأىُ بعضَ بنيهِ يوماً وقدْ غمزَ بعضَ النساءِ ، فقالَ : مهلاً يا بنيَّ مهلاً ، فسقطَ مِنْ سريرِهِ ، فانقطعَ نخاعُهُ ، وأسقطَتِ امرأتُهُ، وقتلَ بنوهُ في الجيشِ ، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّ زمانِهِ أنْ أخبرْ فلاناً الحبْرَ أَنِّي لا أُخرجُ مِنْ صلبكَ صدِّيقاً أبداً ، أما كانَ مِنْ غضبِكَ لي إلا أنْ قلتَ : مهلاً يا بنيَّ مهلاً ؟!(٣) وقالَ حذيفةُ : يأتي على الناس زمانٌ لأنْ تكونَ فيهِمْ جيفةُ حمارِ أحبُّ إليهِمْ مِنْ مؤمنٍ يأمرُهُمْ وينهاهُمْ(٤) . وأوحى اللهُ تعالى إلى يوشعَ بنِ نونٍ عليهِ السلامُ : إنِّي مهلكٌ مِنْ قومِكَ أربعينَ ألفاً مِنْ خيارِهِمْ وستينَ ألفاً مِنْ شرارِهِمْ، فقالَ : يا ربِّ ؛ هؤلاءِ (١) كذا أورده أبو الليث السمرقندي في ((تنبيه الغافلين)) (ص ٩٧)، والثعلبي في (تفسيره)) ( ١٢٣/٣)، وتقدم معناه في المرفوع . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧١٨٤). (٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٧٢/٢). (٤) أورده الثعلبي في ((تفسيره)) ( ٣/ ١٢٣ ) . ٥٥٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الأشرارُ ، فما بالُ الأخيارِ ؟! فقالَ : إنَّهُمْ لمْ يغضبوا لغضبي ، وواكلوهُمْ وشاربوهُمْ(١) . وقالَ بلالُ بنُ سعدٍ : ( إنَّ المعصيةَ إذا أُخفِيَتْ .. لمْ تضرَّ إلا صاحبَها، فإذا أُعلنَتْ ولم تُغيَّرْ .. أضرَّتْ بالعامَّةِ)(٢). وقالَ كعبُ الأحبارِ لأبي مسلم الخولانيِّ : كيفَ منزلتُكَ مِنْ قومِكَ ؟ قالَ : حسنةٌ، قالَ كعبٌ : إنَّ التوراةَ لتقولُ غيرَ ذلكَ ! قالَ : وما تقولُ ؟ قالَ : تقولُ : إنَّ الرجلَ إذا أمرَ بالمعروفِ ، ونهى عنِ المنكرِ .. ساءَتْ منزلتُهُ عندَ قومِهِ ، فقالَ : صدقتِ التوراةُ وكذبَ أبو مسلمٍ (٣) . وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما يأتي العمَّالَ ، ثمَّ قعدَ عنْهُمْ، فقيلَ لُهُ: لَوْ أتيتَهُمْ فلعلَّهُمْ يجدونَ في أنفسِهِمْ، فقالَ : أرهبُ إنْ تكلَّمْتُ أنْ يروا أنَّ الذي بي غيرُ الذي بي، وإنْ سكتُّ .. رهبتُ أنْ آثمَ (٤). وهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ عجزَ عنِ الأمرِ بالمعروفِ .. فعليهِ أنْ يبعدَ عنْ ذلكَ الموضع ويستترَ عنهُ ؛ حتى لا يجريّ بمشهدٍ منهُ . وقالَ عليٍّ بنُ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( أوَّلُ ما تُغْلبونَ عليهِ مِنَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٧١)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٨٩٨٢ ). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٥٠) . (٣) رواه الخولاني في (( تاريخ داريا)) (ص ٦٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٧ /٢٠٣) . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٥٥). ٥٥٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات الجهادِ الجهادُ بأيديكُمْ، ثمّ الجهادُ بألسنتِكُمْ، ثمّ الجهادُ بقلوبِكُمْ ، فإذا لمْ يعرفِ القلبُ المعروفَ، ولمْ ينكرِ المنكرَ .. نكسَ، فجُعلَ أعلاهُ أسفلَهُ)(١) . وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ رحمهُ اللهُ : ( أيُّما عبدٍ عملَ في شيءٍ مِنْ دینِهِ بما أُمِرَ بهِ أوْ نُهَيَ عنهُ، وتعلَّقَ بهِ عندَ فسادِ الأمورِ وتنكُّرِها وتشوشِ الزمانِ .. فهوَ ممَّنْ قَدْ قامَ للهِ في زمانِهِ بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ ) ، معناهُ : أنَّهُ إذا لمْ يقدرْ إلا على نفسِهِ ، فقامَ بها ، وأنكرَ أحوالَ الغيرِ بقلبِهِ .. فقدْ جاءَ بما هوَ الغايةُ في حقُّهِ . وقيلَ للفضيلِ : ألا تأمرُ وتنهى ؟ فقالَ : إنَّ قوماً أمروا ونهوا فكفروا ، وذلكَ أنَّهُمْ لمْ يصبروا على ما أُصيبوا . وقيلَ للثوريِّ : ألا تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عنِ المنكرِ ؟ فقالَ : إذا انبثقَ البحرُ .. فمَنْ يقدرُ أنْ يسكُرَهُ(٢). فقدْ ظهرَ بهذهِ الأدلَّةِ أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عنِ المنكرِ واجبٌ ، وأنَّ فرضَهُ لا يسقطَ معَ القدرةِ إلا بقيامِ قائمٍ بهِ ، فلنذكرِ الآنَ شروطَهُ وشروطَ وجوبِهِ . (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٨٧٣٣). (٢) رواه أبو بكر الخلال في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٢٠)، يقال: سَكَر النهر سَكْراً ؛ إذا سدّه . ٥٥٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف البَابُ الثَّانِي في أركان الأمر بالمعروف وشروطه اعلمْ : أنَّ الأركانَ في الحِسْبةِ التي هيَ عبارةٌ شاملةٌ للأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ .. أربعةٌ: المحتسِبُ، والمحتسَبُ عليهِ، والمحتسَبُ فيهِ ، ونفسُ الاحتسابِ (١). فهذهِ أربعةُ أركانٍ ، ولكلّ واحدٍ منها شروطٌ . الركن الأوّل: المحتسب ولهُ شروطٌ؛ وهوَ أنْ يكونَ مكلَّفاً ، مسلماً ، قادراً . فيخرجُ منهُ : المجنونُ ، والصبيُّ، والكافرُ ، والعاجزُ(٢)، ويدخلُ فيهِ : آحادُ الرعايا وإنْ لمْ يكونوا مأذونينَ ، ويدخلُ فيهِ : الفاسقُ ، والرقيقُ ، والمرأةُ . فلنذكرْ وجهَ اشتراطٍ ما اشترطناهُ ، ووجهَ اطَّراح ما اطَّرِحْناهُ . CO ـمســ (١) الحسبة بالكسر: اسم من الاحتساب؛ بمعنى: ادخار الأجر عند الله تعالى. (٢) زيادة من ( ب ، ج) . ٥٥٥ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات أمَّا الشرطُ الأوَّلُ وهوَ التكليفُ : فلا يخفى وجهُ اشتراطِهِ ، فإنَّ غيرَ المكلَّفِ لا يلزمُهُ أمرٌ ، وما ذكرناهُ أردنا بهِ أنَّهُ شرطُ الوجوبِ ، فأمَّا إمكانُ الفعلِ وجوازُهُ .. فلا يستدعي إلا العقلَ ، حتى إنَّ الصبيَّ المراهقَ للبلوغ المميِّرَ وإنْ لمْ يكنْ مكلَّفاً فلهُ إنكارٌ المنكرِ ، ولَهُ أنْ يريقَ الخمرَ ويكسرَ الملاهيَ ، وإذا فعلَ ذلكَ .. نالَ بهِ ثواباً ، ولمْ يكنْ لأحدٍ منعُهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ ليسَ بمكلَّفٍ ، فإنَّ هذهِ قربةٌ ، وهوَ مِنْ أهلِها ؛ كالصلاةِ والإمامةِ وسائرِ القرباتِ ، وليسَ حكمُهُ حكمَ الولاياتِ ، حتَّى يُشترطَ فيهِ التكليفُ، ولذلكَ أثبتناهُ للعبدِ وآحادِ الرعيّةِ . نعمْ ، في المنعِ بالفعلِ وإبطالِ المنكرِ نوعُ ولايةٍ وسلطنةٍ ، ولكنَّها تُستفادُ بمجرَّدِ الإيمانِ ؛ كقتلِ المشركِ وإبطالِ أسبابِهِ وسلْبِ أسلحِتِه ، فإنَّ للصبيِّ أنْ يفعلَ ذلكَ حيثُ لا يستضرُّ بهِ ، فالمنعُ عنِ الفسقِ كالمنعِ عنِ الكفرِ . وأمَّا الشرطُ الثاني وهوَ الإيمانُ : فلا يخفى وجهُ اشتراطِهِ ؛ لأنَّ هذا نصرةٌ للدين ، فكيفَ يكونُ مِنْ أهلِهِ مَنْ هوَ جاحدٌ لأصلِ الدينِ وعدوٌّ لَهُ ؟! وأمَّا الشرطُ الثالثُ وهوَ العدالةُ : فقدِ اعتبرَها قومٌ ، وقالوا : ليسَ للفاسقِ أنْ يحتسِبَ ، وربَّما استدلوا فيهِ ٥٥٦ -. ربع العادات کتاب الأمر بالمعروف بالنكيرِ الواردِ على مَنْ يأمرُ بما لا يفعلُهُ؛ مثلَ قولِهِ تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وبما رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مررتُ ليلةَ أُسريَ بي بقومِ تُقَرضُ شفاهُهُمْ بمقاريضَ مِنْ نارٍ ، فقلتُ : مَنْ أنْتُمْ ، فقالوا : كنَّا نأمرُ بالخيرِ ولا نأتيهِ ، وننهى عنِ الشرِّ ونأتيهِ)) (١)، وبما رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى عيسى عليهِ السلامُ: ( يا بنَ مريمَ ؛ عِظْ نفسَكَ، فإنِ اتعظتَ .. فعظِ الناسَ، وإلا .. فاستحي منِّي)(٢). وربما استدلوا مِنْ طريقِ القياسِ بأنَّ هدايةَ الغيرِ فرعٌ للاهتداءِ ، فكذلكَ تقويمُ الغيرِ فرعٌ للاستقامةِ ، والإصلاحُ زكاةٌ عنْ نصابِ الصلاحِ ، فمَنْ ليسَ بصالحِ في نفسِهِ .. فكيفَ يصلحُ غيرَهُ ؟ ومتى يستقيمُ الظلُّ والعودُ أعوجُ ؟ وكلُّ ما ذكروهُ خيالاتٌ ، وإنَّما الحقُّ أنَّ للفاسقِ أنْ يحتسبَ . وبرهانُهُ : هوَ أنْ نقولَ : هلْ يُشترطُ في الاحتسابِ أنْ يكونَ متعاطيهِ معصوماً عنِ المعاصي كلِّها ؟ فإنْ شُرطَ ذلكَ .. فهوَ خرقٌ للإجماع ، ثمَّ حسمٌ لبابِ الاحتسابِ ؛ إذْ لا عصمةَ للصحابةِ فضلاً عمَّنْ دونَهُمْ ، والأنبياءُ عليهِمُ السلامُ قدِ اختلفَ في عصمتِهِمْ عنِ الخطايا ، والقرآنُ العزيزُ دالٌّ على (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٢٠/٣) بنحوه . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٢/٢). ٥٥٧ حن كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات نسبةٍ آدَمَ عليهِ السلامُ إلى المعصيةِ، وكذا جماعةٌ مِنَ الأنبياءِ(١) ، ولهذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ : ( إنْ لمْ يأمر بالمعروفِ ولمْ ينهَ عنِ المنكرِ إلا مَنْ لا يكونُ فيهِ شيءٌ .. لمْ يأمر أحدٌ بشيءٍ )، فأعجبَ مالكاً ذلكَ مِنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ . وإنْ زعموا أنَّ ذلكَ لا يُشترطُ عنِ الصغائرِ(٢)، حتَّى يجوزُ للابسِ الحريرِ أنْ يمنعَ مِنَ الزنا وشربِ الخمرِ . . فنقولُ: وهلْ لشاربِ الخمرِ أنْ يغزوَ الكفَّارَ ويحتسبَ عليهِمْ بالمنعِ مِنَ الكفرِ ؟ فإنْ قالوا : لا .. خرقوا الإِجماعَ ؛ إذْ جنودُ المسلمينَ لمْ تزلْ مشتملةً على البرِّ والفاجرِ وشاربِ الخمرِ وظالمِ الأيتامِ ، ولمْ يُمنعوا مِنَ الغزوِ ، (١) الخلاف واقع في العصمة عن الصغائر ، وهو رأي الإمام الغزالي في بعض كتبه الكلامية ، قال في ((الاقتصاد)) (ص ٢٨٦): ( فإن عصمة الأنبياء عن الكبائر عرفت شرعاً ، وعن الصغائر مختلف فيها ) ، وهو رأي شيخه إمام الحرمين الجويني ، حيث قال في ((الإرشاد)) (ص ٣٥٦) حين حرَّج نفسه : أيهما أغلب جواز وقوع الصغائر أو عدمها ؟ قال : ( الأغلب على الظن عندنا جوازها ، وقد شهدت أقاصيص الأنبياء في آي من كتاب الله تعالى على ذلك، فالله أعلم بالصواب ) ، وللعلامة المتكلم عبد الكريم الشهرستاني كلمة بديعة ، حيث قال في (( نهاية الإقدام)) ( ص ٤٤٥ ): ( والأصح : أنهم معصومون عن الصغائر عصمتهم عن الكبائر ، فإن الصغائر إذا توالت .. صارت بالاتفاق كبائر، وما أسكر كثيره .. فقليله حرام ، لكن المجوَّزَ عليهم عقلاً وشرعاً مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازاً وجوازاً ، وحظراً وحظراً ، ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديد على غيرهم في كبائر الأمور ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، وتحت كل زلة يجري عليهم سر عظيم ، فلا تلتفت إلى ظواهر الأحوال ، وانظر إلى سرائر المآل ). (٢) في ( ب): (وإن زعموا أن ذلك لا يشترط فيه العصمة عن الصغائر ) . ٥٥٨ :كن ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف لا في عصرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا بعدَهُ . وإنْ قالوا : نعمْ .. فنقولُ: شاربُ الخمرِ هلْ لهُ أنْ يمنعَ مِنَ القتلِ أمْ لا ؟ فإنْ قالوا : لا .. قلنا : فما الفرقُ بينَهُ وبينَ لابسِ الحريرِ؟! إذْ جازَ لهُ المنعُ مِنَ الخمرِ ، والقتلُ كبيرةٌ بالنسبةِ إلى الشربِ ، كالشربِ بالنسبةِ إلى لبسِ الحريرِ ، فلا فرقَ . وإنْ قالوا : نعم، وفصَّلوا الأمرَ فيهِ ؛ بأنَّ كلَّ مقدِمٍ على شيءٍ فلا يمنعُ عنْ مثلِهِ ولا عمَّا دونَهُ، وإنما يمنعُ عمَّا فوقَهُ .. فهذا تحكُّمٌ؛ فإنَّهُ كما لا يبعد أنْ يمنعَ الشاربُ مِنَ الزنا والقتلِ فمِنْ أينَ يبعدُ أنْ يمنعَ الزاني مِنَ الشربِ ؟ بلْ مِنْ أينَ يبعدُ أنْ يشربَ ويمنعَ غلمانَهُ وخدمَهُ منَ الشربِ ، ويقولَ : يجبُّ عليَّ الانتهاءُ والنهيُ ، فمن أين يلزمُني بالعصيانِ بأحدِهِما أنْ أعصيَ اللهَ تعالىُ بالثاني ؟! وإذْ كانَ النهيُ واجباً عليَّ، فمِنْ أينَ سقطَ وجوبُهُ بإقدامي ؟! إذْ يستحيلُ أنْ يُقالَ : يجبُ النهيُ عنْ شربِ الخمرِ عليهِ ما لمْ يشربْ، فإذا شربَ .. سقطَ عنهُ النهيُّ! فإنْ قيلَ : فيلزمُ على هذا أَنْ يقولَ القائلُ: الواجبُ عليَّ الوضوءُ والصلاةُ، فأنا أتوضَّأُ وإنْ لمْ أصلِّ، وأتسخَّرُ وإنْ لمْ أصمْ ؛ لأنَّ المستحبَّ ليَ الصومُ والسحورُ جميعاً، ولكنْ يُقالُ: أحدُهُما مرتَّبٌ على الآخرِ ، ٥٥٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات فكذلكَ تقويمُ الغيرِ مرتَّبٌ على تقويمِهِ نفسَهُ ، فليبدأُ بنفسِهِ ثمَّ بمَنْ يعولُ . فالجواب : أنَّ التسخُرَ يُرادُ للصوم ، ولولا الصومُ .. لما كانَ التسخُرُ مستحبّاً ، وما يُرادُ لغيرِهِ لا ينفكُ عنْ ذلكَ الغيرِ ؛ وإصلاحُ الغيرِ لا يُرادُ لإصلاحِ النفسِ ، ولا إصلاحُ النفسِ لإِصلاحِ الغيرِ ، فالقولُ بترتَّبِ أحدِهِما على الآخرِ تحكّمٌ . وأمَّا الوضوءُ والصلاةُ .. فهوَ لازمٌ، فلا جرمَ أنَّ مَنْ توضَّأَ ولمْ يصلِّ كانَ مؤدِّياً أمرَ الوضوءِ ، وكانَ عقابُهُ أقلَّ مِنْ عقابِ تركِ الوضوءِ والصلاةِ جميعاً ، فليكنْ مَنْ تركَ النهيَ والانتهاءَ أكثرَ عقاباً ممَّنْ نهى ولمْ ينتَهِ ، كيفَ والوضوءُ شرطٌ لا يُرادُ لنفسِهِ، بلْ للصلاةِ ، فلا حكمَ لهُ دونَ الصلاةِ، فأمَّا الحِسبةُ .. فليسَتْ شرطاً في الانتهاءِ والائتمار ، فلا مشابهةَ بينَهُما . فإِنْ قِيلَ : فيلزمُ على هذا أنْ يُقالَ : إذا زنى الرجلُ بامرأةٍ وهيَ مكرهةٌ مستورةُ الوجهِ ، فكشفَتْ وجهَها باختيارِها ، فأخذَ الرجلُ يحتسبُ في أثناءِ الزنا ويقولُ : أنتِ مكرهةٌ في الزنا ، ومختارةٌ في كشفِ الوجهِ لغيرِ مَحْرَمٍ ، وهأنا غير محرم لكِ ، فاستري وجهَكِ ، فهذا احتسابٌ شنيعٌ يستنكرُهُ قلبُ كلِّ عاقلٍ ، ويستبشعُهُ كلُّ طبعٍ سليمٍ ! فالجوابُ : أنَّ الحقَّ قدْ يكونُ شنيعاً ، وأنَّ الباطلَ قدْ يكونُ مستحسناً بالطباع ، والمتبعُ الدليلُ دونَ نفرةِ الأوهام والخيالاتِ ، فإنَّا نقولُ: قولُهُ ٥٦٠