النص المفهرس

صفحات 521-540

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
قال سهلٌ رحمَهُ اللهُ : ( كلُّ وجدٍ لا يشهدُ لهُ الكتابُ والسنةُ فهوَ
باطلٌ)(١) ، فلا يصلحُ السماعُ لمثلِ هذا ، ولا لمَنْ قلبُهُ بعدُ ملوَثٌ بحبٍّ
الدنيا وشهوةِ المحمدةِ والثناءِ ، ولا لمَنْ يسمعُ لأجلِ التلذَّذِ والاستطابةِ
بالطبع فيصيرُ ذلكَ عادةً لهُ ، ويشغلُهُ ذلكَ عنْ عباداتِهِ ومراعاةٍ قلبِهِ ، وينقطعُ
عليهِ طريقُهُ ، فالسماعُ مزلَّةٌ قدمٍ يجبُ حفظُ الضعفاءِ عنهُ .
قالَ الجنيدُ : رأيتُ إبليسَ في النومِ ، فقلتُ لهُ : هلْ تظفرُ مِنْ أصحابنا
بشيءٍ ؟ قالَ : نعمْ ، في وقتينِ ، وقتِ السماعِ ووقتِ النظرِ ، فإِنِّي أدخلُ
عليهِمْ بِهِ، فقالَ بعضُ الشيوخ: لوْ رأيتُهُ أنا .. لقلتُ لهُ: ما أحمقَكَ! مَنْ
سمعَ منهُ إذا سمعَ ، ونظرَ إليهِ إذا نظرَ .. كيفَ تظفرُ بهِ . فقالَ الجنيدُ :
صدقتَ .
به٧٥٠
الأدبُ الثالثُ : أنْ يكونَ مصغياً إلى ما يقولُ القائلُ :
حاضرَ القلبِ ، قليلَ الالتفاتِ إلى الجوانبِ ، متحرِّزاً عنِ النظرِ إلى
وجوهِ المستمعينَ وما يظهرُ عليهْم مِنْ أحوالِ الوجْدِ ، مشتغلاً بنفسِهِ ومراعاةٍ
قلبِهِ ومراقبةٍ ما يفتحُ اللهُ تعالى لهُ مِنْ رحمتِهِ في سرِّهِ ، متحفِّظاً عنْ حركةٍ
تشوَّشُ على أصحابِهِ قلوبَهُمْ ، بلْ يكونُ ساكنَ الظاهرِ ، هادىءَ الأطرافِ ،
محترزاً عنِ التنحنح والتثاؤبِ ، ويجلسُ مطرقاً رأسَهُ كجلوسِهِ في فَكْرٍ
(١) اللمع (ص٣٧٦) .
٥٢١

کتاب السماع والوجد
ربع العادات
مستغرقٍ لقلبهِ ، متماسكاً عنِ التصفيقِ والرقصِ وسائرِ الحركاتِ على وجهِ
التصنُّع والتكلُّفِ والمراءاةِ ، ساكتاً عنِ النطقِ في أثناءِ القولِ بكلِّ ما عنهُ بدّ .
:5
فإنْ غلبَهُ الوجْدُ وحرَّكَهُ بغيرِ اختيارِهِ . . فهوَ فيهِ معذورٌ غيرُ ملومٍ ، ومهما
رجعَ إليهِ الاختيارُ .. فليعدْ إلى هدوئِهِ وسكونِهِ ، ولا ينبغي أن يستديمَهُ حياءً
مِنْ أنْ يُقالَ : ( انقطعَ وَجْدُهُ على القرْبِ ) ، ولا أنْ يتواجدَ خوفاً مِنْ أنْ
يُقالَ : ( هوَ قاسي القلبِ ، عديمُ الصفاءِ والرقَّةِ ).
حُكِيَ أنَّ شابّاً كانَ يصحبُ الجنيدَ ، فكانَ إذا سمعَ شيئاً مِنَ الذكرِ
يزعقُ ، فقالَ لهُ الجنيدُ يوماً : إنْ فعلتَ ذلكَ مرَّةً أخرى .. لمْ تصحبْني ،
فكانَ بعدَ ذلكَ يضبطُ نفسَهُ ، حتَّى يقطرُ مِنْ كلِّ شعرةٍ منهُ قطرةُ ماءٍ ولمْ
يزعقْ، فحُكِيَ أنَّهُ اختنقَ يوماً لشدَّةِ ضبطِهِ لنفسِهِ ، فشهقَ شهقةٌ فانشقَّ قلبُهُ
وتلفَتْ نفسُهُ (١).
ورُوِيَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ قصَّ في بني إسرائيلَ ، فمزَّقَ واحدٌ منْهُمْ
ثوبَهُ أوْ قميصَهُ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى موسىُ عليهِ السلامُ : قَلْ لهُ : مزِّقْ
لي قلبَكَ ، ولا تمزِّقْ ثيابَكَ(٢) .
قالَ أبو القاسمِ النصراباذيُّ لأبي عمرو بنِ نجيدٍ : أنا أقولُ : إذا اجتمعَ
(١) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٥٨) واللفظ له، والقشيري في ((الرسالة))
( ص٥٥٤ ) .
(٢) اللمع (ص٢٤٦)، والرسالة القشيرية (ص٥٥٣).
٥٢٢
டு

ربع العادات
کتاب السماع والوجد
0
القومُ فيكونُ معَهُمْ قوَّالٌ يقولُ .. خيرٌ مِنْ أنْ يغتابوا ، فقالَ أبو عمرٍو :
الرياءُ في السماع ، وهوَ أنْ ترىُ مِنْ نفسِكَ حالاً ليسَتْ فِيكَ شرٌّ مِنْ أنْ تغتابَ
ثلاثينَ سنةً ، أَوْ نحوَ ذلكَ(١) .
فإنْ قلتَ : هلِ الأفضلُ هوَ الذي لا يحرِّكُهُ السماعُ ولا يؤثِّرُ في ظاهرِهِ ،
أوِ الذي يظهرُ عليهِ ؟
فاعلمْ : أنَّ عدمَ الظهورِ تارةً يكونُ لضعفِ الواردِ مِنَ الوجْدِ(٢)؛ فهوَ
نقصانٌ ، وتارةً يكونُ معَ قوَّةِ الوجْدِ في الباطنِ ، ولكنْ لا يظهرُ لكمالِ القوَّةِ
على ضبْطِ الجوارح ، وهوَ كمالٌ ، وتارةً يكونُ لكونِ حالِ الوجْدِ ملازماً
ومصاحباً في الأحوالِ كلُّها ، فلا يتبيَّنُ للسماع مزيدُ تأثيرٍ ، وهوَ غايةُ
الكمالِ ، فإنَّ صاحبَ الوجْدِ في غالبِ الأحوالِ لا يدومُ وجْدُهُ ، فمَنْ هوَ في
وجدٍ دائمٍ فهوَ المرابطُ للحقِّ والملازمُ لعينِ الشهودِ ، فهذا لا تغيّرُهُ طوارقُ
الأحوالِ ، ولا يبعدُ أنْ تكونَ الإشارةُ بقولِ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كنّا
كما كنتُمْ ثمَّ قسَتْ قلوبُنا ) ، معناهُ : قويتْ قلوبنا واشتدَّتْ ، فصارَتْ تطيقُ
ملازمةَ الوجْدِ في كلِّ الأحوالِ ، فنحنُ في سماع معاني القرآنِ على الدوامِ ،
فلا يكونُ القرآنُ جديداً في حقِّنا طارئاً علينا حتَّى نتأثَّرَ بِهِ .
٥٨٠٠
(١) رواه القشيري في (( الرسالة)) (ص ٥٥٨).
(٢) إما لجهله بمنزلة السماع ، أو لسواد قلبه من ارتكاب المعاصي ، أو لجمود طبعه مع
الوقوف على الإنكار. ((إتحاف)) (٥٦٤/٦).
٥٢٣

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
فإذاً ؛ قوَّةُ الوجْدِ تحرِّكُ ، وقوَّةُ العقْلِ والتماسكِ تضبطُ الظواهرَ ، وقدْ
يغلبُ أحدُهُما الآخرَ ؛ إمَّا لشدَّةِ قوَّتِهِ، وإمَّا لضعفِ ما يقابلُهُ، ويكونُ
النقصانُ والكمالُ بحسَبِ ذلكَ ، فلا تظنَّنَّ أنَّ الذي يضطربُ بنفسِهِ على
الأرضِ أتمُّ وجداً مِنَ الساكنِ باضطرابِهِ ، بلْ ربَ ساكنٍ أتمُّ وجداً منَ
المضطربٍ ، فقدْ كانَ الجنيدُ يتحرَّكُ في السماع في بدايتِهِ ، ثمَّ صارَ
لا يتحرّكُ، فقيلَ لهُ في ذلكَ: فقال: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ
السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾(١).
إشارةً إلى أنَّ القلبَ مضطربٌ جائلٌ في الملكوتِ والجوارحُ متأدِّبةٌ في
الظاهرِ ساكنةٌ .
وقالَ أبو الحسنِ محمدُ بنُ أحمدَ وكانَ بالبصرةِ : صحبتُ سهلَ بنَ
عبدِ اللهِ ستينَ سنةً ، فما رأيتُهُ تغيَّرَ عندَ شيءٍ كانَ يسمعُهُ مِنَ الذكرِ أوِ
القرآنِ، فلمَّا كانَ في آخرِ عمرِهِ .. قرأَ رجلٌ بينَ يديهِ: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ
فِذْيَةٌ ... ) الآيةَ، فرأيتُهُ قدِارتعدَ وكادَ يسقطُ، فلمَّا عادَ إلى حالِهِ .. سألتُهُ
عنْ ذلكَ، فقالَ : نعمْ يا حبيبي قدْ ضعفْنا(٢).
(١) اللمع (ص٣٦٦)، ونحوه في (( الرسالة القشيرية)) (ص ١٤٠) وفيه قول الجريري :
( أنا إذا حضرت موضعاً فيه سماع وهناك محتشم .. أمسكت على نفسي وجدي ، فإذا
خلوت .. أرسلت وجدي ، فتواجدت ) .
(٢) رواه عنه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٦٥)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٥٥٦).
٥٢٤

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
وكذلكَ سمعَ مرَّةً قولَهُ تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ اٌلْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾،
فاضطربَ ، فسألَهُ ابنُ سالمٍ وكَانَ مِنْ أصحابِهِ ، فقالَ : قَدْ ضعفتُ ، فقيلَ
لهُ: فإنْ كانَ هذا مِنَ الضعفِ .. فما قوَّةُ الحالِ ، فقالَ : ألا يردَ عليهِ واردٌ
إلا وهوَ يبتلعُهُ بقوَّةِ حالِهِ ، فلا تغيّرُهُ الوارداتُ وإنْ كانَتْ قويةً(١).
وسببُ القدرة على ضبطِ الظاهرِ معَ وجودِ الوجدِ استواءُ الأحوالِ
بملازمةِ الشهودِ ؛ كما حُكِيَ عنْ سهلِ رحمهُ اللهُ تعالى أنَّهُ قالَ : ( حالي قبلَ
الصلاةِ وبعدَها واحدةٌ )(٢)، لأنَّهُ كانَ مراعياً للقلبِ حاضرَ الذكرِ معَ اللهِ
تعالى في كلِّ حالٍ ، فكذلكَ يكونُ قبلَ السماع وبعدَهُ ؛ إذْ يكونُ وجَدُهُ
دائماً ، وعطشُهُ متصلاً، وشربُهُ مستمراً ، بحيثُ لا يؤثرُ السماعُ في
زيادِهِ ، كما رُوِيَ أنَّ ممشاذَ الدينوريَّ أشرفَ على جماعةٍ فيهِمْ قَوَّالٌ ،
فسكَتُوا ، فقالَ : ارجعُوا إلى ما كنتُمْ فيهِ ، فلوْ جُمعَتْ ملاهي الدنيا في
أذني .. ما شُغِلَ همِّ ولا شُفِيَ بعضُ ما بي (٣).
وقالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ تعالى: ( لا يضرُ نقصانُ الوجدِ معَ فضْلِ العلمِ ،
وفضْلُ العلمِ أتمُّ مِنْ فضْلِ الوجدِ ) .
(١) اللمع (ص ٣٦٥).
اللمع ( ص ٣٦٦) ، ولحاق المصنف عنده.
(٢)
(٣) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٦٦).
٥٢٥

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
فإنْ قلتَ : فمثلُ هذا لِمَ يحضرُ السماعَ ؟
فاعلمْ : أنَّ مِنْ هؤلاءِ مَنْ تركَ السماعَ في كبرِهِ ، وكانَ لا يحضرُ إلا
نادراً ؛ لمساعدةِ أخ مِنَ الإخوانِ ، وإدخالاً للسرورِ على قلبهِ ، وربَّما حضرَ
ليعرفَ القومُ كمالَ قوَّتِهِ ، فيعلمونَ أنَّهُ ليسَ الكمالُ بالوجْدِ الظاهرِ ،
فيتعلَّمونَ منهُ ضبطَ الظاهرِ عنِ التكلُّفِ ، وإنْ لمْ يقدروا على الاقتداءِ بهِ في
صيرورتهِ طبعاً لهُمْ .
وإنِ اتفقَ حضورُهُمْ معَ غيرِ أبناءِ جِنْسِهِمْ .. فيكونونَ معهُمْ بأبدانِهِمْ ،
نائينَ عنهُمْ بقلوبِهِمْ وبواطنِهِمْ ؛ كما يجلسونَ مِنْ غيرِ سماعٍ معَ غيرِ جنسِهِمْ
بأسبابٍ عارضةٍ تقتضي الجلوسَ معَهُمْ .
وبعضُ مَنْ نُقِلَ عنهُ تركُ السماع ويُظن أنَّهُ كرهَهُ .. كانَ سببُ تركِهِ
استغناءَهُ عنِ السماع بما ذكرناهُ ، وبعضُهُمْ كانَ مِنَ الزهَّادِ ، ولمْ يكنْ لهُ حظّ
روحانيٌّ في السماع ، ولا كانَ هوَ مِنْ أهلِ اللهوِ ، فتركَهُ لئلا يكونَ مشغولاً
بما لا يعنيهِ ، وبعضُهُمْ تركَهُ لفقدِ الإخوانِ ، قيلَ : لبعضِهِمْ؛ لِمَ
لا تسمعُ ؟ فقالَ : ممَّنْ ؟ ومعَ مَنْ ؟
الأدبُ الرابعُ : ألا يقومَ ولا يرفعَ صوتَهُ بالبكاءِ وهوَ يقدرُ على ضبطِ نفسِهِ :
ولكنْ إِنْ رقصَ أوْ تباكىُ .. فهوَ مباحٌ إذا لمْ يقصدْ بهِ المراءاةَ ؛ لأنَّ
التباكيَ استجلابٌ للحزنِ ، والرقصَ سببٌ في تحريكِ السرورِ والنشاطِ ،
٥٢٦

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فكلُّ سرورٍ مباحٌ ، فيجوزُ تحريكُهُ ، ولوْ كانَ ذلكَ حراماً .. لما نظرَتْ
عائشةُ رضيَ اللهُ عنها إلى الحبشةِ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهمْ
يزفنونَ ، هذا لفظَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها في بعضِ الرواياتِ (١) .
وقد رُوِيَ عنْ جماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ أَنَّهُمْ حَجَلوا لمَّا وردَ
عليهِمْ سرورٌ أوجبَ ذلكَ ، وذلكَ في قصَّةِ ابنةِ حمزةَ لمَّا اختصَمَ فيها عليٌّ بنُ
أبي طالبٍ وأخوهُ جعفرٌ وزيدُ بنُّ حارثةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، فتشاخُوا في تربيتِها ،
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعليٍّ: ((أنتَ منِّي وأنا منكَ)) فحَجَلَ عليٍّ ، وقالَ
لجعفرٍ : ((أشبهتَ خَلقي وخُلقي)) فحَجَلَ وراءَ حجْلٍ عليٍّ ، وقالَ لزيدٍ :
((أنتَ أخونا ومولانا)) فحَجَلَ زيدٌ وراءَ حجْلٍ جعفرٍ، ثمَ قالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((هيَ لجعفرٍ، لأنَّ خالتَها تحتَهُ، والخالةُ والدةٌ ))(٢).
وفي بعضٍ الرواياتِ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها :
(١) رواه مسلم (٢٠/٨٩٢).
5
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٠٨/١)، وأصله في (( البخاري)) (٢٦٩٩)، ونص ابن
حجر في (( فتح الباري)) (٧/ ٥٠٧ ) أن الحجل هو الوقوف على رجل واحدة ، وهو
الرقص بهيئة مخصوصة ، وضبط الفعل بفتح فكسر ، وقال القاضي عياض في (( مشارق
الأنوار)) (١٨٢/١): (وقوله: ((فحجل))؛ أي : قفز على رجْل سروراً وفرحاً ؛
كالرقص، ويرفع الأخرى، وقد يكون بهما معاً)، وقال ابن منظور في ((اللسان)) (ح
ج ل) : ( ويكون بالرجلين جميعاً ، إلا أنه قفز وليس بمشي ) ، وقال الحافظ الزبيدي
في ((إتحافه)) (٥٦٧/٦): ( وأصل الحجل مشي المقيد ، والقيد هو الحجل
بالكسر ، ومنه قولهم : الغراب يحجل ، ولا شك أن مشي المقيد إنما هو وثب
واهتزاز ، وهو الرقص ) .
٥٢٧

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
(( أتحبِّينَ أنْ تنظري إلى زَفْنِ الحبشةِ؟))(١)، والزَّفْنُ والحَجْلُ هوَ الرقصُ ،
وذلكَ يكونُ لفرح أوْ شوقٍ ، فحكمُّهُ حكْمُ مهيِّجِهِ ؛ إنْ كانَ فرحُهُ محموداً
والرقصُ يزيدُهُ ويؤكِّدُهُ .. فهوَ محمودٌ، وإنْ كانَ مباحاً .. فهوَ مباحٌ ، وإنْ
كانَ مذموماً .. فهوَ مذمومٌ .
نعمْ ، لا يليقُ اعتيادُ ذلكَ بمناصبِ الأكابرِ وأهلِ القدوةِ ؛ لأنَّهُ في الأكثرِ
يكونُ عنْ لهوٍ ولعبٍ ، وما لهُ صورةُ اللعبِ واللهوِ في أعينِ الناسِ فينبغي أنْ
يجتنبَهُ المقتدى بهِ لئلا يصغرَ في أعينِ الخلقِ ، فيُركَ الاقتداءُ بهِ .
وأمَّا تمزيقُ الثوبِ .. فلا رخصةَ فيهِ إلا عندَ خروج الأمرِ عنِ الاختيارِ ،
ولا يبعدُ أنْ يغلبَ الوجدُ بحيثُ يمزِّقُ ثوبَهُ وهوَ لا يدري ؛ لغلبةِ سكْرِ الوجْدِ
عليهِ ، أوْ يدري ولكنْ يكونُ كالمضطرِّ الذي لا يقدرُ على ضبطِ نفسِهِ ،
وتكونُ صورتُهُ صورةَ المكرِهِ ؛ إذْ يكونُ لهُ في الحركةِ والتمزيقِ متنفّسٌ ،
فيضطرُّ إليهِ اضطرارَ المريضِ إلى الأنينِ، ولوْ كُلُّفَ الصبرَ عنهُ .. لمْ يقدرْ
عليهِ ، معَ أنَّهُ فعلٌ اختياريٍّ ، فليسَ كلُّ فعلِ حصولُهُ بالإرادةِ يقدرُ الإنسانُ
على تركِهِ ، فالتنفّسُ فعلٌ يحصلُ بالإرادةِ ، ولوَ كلَّفَ الإنسانُ نفسَهُ أنْ
يمسكَ النَّفَسَ ساعةً .. لاضطرَّ مِنْ باطنِهِ إلى أنْ يختارَ التنفُسَ، فكذلكَ
الزعقةُ وتمزيقُ الثيابِ قدْ يكونُ كذلكَ ، فهذا لا يوصفُ بالتحريمِ ، فقدْ
ذُكِرَ عندَ السريِّ حديثُ الوجدِ الحادِّ الغالبِ ، فقالَ : نعمْ، يضربُ وجهَهُ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١١٦/٦).
٥٢٨

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
بالسيفِ وهوّ لا يدري ، فروجعَ فيهِ واستبعدَ أن ينتهيَ إلى هذا الحدِّ ، فأصرَّ
عليهِ ولمْ يرجعْ ، ومعناهُ : أنهُ في بعضِ الأحوالِ قدْ ينتهي إلى هذا الحدِّ في
بعضِ الأشخاص(١) .
فإنْ قلتَ : فما تقولُ في تمزيقِ الصوفيّةِ الثيابَ الجديدةَ بعدَ سكونِ
الوجْدِ والفراغِ مِنَ السماع ؟ فإنَّهُمْ يمزِّقونَها قطعاً صغاراً ويفرِّقونَها على
القومِ ، ويسمونَها الخرقةَ .
فاعلمْ : أنَّ ذلكَ مباحٌ إذا مزّقَ قطعاً مرتَّعةٌ تصلحُ لترقيع الثيابِ
والسجاداتِ ، فإنَّ الكرباسَ يُمزَّقُ حتَّى يُخاطَ منهُ القميصُ ، ولا يكونُ ذلكَ
تضييعاً ؛ لأنَّهُ تمزيقٌ لغرضٍ ، وكذلكَ ترقيعُ الثيابِ لا يمكنُ إلا بالقطع
الصغار ، وذلكَ مقصودٌ ، والتفرقةُ على الجميع ليعمَّ ذلكَ الخيرُ مقصودٌ ،
فهوَ مباحٌ ، ولكلِّ مالكِ أنْ يقطعَ كرباسَهُ مئةَ قطعةٍ ويعطيَها لمئةِ مسكينٍ ،
ولكنْ ينبغي أنْ تكونَ القطعُ بحيثُ يمكنُ أنْ يُنتفعَ بها في الرقاع ، وإنَّما منعنا
في السماع التمزيقَ المفسدَ للثوبِ الذي يهلكُ بعضُهُ ، بحيثُ لا يبقى منتفعاً
بهِ ، فهوَ تضييعٌ محضٌ لا يجوزُ بالاختیارِ .
2
(١) اللمع (ص٣٨١).
٥٢٩

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
الأدبُ الخامسُ : موافقةُ القوم في القيام إذا قامَ واحدٌ منهُمْ في وجْدٍ صادقٍ
مِنْ غيرِ رياءٍ وتكلَّفٍ ، أَوْ قامَ باختيارٍ مِنْ غيرِ إظهارٍ وجْدٍ وقامَ لهُ الجماعةُ :
فلا بدَّ مِنَ الموافقةِ ، فذلكَ مِنْ آدابِ الصحبةِ ، وكذلكَ إنْ جرَتْ عادةٌ
طائفةٍ بتنحيةِ العِمامةِ على موافقةِ صاحبِ الوجْدِ إذا سقطَتْ عِمامتُهُ ، أوْ خلع
الثيابِ إذا سقطَ عنهُ ثوبُهُ بالتمزيقِ ، فالموافقةُ في هذهِ الأمورِ مِنْ حسنٍ
الصحبةِ والعشرةِ ؛ إذِ المخالفةُ موحشةٌ، ولكلِّ قوم رسمٌ ، ولا بدَّ مِنْ
مخالقةِ الناسِ بأخلاقِهِمْ كما وردَ في الخبرِ (١) ، لا سيما إذا كانَتْ أخلاقاً فيها
حسْنُ العشرةِ والمجاملةُ وتطييبُ القلبِ بالمساعدةِ .
وقولُ القائلِ : إنَّ ذلكَ بدعةٌ لمْ تكنْ في الصحابةِ .. فليسَ كلُّ ما يُحكمُ
بإباحتِهِ منقولاً عنِ الصحابة رضيَ اللهُ عنهُمْ، وإنَّما المحذورُ ارتكابُ بدعةٍ
تراغمُ سنَّةً مأثورةً ، ولمْ يُنقلِ النهيُ عنْ شيءٍ مِنْ هذا ، والقيامُ عندَ الدخولِ
للداخلِ لمْ يكنْ مِنْ عادةِ العربِ، بلْ كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ
لا يقومونَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ الأحوالِ كما رواهُ أنسٌ
رضيَ اللهُ عنهُ(٢)، ولكنْ إذا لمْ يثبتْ فيهِ نهيٌ عامٌّ .. فلا نرىُ بهِ بأساً في
البلادِ التي جرتِ العادةُ فيها بإكرام الداخلِ بالقيام ، فإنَّ القصدَ منهُ الاحترامُ
والإكرامُ ، وتطييبُ القلبِ بهِ ، وكذلكَ سائرُ أنواع المساعدةِ إذا قُصدَ بها
(١) كما روى الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٣/٣) مرفوعاً: (( خالقوا الناس بأخلاقهم ،
وخالفوهم في أعمالهم )) .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٧٥٤) .
٥٣٠

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
تطييبُ القلبِ (١) ، واصطلحَ عليها جماعةٌ .. فلا بأسَ بمساعدِتِهِمْ عليها ،
بلِ الأحسنُ المساعدةُ ، إلا فيما وردَ فيهِ نهيٌ لا يقبلُ التأويلَ .
ومِنَ الأدبِ : ألا يقومَ للرقصِ معَ القومِ إنْ كانَ يُستثقلُ رقصُهُ ،
ولا يشوشَ عليهِمْ أحوالَهُمْ ؛ إذِ الرقصُ مِنْ غيرِ إظهارِ التواجدِ مباحٌ ،
والمتواجدُ : هوَ الذي يلوحُ للجمع منهُ أثرُ التَكلَّفِ ، ومَنْ يقومُ عنْ صدقٍ
لا تستثقلُهُ الطباعُ، فقلوبُ الحاضرينَ إذا كانوا مِنْ أربابِ القلوبِ محٌّ
للصدقِ والتكلُّفِ .
سئلَ بعضُهُمْ عنِ الوجدِ الصحيحِ فقالَ : ( صحتُهُ قبولُ قلوبِ الواجدینَ
لهُ إذا كانوا أشكالاً غيرَ أضدادٍ )(٢) .
فإِنْ قلتَ : فما بالُ الطباع تنفرُ عنِ الرقصِ ، ويسبقُ إلى الأوهام أنَّهُ
باطلٌ ولهوٌ ومخالفٌ للدينِ ، فلا يراهُ ذو جدٍّ في الدينِ إلا وينكرُهُ ؟
فاعلمْ : أنَّ الجِدَّ لا يزيدُ على جِدِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقدْ
رأى الحبشةَ يزفنونَ في المسجدِ وما أنكرَهُ ، لمَّا كانَ في وقتٍ لائقٍ بهِ ، وهوَ
العيدُ ، ومِنْ شخصٍ لائقٍ بهِ ، وهمُ الحبشةُ .
نعمْ ، نفرةُ الطباع عنهُ لأنَّهُ يُرى غالباً مقروناً باللهوٍ واللعبِ ، واللهوُ
(١) في النسخ : ( طيبة القلب)، والمثبت من (ق) .
(٢) القول لأبي يعقوب النهرجوري، انظر (( اللمع)) (ص٣٧٨).
٥٣١

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
واللعبُ مباحٌ، ولكنْ للعوامٌّ مِنَ الزنوجِ والحبشةِ ومَنْ أشبهَهُمْ، وهوَ مكروهٌ
لذوي المناصبِ ؛ لأنَّهُ لا يليقُ بِهِمْ، وما كُرِهَ لكونِهِ غيرَ لائقٍ بمنصبٍ ذي
المنصبِ .. فلا يجوزُ أنْ يُوصفَ بالتحريمِ ، فمنَ سألَ فقيراً شيئاً ، فأعطاهُ
رغيفاً .. كانَ ذلكَ طاعةً مستحسنةً ، ولوْ سألَ مَلِكاً ، فأعطاهُ رغيفاً أو رطلاً مِنَ
الخبزِ .. كانَ ذلكَ منكراً عندَ الناس كافَّةً ، ومكتوباً في تواريخ الأخبارِ مِنْ
جملةِ مساوئِهِ ، يُعيَّرُ بهِ أعقابُهُ وأشياعُهُ ، ومعَ هذا فلا يجوزُ أنْ يُقالَ :
( ما فعلَهُ حرامٌ)؛ لأنَّهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ أعطىُ خبزاً لفقيرٍ حسنٌ ، ومِنْ حيثُ إنَّهُ
بالإضافةِ إلى منصِهِ كالمنعِ بالإضافةِ إلى الفقيرِ مستقبحٌ ، فكذلكَ الرقصُ
وما يجري مجراهُ منَ المباحاتِ ، ومباحاتُ العوامِّ سيئاتُ الأبرارِ ، وحسناتُ
الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبينَ ، ولكنْ هذا مِنْ حيثُ الالتفاتُ إلى المناصبِ، فأمَّا إذا
نُظْرَ إليهِ في نفسِهِ .. وجبَ الحكمُ بأنَّهُ هوَ في نفسِهِ لا تحريمَ فيهِ ، واللهُ أعلمُ .
٠١٨
فقدْ خرجَ مِنْ جملةِ التفصيلِ السابقِ : أنَّ السماعَ قدْ يكونُ حراماً
محضاً ، وقدْ يكونُ مباحاً ، وقدْ يكونُ مستحباً ، وقدْ يكونُ مكروهاً .
أمَّا الحرامُ : فهوَ لأكثرِ الناسِ مِنَ الشَّانِ، ومَنْ غلبَتْ عليهِمْ شهوةُ الدنيا،
فلا يحرِّكُ السماعُ منهُمْ إلا ما هوَ الغالبُ على قلوبِهِمْ مِنَ الصفاتِ المذمومةِ .
وأمَّا المكروهُ : فهوَ لمَنْ لا ينزِّلُهُ على صورةِ المخلوقينَ، ولكنَّهُ يتخذُهُ
عادةً لهُ في أكثرِ الأوقاتِ على سبيلِ اللهوِ .
٥٣٢

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
وأما المباحُ : فهوَ لمَنْ لا حظَّ لهُ منهُ إلا التلذُّذُ بالصوتِ الحسنِ .
وأمَّا المستحبُّ : فهوَ لمَنْ غلبَ عليهِ حبُّ اللهِ تعالى، ولمْ يحرِّكِ
السماعُ منهُ إلا الصفاتِ المحمودةَ، والحمدُ للهِ وحدَهُ، وصلَّى اللهُ على
محمّدٍ وآلِهِ ، والسلامُ ، واللهُ أعلمُ .
ثم كتابآداب الشماع والوجد
وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين
محمد الشهر وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
يتلون كتاب الأمر بالمعروف الشّي عن المنكر
٠٥ ٠٥٨٠
٥٣٣
حرة

كِتَابُ
الَّمْرِبَالْمَعْرِّوَفُِّ
وَالنَّهِيُ عَنِ المِنْكُر
وهو الكتاب التاسع من ربع العادات
من كتب إحياء علوم الدين
٥٣٥
حميد
.٠٠كر»

ربع العادات
سحر
كتاب الأمر بالمعروف
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بِسِْللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي لا تُستفتحُ الكتبُ إلا بحمدِهِ ، ولا تُستمنحُ النعمُ إلا
بواسطةِ كرمِهِ ورفدِهِ(١) ، والصلاةُ على سيِّدِ الأنبياءِ محمدِ رسولِهِ وعبدِهِ ،
وعلى آلِهِ الطيِّبينَ وأصحابِهِ الطاهرينَ مِنْ بعدِهِ .
أما بعد:
فإنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنهيّ عنِ المنكرِ هوَ القطبُ الأعظمُ في الدينِ ،
وهوَ المهمُّ الذي ابتعثَ اللهُ لهُ النبيِّينَ أجمعينَ ، ولوْ طُوِيَ بساطُهُ، وأُهملَ
علمُهُ وعملُهُ .. لتعطلَتِ النبؤَّةُ، واضمحلَتِ الديانةُ، وعمَّتِ الفتنةُ (٢)،
وفشَتِ الضلالةُ ، وشاعَتِ الجهالةُ ، واستشرى الفسادُ ، واتسعَ الخرقُ ،
وخربَتِ البلادُ ، وهلكَ العبادُ ، ولمْ يشعروا بالهلاكِ إلى يوم التنادِ .
وقدْ كانَ الذي خفْنا أنْ يكونَ ، فإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ ؛ إِذْ قِدِ اندرسَ
مِنْ هذا القطبِ عملُهُ وعلمُهُ ، وانمحقَ بالكليَّةِ حقيقتُهُ ورسمُهُ ، فاستولَتْ
e.
.
ـجو
(١) في ( ب، ج، د) : ( مجده ) بدل ( رفده ) .
(٢) في غير (أ، ب): (الفترة) بدل ( الفتنة)، وفي (ج) زيادة: ( وعميت
البصيرة ) .
٥٣٧

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
على القلوب مداهنةُ الخلْقِ ، وانمحَتْ عنها مراقبةُ الخالقِ ، واسترسلَ
الناسُ في اتباع الهوى والشهواتِ استرسالَ البهائمِ ، وعزَّ على بسيطِ الأرضِ
مؤمنٌ صادقٌ لا تأخذُهُ في اللهِ لومةُ لائمٍ .
فمَنْ سعى في تلافي هذهِ الفترةِ ، وسدِّ هذهِ الثَّلمةِ ؛ إمَّا متكفِّلاً
بعلمِها(١) ، أوْ متقلِّداً لتنفيذِها، مجدّداً لهذهِ السنَّةِ الدائرةِ ، ناهضاً
بأعبائِها ، ومتشمِّراً في إحيائها .. كانَ مستأثراً مِنْ بينِ الخلقِ بإحياءِ سنَّةٍ
أفضى الزمانُ إلى إماتتِها ، ومستبداً بقربةٍ تتضاءَلُ درجاتُ القرْبِ دونَ
ذروتِها ، وها نحنُ نشرحُ علمَ ذلكَ في أربعةِ أبوابٍ :
البابُ الأوّلُ : في وجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ وفضيلتِهِ .
البابُ الثاني : في أركانِهِ وشروطِهِ .
البابُ الثالثُ : في مجاريهِ وبيانِ المنكراتِ المألوفةِ في العاداتِ .
البابُ الرابعُ : في أمرِ الأمراءِ والسلاطينِ بالمعروفِ ونهيهِمْ عنِ
المنكرِ .
(١) بأن يعلِّم الناس بما أعطاه من بيان قوانينها ورسومها وحدودها، إن لم يكن أهلاً للعمل
بها. ((إتحاف)) ( ٣/٧ ).
٥٣٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
البَابُ الأَوَّلُ
في وجوب الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر
وفضيلته والمذمة في إحماله وإضاعة
ويدلُّ على ذلكَ بعدَ إجماع الأمَّةِ عليهِ وإشاراتِ العقولِ السليمةِ إليهِ
الآياتُ والأخبارُ والآثارُ .
أمّا الآياتُ :
فقولُهُ تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اُلْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ففي الآيةِ بيانُ الإيجابِ، فإنَّ قولَهُ
تعالى: ﴿وَلَتَكُنْ﴾ أمرٌ، وظاهرُ الأمرِ الإيجابُ، وفيها بيانُ أنَّ الفلاحَ
منوطٌ بهِ ؛ إذْ حصرَ وقالَ : ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وفيها بيانُ أنَّهُ
فرضُ كفايةٍ لا فرضُ عينٍ ، وأنَّهُ إذا قامَ بهِ أمَّةٌ .. سقطَ الفرضُ عنِ الباقينَ ؛
إذْ لمْ يقلْ : ( كونوا كلُّكُمْ آمرينَ بالمعروفِ )، بلْ قالَ: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ
أُمَةٌ﴾، فإذاً؛ مهما قامَ بهِ واحدٌ أوْ جماعةٌ .. سقطَ الحرجُ عنِ الآخرينَ ،
واختصَّ الفلاحُ بالقائمينَ بهِ المباشرينَ لهُ ، وإنْ تقاعدَ عنهُ الخلْقُ
أجمعونَ .. عمَّ الحرجُ كافَّةَ القادرينَ عليهِ لا محالةَ .
وقال تعالى: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَيِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ مَانَآءَ
٥٣٩
G

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
اَلَيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فلمْ يشهدْ
لهمْ بالصلاحِ بمجرَّدِ الإيمانِ باللهِ واليوم الآخرِ ، حتَّى أضافَ إليهِ الأمرَ
بالمعروفِ والنهيَ عنِ المنكرِ .
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾، فقدْ نعتَ المؤمنينَ بأنَّهُمْ يأمرونَ
بالمعروفِ وينهونَ عنِ المنكرِ ، فالذي هجرَ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عنِ
المنكرِ خارجٌ عنْ هؤلاءِ المؤمنينَ المنعوتِينَ في هذهِ الآيةِ .
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانٍ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿ كَانُواْلَا يَتَنَاهَوْنَ
عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾، وهذا غايةُ التشديدِ ؛ إذْ
علَّلَ استحقاقَهُمُ اللعنةَ بتركِهِمُ النهيَ عنِ المنكرِ .
وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ ﴾، وهذا يدلُّ على فضيلةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ
المنكرِ ؛ إذْ بيَّنَ أنَّهُمْ كانوا بهِ خيرَ أمَّةٍ أُخرجَتْ للناسِ .
وقالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾، فبيَّنَ أنَّهُمُ استفادوا النجاةَ
بالنهيِ عنِ السوءِ ، ويدلُّ ذلكَ على الوجوبِ أيضاً .
٥٤٠