النص المفهرس

صفحات 481-500

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
بسببٍ فرْطِ حبِّهِ غيرِ متأثَّرِ بهِ ، أَوْ كلامُ محبٍّ غيرِ مصدودٍ عنْ مرادِهِ في
الحالِ ، ولا مستشعرٍ لخطرِ الصدِّ في المآلِ، وذلكَ لاستيلاءِ الرجاءِ وحسنٍ
الظنِّ على قلبهِ ، فباختلافِ هذهِ الأحوالِ يختلفُ الفهمُ .
09-
وحُكِيَ عنْ أبي القاسم بنِ مروانَ وكانَ قَدْ صحبَ أبا سعيدٍ الخرّازَ
رحمهُ اللهُ ، وتركَ حضورَ السماع سنينَ كثيرةٌ ، فحضرَ في دعوةٍ يقولُ إنسانٌ
فيها :
[من مجزوء الرمل]
واقِفٌ فِي أَلْماءِ عَطْشا نٌ وَلَكِنْ لَيْسَ يُسْقَى
فقامَ القومُ وتواجدوا ، فلمَّا سكنوا .. سألَهُمْ عنْ معنى ما وقعَ لهَمْ مِن
معنى البيتِ ، فأشاروا إلى التعطُّشِ إلى الأحوالِ الشريفةِ والحرمانِ منها معَ
حضورِ أسبابِها ، فلمْ يقنعْهُ ذلكَ ، فقيلَ لهُ : فماذا عندكَ فيهِ ؟ فقالَ : أنْ
يكونَ في وسَطِ الأحوالِ ويُكرمَ بالكراماتِ ولا يُعطى منها ذرَّةً(١).
عدا
وهذهِ إشارةٌ إلى إثباتِ حقيقةٍ وراءَ الأحوالِ والكراماتِ ، فالأحوالُ
سوابقُها ، والكراماتُ تسنحُ في مباديها ، والحقيقةُ بعدُ لمْ يقع الوصولُ
إليها ، ولا فرقَ بينَ المعنى الذي فهمَهُ وبينَ ما ذكروهُ إلا في تفاوتِ رتبةٍ
المتعطَّشِ إليهِ، فإنَّ المحرومَ مِنَ الأحوالِ الشريفةِ أُوَّلاً يتعطَّشُ إليها ، فإنْ
مُكِّنَ منها .. تعطَّشَ إلى ما وراءَها ، فليسَ بينَ المعنيينِ اختلافٌ في الفهمِ ،
بلِ الاختلافُ بينَ الرتبتينِ .
(١) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٦١)، وبنحوه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٤٠ / ٣١ ) .
٤٨١

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
وكانَ الشبليُّ رحمهُ اللهُ كثيراً ما يتواجدُ على هذا البيتِ (١): [من الطويل]
وِدادُكُمُ هَجْرٌ وَحُبُّكُمُ قِلِىّ وَوَصْلُكُمُ صَرْمٌ وَسِلْمُكُمُ حَرْبُ
وهذا البيتُ يمكنُ سماعُهُ على وجوهٍ مختلفةٍ ، بعضُها حقٌّ وبعضُها
باطلٌ ، وأظهرُها : أنْ يُفهمَ هذا في الخلقِ ، بلْ في الدنيا بأسرِها ، بلْ في
كلِّ ما سوى اللهِ تعالى؛ فإنَّ الدنيا مكَّارةٌ خدَّاعةٌ ، قتَّالةٌ لأربابها، معاديةٌ لَهُمْ
في الباطنِ، ومظهرةٌ صورةَ الوُدِّ، فما امتلأَتْ منها دارٌ حَبْرَةٌ إلا امتلأَتْ عبرةً،
كما وردَ في الخبرِ (٢)، وكما قالَ الثعالبيُّ في وصفِ الدنيا(٣) :
[من الطويل]
وَلا تَخْطِبَنْ قَتَّالَةً مَنْ تَنَاكَحُ
تَنَجَّ عَنِ الدُّنْيا فَلا تَخْطِبَنَّها
وَمَكْرُوهُها إِمَّا تَأَمَّلْتَ راجِحُ
فَلَيْسَ يَفِي مَرْجُوُّها بَمَخُوفِها
وَعِنْدِي لَها وَصْفٌ لَعَمْرِيَ صَالِحُ
لَقَدْ قالَ فيِها الْواصِفُونَ فَأَكْثَرُوا
شَهِيُّ إِذا أَسْتَلْذَذْتَهُ فَهْوَ جامِحُ
سُلافٌ قُصاراها زُعافٌ وَمَرْكَبٌ
وَلَكِنْ لَهُ أَسْرَارُ سُوءٍ قَبَائِحُ
وَشَخْصٌ جَمِيلٌ يُونِقُ النَّاسَ حُسْنُهُ
والمعنى الثاني : أنْ ينزِّلَهُ على نفسِهِ في حقِّ اللهِ تعالى؛ فإنَّهُ إذا تفكّرَ ..
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٩/١٠)، والطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٦٤)،
والقشيري في ( الرسالة)) (ص١٦٧)، والبيت مما نسب إلى الشبلي، وهو في
(( ديوانه)) (ص ١٣٨ ).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٦٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ٨٠٣ ) عن
یحیی بن أبي كثير مرسلاً .
(٣) ديوانه ( ص ٣٩) .
٤٨٢

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فمعرفتُهُ جهلٌ، إذْ ما قدروا اللهَ حقَّ قدرهِ ، وطاعتُهُ رياءٌ ؛ إذْ لا يتقي اللهَ حقّ
تقاتِهِ ، وحبُّهُ معلولٌ؛ إذْ لا يدعُ شهوةً مِنْ شهواتِهِ في حبِّهِ ، ومَنْ أرادَ اللهُ بِهِ
خيراً وبصَّرَهُ بعيوبٍ نفسِهِ .. رأى مصداقَ هذا البيتِ في نفسِهِ ، وإنْ كانَ عليَّ
الرتبةِ بالإضافةِ إلى الغافلينَ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا أحصي
ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ)) (١) ، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ :
(( إِنِّي لأستغفرُ اللهَ في اليوم والليلةِ سبعينَ مرَّةً))(٢)، وإنَّما كانَ استغفارُهُ عنْ
أحوالٍ هيَ درجاتُ بُعْدٍ بالإضافةِ إلى ما بعدَها ، وإنْ كانَتْ قُرْباً بالإضافةِ إلى
ما قبلَها ، فلا قربَ إلا ويبقى وراءَهُ قرْبٌ لا نهايةَ لهُ ؛ إذْ سبيلُ السلوكِ إلى اللهِ
تعالى غيرُ متناهٍ ، والوصولُ إلى أقصى درجاتِ القربِ محالٌ .
والمعنى الثالثُ : أنْ ينظرَ في مبادىءٍ أحوالِهِ فيرتضيَها ، ثمَّ ينظرَ في
عواقبها فيزدريَها ؛ لاطلاعِهِ على خفايا الغرورِ فيها ، فيرى ذلكَ مِنَ اللهِ
تعالى ، فيستمعَ البيتَ في حقِّ اللهِ تعالى شكايةٌ مِنَ القضاءِ والقدرِ ، وهذا
كفرٌ كما سبقَ بیانُهُ .
وما مِنْ بيتٍ إلا ويمكنُ تنزيلُهُ على معانٍ ، ذلكَ بقدْرِ غزارةٍ علمٍ
المستمعِ وصفاءِ قلبِهِ .
(١) رواه مسلم ( ٤٨٦).
(٢) رواه البخاري ( ٦٣٠٧) بزيادة: ( أكثر)، وبنحو لفظ المصنف عند الترمذي
( ٣٢٥٩)، وابن ماجه (٣٨١٦).
٤٨٣

کتاب السماع والوجد
ربع العادات
الحالةُ الرابعةُ : سماعُ مَنْ جاوزَ الأحوالَ والمقاماتِ :
ـي
فعزبَ عنْ فهمِ ما سوى اللهِ تعالى ، حتَّى عزبَ عنْ نفسِهِ وأحوالِها
ومعاملاتِها ، وكانَ كالمدهوشِ الغائصِ في بحرِ عينِ الشهودِ الذي يضاهي حالُهُ
حالَ النسوةِ اللاتي قطعْنَ أيديَهُنَّ في مشاهدةِ جمالٍ يوسفَ عليهِ السلامُ ، حتَّى
بهتْنَ وسقطَ إحساسُهُنَّ وعنْ مثلِ هذهِ الحالةِ تعبِّرُ الصوفيّةُ بأنَّهُ قَدْ فَنِيَ عنْ
نفسِهِ ، ومهما فنيَ عنْ نفسِهِ .. فهوَ عنْ غيرِهِ أفنى ، فكأنَّهُ فنيَ عنْ كلِّ شيءٍ إلا
عنْ الواحدِ المشهودِ ، وفنيَ أيضاً عنِ الشهودِ ، فإنَّ القلبَ إن التفتَ إلى
الشهودِ وإلى نفسِهِ بأنَّهُ مشاهدٌ .. فقدْ غفلَ عنِ المشهودِ ؛ فالمستهتَرُ بالمرئيِّ
لا التفاتَ لهُ في حالِ استغراقِهِ إلى رؤيتِهِ ، ولا إلى عينِهِ التي بها رؤيتُهُ ،
ولا إلى قلبهِ الذي بهِ لذَّتُهُ، فالسكرانُ لا خبرَ لهُ مِنْ سكرِهِ ، والمتلذُّذُ لا خبرَ لهُ
منِ التذاذِهِ ، وإنَّما خبرُهُ مِن الملتذِّ بهِ فقطْ .
ومثالُهُ : العلمُ بالشيءٍ ؛ فإنَّهُ مغايرٌ للعلمِ بالعلمِ بذلكَ الشيءِ ، فالعالمُ
بالشيءٍ مهما وردَ عليهِ العلمُ بالعلمِ بالشيءٍ .. كانَ معرضاً عنِ الشيءٍ ، ومثلُ
هذهِ الحالةِ قدْ تطرأُ في حقِّ المخلوقينَ ، فتطرأُ أيضاً في حقِّ الخالقِ ، ولكنَّها
في الغالبِ تكونُ كالبرقِ الخاطفِ الذي لا يثبتُ ولا يدومُ ، فإنْ دامَ .. لمْ تطقْهُ
القوَّةُ البشريّةُ ، فربَّما يضطربُ تحتَ أعبائِهِ اضطراباً تهلكُ فيهِ نفسُهُ ؛ كما رُوِيَ
عنْ أبي الحسينِ النوريِّ أنَّهُ حضرَ مجلساً ، فسمعَ هذا البيتَ: [من الكامل]
ما زِلْتُ أَنْزِلُ فِي وِدَادِكَ مَنْزِلاً تَتَحَيَّرُ الأَلْبابُ عِنْدَ نُزُولِهِ
شر
؟
٤٨٤

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فقامَ وتواجدَ ، وهامَ على وجهِهِ ، فوقعَ في أجمةِ قصبٍ قَدْ قُطْعَ وبقيَتْ
أصولُهُ مثلَ السيوفِ ، فصارَ يعدو فيها ، ويعيدُ البيتَ إلى الغداةِ ، والدمُ
يخرجُ مِنْ رجليهِ ، حتَّى ورمَتْ قدماهُ وساقاهُ ، وعاشَ بعدَ ذلكَ أياماً وماتَ
رحمَهُ اللهُ(١) .
فهذهِ درجةُ الصديقينَ في الفهمِ والوجدِ ، وهيَ أعلى الدرجاتِ ؛ لأنَّ
السماعَ على الأحوالِ نازلٌ عنْ درجاتِ الكمالِ ، وهيَ ممتزجةٌ بصفاتٍ
البشريةِ، وهوَ نوعُ قصورٍ ، وإنَّما الكمالُ أنْ يفنى بالكليّةِ عنْ نفسِهِ
وأحوالِهِ ؛ أعني أنَّهُ ينساها ، فلا يبقى لهُ التفاتٌ إليها ، كما لمْ يكنْ للنسوةِ
التفاتٌ إلى الأيدي والسكاكينِ ، فيسمعُ باللهِ وللهِ ، وفي اللهِ ومِنَ اللهِ ،
وهذهِ رتبةُ مَنْ خاضَ لجةَ الحقائقِ وعبرَ ساحلَ الأحوالِ والأعمالِ ، واتحدَ
بصفاءِ التوحيدِ ، وتحقَّقَ بمحضِ الإخلاصِ ، فلمْ يبقَ فيهِ منهُ شيءٌ أصلاً ،
بلْ خمدَتْ بالكليّةِ بشريتُهُ ، وفنيَ التفاتةُ إلى صفاتِ البشريَّةِ رأساً ، ولستُ
أعني بفنائِهِ فناءَ جسدِهِ ، بلْ فناءَ قلبِهِ ، ولستُ أعني بالقلبِ اللحمَ والدمَ ،
بلْ سرٌّ لطيفٌ لهُ إلى القلبِ الظاهرِ نسبةٌ خفيَّةٌ وراءَها سرُّ الروحِ الذي هوَ مِنْ
أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، عرفَها مَنْ عرفَها ، وجهلَها مَنْ جهلَها ، ولذلكَ السرِّ
وجودٌ، وصورةُ ذلكَ الوجودِ ما يحضرُ فيهِ، فإذا حضرَ فيهٍ غيرُهُ .. فكأنَّهُ
(١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٤٢/٥)، والقشيري في (( الرسالة))
(ص٥٠٤)، وأورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٦٣).
٤٨٥

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
لا وجودَ إلا للحاضرِ، ومثالُهُ : المرآةُ المجلوَّةُ، إذْ ليسَ لها لونٌ في
نفسِها ، بلْ لونُها لونُ الحاضرِ فيها ، وكذلكَ الزجاجةُ ، فإنّها تحكي لونَ
قرارِها ، ولونُها لونُ الحاضرِ فيها ، وليسَ لها في نفسِها صورةٌ ، بلْ صورتُها
قبولُ الصورِ ، ولونُها هوَ هيئةُ الاستعدادِ لقبولِ الألوانِ ، ويعربُ عنْ ههذهِ
الحقيقةِ - أعني : سرَّ القلبِ - بالإضافةِ إلى ما يحضرُ فيهِ قولُ الشاعرِ(١):
[من الكامل]
رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ فَتَشْابَها فَتَشْاكَلَ الأَمْرُ
وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ
فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ
وهذهِ مغاضةٌ من مغاضاتِ علوم المكاشفةِ(٢) ، منها نشأ خيالُ مَنِ ادعى
الحلولَ والاتحادَ ، وقالَ : أنا الحقُّ، وحولَهُ يدندنُ كلامُ النصارى في
دعوى اتحادِ اللاهوتِ بالناسوتِ ، أوْ تدرُّعِها بها أوْ حلولِها فيها ، على
ما اختلفَتْ فيهِ عباراتُهُمْ، وهوَ غلطٌ محضٌ ، يضاهي غلطَ مَنْ يحكمُ على
المرآةِ بصورةِ الحمرةِ إذا ظهرَ فيها لونُ الحمرةِ مِنْ مقابلِها .
وإذا كانَ هذا غيرُ لائقٍ بعلمِ المعاملةِ .. فلنرجعْ إلى الغرضِ ، فقدْ
ذكرنا تفاوتَ الدرجاتِ في فهمِ المسموعاتِ .
(١) البيتان للصاحب بن عباد في ((ديوانه)) ( ص ١٧٦).
(٢) هي من قولهم : أعطاه غيضاً من فيض ، والغيض : القليل .
٤٨٦

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
المقام الثاني بعد الفهم والشنزيل: الوجد
وللناسِ كلامٌ طويلٌ في حقيقةِ الوجْدِ ؛ أعني : للصوفيةِ ، وللحكماءِ
الناظرينَ في وجهِ مناسبةِ السماع للأرواحِ ، فلننقلْ مِنْ أقوالِهِمْ ألفاظاً ، ثمَّ
لنكشفْ عنِ الحقيقةِ فيهِ .
أمَّا الصوفيَّةُ: فقدْ قالَ ذو النونِ المصريُّ رحمهُ اللهُ في السماع: ( إنَّهُ واردُ
حقِّ جاءَ يزعجُ القلوبَ إلى الحقِّ ، فمَنْ أصغى إليهِ بحقِّ .. تحقَّقَ ، ومَنْ
أصغى إليهِ بنفسٍ .. تزندقَ)(١)، فكأنَّهُ عبَّرَ عنِ الوجدِ بانزعاجِ القلوبِ إلى
الحقِّ، وهوَ الذي يجدُهُ عندَ ورودٍ واردِ السماعِ، إذْ سمَّى السماعَ واردَ حقٌّ .
وقالَ أبو الحسينِ الدَّرَّاجُ مخبراً عمَّ وجدَهُ في السماع: (والوجدُ عبارةٌ
عمَّا يُوجدُ عندَ السماع، وقالَ : جالَ بي السماعُ في ميادينِ البهاءِ ،
فأوجدَني وجودَ الحقِّ عندَ العطاءِ ، فأسقاني بكأسِ الصفاءِ ، فأدركتُ بهِ
منازلَ الرضاءِ ، وأخرجَني إلى رياضٍ النزهةِ والفضاءِ)(٢).
(١) الرسالة القشيرية (ص٥٤٨)، وبيَّنَ الإمام الهجويري معنى هذا إذ قال في ((كشف
المحجوب)) ( ص ٤٥٠): (ويقصد الشيخ ذو النون بإعماله هذه اللفظة - أي :
الزندقة - أن أهل الحق يقفون بسماعهم على الحقيقة ، أما أهل الهوى .. فإنهم يجادلون
في الحق بتأويل غامض ، وبذلك وقعوا في المعصية ) .
(٢) اللمع (ص٣٤٢) .
٤٨٧

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
وقالَ الشيليُّ رحمهُ اللهُ: ( السماعُ ظاهرُهُ فتنةٌ ، وباطنُهُ عبرةٌ ، فمَنْ
عرفَ الإشارةَ .. حلَّ لهُ استماعُ العبرةِ ، وإلا .. فقدِ استدعى الفتنةَ ،
وتعرَّضَ للبليَّةِ)(١) .
وقالَ بعضُهُمْ: ( السماعُ غذاءُ الأرواحِ لأهلِ المعرفةِ ؛ لأنَّهُ وصفٌ يدقُ
عنْ سائرِ الأعمالِ ، ويُدركُ برقَّةِ الطبع لرقَّتِهِ ، وبصفاءِ السرِّ لصفائِهِ ولطفِهِ
عندَ أهلِهِ )(٢) .
G:
وقالَ عمروُ بنُ عثمانَ المكيُّ : ( لا يقعُ على كيفيةِ الوجْدِ عبارةٌ؛ لأنَّهُ
سرُّ اللهِ عندَ المؤمنينَ الموقنينَ )(٣) .
وقالَ بعضُهُمُ : ( الوجدُ مكاشفاتٌ مِنَ الحقِّ ) (٤).
وقالَ أبو سعيدٍ بنُ الأعرابيّ : ( الوجدُ رفعُ الحجابِ ، ومشاهدةٌ
الرقيبٍ ، وحضورُ الفهمِ ، وملاحظةُ الغيبِ ، ومحادثةُ السرِّ ، وإيناسُ
المفقودِ ، وهوّ فناؤُكَ أنتَ مِنْ حيثُ أنتَ )(٥).
وقال أيضاً : ( الوجدُ أوَّلُ درجاتِ الخصوصِ ، وهوَ ميراثُ التصديقِ
(١) اللمع (ص ٣٤٢)، والرسالة القشيرية ( ص ٥٤٨).
(٢) بنحوه أورده القشيري في ((رسالته)) (ص ٥٤٩ ).
(٣)
اللمع (ص ٣٧٥ ) .
(٤) نقله الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٧٥).
(٥) اللمع (ص ٣٧٦) ، ولأبي سعيد بن الأعرابي - وهو من أصحاب الجنيد - كتاب في
الوجد ، أكثر عنه النقل الإمام الطوسي في (( اللمع))، بل عقد لتلخيصه باباً ( ص
٣٨٥ ) .
٤٨٨

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
-حر
بالغيبِ ، فلمَّا ذاقوها وسطعَ في قلوبِهِمْ نورُها .. زالَ عنْهُمْ كلُّ شكِّ
وريبٍ)(١) .
وقالَ أيضاً : ( الذي يحجبُ عنِ الوجدِ رؤيةُ آثارِ النفسِ ، والتعلُّقُ
بالعلائقِ والأسبابِ ؛ لأنَّ النفسَ محجوبةٌ بأسبابها ، فإذا انقطعَتِ
الأسبابُ ، وخلصَ الذكرُ، وصحا القلبُ ورقَّ وصفا ، ونجعَتِ الموعظةُ
فيهِ ، وحلَّ مِنَ المناجاةِ في محلٌّ غريبٍ ، وخُوطبَ وسمعَ الخطابَ بأُذُنٍ
واعيةٍ ، وقلبٍ شاهدٍ ، وسرٍّ ظاهرٍ، فشاهدَ ما كانَ منهُ خالياً .. فذلكَ هوَ
الوجدُ ؛ لأنَّهُ قدْ وجدَ ما كانَ معدوماً عندَهُ)(٢) .
وقالَ أيضاً : ( الوجدُ ما يكونُ عندَ ذكرِ مزعج ، أوْ خوفِ مقلقٍ ، أوْ
توبيخ على زلَّة ، أوْ محادثةٍ بلطيفةٍ ، أوْ إشارةٍ إلى فائدةٍ ، أَوْ شوقٍ إلى
غائبٍ ، أوْ أسفٍ على فائتٍ ، أَوْ ندمٍ على ماضٍ ، أوِ استجلابٍ إلى حالٍ ،
أوْ داعٍ إلى واجبٍ ، أوْ مناجاةٍ بسرٍّ، وهوَ مقابلةُ الظاهرِ بالظاهرِ ، والباطنِ
بالباطنِ ، والغيبِ بالغيبِ ، والسرِّ بالسرِّ، واستخراجُ ما لَكَ بما عليكَ ،
ممَّ سبقَ لكَ السعيُّ فيهِ ، فيكتبُ ذلكَ لكَ بعدَ كونِهِ منكَ ، فيثبتُ لكَ قدمٌ
بلا قدم ، وذكرٌ بلا ذكرٍ ، إذْ كانَ هوَ المبتدىءَ بالنعمِ والمتولّيَ ، وإليه يرجعُ
الأمرُ كُلُّهُ )(٣).
(١) اللمع (ص ٣٧٦) .
(٢) اللمع ( ص ٣٧٦ ) .
(٣) اللمع (ص ٣٨٥) .
٤٨٩
شن

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
فهذا ظاهرُ علم الوجدِ ، وأقوالُ الصوفيّةِ مِنْ هذا الجنسِ في الوجدِ
كثيرةٌ .
وأمَّا الحكماءُ : فقالَ بعضُهُمْ : ( في القلبِ فضيلةٌ شريفةٌ تعذَّرَ على قوَّةِ
النطْقِ إخراجُها باللفظِ ، فأخرجتْها النفسُ بالألحانِ ، فلمَّا ظهرتْ .. سرتْ
وطربتْ إليها، فاستمعوا مِنَ النفسِ وناجوها، ودعوا مناجاةَ الظواهرِ)(١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( نتائجُ السماع استنهاضُ العاجزِ مِنَ الرأيِ ، واستجلابُ
العازبِ مِنَ الأفكارِ ، وحدةُ الكالِّ مِنَ الأفهامِ والآراءِ ، حتى يثوبَ
ما عزبَ ، وينهضَ ما عجزَ ، ويصفوَ ما كدرَ ، ويمرحَ في كلِّ رأيٍ ونِيّةٍ ،
فيصيبَ ولا يخطىءَ، ويأتيَ ولا يبطىءَ) .
وقالَ آخرُ : ( كما أنَّ الفكرَ يطرقُ العلمَ إلى المعلومِ .. فالسماعُ يطرقُ
القلبَ إلى العالمِ الروحانيِّ ) .
وقالَ بعضُهُمْ وقدْ سُئِلَ عنْ سببٍ حركةِ الأطرافِ بالطبع على وزنٍ
الألحانِ والإيقاعاتِ فقالَ : ( ذلكَ عشقٌ عقليٌّ ، والعاشقُ العقليُّ لا يحتاجُ
إلى أنْ يناغيَ معشوقَهُ بالمنطقِ الجِرْميِّ ، بلْ يناغيهِ ويناجيهِ بالتبُّمِ ،
واللحظِ ، والحركةِ اللطيفةِ بالحاجبِ والجفنِ والإشارةِ وهذهِ نواطقُ
أجمعُ ، إلا أنَّها روحانيَّةٌ، وأمَّا العاشقُ البهيميُّ .. فإنَّهُ يستعملُ النطقَ
(١) حكى بعض ذلك كشاجم في (( أدب النديم)) (ص ٩٦).
٤٩٠

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
الجِرْمِيَّ ليعبِّرَ بهِ عنهُ، ويموِّهَ ظاهرَ شوقِهِ الضعيفِ وعشقِهِ الدائرِ ) .
وقالَ آخرُ : ( مَنْ حزنَ .. فليسمع الألحانَ ، فإنَّ النفسَ إذا دخلَها
الحزنُ .. خمدَ نورُها، وإذا فرحَتِ .. اشتعلَ نورُها ، وظهرَ زِبْرِجُها ،
فيظهرُ الحنينُ بقدْرِ قبولِ القابلِ ، وذلكَ بقدْرِ صفائِهِ ونقائِهِ مِنَ الغشِّ
والدنسٍ )(١) .
والأقاويلُ المفرَّقَةُ في السماع والوجدِ كثيرةٌ ، ولا معنى للاستكثارِ مِنْ
إيرادِها ، فلنشتغلْ بتفهيمِ المعنى الذي الوجْدُ عبارةٌ عنهُ، فنقولُ : إنَّهُ عبارةٌ
عنْ حالةٍ يثمرُها السماعُ ، وهوَ واردُ حقٌّ جديدٌ عَقيبَ السماع يجدُهُ المستمعُ
مِنْ نفسِهِ ، وتلكَ الحالةُ لا تخلو عنْ قسمينٍ ؛ فإنَّها إمَّا أنْ ترجعَ إلى
مكاشفاتٍ ومشاهداتٍ هيَ مِنْ قبيلِ العلومِ والتنبيهاتِ ، وإمَّا أنْ ترجعَ إلى
تغيُّراتٍ وأحوالِ ليسَتْ مِنَ العلومِ ، بلْ هيَ كالشوقِ والخوفِ ، والحزنِ
والقلقِ والسرورِ ، والأسفِ والندم ، والبسطِ والقبضٍ ، وهذهِ الأحوالُ
يهيِّجُها السماعُ ويقوِّيها ، فإنْ ضعُفَتْ بحيثُ لمْ يؤثِّرْ في تحريكِ الظاهِرِ أوْ
تسكينِهِ ، أوْ تغييرِ حالِهِ حتَّى يتحرَّك على خلافِ عادتِهِ ، أَوْ يطرقَ أوْ يسكنَ
عنِ النظرِ والنطقِ والحركةِ على خلافِ عادتِهِ .. لمْ يُسمَّ وجْداً ، وإنْ ظهرَ
على الظاهرِ .. سُمِّيَ وجْداً؛ إمَّا ضعيفاً، وإمَّا قويّاً، بحسَبِ ظهورِهِ
(١) والزِبْرِج : الزينة ، أو هو الذهب ، وزبرج الشيء : حسنه.
٤٩١

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
وتغييرِهِ للظاهرِ ، وتحريكُهُ بحسَبِ قوَّةٍ ورودِهِ ، وحفظَ الظاهرِ عنِ التغيُّرِ
بحسَبِ قوَّةِ الواحدِ وقدرتِهِ على ضبطٍ جوارحِهِ ، فقدْ يقوى الوجْدُ في الباطنِ
ولا يتغيَّرُ الظاهرُ لقوَّةٍ صاحبهِ ، وقدْ لا يظهرُ لضعفِ الواردِ وقصورِهِ عنِ
التحريكِ ، وحلِّ عقدِ التماسكِ .
وإلى معنى الأوَّلِ أشارَ أبو سعيدِ بنُ الأعرابيِّ حيثُ قالَ في الوجدِ :
( إنَّه مشاهدةُ الرقيبِ ، وحضورُ الفهمِ ، وملاحظةُ الغيبِ ) .
ولا يبعدُ أنْ يكونَ السماعُ سبباً لكشفِ ما لمْ يكنْ مكشوفاً قبلَهُ ، فإنَّ
الكشفَ يحصلُ بأسبابٍ :
منها : التنبيهُ ، والسماعُ منبةٌ .
ومنها : تغيُّرُ الأحوالِ ومشاهدتُها وإدراكُها ، فإنَّ إدراكَها نوعُ علمٍ يفيدُ
إيضاحَ أمورٍ لمْ تكنْ معلومةٌ قبلَ الورودِ(١) .
ومنها : صفاءُ القلبِ ، والسماعُ يؤثِّرُ في تصفيةِ القلبِ ، والصفاءُ يسبّبُ
الكشفَ .
ومنها : انبعاثُ نشاطِ القلبِ بقوَّةِ السماع ، فيقوىُ بهِ على مشاهدةِ
ما كانَ تقصرُ عنهُ قبلَ ذلكَ قوَّتُهُ ؛ كما يقوى البعيرُ على حملٍ ما كانَ لا يقوى
عليه قبلَهُ ، وعملُ القلبِ الاستكشافُ وملاحظةُ أسرار الملكوتِ ، كما أنَّ
عملَ البعيرِ حملُ الأثقالِ .
ـحن
٢
(١) والسماع سبب لإدراكها. ((إتحاف)) (٥٤٣/٦).
٤٩٢

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فبواسطةِ هذهِ الأسبابِ يكونُ سبباً للكشفِ ، بلِ القلبُ إذا صفا .. ربَّما
يمثلُ لهُ الحقُّ في صورةٍ مشاهدةٍ ، أوْ في لفظٍ منظومٍ يقرعُ سمعَهُ ؛ يُعبَّرُ عنهُ
بصوتِ الهاتفِ إذا كانَ في اليقظةِ ، وبالرؤيا إذا كانَ في المنام ، وذلكَ جزءٌ منْ
سنَّةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبؤَّةِ، وعلمُ تحقيقِ ذلكَ خارجٌ عنْ علمِ المعاملةِ.
وذلك كما رُوِيّ عنْ محمدِ بنِ مسروقٍ البغداديّ أنَّهُ قالَ : خرجتُ ليلةٌ
في أيَّامِ جاهليَّتَي وأنا نشوانُ ، وكنتُ أغنِّي بهذا البيتِ :
[من البسيط]
بِطِيزَناباذَ كَرْمٌ مَا مَرَرْتُ بِهِ إِلاَّ تَعَجَّبْتُ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْمَاءَ
فسمعتُ قائلاً يقولُ :
[من البسيط]
وَفِي جَهَنَّمَ ماءٌ ما تَجَرَّعَهُ خَلْقٌ فَأَبْقَى لَهُ فِي أَلْجَوْفِ أَمْعاءَ
قالَ : فكانَ ذلكَ سببَ توبتي ، واشتغالي بالعلمِ والعبادةِ(١).
فانظر كيفَ أثَّرَ الغناءُ في تصفيةِ قلبهِ حتَّى تمثّلَ لهُ حقيقةُ الحقِّ في صفةٍ
جهنَّمَ في لفظٍ موزونٍ منظومٍ ، وقرعَ ذلكَ سمعَهُ الظاهرَ .
ورُوِيَ عنْ مسلمِ العبَّادانِيِّ أنَّهُ قالَ: قدمَ علينا مرَّةٌ صالحٌ المريُّ، وعتبةٌ
(١) انظر ((المحب والمحبوب)) (٣٦٧/٤)، والخبر عند الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٧٠)،
وقد روى نحوه ابن أبي الدنيا في ((الهواتف)) (٣٩) وصاحب القصة أبو نواس عنده ،
وطيزناباذ: بلدة بين القادسية والكوفة، وهي أعجمية ، اشتهرت بالخمر ، كما في (( معجم
البلدان)) ( ٥٥/٤) ، وكذا روى الخبر عن أبي نواس ، وعبارة الطوسي في بيان المراد من
القصة: ( ألا ترى أنه حين أدركته العناية .. امتحق الباطل الذي كان فيه بمصادفة الحق له ،
وكان باطله سبباً لنجاته حين صحبه التوفيق وشملته الرعاية ) .
٤٩٣
ـرة

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
سمسـ
الغلامُ ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ ، ومسلمٌ الأَسْوارِيُّ ، فنزلوا على الساحلِ ،
قالَ : فَهِيَّأْتُ لهُمْ ذاتَ ليلةٍ طعاماً ، فدعوتُهُمْ إليهِ ، فجاؤوا ، فلمّا وضعتُ
الطعامَ بينَ أيديهِمْ .. إذا قائلٌ يقولُ رافعاً صوتَهُ :
[من الطويل]
وَلَذَّةُ نَفْسٍ غَيُّها غَيْرُ نافِعِ
وَتُلْهِيكَ عَنْ دارِ الْخُلُودِ مَطاعِمٌ
قالَ : فصاحَ عتبةُ الغلامُ صيحةً وخرَّ مغشياً عليهِ ، وبكى القومُ ، فرفعْنا
الطعامَ وما ذاقوا - واللهِ - منهُ لقمةٌ(١) .
وكما يُسمعُ صوتُ الهاتفِ عندَ صفاءِ القلبِ .. يُشاهدُ أيضاً بالبصرِ
صورةُ الخضرِ عليهِ السلامُ ، فإنَّه يتمثَّلُ لأربابِ القلوبِ بصورٍ مختلفةٍ (٢)،
وفي مثلِ هذهِ الحالةِ تتمثَّلُ الملائكةُ للأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ؛ إمَّا على حقيقةٍ
صورتِها ، وإمَّا على مثالٍ يُحاكي صورتها بعضَ المحاكاةِ .
وقدْ رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جبريلَ عليهِ السلامُ مرتينِ في
صورتِهِ، وأخبرَ عنُه أنَّهُ سدَّ الأفقَ(٣) ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ
اُلْقُوَى ◌َ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾ وَهُوَ بِالْأُفُقِّ الْأَعْلَى ... ﴾ إلى آخرِ هذهِ الآياتِ.
ـحن
(١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٦/ ١٦٠).
(٢) هذا هو اعتقاد الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الخضر عليه السلام أنه يمكن الاجتماع
به ، وهو كذلك اعتقاد الكثير من الحفاظ والعلماء والصلحاء ، وقد تقدم الحديث عن
الخضر عليه السلام .
(٣) كما في ((البخاري)) (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، وفيهما بيان كون الآيات الآتية في
جبريل عليه السلام .
٤٩٤

ربع العادات
کتاب السماع والوجد
وفي مثلِ هذهِ الأحوالِ مِنَ الصفاءِ يقعُ الاطلاعُ على ضمائرِ القلوبِ ،
وقدْ يُعبَّرُ عنْ ذلكَ الاطلاع بالتفرُّسِ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( اتقوا فِراسةَ المؤمنِ؛ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ))(١).
وقدْ حُكِيَ أنَّ واحداً منَ المجوسِ كانَ يدورُ على المسلمينَ ويقولُ :
ما معنى قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اتقوا فِراسةَ المؤمنِ)) ؟ فكانَ
يُذكرُ لهُ تفسيرُهُ ولا يقنعُهُ ذلكَ، حتَّى انتهى إلى بعضِ المشايخِ مِنَ
الصوفيّةِ، فسألَهُ ، فقالَ لهُ: معناهُ أنْ تقطعَ الزُّنارَ الذي على وسَطِكَ تحتَ
ثوبِكَ، فقالَ : صدقتَ ، هذا معناهُ، وأسلمَ ، وقالَ : الآنَ عرفتُ أنَّكَ
مؤمنٌ ، وأنَّ إيمانَكَ حقٌّ (٢).
وكما حُكِيَ عنْ إبراهيمَ الخوَّاصِ قالَ : كنتُ ببغدادَ في جماعةٍ مِنَ
الفقراءِ في الجامع ، فأقبلَ شاٌ طيِّبُ الرائحةِ حسنُ الوجهِ ، فقلتُ
لأصحابي : يقعُ لي أنَّهُ يهوديٌّ ، فكلُّهُمْ كرهوا ذلكَ ، فخرجتُ وخرجَ
الشابُ، ثمَّ رجعَ إليهِمْ، وقالَ : أيشٍ قالَ الشيخُ فيَّ ؟ فاحتشموهُ ، فألحّ
عليهِمْ ، فقالوا لهُ : قالَ : إنَّكَ يهوديٌّ، قالَ : فجاءَتي وأكبَّ على يديَّ
وقبّلَ رأسي، وأسلمَ، وقالَ : نجدُ في كتبنا أنَّ الصدِّيقَ لا تخطىءُ
فِراستُهُ، فقلتُ : أمتحنُ المسلمينَ ، فتأمَّلتُهُمْ، فقلتُ : إنْ كانَ فيهِمْ
ماله
(١) رواه الترمذي (٣١٢٧) .
(٢) روى القشيري في ((الرسالة)) ( ص ٤٠٨) نحو هذا عن الجنيد في رجل نصراني .
٤٩٥

کتاب السماع والوجد
ربع العادات
صدِّيقٌ .. ففي هذهِ الطائفةِ؛ لأنَّهُمْ يقولونَ حديثَهُ سبحانَهُ، ويقرؤونَ
كلامَهُ، فلبّسْتُ عليكُمْ، فلمَّا اطلعَ عليَّ الشيخُ وتفرَّسَ فيَّ .. علمتُ أنَّهُ
صدِيقٌ، قالَ : وصارَ الشابُ مِنْ كبارِ الصوفيّةِ (١).
وإلى مثلِ هذا الكشفِ الإشارةُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لولا أنَّ
الشياطينَ يحومونَ على قلوبِ بني آدمَ .. لنظروا إلى ملكوتِ السماءِ))(٢)،
وإنَّما تحومُ الشياطينُ على القلوبِ إذا كانَتْ مشحونةَ بالصفاتِ المذمومةِ ؛
فإنَّها مرعى الشيطانِ وجندِهِ ، ومَنْ خَلَصَ قلبُهُ مِنْ تلكَ الصفاتِ وصفا .. لمْ
يطفِ الشيطانُ حولَ قلبهِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
اَلْمُخْلَصِينَ﴾، وبقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِّسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ﴾.
والسماعُ سببٌ لصفاءِ القلبِ ، وهوَ شبكةٌ للحقِّ بواسطةِ الصفاءِ ، وعلى
هذا يدلُّ ما رُوِيَ أنَّ ذا النونِ المصريَّ رحمَهُ اللهُ دخلَ بغدادَ ، فاجتمعَ إليهِ
قومٌ مِنَ الصوفيّةِ ومعهُمْ قوَّالٌ، فاستأذنوهُ في أنْ يقولَ لهُمْ شيئاً ، فأذنَ لهُمْ
في ذلكَ ، فأنشأَ يقولُ :
[من مجزوء الوافر]
ـحر
صَغِيرُ هَواكَ عَذََّنِي فَكَيْفَ بِهِ إِذَا أَحْتَنَكا
هَوىّ قَدْ كَانَ مُشْتَرَكا
وَأَنْتَ جَمَعْتَ فِي قَلْبِي
إِذا ضَحِكَ الْخَلِيُّ بَكَى
أَمَا تَرْئِي لِمُكْتِبٍ
(١) الرسالة القشيرية (ص ٤٠٥).
(٢) هو عند أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢) في قصة الإسراء مرفوعاً .
٤٩٦

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فقامَ ذو النونِ وسقطَ على وجهِهِ ، ثمَّ قامَ رجلٌ آخرُ ، فقالَ ذو النونِ :
﴿ اَلَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فجلسَ ذلكَ الرجلُ، وكانَ ذلكَ اطلاعاً مِنْ ذي
النونِ على قلبهِ أنَّهُ متكلِّفٌ متواجدٌ، فعرَّفَهُ أَنَّ الذي يراهُ حينَ يقومُ هوَ
الخصمُ في قيامِهِ لغيرِ اللهِ تعالىُ، ولوْ كانَ الرجلُ صادقاً .. لما جلسَ (١).
فإذاً ؛ قدْ رجعَ حاصلُ الوجدِ إلى مكاشفاتٍ وإلى حالاتٍ .
واعلمْ : أَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينقسمُ إلى ما يمكنُ التعبيرُ عنهُ عندَ الإفاقةِ
منهُ ، وإلى ما لا تمكنُ العبارةُ عنهُ أصلاً، ولعلكَ تستبعدُ حالةً أَوْ علماً
لا تعلمُ حقيقتَهُ، ولا يمكنُ التعبيرُ عن حقيقتِهِ فلا تستبعدْ ذلكَ ؛ فإنَّكَ تجدُ
في أحوالِكَ القريبةِ لذلك شواهدَ :
أمَّا العلمُ : فَكمْ مِنْ فقيهٍ تُعرضُ عليهِ مسألتانِ متشابهتانٍ في الصورةِ ،
ويدركُ الفقيهُ بذوقِهِ أنَّ بينَهُما فرقاً في الحكمِ ، وإذا كُلِّفَ ذكرَ وجهِ الفرقِ ..
لمْ يساعدهُ اللسانُ على التعبيرِ وإنْ كانَ مِنْ أفصح الناسِ ، فيدركُ بذوقِهِ
الفرقَ ولا يمكنُهُ التعبيرُ عنهُ ، وإدراكُهُ الفرقَ علمٌ يصادفُهُ في قلبهِ بالذوقِ ،
ولا شكَّ أنَّ لوقوعِهِ في قلبِهِ سبباً ، ولهُ عندَ اللهِ تعالى حقيقةً، ولا يمكنُهُ
(١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٩٣/٨)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص
٥٥٢)، والأبيات لابن الزيات في (( ديوانه)) ( ص ١٠٧ )، واحتنك : استحكم
واستولى، ومنه: ﴿لَأَحْتَنْكَنَّ ذُرِّيَّتَّهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
٤٩٧

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
التعبيرُ عنهُ ، لا لقصورٍ في لسانِهِ ، بلْ لدقَّةِ المعنى في نفسِهِ عنْ أنْ تنالَهُ
العبارةُ ، وهذا ممَّا قدْ تفطَّنَ لهُ المواظبونَ على النظرِ في المشكلاتِ .
وأمَّا الحالُ : فكمْ مِنْ إنسانٍ يدركُ في قلبِهِ في الوقتِ الذي يصبحُ فيهِ
قبضاً أوْ بسطاً ولا يعلمُ سببَهُ، وقدْ يتفكّرُ الإنسانُ في شيءٍ فيؤثِّرُ في نفسِهِ
أثراً ، فينسىُ ذلكَ السببَ ويبقى الأثرُ في نفسِهِ ، وهوَ يحسُّ بهِ ، وقدْ تكونُ
الحالةُ التي يحسُّ بها سروراً ثبتَ في نفسِهِ بتفكّرِهِ في سببٍ موجبٍ للسرورِ ،
أوْ حزناً فينسى المتفكّرَ فيهِ ، ويحسُّ بالأثرِ عَقيبَهُ ، وقدْ تكونُ تلكَ الحالةُ
حالةً غريبةً لا يعربُ عنها لفظُ السرورِ والحزنِ ، ولا يصادفُ لها عبارةٌ
مطابقةً مفصحةً عنِ المقصودِ ، بلْ ذوقُ الشعرِ الموزونِ ، والفرقُ بينَهُ وبِينَ
غيرِ الموزونِ .. يختصُّ بهِ بعضُ الناسِ دونَ بعضٍ ، وهيَ حالةٌ يدركُها
صاحبُ الذوقِ ، بحيثُ لا يشكُّ فيها ؛ أعني : التفرقةَ بينَ الموزونِ
والمنزحفِ، ولا يمكنُهُ التعبيرُ عنها بما يتضحُ بهِ مقصودُهُ لمَنْ لا ذوقَ لهُ ،
وفي النفسِ أحوالٌ غريبٌ هذا وصفُها (١) .
بلِ المعاني المشهورةُ مِنَ الخوفِ والحزنِ والسرورِ إنَّما تحصلُ في
(١) بل في المحسوسات لو قيل لك : ما الفرق بين رائحة الزبد ورائحة المسك ، وطولبت
بعبارة تميز بينهما .. لعسرت عليك وأنت تدرك الفرق بينهما قطعاً من نفسك ، ولو قيل
لك : ما الفرق بين حلاوة السكر وحلاوة العسل .. لكان كذلك، وإذا عسرت العبارات
عن تمييز هذه المحسوسات .. فعسرها عن موارد القلوب وما يفتح به الحق ويخلقه
فيها من المحبة والشوق والفرح والأنس وغيرها من أحوال القلوب أولى. ((إتحاف))
(٥٤٧/٦ ) .
٤٩٨

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
السماع عنْ غناءِ مفهومٍ ، فأمَّا الأوتارُ وسائرُ النغماتِ التي ليسَتْ مفهومةً ..
فإنَّها تؤثِّرُ في النفسِ تأثيراً عجيباً ، ولا يمكنُ التعبيرُ عنْ عجائبِ تلكَ
الآثار ، وقدْ يُعبَّرُ عنها بالشوقِ ، ولكنْ شوقٌ لا يعرفُ صاحبُهُ المشتاقَ
إليهِ ، فهوَ عجيبٌ ، والذي اضطربَ قلبُهُ بسماع الأوتارِ أوِ الشاهينِ
وما أشبهَهُ ليسَ يدري إلى ماذا يشتاقُ ، ويجدُ في نفسِهِ حالةً كأنَّها تتقاضى
أمراً ليسَ يدري ما هوَ ، حتَّى يقعَ ذلكَ للعوامٌّ ، ومَنْ لا يغلبُ على قلبِهِ
لا حبُّ آدميٍّ ولا حبُّ اللهِ تعالى .
وهذا لهُ سٍّ، وهوَ أنَّ كلَّ شوقٍ فَلَهُ ركنانِ :
أحدُهُما : صفةُ المشتاقِ ، وهوَ نوعُ مناسبةٍ معَ المشتاقِ إليهِ .
والثاني : معرفةُ المشتاقِ إليهِ ، ومعرفةُ صورةِ الوصولِ إليهِ .
فإنْ وُجدَتِ الصفةُ التي بها الشوقُ، ووُجِدَ العلمُ بصورةِ المشتاقِ إليهِ ..
كانَ الأمرُ ظاهراً، وإنْ لمْ يُوجدِ العلمُ بالمشتاقِ إليهِ، ووُجدتِ الصفةُ
المشوِّقةُ، وحُرِّكَتْ تلكَ الصفةُ وأُشعلَ نارُها .. أورثَ ذلكَ دهشةٌ وحيرةً
لا محالةَ ، ولوْ نشأَ آدميٌّ وحدَهُ حيثُ لمْ يرَ صورةَ النساءِ ، ولا عرفَ صورةً
الوقاعِ ، ثمَّ راهقَ الحلمَ ، وغلبَتْ عليهِ الشهوةُ .. لكانَ يحسُّ مِنْ نفسِهِ بنارِ
الشهوةِ ، ولكنْ لا يدري أنَّهُ يشتاقُ إلى الوقاعِ ؛ لأنَّهُ ليسَ يدري صورةً
الوقاع ، ولا يعرفُ صورةَ النساءِ ؛ فكذلكَ في نفسِ الآدميِّ مناسبةٌ معَ العالمِ
الأعلى ، واللذَّاتِ التي وُعدَ بها في سدرة المنتهى والفراديسِ العلا، إلا أنَّهُ
لمْ يتخيَّلْ مِنْ هذهِ الأمورِ إلا الصفاتِ والأسماءَ ، كالذي سمعَ لفظَ الوقاع
٤٩٩

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
واسمَ النساءِ ولمْ يشاهدْ صورةَ امرأةٍ قطُّ ، ولا صورةَ رجلٍ ، ولا صورةً
نفسِهِ في المرآةِ ليعرفَ بالمقايسةِ ، فالسماعُ يحرِّكُ منهُ الشوقَ ، والجهلُ
المفرطُ والاشتغالُ بالدنيا قدْ أنساهُ نفسَهُ ، وأنساهُ ربَّهُ ، وأنساهُ مستقرَّهُ الذي
إليهِ حنينُهُ واشتياقُهُ بالطبع ، فيتقاضاهُ قلبُهُ أمراً ليسَ يدري ما هوَ ، فيدهشُ
ويتحيَّرُ ويضطربُ ، ويكونُ كالمنخنقِ الذي لا يعرفُ طريقَ الخلاصِ .
فهذا وأمثالُهُ مِنَ الأحوالِ التي لا يُدركُ تمامُ حقائقِها ، ولا يمكنُ
المتصفَ بها أنْ يعبِّرَ عنها ، فقدْ ظهرَ انقسامُ الوجدِ إلى ما يمكنُ إظهارُهُ ،
وإلى ما لا يمكنُ إظهارُهُ .
واعلمْ أيضاً : أنَّ الوجدَ ينقسمُ إلى هاجم، وإلى متكلَّفٍ ويُسمَّى
التواجدَ ، وهذا التواجدُ المتكلَّفُ : فمنهُ مذمومٌ؛ وهوَ الذي يُقصدُ بهِ
الرياءُ ، وإظهارُ الأحوالِ الشريفةِ معَ الإفلاسِ منها ، ومنهُ ما هوَ محمودٌ ؛
وهوَ التوصُّلُ إلى استدعاءِ الأحوالِ الشريفةِ واكتسابها واجتلائها بالحيلةِ ،
فإنَّ للكسبِ مدخلاً في جلبِ الأحوالِ الشريفةِ .
محرم
ولذلكَ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مَنْ لمْ يحضرْهُ البكاءُ في قراءةِ
القرآنِ أنْ يتباكى ويتحازنَ ، فإنَّ هذهِ الأحوالَ قدْ تُكلَّفُ مبادئُها، ثمّ
تتحقَّقُ أواخرُها ، وكيفَ لا يكونُ التكلُّفُ سبباً في أنْ يصيرَ المتكلَّفُ
بالآخرةِ طبعاً وكلُّ مَنْ يتعلَّمُ القرآنَ أوَّلاً يحفظُهُ تكلُّفاً ويقرؤُهُ تكلُّفاً منْ غيرِ
٥٠٠