النص المفهرس

صفحات 461-480

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
قلنا : إنَّهُ حلالٌ على الإطلاقِ ، معَ أنَّهُ حرامٌ على المحرورِ الذي يستضؤُ
بِهِ، وإذا سئلْنا عنِ الخمرِ .. قلنا: إنَّها حرامٌ، معَ أنَّها تحلُّ لمَنْ غصَّ
بلقمةٍ أنْ يشربَها مهما لمْ يجدْ غيرَها ، ولكنْ هوَ مِنْ حيثُ إنَّهُ خمرٌ حرامٌ ،
وإنَّما أُبيحَ لعارضِ الحاجةِ ، والعسلُ مِنْ حيثُ إنَّهُ عسلٌ حلالٌ ، وإنَّما حرمَ
العارضِ الضررِ ، وما يكونُ لعارضٍ .. فلا يُلتفتُ إليهِ، فإنَّ البيعَ حلالٌ،
ويحرمُ بعارضِ الوقوع في وقتِ النداءِ يومَ الجمعةِ وبجملةٍ مِنَ العوارضِ ،
فالسماعُ مِنْ جملةِ المباحاتِ مِنْ حيثُ إنَّهُ سماعُ صوتٍ موزونٍ طيِّبٍ
مفهوم ، وإنَّما تحريمُهُ بعارضٍ خارجٍ عنْ حقيقةِ ذاتِهِ .
وإذا انكشفَ الغطاءُ عنْ دليلِ الإباحةِ .. فلا نبالي بمَنْ يخالفُ بعدَ ظهورِ
الدليلِ .
وأمَّا الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ .. فليسَ تحريمُ الغناءِ مِنْ مذهبهِ
أصلاً (١) ، وقدْ نصَّ الشافعيُّ وقالَ: في الرجلِ يتخذُهُ صناعةً : لا تجوزُ
شهادتُهُ، وذلكَ لأنَّهُ مِنَ اللهوِ المكروهِ الذي يشبهُ الباطلَ ، ومَنِ اتخذَهُ
(١) قال صاحب ((الإمتاع)) - العلامة الأدفوي -: (وتتبعت أنا عدة كثيرة من المصنفات ،
فلم أر نصاً في تحريمه ، وطالعت جملة من ((الأم)) و(( الرسالة)) وتصانيف متقدمي
الأصحاب ومتوسطيهم ومتأخريهم ، فلم يحك أحد عنه التحريم ، بل حكى عنه الأستاذ
أبو منصور البغدادي أن مذهبه إباحة السماع بالقول والألحان إذا سمعه الرجل من
رجل ، أو من جاريته ، أو من امرأة يحل له النظر إليها ، متى سمعه في داره وفي دار
بعض أصدقائه ، ولم يسمعه على قارعة الطريق ، ولم يقترن سماعه بشيء من
المنكرات ، ولم يضيع مع ذلك أوقات الصلاة عن أدائها فيها ، ولم يضيع شهادة لزمه
أداؤها). («إتحاف)) (٦ / ٥١٢ ) .
٤٦١
فري كو ججزة
@

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
صنعَةٌ (١) .. كانَ منسوباً إلى السفاهةِ وسقوطِ المروءةِ، وإنْ لمْ يكنْ محرَّماً بيِّنَ
التحريم ، فإنْ كانَ لا ينسبُ نفسَهُ إلى الغناءِ ، ولا يُؤتى لذلكَ ، ولا يأتي
لأجلِهِ ، وإنَّما يُعرفُ بأنَّهُ قدْ يطربُ في الحالِ ، فيترنَّمُ فيها .. لمْ يُسقطْ هذا
مروءتهُ ولمْ يبطلْ شهادتَهُ ، واستدلَّ بحديثِ الجاريتينِ اللتينِ كانتا تغنيانِ في
بيتٍ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها(٢).
وقالَ يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: سألتُ الشافعيَّ رحمهُ اللهُ عنْ إباحةِ أهلِ
المدينةِ للسماع ، فقالَ الشافعيُّ: لا أعلمُ أحداً مِنْ علماءِ الحجازِ كرهَ
السماعَ ، إلا ما كانَ منهُ في الأوصافِ ، فأمَّا الحُداءُ ، وذكرُ الأطلالِ
والمرابعِ ، وتحسينُ الصوتِ بألحانِ الأشعارِ .. فمباحٌ(٣).
وحيثُ قالَ : ( إنَّهُ لهوٌ مكروهٌ يشبهُ الباطلَ)، فقولُهُ: (لهوٌ)
صحيحٌ ، ولكنِ اللهوُ مِنْ حيثُ إنَّهُ لهوٌ ليسَ بحرام ، فلعبُ الحبشةِ ورقصُهُمْ
لهوٌ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينظرُ إليهِ ولا يكرهُهُ ، بلِ
اللهوُ واللغوُ لا يؤاخذُ اللهُ تعالى بهِ إِنْ عنى بهِ أنَّهُ فعلٌ لا فائدةَ فيهِ ؛ فإنَّ
الإنسانَ لوْ وظَّفَ على نفسِهِ أنْ يضعَ يدَهُ على رأسِهِ في اليوم مئةَ مرَّةٍ .. فهذا
عبثٌ لا فائدةَ فيهِ ولا يحرمُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَّ
ـجر
(١) في النسخ: (ومن صنعه) بدل (ومن اتخذه صنعة)، والمثبت من (ق)، ولعله
الصواب ، والله أعلم .
(٢) الأم (٥١٨/٧) .
(٣) رواه الحافظ ابن القيسراني المقدسي في ((صفوة التصوف)) (ص ٣٢٩).
حن
٤٦٢

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
أَيْمَيْكُمْ﴾، فإذا كانَ ذكرُ اسمِ اللهِ تعالى على الشيءِ على طريقِ القَسَمِ منْ غيرِ
عقدٍ عليهِ ولا تصميمٍ ، والمخالفةُ فيهِ معَ أنَّهُ لا فائدةَ فيهِ لا يؤاخذُ بهِ . .
فكيفَ يؤاخذُ بالشعْرِ والرقصِ ؟!
وأمَّا قولُهُ : ( يشبهُ الباطلَ ) .. فهذا لا يدلُّ على اعتقادِهِ تحريمَهُ ، بلْ لوْ
قالَ : ( هوَ باطلٌ ) صريحاً .. لما دلَّ على التحريمِ، وإنَّما يدلُّ على خلوِّهِ عنِ
الفائدةِ ، فالباطلُ ما لا فائدةَ فيهِ ، فقولُ الرجلِ لزوجتِهِ مثلاً : ( بعتُ نفسي
منكِ) ، وقولُها : (اشتريتُ) .. عقدٌ باطلٌ مهما كانَ القصدُ اللعبَ
والمطايبةَ ، وليسَ بحرام إلا إذا قصدَ التمليكَ المحقَّقَ الذي منعَ الشرعُ منهُ .
وأمَّا قولُهُ : ( مكروهٌ) .. فيُنزَّلُ على بعضِ المواضع التي ذكرناها ، أوْ
يُنزَّلُ على التنزيهِ ، فإنَّهُ نصَّ على إياحةِ لعبِ الشطرنج ، وذكرَ : ( إنِّي أكرَهُ
كلَّ لعبٍ )، وتعليلُهُ يدلُّ عليهِ ، فإنَّه قالَ : ( ليسَ ذلكَ مِنْ عادةِ ذويِ الدينِ
والمروءةٍ)(١) ، فهذا يدلُّ على التنزيهِ .
وردّهُ الشهادةَ بالمواظبةِ عليهِ لا يدلُّ على تحريمِهِ أيضاً، بلْ قدْ تُردُّ
الشهادةُ بالأكلِ في السوقِ ، وما يخرمُ المروءةَ ، بلِ الحياكةُ مباحةٌ ،
وليسَتْ مِنْ صنائع ذوي المروءةِ ، وقدْ تُردُّ شهادةُ المحترفِ بالحرفةِ
الخسيسةِ ، فتعليلُهُ يدلُّ على أنَّهُ أرادَ بالكراهةِ التنزيهَ ، وهذا هوَ الظنُّ أيضاً
بغيرِهِ مِنْ كبارِ الأئمَّةِ ، وإنْ أرادوا التحريمَ .. فما ذكرناهُ حجَّةٌ عليهِمْ .
(١) الأم (٥١٥/٧).
٤٦٣

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
بيان حجّة القائلين تجريم السماع والجواب عنها
احتجُوا بقولِهِ تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾، قالَ ابنُ
مسعودٍ والحسنُ البصريُّ والنخعيُّ رضيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّ لَهْوَ الحديثِ هوَ الغناءُ(١).
وروَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (إنَّ اللهَ
تعالى حرَّمَ القينةَ وبيعَها وثمنَها وتعليمَها )(٢).
فنقولُ : أمَّا القينةُ : فالمرادُ بها الجاريةُ التي تغنِّي للرجالِ في مجلسٍ
الشرب ، وقدْ ذكرنا أنَّ غناءَ الأجنبيّةِ للفسَّاقِ ومَنْ يُخافُ منهُ الفتنةُ حرامٌ ، وهمْ
لا يقصدونَ بالقينةِ إلا ما هوَ محظورٌ، فأمَّا غناءُ الجاريةِ لمالكِها .. فلا يُفهمُ
تحريمُهُ مِنْ هذا الحديثِ ، بلْ لغيرِ مالِكِها سماعُها عندَ عدمِ الفتنةِ ؛ بدليلٍ
ما رُوِيَ في ((الصحيحينِ )) مِنْ غناءِ الجاريتينِ في بيتِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها (٣).
وأمَّا شراءُ لهوِ الحديثِ بالدينِ استبدالاً بهِ ليضلَّ عنْ سبيلِ اللهِ .. فهوَ
حرامٌ مذمومٌ ، وليسَ النزاعُ فيهِ ، وليسَ كلُّ غناءِ بدلاً عنِ الدينِ مشترىٌ بهِ
وفضلاً عنْ سبيلِ اللهِ تعالى ، وهوَ المرادُ في الآيةِ ، ولوْ قرأَ القرآنَ ليضلَّ بهِ
عنْ سبيلِ اللهِ .. لكانَ حراماً .
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤١١/٢) عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وابن
أبي شيبة في (( المصنف)) (٢١٥٤٥) عن النخعي عن مجاهد .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٥١٠).
(٣) روى ذلك البخاري ( ٩٨٨)، ومسلم (٨٩٢).
٤٦٤
@a

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
حُكِيَ عنْ بعضِ المنافقينَ أنَّهُ كانَ يؤمُ الناسَ ولا يقرأُ إلا ( سورةَ عبسَ )
لما فيها مِنَ العتابِ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فهمَّ عمر رضيَ اللهُ
عنهُ بقتلِهِ ورأى فعلَهُ حراماً؛ لما فيهِ منَ الإضلالِ(١) ، فالإضلالُ بالشعرِ
والغناءِ أولى بالتحريمِ .
واحتجُوا بقولِهِ تعالى: ﴿أَفَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبْكُونَ
وَأَنْتُمْ سَِدُونَ﴾، قالَ ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُما: هوَ الغناءُ بلغةٍ حِمْيرٍ (٢)؛
يعني السمدَ ، فنقولُ: فينبغي أنْ يحرمَ الضحكُ وعدمُ البكاءِ أيضاً ؛ لأنَّ
الآيةَ تشتملُ عليهِ .
فإنْ قِيلَ : إِنَّ ذلكَ مخصوصٌ بالضحكِ على المسلمينَ لإسلامِهِمْ ..
فهذا أيضاً مخصوصٌ بأشعارهِمْ وغنائهِمْ في معرضِ الاستهزاءِ بالمسلمين ؛
كما قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وأرادَ بهِ شعراءَ الكفَّارِ ، ولمْ
يدلَّ ذلكَ على تحريمٍ نظمِ الشعرِ في نفسِهِ .
واحتجُّوا بما روى جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ :
(١) قوت القلوب (١/ ٩٣ ) وفيه أنَّه ضرب عنقه.
(٢) رواه الطبري في (تفسيره)) (١٠٣/٢٧/١٣)، وفيه من معانى السمد : البرطمة ،
وهي الشموخ .
٤٦٥
ـرة

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
(( كانَ إبليسُ أوَّلَ مَنْ ناحَ، وأَوَّلَ مَنْ تغنّى)»(١) ، فقدْ جمعَ بينَ النياحةِ
والغناءِ .
قلنا : لا جرمَ كما استثنيَ عنهُ نياحةُ داوودَ عليهِ السلامُ ، ونیاحةُ
المذنبينَ على خطاياهُمْ .. فكذلكَ يُستثنى الغناءُ الذي يُرادُ بهِ تحريكُ السرور
والحزنِ والشوقِ حيثُ يباحُ تحريكُهُ ، بلْ كما استثنيَ غناءُ الجاريتينِ يومَ
العيدِ في بيتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وغناؤُهُنَّ عندَ قدومِهِ عليهِ
الصلاةُ والسلامُ بقولِهِنَّ :
[من مجزوء الرمل]
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ(٢)
واحتجُوا بما روى أبو أمامةً عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: « ما رفعَ
أحدٌ صوتَهُ بغناءٍ إلا بعثَ اللهُ تعالىٌ إليهِ شيطانينِ على منكبيهِ يضربانِ
بأعقابِهِما على صدرِهِ حتَّى يمسكَ)» (٣).
قلنا : هوَ منزَّلٌ على بعضٍ أنواع الغناءِ الذي قدمناهُ ، وهوَ الذي يحرِّكُ
مِنَ القلبِ ما هوَ مرادُ الشيطانِ مِنَ الشهوةِ وعشقِ المخلوقِ ، فأمَّا ما يحرِّكُ
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً من حديث جابر، وذكره صاحب (( الفردوس ))
من حديث علي بن أبي طالب ، ولم يخرجه ولده في ((مسنده » [٤٢])، فردُّ المصنف
إذاً من باب التنزّل .
(٢) إنشاد البيت رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٠٦/٢).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠٤/٨).
٤٦٦

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
الشوقَ إلى اللهِ أوِ السرورَ بالعيدِ أوْ حدوثِ الولدِ أوْ قدوم الغائبِ .. فهذا
كلُّهُ يضادُّ مرادَ الشيطانِ ، بدليلٍ قصَّةِ الجاريتينِ والحبشةِ والأخبارِ التي
نقلناها مِنَ الصحاحِ ، فالتجويزُ في موضعٍ واحدٍ نصٌّ في الإباحةِ ، والمنعُ في
ألفِ موضع محتملٌ للتأويلِ ومحتملٌ للتنزيهِ ، أَمَّ الفعلُ .. فلا تأويلَ لهُ؛ إذْ
ما حرمَ فعلُهُ إنَّما يحلُّ بعارضِ الإكراهِ فقطْ، وما أُبِيحَ فعلُهُ يحرمُ بعوارضَ
كثيرةٍ حتَّى النياتِ والقُصُودِ .
واحتجُّوا بما روى عقبةُ بنُ عامرٍ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ :
((كلُّ شيءٍ يلهو بهِ الرجلُ فهوَ باطلٌ ، إلا تأديبَهُ فرسَهُ ، ورميَهُ بقوسِهِ ،
وملاعبتَهُ امرأتَهُ))(١).
قلنا : فقولُهُ: ((باطلٌ)) لا يدلُّ على التحريمِ ، بلْ يدلُّ على عدمِ
الفائدةِ ، وقدْ يُسلَّمُ ذلكَ، على أنَّ التلهيَ بالنظرِ إلى الحبشةِ خارجٌ عنْ هذهِ
الثلاثةِ وليسَ بحرام ، بلْ يلحقُ بالمحصورِ غيرُ المحصورِ قياساً (٢) ؛ كقولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ))(٣)،
٢٨٥٠- مالى٠ والث.
(١) رواه أبو داوود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٢٢٢/٦)، وابن ماجه (٢٨١١).
(٢) وهذا تقرير جواب ثان ، وحاصله : أن هذا العام خرجت منه مفردات كثيرة جداً،
وإذا كثرت مخصصات العام .. لم تبق فيه حجة عند قوم ، وعند من يتمسك بالعموم
فنقول: هذا العام خرج منه الغناء بالأدلة التي ذكرت. ((إتحاف)) (٥٣٠/٦).
(٣) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) وتمامه: (( النفس بالنفس ، والثيب
الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة)) .
٤٦٧

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
فإنَّهُ يُلحقُ بهِ رابعٌ وخامسٌ ، فكذلكَ ملاعبتُهُ امرأتَهُ لا فائدةَ فيهِ إلا التلذُّذُ ،
وفي هذا دليلٌ على أنَّ التفرُّجَ في البساتينِ وسماعَ أصواتِ الطيورِ وأنواعَ
المداعباتِ ممَّا يلهو بهِ الرجلُ لا يحرمُ عليهِ شيءٌ منها وإنْ جازَ وصفُهُ بأنَّهُ
باطلٌ .
خ-
واحتجُوا بقولِ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما تغنَّيْتُ ، ولا تمنَّتُ ،
ولا مسستُ ذكري بيميني منذُ بايعتُ بها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(١).
قلنا : فليكنِ التمنِّي ومسُّ الذكرِ باليمينِ حراماً إنْ كانَ هذا دليلَ تحريم
الغناءِ(٢)، فِمِنْ أينَ ثبتَ أنَّ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ لا يتركُ إلا الحرامَ؟!(٣).
واحتجُوا بقولِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( الغناءُ ينبتُ النفاقَ في
القلبِ )، وزادَ بعضُهُمْ: ( كما ينبتُ الماءُ البقلَ)، ورفعَهُ بعضُهُمْ إلى
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهوَ غيرُ صحيحٍ (٤).
(١) رواه ابن ماجه (٣١١).
(٢) وهما ليسا كذلك. ((إتحاف)) (٥٢٥/٦).
(٣) وإنما تنزه عن ذلك كما تنزه عن غيره من المباحات ، وكثير من الصحابة رضي الله عنهم
تورعوا وزهدوا في كثير من المباحات. ((إتحاف)) (٦ /٥٢٥ ).
(٤) رواه موقوفاً ومرفوعاً البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٣/١٠)، ورواه مرفوعاً
أبو داوود (٤٩٢٧)، وبيَّن الحافظ الزبيدي ضعفه في ((الإتحاف) (٥٢٥/٦).
٤٦٨

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
قالوا : ومرَّ على ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قومٌ محرمونَ وفيهِمْ رجلٌ
يغنِّي ، فقالَ : ( ألا لا أسمعَ اللهُ لَكُمْ ، ألا لا أسمعَ اللهُ لكمْ ) .
وعنْ نافع أنَّهَ قالَ : كنتُ معَ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما في طريقٍ ، فسمعَ
زمَّارةَ راعٍ ، فوضعَ إصبعيهِ في أذنيهِ ، ثمَّ عدلَ عنِ الطريقِ ، فلمْ يزلْ
يقولُ : يا نافعُ ؛ أتسمعُ ذلكَ ؟ حتَّى قلتُ : لا ، فأخرجَ إصبعيهِ وقالَ :
هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صنعَ(١) .
ـنة
وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ: ( الغناءُ رقيةُ الزنا)(٢).
وقالَ بعضُهُمْ: ( الغناءُ رائدٌ مِنْ روَّادِ الفجورِ)(٣) .
وقالَ يزيدُ بنُ الوليدِ : ( إِيَّاكُمْ والغناءَ ؛ فإنَّهُ ينقصُ الحياءَ ويزيدُ
الشهوةَ، ويهدمُ المروءةَ ، وإنَّهُ لينوبُ عنِ الخمرِ ، ويفعلُ ما يفعلُهُ السكرُ ،
فإن كنتُمْ لا بدَّ فاعلينَ .. فجنِّبوه النساءَ؛ فإنَّ الغناءَ داعيةُ الزنا)(٤).
3
فنقولُ : قولُ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ينبتُ النفاقَ ) أرادَ بهِ في حقِّ
المغنِّي ، فإنَّهُ في حقُّهِ ينبتُ النفاقَ ؛ إذْ غرضُهُ كلُّهُ أنْ يعرضَ نفسَهُ على
غيرِهِ ، ويروِّجَ صوتَهُ عليهِ ، ولا يزالُ ينافقُ ويتودَّدُ إلى الناسِ ليرغبوا في
(١) رواه أبو داوود ( ٤٩٢٤) ونعته بالمنكر ، ونحوه عند ابن ماجه (١٩٠١) عند سماع
طبل .
(٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٤٧٥٥).
(٣) أورده ابن منظور في ((مختصر تاريخ دمشق)) (٢٢/٦) للحطيئة الشاعر .
(٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٧٥٤).
٤٦٩

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
غنائِهِ ، وذلكَ أيضاً لا يوجبُ تحريماً ، فإنَّ لبْسَ الثيابِ الجميلةِ وركوبَ
الخيلِ المهملجةِ وسائرَ أنواع الزينةِ والتفاخرِ بالحرثِ والأنعامِ والزرعِ وغيرِ
ذلكَ(١) . . ينبتُ الرياءَ والنفاقَ في القلبِ، ولا يُطلقُ القولُ بتحريمِ ذلكَ
كلِّهِ ، فليسَ السببُ في ظهورِ النفاقِ في القلبِ المعاصيَ فقطْ ، بلِ
المباحاتُ التي هيَ مواقعُ نظرِ الخلقِ أكثرُ تأثيراً ، ولذلكَ نزلَ عمرُ رضيَ اللهُ
عنهُ عنْ فرسِ هملجٍ تحتَهُ وقطعَ ذنبَهُ(٢) ؛ لأنَّهُ استشعرَ في نفسِهِ الخيلاءَ
لحسْنِ مشيتِهِ ، فمبدأُ النفاقِ مِنَ المباحاتِ .
وأمَّا قولُ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ألا لا أسمعَ اللهُ لكمْ ) .. فلا يدلُ
على التحريمٍ مِنْ حيثُ إنَّهُ غناءٌ، بلْ كانوا محرمينَ ، ولا يليقُ بِهِمُ
الرفثُ (٣) ، وظهرَ لهُ مِنْ مخايلِهِمْ أنَّ سماعَهُمْ لمْ يكنْ لوجدٍ وشوقٍ إلی زیارةِ
بيتِ اللهِ تعالى ، بلْ لمجرَّدِ اللهوِ ، فأنكرَ ذلكَ عليهِمْ لكونِهِ منكراً بالإضافةِ
إلى حالِهِمْ وحالِ الإحرامِ ، وحكاياتُ الأحوالِ تكثرُ فيها وجوهُ الاحتمالِ .
وأمَّا وضعُهُ إصبعيهِ في أذنيهِ .. فيعارضُهُ أنَّهُ لمْ يأمرْ نافعاً بذلكَ ولا أنكرَ
عليهِ سماعَهُ ، وإنَّما فعلَ ذلكَ هوَ لأنَّهُ رأىُ أنْ ينزِّهَ سمعَهُ في الحالِ وقلبَهُ عنْ
(١) ولكونه عطف الزرع على الحرث فقد يتعين كون الحرث هنا : جمع المال وكسبه ،
والمهملجة : مذللة منقادة ، وهي لفظة فارسية .
(٢) رواه بنحوه أبو داوود في ((الزهد)) ( ٧٧) .
(٣) إذ فرق بين القصائد والأغاني، قال أبو طالب في ((القوت)) (٦٢/٢): (والفرق بين
الأغاني والقصائد أن الأغاني ما شبّب به النساء ، وذكر فيه الغزل ووصفن به ، وشهدن
منه ، ودعا إلى الهوى ، وشوَّق إلى اللهو ).
٤٧٠

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
صوتٍ ربَّما يحرِّكُ اللهوَ ويمنعُهُ عنْ فكرِ كانَ فيهِ أَوْ ذكْرِ هوَ أولىُ منهُ ،
وكذلكَ فِعلُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معَ أنَّهُ لمْ يمنع ابنَ عمرَ لا يدلُّ
أيضاً على التحريم ، بلْ يدلُّ على أنَّ الأولىُ تركُهُ ، ونحنُ نرى أنَّ الأولى
تركُهُ في أكثرِ الأحوالِ ، بلْ أكثرُ مباحاتِ الدنيا الأولى تركُها إذا علمَ أنَّ ذلكَ
يؤثّرُ في القلبِ ، فقدْ خلعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ الفراغِ مِنَ
الصلاةِ ثوبَ أبي جهمٍ (١) ؛ إذْ كانَتْ عليهِ أعلامٌ شغلَتْ قلبَهُ ، أفترىُ أنَّ ذلكَ
يدُّ على تحريمِ الأعلام على الثوبِ ؟! فلعلَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ في
حالةٍ كانَ صوتُ زمَّارةِ الراعي يشغلُهُ عنْ تلكَ الحالةِ كما شغلَهُ العَلَمُ عنِ
الصلاةِ .
بلِ الحاجةُ إلى استثارةِ الأحوالِ الشريفةِ مِنَ القلبِ بحيلةِ السماع قصورٌ
بالإضافةِ إلى مَنْ هوَ دائمُ الشهودِ للحقِّ وإنْ كانَ كمالاً بالإضافةِ إلى غيرِهِ ،
ولذلكَ قالَ الحصريُّ : ( ماذا أعملُ بسماع ينقطعُ إذا ماتَ مَنْ يُسمعُ
منهُ؟!)(٢) ، إشارةً إلى أنَّ السماعَ مِنَ اللهِ تعالى هوَ الدائمُ، والأنبياءُ عليهِمُ
السلامُ على الدوامِ في لذَّةِ السمع والشهودِ ، فلا يحتاجونَ إلى التحريكِ
بالحيلةِ .
وأمَّا قولُ الفضيلِ : ( هوَ رقيةُ الزنا) وكذلكَ ما عداهُ مِنَ الأقاويلِ القريبةِ
(١) رواه البخاري ( ٣٧٣)، ومسلم ( ٦٢/٥٥٦).
(٢) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٤٣) عنه مباشرة، والقشيري في (( الرسالة)) ( ص
٥٥٠ )، والحصري هو علي بن إبراهيم البصري.
٤٧١
من

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
منهُ .. فهوَ منزَّلٌ على سماع العشاقِ والمغتلمينَ مِنَ الشبَّانِ ، ولَوْ كانَ ذلكَ
عامّاً .. لما سُمِعَ مِنَ الجاريتينِ في بيتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
وأمَّا القياسُ : فغايةُ ما يذكرُ فيهِ أنْ يُقاسَ على الأوتارِ ، وقدْ سبقَ
الفرقُ، أوْ يُقالُ : هوَ لهوٌ ولعبٌ ، وهوَ كذلكَ ، لكنِ الدنيا كلُّها لهوٌ
ولعبٌّ ، قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لزوجتِهِ : ( إنَّما أنتِ لعبةٌ في زاويةٍ
البيتِ)(١) ، وجميعُ الملاعبةِ معَ النساءِ لهوٌ إلا الحراثةَ التي هيَ سببُ وجودِ
الولد
وكذلكَ المزحُ الذي لا فحشَ فيهِ حلالٌ ، نُقِلَ ذلكَ عنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعنِ الصحابةِ كما سيأتي تفصيلُهُ في كتابِ آفاتِ اللسانِ
إنْ شاءَ اللهُ، وأيُّ لهوٍ يزيدُ على لهوِ الحبشةِ والزنوجِ في لعبِهِمْ وقدْ ثبتَ
بالنصِّ إباحتُهُ؟! على أنِّي أقولُ: اللهوُ مروِّحٌ للقلبِ ، ومخفَّفٌ عنهُ أعباءَ
الفكرِ ، والقلوبُ إذا أُكرهتْ .. عميَتْ، وترويحُها إعانةٌ لها على الجدِّ ،
فالمواظبُ على التفقُّهِ مثلاً ينبغي أنْ يتعطَّلَ يومَ الجمعةِ ؛ لأنَ عطلةَ يومٍ
تبعثُ النشاطَ في سائرِ الأيامِ ، والمواظبُ على نوافلِ الصلواتِ في سائرٍ
الأوقاتِ ينبغي أنْ يتعطّلَ في بعضِ الأوقاتِ ، ولأجلهِ كُرِهَتِ الصلاةُ في
بعض الأوقاتِ ، فالعطلةُ معونةٌ على العملِ ، واللهوُ معينٌ على الجدِّ ،
حرع
(١) قوت القلوب (٢٥٣/٢) .
٤٧٢

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
ولا يصبرُ على الجدِّ المحضٍ والحقِّ المرِّ إلا نفوسُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ.
فاللهوُ دواءُ القلبِ عنْ داءِ الإعياءِ والملالِ ، فينبغي أنْ يكونَ مباحاً ،
ولكنْ لا ينبغي أنْ يستكثرَ منهُ كما لا يستكثرُ مِنَ الدواءِ .
فإذاً ؛ اللهوُ على هذهِ النيّةِ يصيرُ قربةً، هذا في حقِّ مَنْ لا يحرِّكُ
السماعُ مِنْ قلبهِ صفةً محمودةً يُطلبُ تحريكُها ، بلْ ليسَ لهُ إلا اللذةُ
والاستراحةُ المحضةُ ، فينبغي أنْ يُستحبَّ لهُ ذلكَ ؛ ليتوصَّلَ بهِ إلى المقصودِ
الذي ذكرناهُ .
نعمْ ، هذا يدلُّ على نقصانٍ عنْ ذروةِ الكمالِ ؛ فإنَّ الكاملَ هوَ الذي
لا يحتاجُ أنْ يروِّحَ نفسَهُ بغيرِ الحقِّ ، ولكنَّ حسناتِ الأبرارِ سيئاتُ
المقرَّبينَ ، ومَنْ أحاطَ بعلمٍ علاج القلوبِ ، ووجوهِ التلطُّفِ بها للسياقةِ إلى
الحقِّ .. علمَ قطعاً أنَّ ترويحَها بأمثالِ هذهِ الأمورِ دواءٌ نافعٌ لا غنى عنهُ .
حـ
٤٧٣

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
الْبَابُ الثَّانِيِ
في آثار التماع وآدابه
4G'
اعلمْ : أنَّ أوَّلَ درجةِ السماع فهمُ المسموع وتنزيلُهُ على معنىّ يقعُ
للمستمع ، ثُمَّ يثمرُ الفهمُ الوجدَ ، ويثمرُ الوجدُ الحركةَ بالجوارحِ ، فليُنظرْ
في هذهِ المقاماتِ الثلاثةِ .
المقام الأوّل: في الفهم
وهوَ يختلفُ باختلافِ أحوالِ المستمع ، وللمستمع أربعةُ أحوالٍ :
إحداها : أنْ يكونَ سماعُهُ بمجرَّدِ الطبعِ :
أيْ: لا حظَّ لهُ في السماع إلا استلذاذُ الألحانِ والنغماتِ ، وهذا
مباحٌ ، وهوَ أخسنُّ رتبِ السماع إذِ الإبلُ شريكةٌ لهُ فيهِ ، وكذا سائرُ البهائمِ ،
بلْ لا يستدعي هذا الذوقَ إلا الحياةُ ، فلكلِّ حيوانٍ نوعُ تلذُّذٍ بالأصواتِ
الطيِّيّةِ .
XX
الحالةُ الثانيةُ : أنْ يسمعَ بفهم ولكنْ ينزِّلُهُ على صورةٍ مخلوقٍ :
إِمَّا معيَّناً أوْ غيرَ معيَّنِ ، وهوَ سماعُ الشَّانِ وأربابِ الشهوةِ ، ويكونُ
٤٧٤

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
تنزيلُهُمْ للمسموع على حسَبِ شهواتِهِمْ ومقتضى أحوالِهِمْ ، وهذهِ الحالةُ
أخسُ مِنْ أنْ نتكلّمَ فيها إلا ببيانِ خسَّتِها والنهي عنها .
الحالةُ الثالثةُ : أنْ ينزِّلَ ما يسمعُهُ على أحوالِ نفسِهِ في معاملتِهِ معَ اللهِ عزّ
وجلَّ ، وتقلُّبٍ أحوالِهِ في التمُنِ مرَّةً وتعذُّرِهِ أخرى :
وهذا سماعُ المريدينَ ، لا سيما المبتدئينَ ، فإنَّ للمريدِ - لا محالةَ -
مراداً هوَ مقصدُهُ ، ومقصدُهُ معرفةُ اللهِ تعالى، ولقاؤُهُ والوصولُ إليهِ بطريقِ
المشاهدةِ بالسرِّ وكشفِ الغطاءِ ، ولهُ في مقصدِهِ طريقٌ هوَ سالكُهُ ،
ومعاملاتٌ هوَ مثابرٌ عليها، وحالاتٌ تستقبلُهُ في معاملاتِهِ .
فإذا سمعَ ذكرَ عتابٍ أَوْ خطابٍ ، أوْ قبولٍ أوْ ردِّ ، أوْ وصلٍ أوْ هجرٍ ، أوْ
قربٍ أوْ بعدٍ ، أوْ تلهُّفٍ على فائتٍ أوْ تعطُّشٍ إلى منتظَرٍ ، أَوْ شوقٍ إلى
واردٍ ، أو طمعٍ أوْ يأسٍ ، أوْ وحشةٍ أوِ استئناسٍ ، أَوْ وفاءِ بالوعدِ أوْ نقضٍ
للعهدِ ، أوْ خوفِ فراقٍ أوْ فرحٍ بوصالٍ ، أوْ ذكرَ ملاحظةِ الحبيبِ ومدافعةٍ
الرقيبٍ ، أوْ همولِ العبراتِ ، أَوْ ترادفِ الحسراتِ ، أَوْ طولِ الفراقِ ، أَوْ
عدةِ الوصالِ ، أَوْ غيرِ ذلكَ ممَّا يشتملُ على وصفِهِ الأشعارُ .. فلا بدَّ أنْ
يوافقَ بعضُها حالَ المريدِ في طلبهٍ ، فيجريَ ذلكَ مجرى القدّاح الذي پوري
زنادَ قلبِهِ ، فتشتعلُ بهِ نيرانُهُ ، ويقوى بهِ انبعاثُ الشوقِ وهيجانُهُ ، ويهجمُ
بسببهِ عليهِ أحوالٌ مخالفةٌ لعادتِهِ ، ويكونُ لهُ مجالٌ رحبٌ في تنزيلِ الألفاظِ
على أحوالِهِ .
٤٧٥

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
وليسَ على المستمع مراعاةُ مرادِ الشاعرِ مِنْ كلامِهِ ، بلْ لكلِّ كلام
وجوهٌ ، ولكلّ ذي فهمٍ في اقتباسِ المعنى منهُ حظّ .
ولنضربْ لهذهِ التنزيلاتِ والفهوم أمثلةً كي لا يظنَّ الجاهلُ أنَّ المستمعَ
الأبياتٍ فيها ذكرُ الفمِ والخدِّ والصُّدْغ إنَّما يُفهمُ منها ظواهرُها ، ولا حاجةً بنا
إلى ذكرٍ كيفيةِ فهم المعاني مِنَ الأبياتِ ، ففي حكاياتِ أهلِ السماعِ
ما يكشفُ عنْ ذلكَ .
فقد حُكِيَ أنَّهُ سمِعَ بعضُهُمْ قائلاً يقولُ :
[من مجزوء الكامل]
قالَ الرَّسُولُ غَداً تَزُو رُ فَقُلْتُ تَدْرِي ما تقُولُ
فاستفزَّهُ القولُ واللحنُ ، وتواجدَ ، وجعلَ یکرِّرُ ذلكَ ويجعلُ مكانَ التاءِ
نوناً ، فيقولُ: (قالَ الرَّسُولُ: غداً نزورُ)، حتَّى غُشيَ عليهِ مِنْ شدَّةِ
الفرح واللذّةِ والسرورِ ، فلمَّا أفاقَ .. سُئِلَ عنْ وجدِهِ مِمَّ كانَ؟ فقالَ :
ذكرتُ قولَ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أهلَ الجنَّةِ يزورونَ ربَّهُمْ في
كلِّ يومٍ جمعةٍ مرَّةً ))(١).
؟
وحكى الدُّقيُّ عنِ ابنِ الدَّرَّاج أنَّهُ قَالَ : كنتُ أنا وابنُ الفُوَطِيِّ مارَّينِ على
الدجلةِ بينَ البصرةِ والأَبُلَّةِ ، وإذا بقصرٍ حسنٍ لهُ منظرةٌ وعليهِ رجلٌ بينَ یدیهِ
جاريةٌ تغنِّي وتقولُ :
[من مجزوء الرمل]
ـكن
حن
كُلَّ يَوْم تَتَلَوَّنْ غَيْرُ هَذا بِكَ أَجْمَلْ
ء
ـحة
(١) رواه الترمذي (٢٥٤٩)، وابن ماجه ( ٤٣٣٦).
٤٧٦

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
فإذا شابٌ حسنٌ تحتَ المنظرةِ وبيدِهِ ركْوةٌ وعليهِ مرقَّعةٌ يستمعُ ، فقالَ :
يا جاريةُ ؛ باللهِ وبحياةِ مولاكٍ إلَّ أعدتِ عليَّ هذا البيتَ، فأعادَتْ ، فكانَ
الشابُ يقولُ : واللهِ ؛ هذا تلوُّني مع الحقِّ في حالي ، فشهقَ شهقةً وماتَ ،
قالَ ؛ فقلنا : قدِ استقبلَنا فرضٌ ، فوقفْنا فقالَ صاحبُ القصرِ للجاريةِ : أنتِ
حرَّةٌ لوجهِ اللهِ تعالى ، قالَ : ثمَّ خرِجَ أهلُ البصرةِ وصلَّوا عليهِ ، فلمَّا فرغوا
مِنْ دفنِهِ .. قالَ صاحبُ القصرِ : أشهدُكُمْ أنَّ كلَّ شيءٍ لي في سبيلِ اللهِ ،
وكلَّ جواريَّ أحرارٌ ، وهذا القصرُ للسبيلِ ، قالَ : ثمَّ رمى بثيابِهِ ، واتَّزْرَ
بِإِزارٍ ، وارتدى بآخرَ ، ومرَّ على وجهِهِ والناسُ ينظرونَ إليهِ حتَّى غابَ عنْ
أعينِهِمْ وهمْ يبكونَ ، فلمْ يُسمِعْ لَهُ بعدُ خبِ»(١) .
٢
والمقصودُ : أنَّ هذا الشخصَ كانَ مستغرقَ الوقتِ بحالِهِ معَ اللهِ تعالى ،
ومعرفةِ عجزِهِ عنِ الثبوتِ على حسنِ الأدبِ في المعاملةِ ، وتأسُّفِهِ على
تقلُّبٍ قلبهِ ، وميلِهِ عنْ سَنَنِ الحقِّ ، فلمَّا قرعَ سمعَهُ ما يوافقُ حالَهُ .. سمعَهُ
مِنَ اللهِ تعالى كأنَّهُ يخاطبُهُ ويقولُ لهُ :
٧٥٠٠
كُلَّ يَوْم تَتَلَوَّنْ غَيْرُ هَذا بِكَ أَجْمَلْ
ومَنْ كانَ سمعُهُ مِنَ اللهِ تعالى وعلى اللهِ وفيهِ .. فينبغي أنْ يكونَ قدْ أحكمَ
قانونَ العلمِ في معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ صفاتِهِ ، وإلا .. خطرَ لهُ في السماع
(١) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٥٨) عن الدقي مباشرة، والقشيري في (( الرسالة))
( ص٥٥٥ ) .
٤٧٧
و

كتاب السماع والوجد
ربع العادات
في حقِّ اللهِ تعالى ما يستحيلُ عليهِ تعالى ويكفرُ بهِ ، ففي سماع المريدِ المبتدىء
خطرٌ إلا إذا لمْ ينزِّلْ ما يسمعْ إلا على حالِهِ مِنْ حيثُ لا يتعلَّقُ بوصفِ اللهِ تعالى.
ومثالُ الخطأِ فيهِ : هذا البيتُ بعينِهِ لوْ سمعَهُ في نفسِهِ وهوَ مخاطبٌ بهِ
ربَّهِ عزَّ وجلَّ ، فيضيفُ التلوُّنَ إلى اللهِ تعالى؛ فيكفرُ ، وهذا قدْ يقعُ عنْ
جهلٍ محضٍ مطلقٍ غيرِ ممزوجٍ بتحقيقٍ ، وقدْ يكونُ عنْ جهلٍ ساقَهُ إليهِ نوعٌ
مِنَ التحقيقِ ، وهوَ أنْ يرى تقلُّبَ أحوالِ قلبِهِ ، بلْ تقلُّبَ سائرِ أحوالِ العالمِ
مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهوَ حقٌّ، فإنَّهُ تارةً يبسطُ قلبَهُ، وتارةً يقبضُهُ، وتارةً
ينوِّرُهُ، وتارةً يظلمُهُ، وتارةً يقسِّيهِ، وتارةً يُلِيِّنُهُ، وتارةً يثبِّتُهُ على طاعتِهِ
ويقوِّيهِ عليها ، وتارةً يسلّطُ الشيطانَ عليهِ ليصرفَهُ عنْ سَنَنِ الحقِّ ، وهذا كلُّهُ
مِنَ الله تعالى ، ومَنْ يصدرُ منهِ أحوالٌ مختلفةٌ في أوقاتٍ متقاربةٍ فقدْ يُقالُ لهُ
في العادةِ : إنَّهُ ذو بَداواتٍ ، وإنَّهُ متلوِّنٌ ، ولعلَّ الشاعرَ لمْ يردْ بهِ إلا نسبةً
محبوبِهِ إلى التلوُّنِ في قبولِهِ وردِّهِ ، وتقريبهِ وإبعادِهِ ، وهذا هوَ المعنى ،
وسماعُ هذا كذلكَ في حقِّ اللهِ تعالى كفرٌ محضٌ، بلْ ينبغي أنْ يعلمَ أنَّهُ
سبحانَهُ وتعالى يلوِّنُ ولا يتلوَّنُ ، ويغيِّرُ ولا يتغيّرُ ، بخلافِ عبادِهِ ، وذلكَ
العلمُ يحصلُ للمريدِ باعتقادٍ تقليديٍّ إيمانيٍّ ، ويحصلُ للعارفِ البصيرِ بيقينٍ
كشفيٍّ حقيقيٍّ، وذلكَ مِنْ أعاجيبِ أوصافِ الربوبيَّةِ ، وهوَ التغييرُ مِنْ غيرِ
تغيُّرٍ ، ولا يتصوَّرُ ذلكَ إلا في حقِّ اللهِ تعالى، بلْ كلُّ مغيِّرِ سواهُ فلا يغيِّرُ
ما لمْ يتغيَّرْ .
ومِنْ أربابِ الوجدِ مَنْ يغلبُ عليهِ حالٌ مثلُ السكْرِ المدهشِ ، فيطلقُ
٤٧٨

ربع العادات
كتاب السماع والوجد
لسانَهُ بالعتابِ معَ اللهِ ، ويستنكرُ اقتهارَهُ للقلوبِ وقسمتَهُ للأحوالِ الشريفةِ
على تفاوتٍ ، فإنَّهُ المستصفي لقلوبِ الصدِّيقينَ ، والمبعدُ لقلوبٍ
الجاحدينَ والمغرورينَ ، فلا مانعَ لما أعطىُ ، ولا معطي لما منعَ ، ولمْ
يقطع التوفيقَ عنِ الكفَّارِ لجنايةٍ متقدمةٍ ، ولا أمدَّ الأنبياءَ عليهِمُ السلامُ
بتوفيقِهِ ونورٍ هدايتِهِ لوسيلةٍ سابقةٍ ، ولكنَّهُ قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِتْنَا
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوَّلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ .
فإنْ خطرَ ببالِكَ أنَّهُ لِمَ اختلفَتِ السابقةُ وهمْ في ربقةِ العبوديّةِ
مشتركونَ ؟ .. نوديتَ مِنْ سُرادِقاتِ الجلالِ: لا تجاوزْ حذَّ الأدبْ، فإنَّهُ
لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهمْ يُسألونَ .
ولعمري ؛ تأذُّبُ اللسانِ والظاهرِ ممَّا يقدرُ عليهِ الأكثرونَ، فأمَّا تأذُّبُ
السرِّ عنْ إضمارِ الاستبعادِ لههذا الاختلافِ الظاهرِ في التقريبِ والإبعادِ ،
والإشقاءِ والإسعادِ ، معَ بقاءِ السعادةِ والشقاوةِ أبدَ الآبادِ .. فلا يقوی علیهِ
إلا العلماءُ الراسخونَ في العلمِ .
ولهذا قالَ الخضِرُ عليهِ السلامُ لمَّا سُئِلَ عنِ السماع في المنام : ( إنَّهُ
الصفاءُ الزلالُ الذي لا يثبتُ عليهِ إلا أقدامُ العلماءِ )(١)؛ لأنَّهُ محرٌِّ لأسرار
(١) قوت القلوب (٢/ ٦٢).
٤٧٩
جر

کتاب السماع والوجد
ربع العادات
القلوبِ ومكامِنها ، ومشوِّشٌ لها تشويشَ السكْرِ المدهشِ الذي يكادُ يحلُّ
عقدةَ الأدبِ عنِ السرِّ إلا ممَّنْ عصمَهُ اللهُ تعالى بنورِ هدايتِهِ ولَطْفِ عصمتِهِ .
ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( ليتَنَا نجونا مِنْ هذا السماعِ رأساً برأسٍ)(١)،
ففي هذا الفنِّ مِنَ السماع خطرٌ يزيدُ على خطرِ السماع المحرِّكِ للشهوةِ ،
فإنَّ غايةَ ذلكَ معصيةٌ ، وغايةُ الخطأِ ههنا كفرٌ .
واعلمْ : أنَّ الفهمَ قد يختلفُ بأحوالِ المستمع ، فيغلبُ الوجدُ على
مستمعينٍ لبيتٍ واحدٍ وأحدُهُما مصيبٌ في الفهم والآخرُ مخطىءٌ ، أَوْ
كلاهُما مصيبانٍ وقدْ فهما معنيين مختلفينِ متضادّينِ ، ولكنَّهُ بالإضافةِ إلى
اختلافِ أحوالِهِما لا يتناقضُ ؛ كما حُكِيَ عنْ عتبةَ الغلام أنَّهُ سمعَ رجلاً
ـقولُ :
[من مجزوء الكامل]
إِنَّ الْمُحِبَّ لَفِي عَنا
سُبْحانَ جَبَّارِ السَّما
فقالَ : صدقتَ ، وسمعَهُ رجلٌ آخرُ فقالَ : كذبتَ ، فقالَ بعضُ ذوِي
البصائرِ : ( أصابا جميعاً)(٢).
وهوَ الحقُّ ؛ فالتصديقُ كلامُ محبّ غيرِ ممكَّنٍ مِنَ المرادِ ، بلْ مصدودٌ
متعبٌّ بالصدِّ والهجرِ ، والتكذيبُ كلامُ مستأنسٍ بالحبِّ مستلذُّ لما يقاسيهِ
(١) والقائل هو أبو علي الروذباري رحمه الله كما في ((اللمع)) (ص ٣٤٣).
(٢) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٦٢)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٥٥٥).
٤٨٠