النص المفهرس
صفحات 401-420
ربع العادات كتاب آداب السفر حالِهِ ، ثمَّ عليهِ القضاءُ سواءٌ أصابَ أمْ أخطأَ . والأعمىُ ليسَ لهُ إلا التقليدُ ، فليقلُّدْ مَنْ يُوثقُ بدينِهِ وبصيرتِهِ إنْ كانَ مقلَّدُهُ مجتهداً في القبلةِ ، وإنْ كانَتِ القبلةُ ظاهرةً .. فلهُ اعتمادُ قولٍ كلِّ عدْلٍ يخبرُهُ بذلكَ في حضرٍ أوْ سفرٍ . ـبجن حن حن وليسَ للأعمى ولا للجاهلِ أنْ يسافرَ في قافلةٍ ليسَ فيها مَنْ يعرِفُ أدلَّةً القبلةِ حيثُ يُحتاجُ إلى الاستدلالِ ، كما ليسَ للعامِّيِّ أنْ يقيمَ ببلدةٍ ليسَ فيها فقيةٌ عالمٌ بتفصيلِ الشرع ، بلْ يلزمُهُ الهجرةُ إلى حيثُ يجدُ مَنْ يعلِّمُهُ دينَهُ ، وكذا إنْ لمْ يكنْ في البلدِ إلا فقيهٌ فاسقٌ ، فعليهِ الهجرةُ أيضاً ؛ إذْ لا يجوزُ لهُ اعتمادُ فتوى الفاسقِ ، بلِ العدالةُ شرطٌ لجوازِ قبولِ الفتوى ؛ كما في الروايةِ ، وإنْ كانَ معروفاً بالفقهِ مستورَ الحالِ في العدالةِ والفسقِ .. فلهُ القبولُ مهما لمْ يجدْ مَنْ لهُ عدالةٌ ظاهرةٌ ؛ لأنَّ المسافرَ في البلادِ لا يقدرُ أنْ يبحثَ عنْ عدالةِ المفتينَ ، وإنْ رآهُ لابساً للحريرِ أوْ ما يغلبُ عليهِ الإبريسَمُ(١) ، أوْ راكباً لفرسٍ عليهِ مركبٌ ذهبٌ .. فقدْ ظهرَ فسقُهُ، وامتنعَ عليهِ قبولُ قولِهِ ، فليطلبْ غيرَهُ، وكذلكَ إذا رآهُ يأكلُ على مائدةِ سلطانٍ ے أغلبُ مالِهِ حرامٌ ، أَوْ يأخذَ منهُ إدراراً أوْ صلةً مِنْ غيرِ أنْ يعلمَ أنَّ الذي يأخذُهُ (١) الإبريسم : لفظة فارسية ، وهو الحرير الخام. ٤٠١ کتاب آداب السفر ربع العادات مِنْ وجهٍ حلالٍ ، فكلُّ ذلكَ فسقٌ يقدحُ في العدالةِ ويمنعُ مِنْ قبولِ الفتوى والروايةِ والشهادةِ . وأمَّا معرفةُ أوقاتِ الصلواتِ الخمسِ .. فلا بدَّ منها : G فوقتُ الظهرِ : يدخلُ بالزوالِ ، فإنَّ كلَّ شخصٍ لا بدَّ أنْ يقعَ لهُ في ابتداءٍ النهارِ ظٌّ مستطيلٌ في جانبِ المغربِ ، ثمَّ لا يزالُ ينقصُ إلى وقتِ الزوالِ ، ثمَّ يأخذَ في الزيادةِ في جهةِ المشرقِ ، ولا يزالُ يزيدُ إلى الغروبِ ، فليقمِ المسافرُ في موضع أوْ لينصبْ عوداً مستقيماً ، وليعلُّمْ على رأسِ الظلِّ، ثمَّ لينظرْ بعدَ ساعةٍ ، فإنْ رآهُ في النقصانِ .. فلمْ يدخلْ بعدُ وقتُ الظهرِ . وطريقُهُ في معرفةِ ذلكَ : أنْ ينظرَ في البلدِ وقتَ أذانِ المؤذِّنِ المعتمدِ ظلَّ قامتِهِ ، فإنْ كانَ مثلاً ثلاثةَ أقدام بقدمِهِ ؛ فمهما صارَ كذلك في السفرِ وأخذَ في الزيادةِ .. صلَّى؛ فإنْ زادَ عليهِ ستةُ أقدامٍ ونصفٌ بقدمِهِ .. دخلَ وقتُ العصرِ ، إذْ ظلُّ كلِّ شخصٍ بقدمِهِ ستُّ أقدام ونصفٌ بالتقريب . ثُمَّ ظلُّ الزوالِ يزيدُ كلَّ يومٍ إنْ كانَ سفرُهُ مِنْ أوَّلِ الصيفِ ، وإنْ كانَ مِنْ أوَّلِ الشتاءِ .. فينقصُ كلَّ يومٍ ، وأحسنُ ما يُعرفُ بهِ ظلُّ الزوالِ الميزانُ ، فليستصحبْهُ المسافرُ ، وليتعلّم اختلافَ الظلِّ بهِ في كلِّ وقتٍ . ٤٠٢ ربع العادات كتاب آداب السفر وإنْ عرفَ موقعَ الشمسِ مِنْ مستقبلِ القبلةِ وقتَ الزوالِ ، وكانَ في السفرِ في موضعٍ ظهرَتِ القبلةُ فيهِ بدليلٍ آخرَ . . فيمكنُهُ أنْ يعرفَ الوقتَ بالشمسِ ؛ بأنْ تصيرَ بينَ عينيهِ مثلاً إِنْ كانَتْ كذلكَ في البلدِ . حن وأمَّا وقتُ المغربِ : فيدخلُ بالغروبِ ، ولكنْ قدْ تحجبُ الجبالُ المغربَ عنهُ، فينبغي أنْ ينظرَ إلى جانبِ المشرقِ ، فمهما ظهرَ سوادٌ في الأفقِ مرتفعٌ مِنَ الأرضِ قيدَ رمحٍ .. فقدْ دخلَ وقتُ المغربِ . وأمَّا العشاءُ : فيعرفُ بغيبوبةِ الشفقِ ، وهوَ الحمرةُ ، فإنْ كانتْ محجوبةً عنهُ بجبالٍ .. فيعرفُهُ بظهورِ الكواكبِ الصغارِ وكثرتِها ، فإنَّ ذلكَ يكونُ بعدَ غيبوبةِ الحمرةِ . وأمَّا الصبحُ : فيبدو في الأوَّلِ مستطيلاً كذنبِ السِّرْحانِ ، فلا حكمَ لهُ إلى أنْ ينقضيّ زمانٌ ثمَّ يظهرُ بياضٌ معترضٌ لا يعسرُ إدراكُهُ بالعينِ لظهورِهِ ، فهذا أوَّلُ الوقتِ . قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ الصبحُ هكذا - وجمعَ كفيهِ - وإنَّما الصبحُ هكذا )) ووضعَ إحدى سبابتيهِ على الأخرى وفتحَهُما، وأشارَ بهِ إلى أنَّهُ معترضٌ(١). (١) رواه ابن ماجه (١٦٩٦)، ولم يشر إلى الكف والسبابتين، وروى أحمد في (( المسند)) (٢٣/٤) من حديث طلق بن علي مرفوعاً: ((ليس الفجر بالمستطيل في الأفق ، ولكنه المعترض الأحمر )" . ٤٠٣ ـدة كتاب آداب السفر ربع العادات وقدْ يُستدلّ عليهِ بالمنازلِ ، وذلكَ تقريبٌ لا تحقيقٌ فيهِ ، بلِ الاعتمادُ على مشاهدةِ انتشارِ البياضِ عرضاً ؛ لأنَّ قوماً ظنُّوا أنَّ الصبحَ يطلعُ قبلَ الشمسِ بأربعةِ منازلَ ، وهذا خطأٌ ؛ لأنَّ ذلكَ هوَ الفجرُ الكاذبُ ، والذي ذكرهُ المحقَّقونَ أنَّهُ يتقدَّمُ على الشمسِ بمنزلتينِ . وهذا تقريبٌ ولكنْ لا اعتمادَ عليهِ ؛ فإنَّ بعضَ المنازلِ تطلعُ معترضةً منحرفةٌ فيقصرُ زمانُ طلوعِها ، وبعضُها منتصبةً فيطولُ زمانُ طلوعِها ، ويختلفُ ذلكَ في البلادِ اختلافاً يطولُ ذكرُهُ . نعمْ ، تصلحُ المنازلُ لأَنْ يُعلمَ بها قربُ وقتِ الصبح وبعدُهُ ، فأمَّا حقيقةُ أوَّلِ الصبحِ .. فلا يمكنُ ضبطُهُ بمنزلتينِ أصلاً . وعلى الجملةِ : فإذا بقيَتْ أربعُ منازلَ إلى طلوع قرص الشمسِ بمقدارٍ منزلةٍ .. يُتيقّنُ أنَّهُ الصبحُ الكاذبُ، وإذا بقيَ قريبٌ مِنْ منزلتينِ .. يُتحقَّقُ طلوعُ الصبحِ الصادقِ . ويبقىْ بينَ الصبحينِ قدْرُ ثلثي منزلةٍ بالتقريبِ يُشكُّ فيهِ أنَّهُ مِنْ وقتٍ الصبحِ الصادقِ أوِ الكاذبِ ، وهوَ مبدأُ ظهورِ البياضِ وانتشارِهِ قبلَ اتساع عرضِهِ . فمِنْ وقتِ الشكِّ ينبغي أنْ يتركَ الصائمُ السحورَ ويقدِّمَ القائمُ الوترَ عليهِ ، ولا يصلِّيَ صلاةَ الصبحِ حتَّى تنقضيَ مدَّةُ الشكِّ، فإذا تحقَّقَ .. صلَّى . ٩٠ ٤٠٤ ربع العادات كتاب آداب السفر ولوْ أرادَ مريدٌ أنْ يقدِّرَ على التحقيقِ وقتاً معيَّناً يشربُ فيهِ متسخِّراً ، ويقومُ عقيبَهُ ، ويصلّي الصبحَ متصلاً بهِ .. لمْ يقدرْ على ذلكَ؛ فليسَ معرفةٌ ذلكَ في قَوَّةِ البشرِ أصلاً ، بلْ لا بدَّ مِنْ مهلةٍ للتوقُّفِ والشكِّ ، ولا اعتمادَ إلا على العيانِ ولا اعتمادَ في العيانِ إلا على أنْ يصيرَ الضوءُ منتشراً في العرْضِ حتَّى تبدوَ مبادي الصفرةِ . وقدْ غلطَ في هذا جمعٌ مِنَ الناسِ كثيرٌ ، يصلُّونَ قبلَ الوقتِ ، ويدلُّ عليهِ ما روى أبو عيسى الترمذيُّ في ((جامعِهِ)) بإسنادِهِ عنْ طلْقِ بنِ عليَّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( كلوا واشربوا ولا يَهِيدَنَّكُمْ الساطعُ المصعِدُ ، وكلوا واشربوا حتى يعترِضَ لكُمُ الأحمرُ »، وهذا صريحٌ في رعايةٍ الحمرةِ ، قالَ أبو عيسى : ( وفي البابِ عنْ عديٍّ بنِ حاتمٍ ، وأبي ذرٍّ ، وسَمُرَةَ بنِ جندبٍ ، وهوَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ ، والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمٍ) (١) . بون وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( كلوا واشربوا ما دامَ الضوءُ ساطعاً)، قالَ صاحبُ ((الغريبينِ)): ( أَيْ: مستطيلاً)(٢). فإذاً ؛ لا ينبغي أنْ يُعوَّلَ إلا على ظهورِ الصفرةِ ، وكأنَّها مبادي (١) رواه الترمذي (٧٠٥)، وهو عند أبي داوود (٢٣٤٨) كذلك، ولا يهيدنكم : لا يزعجنكم ولا يمنعكم الأكل، وأصل الهيد الزجر. («إتحاف)) (٤٥٢/٦). (٢) انظر ((الغريبين)) (٨٩٣/٣)، و((تهذيب اللغة)) (٦٥/٢)، و«النهاية في غريب الحديث)) (٣٦٥/٢) . ٤٠٥ مدن ـت: کتاب آداب السفر ربع العادات الحمرةِ ، وإنَّما يحتاجُ المسافرُ إلى معرفةِ الأوقاتِ لأنَّهُ قَدْ يبادرُ بالصلاةِ قبلَ الرحيلِ حتَّى لا يشقَّ عليهِ النزولُ ، أوْ قبلَ النوم حتَّى يستريحَ ، فإِنْ وطَّنَ نفسَهُ على تأخيرِ الصلاةِ إلى أنْ يتيقَّنَ فتسمحَ نفسُهُ بفواتِ فضيلةِ أوَّلِ الوقتِ ، ويتجشَّمَ كلفةَ النزولِ وكلفةَ تأخيرِ النومِ إلى اليقينِ .. استغنى عنْ تعلُّمِ علم الأوقاتِ ، فإنَّ المشكلَ أوائلُ الأوقاتِ لا أوساطُها ، واللهُ أعلمُ . ثم كتاب آداب الشَّفر وهو الكتاب السابع من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين وأحمد تدرب العالمين، حمدًا كثيرًا طيّبً مباركاً فيه وصلى الله على سيدنا محمد الشبي العر في لمصطفى وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين وسلم كثيراً يتلوه كتاب آداب الشماع والوجد ٤٠٦ ڪْكِتَابُ أَدَارُ السَّمَاعِ وَالوَعْدِ وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين ٤٠٧ ربع العادات كتاب السماع والوجد كتاب آداب التماع والوجد بِسِْلِهِ الرَّحْمِ الرَّحَّةِ الحمدُ للهِ الذي أحرقَ قلوبَ أوليائِهِ بنارِ محبَّتِهِ ، واسترقَّ هممَهُمْ وأرواحَهُمْ بالشوقِ إلى لقائِهِ ومشاهدتِهِ ، ووقفَ أبصارَهُمْ وبصائرَهُمْ على ملاحظةٍ جمالِ حضرتِهِ ، حتَّى أضحَوا من تنسُّمِ روحِ الوصالِ سكرى(١)، وأصبحَتْ قلوبُهُمْ مِنْ ملاحظةِ سُبُحاتِ الجلالِ والهةً حيرىُ ، فلمْ يرَوا في الكونينِ شيئاً سواهُ ، ولمْ يذكروا في الدارينِ إلا إِيَّاهُ. إنْ سنحَتْ لأبصارِهِمْ صورةٌ .. عبرَتْ إلى المصوِّرِ بصائرُهُمْ، وإن قرعَتْ أسماعَهُمْ نغمةٌ .. سبقَتْ إلى المحبوبِ سرائرُهُمْ، وإنْ وردَ عليهِمْ صوتٌ مزعجٌ أوْ مقلقٌ، أوْ مطربٌ أوْ محزنٌ، أوْ مبهجٌ أوْ مشوِّقٌ أوْ مهيِّجٌ .. لمْ يكنِ انزعاجُهُمْ إلا إليهِ، ولا طربُهُمْ إلا بِهِ ، ولا قلقُهُمْ إلا عليهِ ، ولا حزنُهُمْ إلا فيهِ ، ولا شوقُهُمْ إلا إلى ما لديهِ ، ولا انبعاثُهُمْ إلا لهُ ، ولا تردُّدُهُمْ إلا حوالَيْهِ، فمنهُ سماعُهُمْ، وإليهِ استماعُهُمْ ، فقدْ أقفلَ عنْ غيرِهِ أبصارَهُمْ وأسماعَهُمْ، أولئكَ الذينَ اصطفاهُمْ اللهُ لولايتِهِ ، واستخلصَهُمْ مِنْ بينِ أصفيائِهِ وخاصَّتِهِ . (١) والسكر عندهم : غيبة بوارد قوي ، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة وأتم منها. ((إتحاف)) (٤٥٤/٦). ٤٠٩ كتاب السماع والوجد ربع العادات والصلاةُ على محمدٍ المبعوثِ برسالتِهِ ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أئمَّةِ الحقِّ وقادتِهِ ، وسلمَ تسليماً كثيراً . أما بعد: فإنَّ القلوبَ والسرائرَ(١) خزائنُ الأسرارِ ومعادنُ الجواهرِ، وقدْ طُويَتْ فيها جواهرُها كما طُويَّتِ النارُ في الحديدِ والحجرِ ، وأُخفيَتْ كما أُخفيَ الماءُ تحتَ الترابِ والمدرِ ، ولا سبيلَ إلى استثارةِ خفاياها إلا بقوادحِ السماع ، ولا منفذَ إلى القلوبِ إلا مِنْ دهليزِ الأسماع ، فالنغماتُ الموزونةُ المستَلَذَّةُ تخرجُ ما فيها ، وتظهرُ محاسنَها أوْ مساويَها ، فلا يظهرُ مِنَ القلبِ عندَ التحريكِ إلا ما يحويهِ ، كما لا يرشحُ الإناءُ إلا بما فيهِ . فالسماعُ للقلبِ محٌّ صادقٌ(٢) ، ومعيارٌ ناطقٌ، فلا تصلُ روحُ السماع إليهِ إلا وقدْ تحرَّكَ فيهِ ما هوَ الغالبُ عليهِ . وإذا كانَتِ القلوبُ بالطباع مطيعةً للأسماع ، حتَّى أبدَتْ بوارداتِها مكامنَها ، وكشفَتْ بها عنْ مساويها وأظهرَتْ محاسنَها .. وجبَ شرحُ القولِ في السماع والوجدِ ، وبيانُ ما فيهما مِنَ الفوائدِ والآفاتِ ، وما يُستحبُّ منمزي (١) السرائر : هي خواطر النفس ، فهي غير القلوب ، إذ القلب عبارة عن لطيفة ربانية لها بههذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلقٌ ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان. ((إتحاف)) (٤٥٥/٦). (٢) المحكُّ: الحجر الأسود البرَّاق الذي تحك عليه الجواهر المعدنية ، فيبين الخالص من غيره . ـترة ٤١٠ ربع العادات کتاب السماع والوجد فيهما مِنَّ الآدابِ والهيئاتِ ، وما يتطرّق إليهما مِنْ خلافِ العلماءِ في أنَّهُما مِنَ المحظوراتِ أوِ المباحاتِ . ونحنُ نوضِّحُ ذلكَ في بابينِ : البابُ الأوَّلُ : في بيانِ إباحةِ السماعِ . البابُ الثاني : في آدابِ السماع ، وآثارِهِ في القلبِ بالوجدِ ، وفي الجوارحِ بالرقصِ والزعقِ وتمزيقِ الثيابِ . ٤١١ ٨ كتاب السماع والوجد ربع العادات البَابُ الأوَّلُ في ذكراختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف كث فيه بيانأقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريم اعلمْ : أنَّ السماعَ هوَ أوَّلُ الأمرِ ، ويثمرُ السماعُ حالةً في القلبِ تسمَّی الوجدَ ، ويثمرُ الوجدُ تحريكَ الأطرافِ ؛ إمَّا بحركةٍ غيرِ موزونةٍ فتُسمَّى الاضطرابَ، وإمَّا موزونةٍ فتُسمَّى التصفيقَ والرقصَ . فلنبدأ بحكمِ السماع وهوَ الأوَّلُ ، وننقلُ فيهِ الأقاويلَ المعربةَ عنِ المذاهبِ فيهِ ، ثم نذكرُ الدليلَ على إباحتِهِ ، ثمَّ نردفُهُ بالجوابِ عمَّا تمسَّكَ بهِ القائلونَ بتحريمِهِ . فأمَّا نقلُ المذاهبِ : فقدْ حكى القاضي أبو الطيِّبِ الطبريُّ عنِ الشافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفةً وسفيانَ وجماعةٍ مِنَ العلماءِ ألفاظاً يُستدلُّ بها علىُ أنَّهُمْ رأوا تحريمَهُ(١). وقالَ : ( قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ في كتابِ آدابِ القضاءِ : إِنَّ الغناءَ لهوٌ مكروهٌ يشبهُ الباطلَ، ومَنِ استكثرَ منهُ .. فهوَ سفيهٌ تُرُدُّ شهادتُهُ)(٢). (١) حكى ذلك أبو الطيب الطبري في رسالته ((الرد على من يحب السماع)) (ص٢٧ - ٣٢)، وانظر ما ذكره الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٦/ ٤٦٢ - ٤٦٥). (٢) الرد على من يحب السماع (ص٢٧)، والأم (٥١٨/٧). ٤١٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد وقالَ القاضي أبو الطيِّبِ : ( استماعُهُ مِنَ المرأةِ التي ليسَتْ بمَحْرمِ لهُ لا يجوزُ عندَ أصحابِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ بحالٍ ، سواءٌ كانَتْ مكشوفةً أوْ مِنْ وراءِ حجابٍ ، وسواءٌ كانَتْ حِرَّةً أوْ مملوكةً)(١). وقالَ : ( قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : صاحبُ الجاريةِ إذا جمعَ الناسَ لسماعِها .. فهوَ سفيةٌ تردُّ شهادتُهُ)(٢) . وقالَ : ( حُكِيَ عنِ الشافعيِّ أنَّهَ كانَ يكرهُ الطقطقةَ بالقضيبِ ، ويقولُ : وضعَتْهُ الزنادقةُ ليشتغلوا بهِ عنِ القرآنِ ، وقالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ : ويُكرِهُ مِنْ جهةِ الخبرِ اللعبُ بالنردِ أكثرَ ممَّا يُكرَهُ اللعبُ بشيءٍ مِنَ الملاهي ، ولا أحبُّ اللعبَ بالشَّطرنج، وأكرهُ كلَّ ما لعبَ بهِ الناسُ ؛ لأنَّ اللعبَ ليسَ مِنْ صنعةٍ أهلِ الدينِ ولا المروءةِ . وأمَّا مالكٌ رحمهُ اللهُ .. فقدْ نهى عنِ الغناءِ ، وقالَ : إذا اشترى جاريةً فوجدَها مغنيةً .. كانَ لهُ ردُّها، وهوَ مذهبُ سائرِ أهلِ المدينةِ إلا إبراهيمَ بنَ سعدٍ وحدَهُ . وأمَّا أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ .. فإنَّهُ كانَ يكرهُ ذلكَ ، ويجعلُ سماعَ الغناءِ مِنَ الذنوبِ ، وكذلكَ سائرُ أهلِ الكوفةِ ؛ سفيانُ الثوريُّ وحمادٌ ، وإبراهيمُ ، والشعبيُّ ، وغيرُهُمْ ) . (١) الرد على من يحب السماع (ص٢٧)، وانظر ((المهذب)) (٤١٧/٢). (٢) الأم ( ٥١٨/٧) . ٤١٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات فهذا كلُّهُ نقلَهُ القاضي أبو الطيِّبِ الطبريّ(١). ونقلَ أبو طالبِ المكيُّ إباحةَ السماعِ عنْ جماعةٍ ، فقالَ : ( سمعَ مِنَ الصحابةِ : عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ (٢)، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ(٣)، والمغيرةُ بن شعبةَ (٤)، ومعاويةُ، وغيرُهُمْ)(٥) . وقالَ : ( قَدْ فعلَ ذلكَ كثيرٌ مِنَ السلفِ الصالحِ ، صحابيٍّ وتابعيٍّ بإحسانٍ )(٦) . (١) أي: في رسالته ((الرد على من يحب السماع)) (ص٢٩ - ٣١)، وانظر ما قاله الحافظ الزبيدي في (( الإتحاف)) (٦/ ٤٥٧). (٢) قال عنه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ص٣٨٧): ( كان لا يرى بسماع الغناء بأساً ) . (٣) قال إمام الحرمين الجويني في ((نهاية المطلب)) (٢٣/١٩): ( وقد روى الرواة أن ابن الزبير كانت له جوارٍ عوَّادات ، فدخل عليه ابن عمر وبالقرب منه عود ، فقال له ابن الزبير : يا صاحب رسول الله ؛ ما هذا؟ فأخذه وتأمله ، فقال : ميزان شامي وأنا ابن عمر ) ، قال الحافظ الزبيدي : ( وحكى سماع الغناء عنه الشيخ تاج الدين الفزاري وغيره). ((إتحاف)) (٦ /٤٥٩). (٤) روى الطبري في ((تاريخه)) (٣٣٦/٥) عن محمد بن عامر قال: (لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء ، فدخل يوماً على معاوية ومعه بُديح ، ومعاوية واضع رجلاً على رجل ، فقال عبد الله ليُديح : إيهاً يا بديح ؛ فتغنَّى ، فحرَّك معاوية رجله ، فقال عبد الله : مه يا أمير المؤمنين ! فقال معاوية : إن الكريم طروب ) . (٥) قوت القلوب (٦٢/٢) . (٦) منهم الفاروق عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة ابن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو مسعود البدري ، وعبد الله بن الأرقم ، وأسامة بن زيد ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعبد الله بن عمر ، والبراء بن = ـرة ٤١٤ TES ربع العادات کتاب السماع والوجد وقالَ : ( لمْ يزلِ الحجازيونَ عندَنا بمَّةَ يسمعونَ السماعَ في أفضلِ أيامٍ السنةِ ، وهيَ الأيامُ المعدوداتُ التي أمرَ اللهُ عبادَهُ فيها بذكرِهِ ؛ كأيامِ التشريقِ ، ولمْ يزلْ أهلُ المدينةِ مواظبينَ كأهلِ مكَّةَ على السماع إلى زمانِنا هذا ، فأدركنا أبا مروانَ القاضيَ ولهُ جوارٍ يسمعنَ الناسَ التلحينَ قدْ أعدَّهُنَّ للصوفية )(١) . قالَ: ( وكانَ لعطاءٍ جاريتانِ تلحنانِ ، فكانَ إخوانُهُ يستمعونَ إليهما )(٢). قالَ : ( وقيلَ لأبي الحسنِ بنِ سالمٍ : كيفَ تنكرُ السماعَ وقدْ كانَ الجنيدُ وسريٌّ السقطيُّ وذو النونِ يسمعونَ ؟ فقالَ: كيفُ أنكرُ السماعَ وأجازَهُ وسمعَهُ مَنْ هوَ خيرٌ مِنِّي ، وقدْ كانَ عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ الطيّارِ يسمعُ ؟! وإنَّما أنكرُ اللهوَ واللعبَ في السماع)(٣). ٨٠ ورُوِيَ عنْ يحيى بن معاذٍ أَنَّهُ قَالَ: ( فقدنا ثلاثة أشياءَ ، فما نراها مالك ، وعمرو بن العاص ، والنعمان بن بشير، وحسان بن ثابت ، وخوات بن = جبير ، ورباح بن المغترف ، وعبيد الله بن عمر ، وعائشة الصديقة ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وابن سيرين. انظر (( السماع)) للحافظ ابن القيسراني ( ص ٣٧) وما بعدها، و((الإتحاف)) (٤٥٩/٦). (١) قوت القلوب (٦٢/٢) إلى قوله: ( كأيام التشريق)، وأبو مروان القاضي وثقه أبو حاتم كما في ((الجرح والتعديل)) (٢٥/٨). (٢) قوت القلوب ( ٢/ ٦٢ ) . (٣) قوت القلوب (٦٢/٢)، وابن سالم هو شيخ صاحب ((القوت)). ٤١٥ كتاب السماع والوجد ربع العادات ولا أراها تزدادُ إلا قلّةً: حسنُ الوجهِ معَ الصيانةِ ، وحسنُ القولِ معَ الديانةِ، وحسنُ الإخاءِ معَ الوفاءِ)(١). ورأيتُ في بعضِ الكتبِ هذا محكياً بعينهِ عنِ الحارثِ المحاسبي(٢)، وفيه ما يدلُّ على تجويزِهِ السماعَ معَ زهدِهِ وتصاونِهِ وجدِّهِ في الدينِ وتشميرِهِ . قالَ : ( وكانَ ابنُ مجاهدٍ لا يجيبُ دعوةً إلا أنْ يكونَ فيها سماعٌ)(٣). وحكى بعضُهُمْ أنَّهُ قالَ : اجتمعْنا في دعوةٍ ومعَنا أبو القاسمِ ابنُ بنتِ منيعٍ وأبو بكرِ بنُ أبي داوودَ وابنُ مجاهدٍ في نظرائِهِمْ ، فحضرَ سماعٌ ، فجعلَ ابنُ مجاهدٍ يحرِّضُ ابنَ بنتِ منيعٍ على ابنِ أبي داوودَ في أنْ يسمعَ ، فقالَ ابنُ أبي داوودَ : حدَّثَني أبي عنْ أحمدَ ابنِ حنبلِ أنَّهُ كرهَ السماعَ ، وكانَ أبي يكرهُهُ ، وأنا على مذهبٍ أبي ، فقالَ أبو القاسم ابنُ بنتِ منيع : أمَّا جدِّي أحمدُ بنُ منيعٍ .. فحدَّثَنَي عنْ صالحِ بنِ أحمدَ : أَنَّ أباهُ كانَ يسمعُ قولَ ابنِ الخبّازةِ ، فقالَ ابنُ مجاهدٍ لابنِ أبي داوودَ : دعني أنتَ منْ أبيكَ ، وقالَ لابنِ بنتِ منيعٍ : دعني أنتَ مِنْ جدِّكَ ، أيشٍ تقولُ يا أبا بكرٍ فِيمَنْ أنشدَ بيتَ شعرٍ ، أهوَ حرامٌ ؟ فقالَ ابنُ أبي داوودَ : لا ، قالَ : فإنْ كانَ حسنَ الصوتِ .. حرُّمَ عليهِ إنشادُهُ؟ قالَ: لا، قالَ: فإنْ أنشدَهُ وطوَّلَهُ ، وقصَّرَ ن ' (١) قوت القلوب (٢/ ٦٢). (٢) رواه عنه القشيري في ((الرسالة)) (ص ٤١١، ٥٤٨). (٣) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٥٤/٥). ٤١٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد منهُ الممدودَ، ومدَّ منهُ المقصورَ .. أيحرمُ عليهِ؟ قالَ : أنا لمْ أقوَ لشيطانٍ واحدٍ ، فكيفَ أقوى الشيطانينِ ؟!(١). قالَ : ( وكانَ أبو الخيرِ العسقلانيُّ الأسودُ مِنَ الأولياءِ يسمعُ ويولَّهُ عندَ السماع ، وصنَّفَ فيهِ كتاباً ردَّ فيهِ على منكريهِ ، وكذلكَ جماعةٌ منهُمْ صنَّفوا في الردِّ على منكريهِ)(٢) . وحكي عنْ بعضِ الشيوخ أنَّهُ قالَ : رأيتُ أبا العباسِ الخضرَ عليهِ السلامُ ، فقلتُ لهُ : ما تقولُ في هذا السماع الذي اختلفَ فيهِ أصحابُنا ؟ فقالَ : هوَ الصافي الزلالُ الذي لا يثبتُ عليهِ إلا أقدامُ العلماءِ (٣). حة وحُكِيَ عنْ مِمْشاذَ الدينوريُّ: أنَّهُ قالَ: رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في النوم ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ تنكرُ مِنْ هذا السماع شيئاً ؟ فقالَ : ما أنكرُ منهُ شيئاً، ولكنْ قُلْ لهُمْ يفتتحونَ قبلَهُ بالقرآنِ ويختمونَ بعدَهُ بالقرآنِ (٤) . وحُكِيَ عنْ طاهرِ بنِ بلالِ الهمدانيِّ الورَّاقِ وكانَ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّهُ قالَ : (١) القصة بهذا السياق عند صاحب ((القوت)) كما نقلها الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٤٦٨/٦)، وسماع أحمد لغناء ابن الخبازة رواه الحافظ ابن القيسراني في ((السماع)) ( ص٤٦ ) عن صالح بن أحمد ابن حنبل . (٢) نسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((القوت)). ((الإتحاف)) (٤٦٨/٦). (٣) قوت القلوب (٢/ ٦٢). (٤) كذا في ((القوت)) كما ذكر ذلك الحافظ الزبيدي، وقال : ( هكذا أورده صاحب ((القوت)) وصاحب ((الإمتاع)). ((إتحاف)) (٤٦٨/٦). ٤١٧ كتاب السماع والوجد حر ربع العادات تــ كنتُ معتكفاً في جامع جُدَّةَ على البحرِ ، فرأيتُ يوماً طائفةً يقولونَ في جانبٍ منهُ قولاً ويسمعونَ ، فأنكرتُ ذلكَ بقلبي ، وقلتُ : في بيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ تعالى يقولونَ الشعرَ؟! قالَ: فرأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تلكَ الليلةَ وهوَ جالسٌ في تلكَ الناحيةِ ، وإلى جنبِهِ أبو بكرِ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ ، وإذا أبو بكرٍ يقولُ شيئاً مِنَ القولِ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يستمعُ إليهِ ويضعُ يدَهُ على صدرِهِ كالواجدِ بذلكَ ، فقلتُ في نفسي : ما كانَ ينبغي لي أنْ أنكرَ على أولئكَ الذينَ كانوا يسمعونَ وهذا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسمعُ وأبو بكرٍ يقولُ، فالتفتَ إليَّ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : هذا حقٌّ بحقِّ، أَوْ قالَ : حقٌّ مِنْ حقِّ ، أنا أشكُّ فيهِ (١) . حالى- مالى .١ وقالَ الجنيدُ : ( تنزلُ الرحمةُ على هذهِ الطائفةِ في ثلاثةِ مواضعَ : عندَ الأكلِ ؛ لأنَّهُمْ لا يأكلونَ إلا عنْ فاقةٍ ، وعندَ المذاكرةِ ؛ لأنَّهُمْ لا يتحاورونَ إلا في مقاماتِ الصديقينَ ، وعندَ السماع ؛ لأنَّهُمْ يسمعونَ بوجْدٍ ويشهدونَ حقاً )(٢) . وعنِ ابنِ جريجِ أنَّهُ كانَ يرخِّصُ في السماع ، فقيلَ لهُ : أيُؤتى بهِ يومَ القيامةِ في جملةِ حسناتِكَ أَوْ سيئاتِكَ ؟ فقالَ : لا في الحسناتِ ولا في السيئاتِ؛ لأنَّهُ شبيهٌ باللغوِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِيَّ أَيْمَيْكُمْ﴾ . (١) كذا في ((القوت)) كما ذكر ذلك الحافظ الزبيدي. ((إتحاف)) (٤٦٩/٦). (٢) الرسالة القشيرية (ص٥٤٨). ٤١٨ ربع العادات كتاب السماع والوجد هذا ما نُقُلَ مِنَ الأقاويلِ ، ومَنْ طلبَ الحقَّ مِنْ التقليدِ ؛ فمهما استقصى .. تعارضَتْ عندَهُ هذهِ الأقاويلُ، فيبقى متحيِّراً أوْ مائلاً إلى بعضٍ الأقاويلِ بالتشهِّي ، وكلُّ ذلكَ قصورٌ ، بلْ ينبغي أنْ يُطلبَ الحقُّ بطريقِهِ ، وذلكَ بالبحثِ عنْ مداركِ الحظرِ والإباحةِ كما سنذكرُهُ . ٤١٩ كتاب السماع والوجد ربع العادات بيان الداسيل على إباحة الستسماع اعلمْ : أنَّ قولَ القائلِ : ( السماعُ حرامٌ) معناهُ : أنَّ اللهَ تعالى يعاقبُ عليهِ ، وهذا أمرٌ لا يُعرفُ بمجرَّدِ العقلِ ، بلْ بالسمع ، ومعرفةُ الشرعيَّاتِ محصورةٌ في النصِّ ، أوِ القياسِ على المنصوصِ ، وأعني بالنصِّ : ما أظهرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ أوْ فعلِهِ ، وبالقياسِ : المعنى المفهومَ مِنْ ألفاظِهِ وأفعالِهِ ، فإنْ لمْ يكنْ فيهِ نصٌّ ، ولمْ يستقمْ فيهِ قياسٌ على منصوصٍ : بطلَ القولُ بتحريمِهِ ، وبقيَ فعلاً لا حرجَ فيهِ كسائرِ المباحاتِ . ولا يدلُّ على تحريمِ السماع نصٌّ ولا قياسٌ ، ويتضحُ ذلكَ في جوابِنا عنْ أدلَّةِ المائلينَ إلى التحريمِ ، ومهما تمَّ الجوابُ عنْ أدلَّتِهِمْ .. كانَ ذلكَ مسلكاً كافياً في إثباتِ هذا الغرضِ ، لكنْ نستفتحُ ونقولُ : قدْ دلَّ القياسُ والنصُّ جمیعاً على إباحتِهِ : أمَّا القياسُ : فهوَ أنَّ الغناءَ اجتمعَ فيهِ معانٍ ينبغي أنْ يُبحثَ عنْ أفرادِها ، ثمَّ عنْ مجموعِها ، فإنَّ فيهِ سماعَ صوتٍ طيِّبٍ ، موزونٍ ، مفهوم المعنى ، محرِّكٍ للقلبِ . فالوصفُ الأعمُّ أنَّهُ صوتٌ طيِّبٌ، ثمَّ الطيِّبُ ينقسمُ إلى الموزونِ وغيرِهِ ، والموزونُ ينقسمُ إلى المفهومِ كالأشعارِ ، وإلى غيرِ المفهومِ كأصواتِ الجماداتِ وسائرِ الحيواناتِ . ٤٢٠