النص المفهرس

صفحات 341-360

ربع العادات
كتاب آداب السفر
وقدْ سألَ سليمانُ عليهِ السلامُ ربَّهُ عزَّ وجلَّ أنَّ مَنْ قصدَ هذا المسجدَ
لا يعنيهِ إلا الصلاةُ فيهِ ألا تصرفَ نظرَكَ عنهُ ما دامَ مقيماً فيهِ حتَّى يخرَج منهُ ،
وأنْ تخرجَهُ مِنْ ذنوبِهِ كيومَ ولدتُهُ أمُّهُ، فأعطاهُ اللهُ ذلكَ(١).
القسمُ الثالثُ : أنْ يكونَ السفرُ للهربِ مِنْ سببٍ مشوِّشٍ للدينِ :
وذلكَ أيضاً حسنٌ ، فالفرارُ ممَّا لا يُطاقُ مِنْ سننِ الأنبياءِ والمرسلينَ .
وممَّا يجبُ الهربُ منهُ : الولايةُ، والجاهُ ، وكثرةُ العلائقِ والأسبابِ ؛
فإنَّ كلَّ ذلكَ يشوِّشُ فراغَ القلبِ ، والدينُ لا يتمُّ إلا بقلبٍ فارغٍ عنْ
غيرِ اللهِ ، فإنْ لمْ يتمَّ فراغُهُ .. فبقدْرِ فراغِهِ يُتصوَّرُ أنْ يشتغلَ بالدينِ ،
ولا يُتصوَّرُ فراغُ القلبِ في الدنيا عنْ مهمَّاتِ الدنيا والحاجاتِ الضروريةِ ،
ولكنْ يُصوَّرُ تخفيفُها وتثقيلُها، وقدْ نجا المخقُّونَ وهلكَ المثقلونَ (٢)،
والحمدُ للهِ الذي لمْ يعلَّقِ النجاةَ بالفراغِ المطلقِ عنْ جميع الأوزارِ والأعباءِ ،
بلْ قَبِلَ المخفَّ بفضلِهِ ، وشمَلَهُ بسعةِ رحمتِهِ .
بيــ
والمخفُّ : هوَ الذي ليستِ الدنيا أكبرَ همِّهِ ، وذلكَ لا يتيسَّرُ في الوطنِ
لمَنِ اتسعَ جاهُهُ ، وكثرَتْ علائقُهُ، فلا يتمُّ مقصودُهُ إلا بالغربةِ والخمولِ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٥/٢)، ونحوه عند النسائي (٣٤/٢).
(٢) فقد روى الحاكم في (( المستدرك)) (٥٧٣/٤) من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: ((إن
أمامكم عقبة كؤوداً ، لا يجوزها المثقلون، فأحب أن أتخفف لتلك العقبة)).
٣٤١

كتاب آداب السفر
ربع العادات
.5
CG
G
وقطع العلائقِ التي لهُ بدٌّ عنها ؛ حتَّى يروِّضَ نفسَهُ مدَّةً مديدةً ، ثمَّ ربَّما
يمدُّهُ اللهُ بمعونتِهِ ، فينعمُ عليهِ بما يقوىُ بهِ يقينُهُ ، ويطمئنُّ بهِ قلبُهُ ، فيستوي
عندَهُ الحضرُ والسفرُ ، ويتقاربُ عندَهُ وجودُ الأسبابِ والعلائقِ وعدمُها ، فلا
يصدُّهُ شيءٌ منها عمَّا هوَ بصددِهِ مِنْ ذكرِ اللهِ ، وذلكَ ممَّا يعزُّ وجودُهُ جدّاً ،
بلِ الغالبُ على القلوبِ الضعفُ ، والقصورُ عنِ الاتساع للخلْقِ والخالقِ ،
وإنَّما يسعدُ بهذهِ القوَّةِ الأنبياءُ والأولياءُ ، والوصولُ إليها بالكسبِ شديدٌ
وإنْ كانَ للاجتهادِ والكسبِ فيها مدخلٌ أيضاً .
ومثالُ تفاوتِ القوَّةِ الباطنةِ فيهِ كتفاوتِ القوَّةِ الظاهرةِ في الأعضاءِ ، فربَ
رجلٍ قويٍّ ذي مِرَّةٍ ، سويٍّ شديدِ الأعصابِ محكم البنيةِ ، يستقلُّ بحملٍ
ما وزنُهُ ألفُ رطلٍ مثلاً ، فلوْ أرادَ الضعيفُ المريضُ أنْ ينالَ رتبتَهُ بممارسةٍ
الحملِ والتدريجِ فيهِ قليلاً قليلاً .. لمْ يقدرْ عليهِ، ولكنَّ الممارسةَ والجَهْدَ
يزيدُ في قوَّتِهِ زيادةً ما ، وإنْ كانَ ذلكَ لا يبلِّغُهُ درجتَهُ ، فلا ينبغي أنْ يتركَ
الجهدَ عندَ اليأسِ عنِ الرتبةِ العليا ؛ فإنَّ ذلكَ غايةُ الجهلِ ونهايةُ الضلالِ .
C
وقدْ كانَ مِنْ عادةِ السلفِ رضيَ اللهُ عنهُمْ مفارقةُ الوطنِ خيفةً مِنَ الفتنِ ،
قالَ سفيانُ الثوريُّ : ( هذا زمانُ سوءٍ ، لا يؤمنُ فيهِ على الخاملِ ، فكيفَ
على المشهورينَ ؟! هذا زمانُ رجلٍ ينتقلُ مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ ، كلَّما عُرِفَ في
موضعٍ .. تحوَّلَ إلى غيرِهِ)(١) .
(١) قوت القلوب (٢٠٥/٢).
؟
ـحن
٣٤٢

أ
ربع العادات
کتاب آداب السفر
وقالَ أبو نعيمٍ : رأيتُ سفيان الثوريَّ وقدْ علَّقَ قلَّتَهُ بيدِهِ ، ووضعَ جرابَهُ
على ظهرِهِ ، فقلتُ : إلى أينَ يا أبا عبدِ اللهِ ؟ قالَ : بلغَني عنْ قريةٍ فيها
رخْصٌ، أريدُ أنْ أقيمَ بها ، فقلتُ لهُ: وتفعلُ هذا؟ قالَ : نعمْ، إذا بلغَكَ
أنَّ قريةً فيها رخصٌ .. فأقمْ بها ؛ فإنَّهُ أسلمُ لدينِكَ وأقلُّ لهمِّكَ(١) . وهذا
هربٌ مِنْ غلاءِ السعرِ .
وكانَ سريّ السقطيُّ يقولُ للصوفيَّةِ : ( إذا خرجَ الشتاءُ .. فقدْ خرجَ
آذارُ، وأورقَتِ الأشجارُ، وطابَ الانتشارُ؛ فانتشروا)(٢).
وقدْ كانَ الخوَّاصُ لا يقيمُ في بلدٍ أكثرَ مِنْ أربعينَ يوماً ، وكانَ مِنَ
المتوكلينَ ، ويرى الإقامةَ اعتماداً على الأسبابِ قادحاً في التوكُّل(٣)،
وسيأتي أسرارُ الاعتمادِ على الأسبابِ في كتابِ التوكُّلِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
القسمُ الرابعُ : السفرُ هرباً ممَّا يقدحُ في البدنِ ؛ كالطاعونِ ، أَوْ في المالِ ؛
كغلاءِ السعرِ وما يجري مجراهُ :
ولا حرجَ في ذلكَ، بلْ ربَّما يجبُ الفرارُ في بعضِ المواضع ، وربَّما
يُستحبُّ في بعضٍ ؛ بحسَبٍ وجوبِ ما يترتّبُ عليهِ مِنَ الفوائِدِ واستحبابِهِ .
(١) قوت القلوب (١٢٣/٢)، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين.
(٢) قوت القلوب (٢٠٥/٢) .
(٣) قوت القلوب (٢٠٧/٢).
٣٤٣

کتاب آداب السفر
20
ربع العادات
Dg.
ولكنْ يُستثنى منهُ الطاعونُ ، فلا ينبغي أنْ يفرَّ منهُ ؛ لورودِ النهىٍ فيهِ ،
قالَ أسامةُ بنُ زيدٍ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ هذا الوجعَ
أوِ السقمَ رجزٌ عُذِّبَ بهِ بعضُ الأمم قبلَكُمْ، ثمَّ بقيَ بعدُ في الأرضِ ،
فيذهبُ المرّةَ ويأتي الأخرى ، فمَنْ سمعَ بهِ في أرضٍ .. فلا يقدمَنَّ عليهِ ،
ومَنْ وقعَ بأرضٍ وهوَ بها .. فلا يخرجَنَّهُ الفرارُ منهُ)) (١) .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ فناءَ أمَّتي بالطعنِ والطاعونِ))، فقلتُ: هذا الطعنُ قدْ عرفناهُ، فما
الطاعونُ؟ قالَ: ((غدَّةٌ كغذَّةِ البعيرِ تأخذُهُمْ في مراقِهِمْ ، المسلمُ الميتُ منهُ
شهيدٌ، والمقيمُ عليهِ المحتسِبُ كالمرابطِ في سبيلِ اللهِ ، والفارُّ منهُ كالفارِّ
مِنَ الزحفِ)»(٢).
وعنْ مكحولٍ عنْ أمّ أيمنَ قالَتْ : أوصى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
بعضَ أهلِهِ : (( لا تشرك باللهِ شيئاً وإنْ عُذِّبْتَ أوْ حُرِّقتَ ، وأطعْ والديكَ ،
وإنْ أمراكَ أنْ تخرِجَ مِنْ كلِّ شيءٍ هوَ لكَ .. فاخرجْ منهُ ، ولا تتركِ الصلاةَ
عمداً ؛ فإنَّهُ مَنْ تركَ الصلاةَ عمداً .. فقدْ برئَتْ منهُ ذمَّةُ اللهِ، وإِيَّاكَ
والخمرَ ؛ فإنَّها مفتاحُ كلِّ شرٍّ، وإيّاكَ والمعصيةَ ؛ فإنَّها تسخطُ اللهَ ،
ولا تفرَّ مِنَ الزحفِ ، وإنْ أصابَ الناسَ مُؤْتَانٌ وأنتَ فيهِمْ . . فاثبتْ فيهِمْ ،
ـحن
حن
(١) رواه البخاري (٣٤٧٣)، ومسلم (٢٢١٨) واللفظ له .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٤٥/٦).
٣٤٤

ربع العادات
کتاب آداب السفر
أنفقْ مِنْ طَولِكَ على أهلِ بيتِكَ، ولا ترفعْ عصاكَ عنهُمْ، أخِفْهُمْ في اللهِ))(١).
-ئن.
ـدن
فهذهِ الأحاديثُ تدلُّ على أنَّ الفرارَ مِنَ الطاعونِ منهيٌّ عنهُ ، وكذا
القدومُ عليهِ ، وسيأتي سِرُّ ذلك في كتابِ التوكُّلِ .
فهذهِ أقسامُ الأسفارِ ، وقدْ خرجَ منهُ أنَّ السفرَ ينقسمُ : إلى مذمومٍ ،
وإلى محمودٍ ، وإلى مباحٍ ، والمذمومُ ينقسمُ : إلى حرامِ ؛ كإِباقِ العبدِ
وسفرِ العاقُّ ، وإلى مكروهٍ ؛ كالخروجِ مِنْ بلدِ الطاعونِ ، والمحمودُ
ينقسمُ : إلى واجبٍ ؛ كالحجِّ وطلبِ العلمِ الذي هوَ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ،
وإلى مندوبٍ إليه ؛ كزيارةِ العلماءِ وزيارةِ مشاهدِهِمْ .
ومِنْ هذهِ الأسبابِ تتبيَّنُ النِيَّةُ في السفرِ ، فإنَّ معنى النيّةِ الانبعاثُ
للسببِ الباعثِ والانتهاضُ لإجابةِ الداعيةِ ، ولتكنْ نِيَّتُهُ الآخرةَ في جميع
أسفارِهِ ، وذلكَ ظاهرٌ في الواجبِ والمندوبِ ، ومحالٌ في المكروهِ
والمحظورِ ، وأمَّا المباحُ .. فمرجعُهُ إلى النيةِ، فمهما كانَ قصدُهُ بطلب
المالِ مثلاً التعقُّفَ عنِ السؤالِ ، ورعايةَ سترِ المروءةِ على الأهلِ والعيالِ ،
والتصدُّقَ بما فضلَ مِنَ المالِ عنْ مبلغ الحاجاتِ .. صارَ هذا المباحُ بهذهِ
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٠٤/٧)، وحكى إرساله بين مكحول وأم أيمن
رضي الله عنها ، ثم قال : ( قال أبو عبيد : قال الكسائي وغيره : يقال إنه لم يرد العصا
التي يضرب بها ، ولا أمر أحداً بذلك ، ولكنه أراد الأدب ) ، والموتان - بوزان
بطلان - : الموت الكثير الذريع .
٣٤٥
ـت
حں
حن
بحن

کتاب آداب السفر
(٤جم
ربع العادات
النيّةِ مِنْ أعمالِ الآخرةِ ، ولوْ خرجَ إلى الحجِّ وباعتُهُ الرياءُ والسمعةُ .. لخرجَ
عنْ كونِهِ مِنْ أعمالِ الآخرةِ، فقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الأعمالُ
بالنيّاتِ)) (١) عامٌّ في الواجباتِ والمباحاتِ دونَ المحظوراتِ ؛ فإنَّ النبيَّةَ
لا تؤثِّرُ في إخراجِها عَنْ كونِها محظورةٌ .
وقدْ قالَ بعضُ السلفِ : ( إنَّ اللهَ تعالى قدْ وَّلَ بالمسافرينَ ملائكةٌ
ينظرونَ إلى مقاصدِهِمْ، فيُعطي كلَّ واحدٍ على نحوٍ نَّهِ ، فمَنْ كانَتْ نِيَُّ
الدنيا .. أُعطيَ منها ونقصَ مِنْ آخرِهِ أضعافُهُ، وفُرِّقَ عليهِ هُّهُ ، وكثرَ
بالحرصِ والرغبةِ شغلُهُ، ومَنْ كانَتْ نِيَتُهُ الآخرةَ .. أُعطي مِنَ البصيرةِ
والفطنةِ، وفُتِحَ لهُ مِنَ التذكرةِ والعبرةِ بقدْرِ نِيَتِهِ ، وجُمِعَ لهُ هُّهُ، ودعَتْ لهُ
الملائكةُ واستغفرَتْ لهُ)(٢).
وأمَّا النظرُ في أنَّ السفرَ هوَ الأفضلُ أوِ الإقامةَ .. فذلكَ يضاهي النظرَ في
أنَّ الأفضلَ هوَ العزلةُ أوِ المخالطةُ ، وقدْ ذكرنا منهاجَهُ في كتابِ العزلةِ ،
فليفهمْ هذا منهُ ؛ فإنَّ السفرَ نوعُ مخالطةٍ معَ زيادةٍ تعبٍ ومشقةٍ تفرِّقُ الهمَّ
وتشتّتُ القلبَ في حقِّ الأكثرينَ ، والأفضلُ في هذا ما هوَ الأعونُ على
الدينِ .
ونهايةُ ثمرةِ الدينِ في الدنيا تحصيلُ معرفةِ اللهِ تعالى ، وتحصيلُ الأنسِ
بذكرِ اللهِ تعالى، والأنسُ يحصلُ بدوام الذكرِ، والمعرفةُ تحصلُ بدوامِ الفكرِ ،
ـآن
(١) رواه بهذا اللفظ ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٨٨)، وقد تقدم.
(٢) قوت القلوب (٢/ ٢٠٤).
٣٤٦

ربع العادات
كتاب آداب السفر
ومَنْ لمْ يتعلَّمْ طريقَ الفكرِ والذكرِ .. لمْ يتمكَّنَّ منهما، والسفرُ هوَ المعينُ على
التعلُّم في الابتداءِ، والإقامةُ هيَ المعينةُ على العملِ بالعلمِ في الانتهاءِ.
وأمَّا السياحةُ في الأرضِ على الدوام .. فمِنَ المشوشاتِ للقلبِ إلا في
حقِّ الأقوياءِ؛ فإنَّ المسافرَ ومالَهُ لعلى قَلَتِ إلا ما وقى اللهُ(١)، فلا يزالُ
المسافرُ مشغولَ القلبِ ، تارةً بالخوفِ على نفسِهِ ومالِهِ ، وتارةً بمفارقةٍ
ما ألفَهُ واعتادَهُ في إقامتِهِ ، وإنْ لمْ يكنْ معَهُ مالٌ يخافُ عليهِ .. فلا يخلو عنِ
الطمع والاستشرافِ إلى الخلْقِ ، فتارةً يضعفُ قلبُهُ بسببِ الفقرِ ، وتارةً
يقوى باستحكام أسبابِ الطمعِ .
ثمّ شغلُ الحطُّ والترحالِ مشوَّشٌ لجميع الأحوالِ ، فلا ينبغي أنْ يسافرَ
المريدُ إلا في طلبٍ علمٍ ، أَوْ مشاهدةٍ شيخٍ يُقتدى بهِ في سيرتِهِ وتُستفادُ
الرغبةُ في الخيرِ مِنْ مشاهدتِهِ ، فإنِ اشتغلَ بنفسِهِ واستبصرَ ، وانفتحَ لهُ طريقُ
الفكرِ أوِ العملِ .. فالسكونُ أولىُ بهِ ، إلا أنَّ أكثرَ متصوِّفةِ هذهِ الأعصارِ لمَّا
خَلَتْ بواطنُهُمْ مِنْ لطائفِ الأفكارِ ودقائقِ الأعمالِ ، ولمْ يحصلْ لَهُمْ أنسٌ
باللهِ تعالى وبذكرِهِ في الخلوةِ ، وكانوا بطَّالِينَ غيرَ محترفينَ ولا مشغولينَ ،
قدْ ألفوا البطالةَ واستثقلوا العملَ ، واستوعروا طريقَ الكسبِ ، واستلانوا
جانبَ السؤالِ والكديةِ(٢)، واستطابوا الرباطاتِ المبنيَّةَ لهُمْ في البلادِ،
(١) القَلَت: الهلاك، يقال: أصبح على قَلَت ؛ أي: على شرف هلاك.
(٢) الكدية : الاستجداء من الناس ، والإلحاح في المسألة.
٣٤٧

كتاب آداب الىقر
ربع العادات
واستسخروا الخدمَ المنتصبينَ للقيامِ بخدمةِ القوم ، واستخفُّوا عقولَهُمْ
وأديانَهُمْ ؛ مِنْ حيثُ لمْ يكنْ قصدُهُمْ مِنَ الخدمةِ إلا الرياءَ والسمعةَ وانتشارَ
الصيتِ ، واقتناصَ الأموالِ بطريقِ السؤالِ ؛ تعلُّلاً بكثرةِ الأتباعِ ، فلمْ يكنْ
لهُمْ في الخانَقَاهاتِ حكمٌ نافذٌ ، ولا تأديبٌّ للمسافرينَ نافعٌ ، ولا حجرٌ
عليهِمْ قاهرٌ، فلبسوا المرقَّعاتِ ، واتخذوا مِنَ الخانقاهاتِ متنزَّهاتٍ ،
وربما تلقَّنُوا ألفاظاً مزخرفةً مِنْ أهلِ الطاماتِ ، فينظرونَ إلى أنفسِهِمْ وقدْ
تشبَّهوا بالقومِ في خرقتِهِمْ ، وفي سياحتِهِمْ ، وفي لفظِهِمْ وعبارتِهِمْ ، وفي
آدابٍ ظاهرةٍ مِنْ سيرتِهِمْ، فيظنُّونَ بأنفسِهِمْ خيراً ، ويحسبونَ أنَّهُمْ يحسنونَ
صنعاً، ويعتقدونَ أنَّ كلَّ سوداءَ تمرةٌ ، ويتوهَّمونَ أنَّ المشاركةَ في الظواهرِ
توجبُ المساهمةَ في الحقائقِ .
وهيهاتَ! فما أغزرَ حماقةَ مَنْ لا يميِّرُ بينَ الشحْمِ والورَمِ ! فهؤلاءِ
بغضاءُ اللهِ ؛ فإنَّ الله تعالى يبغضُ الشابَّ الفارغَ ، ولمْ يحملْهُمْ على السياحةِ
إلا الشبابُ والفراغُ ، إلا مَنْ سافرَ لحجٍّ أوْ عمرةٍ في غيرِ رياءٍ ولا سمعةٍ ، أَوْ
سافرَ لمشاهدةِ شيخ يُقتدى به في علمِهِ وسيرتِهِ ، وقدْ خلتِ البلادُ عنهُ الآنَ .
والأمورُ الدينيّةُ كلُّها قدْ فسدَتْ وضعفَتْ إلا التصوُّفَ ، فإِنَّهُ قِدِ انمحقَ
بالكليّةِ وبطلَ ؛ لأَنَّ العلومَ لمْ تندرسْ بعدُ، والعالمُ وإنْ كانَ عالمَ سوءٍ
فإنَّما فسادُهُ في سيرتِهِ لا في علمِهِ ، فيبقى عالماً غيرَ عاملٍ بعلمِهِ ، والعملُ
غيرُ العلمِ .
حن
٢٠٠
وأمَّا التصوُّفُ .. فإنَّهُ عبارةٌ عنْ تجُّدِ القلبِ اللهِ تعالى، واستحقار
٣٤٨

يت
ربع العادات
كتاب آداب السفر
ما سوى اللهِ ، وحاصلُهُ يرجعُ إلى عملِ القلبِ والجوارحِ ، ومهما فسدَ
العملُ .. فاتَ الأصلُ .
وفي أسفارِ هؤلاءِ نظرٌ للفقهاءِ؛ مِنْ حيثُ إنَّهُ إتعابُ نفسٍ بلا فائدةٍ ،
وقدْ يُقالُ: إنَّ ذلكَ ممنوعٌ(١) ، ولكنَّ الصوابَ عندنا أنْ نحكمَ بالإباحةِ ،
فإنَّ حظوظَهُمُ التفرُّجُ عنْ كِرْبِ البطالةِ بمشاهدةِ البلادِ المختلفةِ(٢)، وهذهِ
الحظوظُ وإنْ كانَت خسيسةٌ فنفوسُ المتحرِّكينَ لهذهِ الحظوظِ أيضاً
خسيسةٌ ، ولا بأسَ بإتعابِ حيوانٍ خسيسٍ لحظّ خسيسٍ يليقُ بهِ ويعودُ إليهِ ،
فهوَ المتأذِّي وهوَ المتلذِّذُ .
من
ـيم
والفتوى تقتضي تشتيتَ العوامٌّ في المباحاتِ التي لا نفعَ فيها ولا ضررَ ،
فالسائحونَ مِنْ غيرِ مهمٍّ في الدينِ والدنيا ، بلْ لمحضٍ التفرُّج في البلادِ ؛
كالبهائمِ المتردِّدةِ في الصحارى ، فلا بأسَ بسياحتِهِمْ ما كفّوا عنِ الناسِ
شرَّهُمْ، ولمْ يلبسوا على الخلقِ حالَهُمْ، وإنَّما عصيانُهُمْ في التلبيسِ
والسؤالِ على اسمِ التصوُّفِ ، والأكلِ مِنَ الأوقافِ التي وُقَفَت على
الصوفيّةِ ؛ لأنَّ الصوفيَّ عبارةٌ عنْ رجلٍ صالحِ عدْلٍ في دينِهِ ، معَ صفاتٍ
(١) وسند المنع أنا لا نسلم أنه إتعاب نفس ، فأقل ما يقال فيه : إن تلك الحركة لا تخلو عن
مشقة، وهي لا تقصر عن رياضة للبدن، وهذه فائدة في الجملة. ((إتحاف))
(٣٩٥/٦ ) .
(٢) فإن البطالة ثقل معنوي، لا يخففها إلا التنقل من أرض إلى أرض. ((إتحاف))
(٣٩٥/٦) .
٣٤٩

کتاب آداب السفر
ربع العادات
أخرى وراءَ الصلاح ، ومِنْ أقلِّ أحوالِ هؤلاءِ أكلُهُمْ أموالَ السلاطينِ ، وأكلُ
الحرامِ مِنَ الكبائرِ ، فلا تبقى معَهُ العدالةُ والصلاحُ .
ولوْ تُصُوِّرَ صوفيٍّ فاسقٌ .. لتُصُوِّرَ صوفيٍّ كافرٌ، وفقيةٌ يهوديٌّ ، وكما
أنَّ الفقيهَ عبارةٌ عنْ مسلمٍ مخصوصٍ .. فالصوفيُّ عبارةٌ عنْ عدْلٍ مخصوص
لا يقتصرُ في دينِهِ على القدْرِ الذي تحصلُ بهِ العدالةُ ، وكذلكَ مَنْ نظرَ إلى
ظواهرِهِمْ ولمْ يعرفْ بواطنَهُمْ وأعطاهُمْ مِنْ مالِهِ على سبيلِ التقرُّبِ إلى اللهِ
تعالى .. حرمَ عليهِمُ الأخذُ، وكانَ ما أكلوهُ سحتاً ، وأعني بهِ : إِذا كانَ
المعطي بحيثُ لو عرفَ بواطنَ أحوالِهِمْ .. ما أعطاهُمْ .
وأخذُ المالِ بإظهارِ التصوُّفِ مِنْ غيرِ اتصافٍ بحقيقتِهِ کأخذِهِ بإظهار نسبٍ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على سبيلِ الدعوى، ومَنْ زعمَ أنَّهُ علويٌّ(١)
وهوَ كاذبٌ، وأعطاهُ مسلمٌ مالاً لحبِّهِ أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، ولوْ علمَ أنَّهُ كاذبٌ .. لمْ يعطِهِ شيئاً ؛ فأخذُهُ عليهِ حرامٌ ، وكذلكَ
الصوفيُّ .
ولهذا احترزَ المحتاطونَ عنِ الأكلِ بالدينِ ؛ فإنَّ المبالغَ في الاحتياطِ
لدينِهِ لا ينفكُّ في باطنِهِ عنْ عوراتٍ لوِ انكشفَتْ للراغبِ في مواساتِهِ ..
لفترَتْ رغبتُهُ عنِ المواساةِ ، فلا جرمَ كانوا لا يشترونَ شيئاً بأنفسِهِمْ مخافةً
ـحر
(١) أي: من أولاد علي - كرم الله وجهه - بواسطة أحد أولاده الخمسة؛ الحسن والحسين
ومحمد والعباس وعمر. ((إتحاف)) (٣٩٦/٦).
شن
٣٥٠

ربع العادات
كتاب آداب السفر
أنْ يُسامحوا لأجلِ دينِهِمْ ، فيكونوا آكلينَ بالدينِ ، وكانوا يوكلونَ مَنْ يشتري
لهُمْ ، ويشترطونَ على الوكيلِ ألا يظهرَ أنَّهُ لمَنْ يشتري .
نعمْ، إنَّما يحلُّ أخذُ ما يُعطى لأجلِ الدينِ إذا كانَ الآخذُ بحيثُ لوْ علمَ
المعطي مِنْ باطنِهِ ما يعلمُهُ اللهُ تعالى .. لمْ يقتضِ ذلكَ فتوراً في رأيهِ فيهِ ،
والعاقلُ المنصفُ يعلمُ مِنْ نفسِهِ أنَّ ذلكَ ممتنعٌ أَوْ عزيزٌ ، والمغرورُ الجاهلُ
بنفسِهِ أحرى بأنْ يكونَ جاهلاً بأمرٍ دينِهِ ، فإنَّ أقربَ الأشياءِ إلى قالبهِ قلبُهُ ،
فإذا التبسَ على قالبهِ أمرُ قلبِهِ .. فكيفَ ينكشفُ لهُ غيرُهُ؟! ومَنْ عرفَ هذهِ
الحقيقةَ .. لزمَهُ - لا محالةَ - ألا يأكلَ إلا مِنْ كسبهِ؛ ليأمنَ مِنْ هُذِهِ الغائلةِ ،
أوْ لا يأكلَ إلا مِنْ مالِ مَنْ يعلمُ قطعاً أنَّهُ لوِ انكشفَ لهُ عوراتُ باطِنِهِ .. لمْ
يمنعْهُ ذلكَ عنْ مواساتِهِ .
فإنِ اضطرَّ طالبُ الحلالِ ومريدُ طريقِ الآخرةِ إلى أخذِ مالِ غيرِهِ ..
فليصرُّحْ لهُ وليقلْ: ( إنَّكَ إنْ كنتَ تعطيني لما تعتقدُهُ فيَّ مِنَ الدين ..
فلستُ مستحقّاً لذلكَ، ولوْ كشفَ اللهُ تعالى ستري .. لمْ ترني بعينٍ
التوقيرِ ، بلِ اعتقدتَ أَنِّي شؤُّ الخلقِ أوْ مِنْ شرارِهِمْ) ، فإن أعطاهُ معَ
ذلكَ .. فليأخذْ ؛ فإنَّهُ ربَّما يرضى منهُ هذهِ الخصلةَ ، وهوَ اعترافُهُ على
نفسِهِ بركاكةِ الدينِ ، وعدمٍ استحقاقِهِ لما يأخذُهُ(١).
٢٠٠٠
٢٦٫٩٠
ولكنْ ههنا مكيدةٌ للنفسِ بيَّةٌ ومخادعةٌ فليُتفطَّنْ لها ؛ وهوَ أنَّهُ قدْ يقولُ
(١) في النسخ: (وعدم استحلاله)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم .
٣٥١

كتاب آداب السفر
ربع العادات
ذلكَ مظهراً أنَّهُ متشبّةٌ بالصالحينَ في ذمِّهِمْ نفوسَهُمْ واستحقارِهِمْ لها ،
ونظرِهِمْ إليها بعينِ المقْتِ والازدراءِ ، فتكونُ صورةُ الكلام صورةَ القدحِ
والازدراءِ ، وباطنُهُ وروحُهُ هوَ عينُ المدحِ والإطراءِ ، فَكمْ مِنْ ذامٌّ نفسَهُ وهوَ
لها مادحٌ بعينِ ذمِّهِ ، فذُّ النفسِ في الخلوةِ معَ النفسِ هوَ المحمودُ ، فأمّا
الذُّ في الملأِ .. فهوَ عينُ الرياءِ ، إلا إذا أوردَهُ إيراداً يحصلُ للمستمع يقيناً
أنَّهُ مقترفٌ للذنوبِ ومعترفٌ بها ، وذلكَ ممَّا يمكنُ تفهيمُهُ بقرائنِ الأحوالِ ،
ويمكنُ تلبيسُهُ بقرائنِ الأحوالِ ، والصادقُ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى يعلمُ أنَّ
مخادعتَهُ اللهِ عزَّ وجلَّ أو مخادعتَهُ لنفسِهِ محالٌ ، فلا يتعذَّرُ عليهِ الاحترازُ عنْ
أمثالِ ذلكَ .
فهذا هوَ القولُ في أقسام السفرِ ، ونيَّةِ المسافرِ ، وفضيلتِهِ .
٣٥٢

ربع العادات
كتاب آداب السفر
الفَصْلُ الثَّاني
في آداب المسافر من أوّل نهوضه إلى آخر رجوعه
وهي أحد عشر أدباً
الأوَّلُ : أنْ يبدأَ بردِّ المظالم ، وقضاءِ الديونِ ، وإِعدادِ النفقةِ لمَنْ تلزمُهُ
نفقتُهُ: ويردُّ الودائعَ إنْ كانَتْ عندَهُ، ولا يأخذُ لزادِهِ إلا الطيِّبَ الحلالَ ،
وليأخذْ قدراً يوسِّعُ بهِ على رفقائِهِ ، قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : ( مِنْ
کرمِ الرجلِ طيبُ زادِهِ في سفرِهِ )(١) .
ولا بدَّ في السفرِ مِنْ طيبِ الكلامِ ، وإطعامِ الطعامِ ، وإظهارِ مكارمِ
الأخلاقِ ؛ فإنَّ السفرَ يُخرجُ خبايا الباطِنِ، ومَنْ صلحَ لصحبةِ السفرِ ..
صلحَ لصحبةِ الحضرِ ، وقدْ يصلحُ في الحضرِ مَنْ لا يصلحُ للسفرِ ، ولذلكَ
قيلَ : ( إذا أثنى على الرجلِ معاملوهُ في الحضرِ ، ورفقاؤُهُ في السفرِ .. فلا
تشكُّوا في صلاحِهِ )(٢) .
والسفرُ مِنْ أسبابِ الضجرِ ، ومَنْ أحسنَ خُلُقَهُ في الضجرِ .. فهوَ
الحسنُ الخُلُقِ، وإلا .. فعندَ مساعدةِ الأمورِ على وَفقِ الغرضِ قلّما يظهرُ سوءُ
الخلقِ.
(١) قوت القلوب (١١٥/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢٠٧/٢) عن بعض السلف .
٣٥٣

كتاب آداب السفر
ربع العادات
وقدْ قيلَ: (ثلاثةٌ لا يُلامونَ على الضجرِ: الصائمُ، والمريضُ، والمسافرُ)(١).
وتمامُ حسنِ خلقِ المسافرِ الإحسانُ إلى المكاري ، ومعاونةُ الرفقةِ بكلِّ
ممكنٍ ، والرفقُ بكلِّ منقطع ؛ بألا يجاوزَهُ إلا بإعانةٍ بمركوبٍ أَوْ زادٍ أَوْ
توقُّفٍ لأجلِهِ ، وتمامُ ذلكَ معَ الرفقاءِ بمزاحٍ ومطايبةٍ في بعضِ الأوقاتِ مِنْ
غيرِ فحشٍ ولا معصيةٍ ؛ ليكونَ ذلكَ شفاءٌ لضجرِ السفرِ ومشاقُّهِ .
الثاني : أنْ يختارَ رفيقاً : فلا يخرجُ وحدَهُ ، فالرفيقُ ثمَّ الطريقُ ، وليكنْ
رفيقُهُ ممَّنْ يعينُهُ على الدينِ ، فيذكِّرُهُ إذا نسيَ ، ويعينُهُ ويساعدُهُ إذا ذكَرَ ؛
فإنَّ المرءَ على دينِ خليلِهِ ، ولا يُعرفُ الرجلُ إلا برفيقِهِ .
وقدْ نهىُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ أَنْ يسافرَ الرجلُ وحدَهُ وقالَ: ((الثلاثةُ
نفرٌ))(٢)، وقالَ: ((إذا كنتُمْ ثلاثةً في سفرٍ .. فأمِّروا أحدَكُمْ))(٣)، وكانوا
يفعلونَ ذلكَ، ويقولونَ: هذا أميرٌ أمَّرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٤)
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٧/٢)، وقد رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٠٠/٥٤)
عن يحيى بن أبي كثير ، وزاد: ( الشيخ الفاني ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٠٧/٢)، والذي رواه أبو داوود (٢٦٠٧)، والترمذي
(١٦٧٤)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٧٩٨) مرفوعاً: ((الراكب شيطان،
والراكبان شيطانان ، والثلاثة ركب )) .
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٨٥/٩) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٤) روى ذلك الحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٣/١) عن عمر رضي الله عنه، والسياق عند
صاحب ((القوت)) (٢٠٧/٢) .
٣٥٤

ربع العادات
كتاب آداب السفر
حن
وليؤمِّروا أحسنَهُمْ أخلاقاً ، وأرفقَهُمْ بالأصحابِ ، وأسرعَهُمْ إلى الإِيثارِ
وطلبِ الموافقةِ، وإنَّما يُحتاجُ إلى الأميرِ لأنَّ الآراءَ تختلفُ في تعيينٍ
المنازلِ والطرقِ ومصالح السفرِ ، ولا نظامَ إلا في الوحدةِ ، ولا فسادَ إلا مِنَ
الكثرةِ ، وإنَّما انتظمَ أمرُ العالم لأنَّ مدبِّرَ الكلِّ واحدٌ ، ولوْ كانَ فيهما آلهةٌ
إلا اللهُ لفسدَتا، ومهما كانَ المدبّرُ واحداً .. انتظمَ أمرُ التدبيرِ ، وإذا كثرَ
المدبِّرونَ .. فسدَتِ الأمورُ في الحضرِ والسفرِ ، إلا أنَّ مواطنَ الإقامةِ
لا تخلو عنْ أميرٍ عامٌّ كأميرِ البلدِ ، وأميرٍ خاصٍّ کربِّ الدارِ ، وأمَّا السفر ..
فلا يتعيَّنُ لهُ أميرٌ إلا بالتأميرِ ، فلهذا وجبَ التأميرُ ليجمعَ شتاتَ الآراءِ .
ثُمَّ على الأميرِ ألا ينظرَ إلا لمصلحةِ القوم ، وأنْ يجعلَ نفسَهُ وقايةً لهُمْ ؛
كما نُقُلَ عنْ عبدِ اللهِ المروزيِّ أنَّهُ صحبَهُ أبو عليٍّ الرباطيُّ فقالَ : على أنْ
تكونَ أنتَ الأميرَ أوْ أنا ؟ فقالَ : بلْ أنتَ ، فلمْ يزلْ يحملُ الزادَ لنفسِهِ ولأبي
عليٍّ على ظهرِهِ ، وأمطرتِ السماءُ ذاتَ ليلةٍ ، فقامَ عبدُ اللهِ طولَ الليلِ على
رأسٍ رفيقِهِ وفي يدِهِ كساءٌ يمنعُ عنهُ المطرَ، فكلَّما قالَ لهُ عبدُ اللهِ :
لا تفعلْ .. يقولُ: ألمْ تقلْ: إِنَّ الإمارةَ مسلَّمَةٌ لكَ؟ فلا تتحكَّمْ عليَّ،
ولا ترجعْ عنْ قولِكِ، حتَّى قالَ أبو عليٍّ : وددتُ أنِّي مِتُّ ولمْ أقلْ لهُ :
أنتَ الأميرُ . فهكذا ينبغي أنْ يكونَ الأميرُ .
٨٥٠
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُ الأصحابِ أربعةٌ))(١) ،
(١) رواه أبو داوود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥) ولفظه: ((خير الصحابة أربعة)).
Da. . 05. . 05
٣٥٥

كتاب آداب السفر
ربع العادات
وتخصيصُ الأربعةِ مِنْ بينِ سائرِ الأعدادِ لا بدَّ أنْ يكونَ لهُ فائدةٌ ، والذي
ينقدحُ فيهِ أنَّ المسافرَ لا يخلو عنْ رحلٍ يحتاجُ إلى حفظِهِ ، وعنْ حاجةٍ
يحتاجُ إلى التردُّدِ فيها ، ولو كانوا ثلاثةً .. لكانَ المتردِّدُ في الحاجةِ واحداً ،
فيتردّدُ في السفرِ بلا رفيقٍ ، فلا يخلو عنْ خطرٍ وعنْ ضيقِ قلبٍ ؛ لفقدٍ أنسٍ
الرفيقِ، ولوْ تردّدَ في الحاجةِ اثنانٍ .. لكانَ الحافظُ للرحلِ واحداً ، فلا
يخلو أيضاً عنِ الخطرِ وعنْ ضيقِ الصدرِ (١).
فإذاً ؛ ما دونَ الأربعةِ لا يفي بالمقصودِ ، وما فوقَ الأربعةِ يزيدُ ، فلا
تجمعُهُمْ رابطةٌ واحدةٌ ، فلا ينعقدُ بينَهُمُ الترافقُ ؛ لأنَّ الخامسَ زيادةٌ بعدَ
الحاجةِ ، ومَنْ يُستغنى عنهُ لا تصرفُ الهمَّةُ إليهِ ، فلا تتُّ المرافقةُ معهُ .
نعمْ ، في كثرةِ الرفقاءِ فائدةٌ للأمنِ مِنَ المخاوفِ ، ولكنَّ الأَربعةَ خيرٌ
للرفاقةِ الخاصَّةِ لا للرفاقةِ العامَّةِ ، وكَمْ مِنْ رفيقٍ في الطريقِ عندَ كثرةِ الرفاقِ
لا يُكلَّمُ ولا يُخالَطُ إلى آخرِ الطريقِ للاستغناءِ عنهُ .
الثالثُ : أَنْ يودّعَ رفقاءَ الحضرِ والأهلَ والأصدقاءَ : وليدعُ عندَ الوداع
بدعاءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ بعضُهُمْ: صحبتُ عبدَ اللهِ بنَ
عمر رضيَ اللهُ عنهُما مِنَ مكَّةً إلى المدينةِ حرسَها اللهُ، فلمّا أردتُ أنْ
(١) ويقرب منه أن يقال : وجه تخصيص هذا العدد لأن أحدهم لو مرض .. أمكنه جعل
واحد وصياً والآخرين شهيدين ، ولأنهم لو كانوا ثلاثة ربما تناجى اثنان دون واحد وهو
منهي عنه. انظر ((الإتحاف)) (٣٩٩/٦).
٣٥٦

ربع العادات
كتاب آداب السفر
أفارقَهُ .. شيَّعَني وقالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
(( قالَ لقمانُ : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إِذا استُودعَ شيئاً .. حفظَهُ، وإنِّي أستودعُ اللهَ
دِينَكَ وأمانتَكَ وخواتيمَ عمِلِكَ)) (١) .
وروى زيدُ بنُ أرقمَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( إذا
أرادَ أحدُكُمْ سفراً .. فليودِّعْ إخوانَهُ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى جاعلٌ لهُ في دعائِهِمُ
البركةَ))(٢) .
وعنْ عمرو بنِ شعيبٍ ، عنْ أبيهِ ، عنْ جدِّهِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا ودَّعَ رجلاً قال: ((زؤَّدَكَ اللهُ التقوى ، وغفرَ ذنبَكَ ،
ووجَّهَكَ للخيرِ حيثُ توجَّهْتَ)»(٣) ، فهذا دعاءُ المقيمِ للمودَّع .
مكر
وقالَ موسى بنُ وردانَ : أتيتُ أبا هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أودٌّعُهُ لسفرٍ
أردتُهُ، فقالَ: ألا أعلِّمُكَ يا بنَ أخي شيئاً علَّمَنيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علیهِ
وسلَّمَ عندَ الوداع؟ فقلتُ: بلى، قالَ: قلْ: ((أستودعُكَ اللهَ الذي
لا تضيعُ ودائعُهُ))(٤) .
وعنْ أنسٍ بنِ مالكِ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ فقالَ : إنِّي أريدُ سفراً فأوصني ، فقالَ لهُ: (( في حفْظِ اللهِ وفي
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ١٠٢٧٣).
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٨٠٥ ).
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٨٠٦)، وبنحوه عند الترمذي (٣٤٤٤).
(٤) رواه النسائي في « السنن الكبرى)) (١٠٢٦٩)، وابن ماجه (٢٨٢٥).
٣٥٧

كتاب آداب السفر
ربع العادات
كنفِهِ ، زوَّدَكَ اللهُ التقوى، وغفرَ ذنبَكَ، ووجَّهَكَ للخيرِ حيثُ كنتَ أَوْ أينَما
كنتَ )) شكَّ فيهِ الراوي(١) .
وينبغي إذا استودعَ اللهَ تعالى ما يخلفُهُ أنْ يستودعَ الجميعَ ولا يخصِّصَ ،
فقدْ رُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يعطي الناسَ عطاياهُمْ، إذْ جاءَهُ رجلٌ
معَهُ ابنٌّ لهُ فقالَ لهُ عمرُ: ما رأيتُ أحداً أشبهَ بأحدٍ مِنْ هذا بكَ ، فقالَ لهُ
الرجلُ : أحدِّثُكَ عنهُ يا أميرَ المؤمنينَ بأمرٍ ؟ إنِّي أردتُ أنْ أخرجَ في سفرٍ
وأُّهُ حاملٌ بهِ فقالَتْ : تخرجُ وتدعُني على هذهِ الحالِ ؟! فقلتُ :
أستودعُ اللهَ ما في بطنِكِ ، فخرجتُ ، ثمَّ قدمتُ فإذا هيَ قدْ ماتَتْ ، فجلسنا
نتحدَّثُ ، فإذا نارٌ على قبرِها ، فقلتُ للقوم : ما هذهِ النارُ ؟ فقالوا : هذا
مِنْ قبرِ فلانةَ ، نراها كلَّ ليلةٍ ، فقلتُ : واللهِ إنْ كانَتْ لصوَّامةً قوَّامةً ،
فأخذتُ المعولَ حتَّى انتهينا إلى القبرِ ، فحفرنا ، فإذا سراجٌ ، وإذا هذا
الغلامُ يدبُ، فقيل لي: إنَّ هذهِ وديعتُكَ، ولوْ كنتَ استودعتَ أمَّهُ ..
لوجدتَها، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: لهوَ أشبَهُ بكَ مِنَ الغرابِ بالغرابِ(٢).
الرابعُ : أنْ يصليَ قبلَ السفرِ صلاة الاستخارةِ : كما وصفناها في كتابٍ
(١) رواه الدارمي في (( سننه)) (٢٧١٣)، وهو عند الترمذي (٣٤٤٤) دون (( في حفظ الله
وفي كنفه )).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( مجابو الدعوة)) (٤٧)، والخرائطي في (( مكارم الأخلاق )»
( ٧٩٩) واللفظ له .
ـرة
٣٥٨

ربع العادات
کتاب آداب السفر
الصلاةِ ، ووقتَ الخروج يصلّي لأجلِ السفرِ ، فقدْ روى أنسُ بنُ مالكٍ
رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : إِنِّي نذرتُ
سفراً ، وقد كتبتُ وصيَّي ، فإلى أيِّ الثلاثةِ أدفعُها : إلى أبي ، أمْ أخي ،
أمٍ ابني ؟ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما استخلفَ عبدٌ في أهلِهِ مِنْ
خليفةٍ أحبَّ إِلى اللهِ مِنْ أربع ركعاتٍ يصلِّيهِنَّ في بيتِهِ إذا شدَّ عليهِ ثيابَ
سفرِهِ، يقرأُ فيهنَّ بـ (فاتحةِ الكتابِ )، و( قَلْ هوَ اللهُ أحدٌ)، ثمَّ يقولُ:
اللهمَّ ، إنِّي أتقرَّبُ بهِنَّ إليكَ؛ فاخلفْني بهِنَّ في أهلي ومالي ، فهيَ خليفتُهُ
في أهلِهِ ومالِهِ ، وحرزٌ حولَ دارِهِ حتَّى يرجعَ إلى أهلِهِ ))(١) .
الخامسُ : إذا حصلَ على بابِ الدارِ .. فليقلْ : بِاسمِ اللهِ ، توَّلْتُ
على اللهِ ، لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ(٢)، ربِّ أعوذُ بكَ أنْ أضلَّ أَوْ أُضَلَّ، أوْ
أزلَّ أوْ أُزَلَّ، أوْ أظلمَ أوْ أظلمَ ، أوْ أجهلَ أوْ يُجهلَ عليَّ(٣).
فإذا مشى .. قالَ: اللهمَّ، بكَ انتشرتُ، وعليكَ توكلتُ، وبكَ
اعتصمتُ ، وإليكَ توجهتُ ، اللهمَّ ، أنتَ ثقتي ، وأنتَ رجائي ؛ فاكفني
ما أهمَّنِي وما لا أهتمُّ بهِ ، وما أنتَ أعلمُ بهِ مِنِّي، عزَّ جارُكَ، وجلَّ
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٧٥٢).
(٢) رواه أبو داوود (٥٠٩٥)، والترمذي (٣٤٢٦).
(٣) رواه النسائي (٢٦٨/٨)، وابن ماجه (٣٨٨٤) .
٣٥٩

كتاب آداب السفر
ربع العادات
تناؤُكَ، ولا إِلهَ غيرُكَ ، اللهمَّ ؛ زودْني التقوى ، واغفر لي ذنبي ،
ووجهْني للخيرِ أينما توجهتُ(١).
وليدعُ بهذا الدعاءِ في كلِّ منزلٍ يرحلُ عنهُ .
فإذا ركبَ الدابَّةَ .. فليقلْ: باسمِ اللهِ ، وباللهِ ، واللهُ أكبرُ ، توكلتُ
على اللهِ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ، ما شاءَ اللهُ كانَ وما لمْ
وَإِنَّا إِلَ رَبِنَا
يشأ لمْ يكنْ، ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
لَمُنْقَلِبُونَ﴾، فإذا استوتِ الدابَةُ تحتَهُ .. فليقلْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا
وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنْنَا اللَّهُ﴾ اللهمَّ، أنتَ الحاملُ على الظهرِ، وأنتَ
المستعانُ على الأمورِ (٢).
السادسُ : أنْ يرحلَ مِنَ المنازلِ بكرةً: روى جابرٌ : أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ رحلَ يومَ الخميسِ وهوَ يريدُ تبوكَ وبَكَّرَ، وقالَ: ((اللهمَّ ؛
بارْ لأمَّتي في بكورِها))(٣).
(١) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٩٥) دون قوله: (( عز جارك ، وجل
ثناؤك، ولا إله غيرك))، والبيهقي في (( الدعوات الكبير)) (٤٥١) بتمامه .
(٢) انظر ((الإتحاف)) (٤٠٤/٦- ٤٠٥).
(٣) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) ( ٨٣٥) بلفظ المصنف ، وهو عند أبي داوود
(٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٧٨٢)، وابن
ماجه (٢٢٣٦) من حديث صخر الغامدي رضي الله عنه بنحوه .
٣٦٠