النص المفهرس
صفحات 321-340
ربع العادات كتاب آداب العزلة والفرقُ بينَ العالمِ والصوفيِّ في ظاهرِ العلمِ يرجعُ إلى هذا ؛ وهوَ أنَّ الصوفيَّ لا يتكلّمُ إلا عنْ حالِهِ ، فلا جرمَ تختلفُ أجوبتُهُمْ في المسائلِ ، والعالمُ هوَ الذي يدركُ الحقَّ على ما هوَ عليهِ ، ولا ينظرُ إلى حالِ نفسِهِ، فيكشفُ الحقَّ فيهِ ، وذلكَ ممَّا لا يُختلفُ فيهِ ؛ فإنَّ الحقَّ واحدٌ أبداً ، والقاصرُ عنِ الحقِّ كثيرٌ لا ينحصرُ . ولذلكَ سُئِلَ الصوفيَّةُ عنِ الفقرِ ، فما مِنْ واحدٍ إلا وأجابَ بجوابٍ غيرِ جوابِ الآخرِ ، وكلُّ ذلكَ حقٌّ بالإضافةِ إلى حالِهِ ، وليسَ بحقٌّ في نفسِهِ ؛ إذِ الحقُّ لا يكونُ إلا واحداً . ولذلكَ قالَ أبو عبدِ اللهِ الجلاءُ وقدْ سُئِلَ عنِ الفقرِ فقالَ : ( اضربُ بكمَّيْكَ الحائطَ وقُلْ : ربَِّ اللهُ، فهوَ الفقرُ)(١) . وقالَ الجنيدُ : ( الفقيرُ : هوَ الذي لا يسألُ أحداً ولا يعارِضُ ، وإنْ عُورضَ .. سكتَ)(٢). وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ: ( الفقيرُ: الذي لا يسألُ ولا يدَّخرُ)(٣). وقالَ آخرُ : ( هو ألا يكونَ لكَ، فإذا كانَ لكَ .. فلا يكونُ لكَ ، (١) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٧٤)، وهو إشارة إلى كمال التخلي عن الدنيا ، وصدق التوجه والالتجاء إلى الله تعالى. ((إتحاف)) (٣٧٥/٦). (٢) أورده الطوسي في (( اللمع)) ( ص ٧٥). (٣) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٧٥)، وفيه: ( لا يسأل ولا يرد ولا يحبس). ٣٢١ حر جر ـن كتاب آداب العزلة ربع العادات ومِنْ حيثُ لمْ يكنْ لكَ .. لمْ يكنْ لكَ)(١) . وقالَ إبراهيمُ الخوَّاصُ : ( هوَ تركُ الشكوى، وإظهارُ أثرِ البلوى)(٢). وبت : بـ 46: والمقصودُ : أَنَّهُ لَوْ سُئِلَ منهُمْ مئةٌ .. لسُمِعَ منْهُمْ مئةُ جوابٍ مختلفةٌ ، قلَّما يتفقُ منها اثنانِ ، وذلكَ كلُّهُ حقٌّ مِنْ وجهٍ ؛ فإنَّهُ خبرُ كلِّ واحدٍ عنْ حالِهِ وما غلبَ على قلبهِ ، ولذلكَ لا ترى اثنينِ منهُمْ يُثبِتُ أحدُهُما لصاحبهِ قدماً في التصوفِ أوْ يثني عليهِ ، بلْ كلُّ واحدٍ منهُمْ يدَّعي أنَّهُ الواصلُ إلى الحقِّ والواقفُ عليهِ ؛ لأنَّ أكثرَ ترُّدِهِمْ على مقتضى الأحوالِ التي تعرضُ القلوبِهِمْ ، فلا يشتغلونَ إلا بأنفسِهِمْ ، ولا يلتفتونَ إلى غيرِهِمْ . ونورُ العلمِ إذا أشرقَ .. أحاطَ بالكلِّ، وكشفَ الغطاءَ، ورفعَ الاختلافَ . ومثالُ نظرٍ هؤلاءِ ما رأيتَ مِنْ نَظرِ قوم في أدلَّةِ الزوالِ بالنظرِ في الظلِّ ، فقالَ بعضُهُمْ : هوَ في الصيفِ قدمانِ ، وحُكَيَ عنْ آخرَ أنَّهُ نصفُ قدم ، وآخرَ يردُّ عليهِ وأنَّهُ في الشتاءِ سبعةُ أقدامٍ ، وحُكِيَ عنْ آخرَ أنَّهُ خمسةُ أقدام ، وآخرَ يردُّ عليهِ ، فهذا يشبهُ أجوبةَ الصوفيةِ واختلافَهُمْ ؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ أخبرَ عنِ الظلِّ الذي رآهُ ببلدِ نفسِهِ ، فصدقَ في قولِهِ ، وأخطأ في تخطئتِهِ صاحبَهُ ؛ إذْ ظنَّ أنَّ العالمَ كلَّهُ بلدُهُ ، أوْ هوَ مثلُ بلدِهِ ، (١) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٧٥)، وهو لابن الجلاء كذلك. (٢) أورده الطوسي في (( اللمع)) ( ص ٧٥) . ٣٢٢ ربع العادات كتاب آداب العزلة كما أنَّ الصوفيَّ لا يحكمُ على العالمِ إلا بما هوَ حالُ نفسِهِ . والعالمُ بالزوالِ هوَ الذي يعرفُ علَّةَ طولِ الظلِّ وقِصَرِهِ ، وعلَّةَ اختلافِهِ بالبلادِ ، فيخبرُ بأحكامٍ مختلفةٍ في بلادٍ مختلفةٍ ، ويقولُ في بعضِها : لا يبقى ظلّ ، وفي بعضِها : يطولُ ، وفي بعضِها : يقصُرُ ، فهذا ما أردنا أنْ نذكرَهُ مِنْ فضيلةِ العزلةِ والمخالطةِ . جز فإنْ قلتَ : فمَنْ آثْرَ العزلةَ ورآها أفضلَ لهُ وأسلمَ .. فما آدابُهُ في العزلةِ ؟ فنقولُ : إنَّما يطولُ النظرُ في آدابِ المخالطةِ ، وقدْ ذكرناها في كتابٍ آدابِ الصحبةِ . وأمَّا آدابُ العزلةِ .. فلا تطولُ، فينبغي للمعتزلِ أنْ ينويّ بعزلتِهِ كفَّ شرٍّ نفسِهِ عنِ الناسِ أَوَّلاً، ثمَّ طلبَ السلامةِ مِنْ شرِّ الأشرارِ ثانياً (١)، ثمَّ الخلاصَ مِنْ آفةِ القصورِ عنِ القيامِ بحقوقِ المسلمينَ ثالثاً ، ثمَّ التجرُّدَ بكنْهِ الهمَّةِ لعبادةِ اللهِ رابعاً. فهذهِ آدابُ نيَّتِهِ . ثُمَّ ليكنْ في خلوتِهِ مواظباً على العلمِ والعملِ ، والذكّرِ والفكْرِ ؛ ليجتنيَ (١) وإنما قال المصنف: (من شر الأشرار)، ولم يقل: ( من شرهم) إشارة إلى أنه ليس كل خليط شريراً ، فإذا لم يكن كذلك .. فلا يطلب السلامة منه ؛ لأنه لا شر عنده ، وهو احتراس حسن ، وإن كان يفهم من قولهم : ( من شرهم ) أي : من شر أشرارهم . («إتحاف)) (٣٧٧/٦) . ٣٢٣ کتاب آداب العزلة ربع العادات ثمرةَ العزلةِ ، وليمنعَ الناسَ عنْ أنْ يكثروا غشيانَهُ وزيارتَهُ ، فيتشوَّشَ وقتُّهُ ، وليكفّ عنِ السؤالِ عنْ أخبارِهِمْ، وعنِ الإصغاءِ إلى أراجيفِ البلدِ ، وما الناسُ مشغولونَ بهِ ، فإنَّ كلَّ ذلكَ ينغرسُ في القلبِ حتَّى ينبعثَ في أثناءِ الصلاة أوِ الفكرِ مِنْ حيثُ لا يحتسبُ ، فوقوعُ الأخبارِ في السمعِ كوقوعِ البذْرِ في الأرضِ ، فلا بدَّ أنْ ينبتَ وتتفرَّعَ عروقُها وأغصانُها ، ويتداعى بعضُها إلى بعضٍ ، وأحدُ مهمَّاتِ المعتزلِ قطعُ الوساوسِ الصارفةِ عنْ ذكرِ اللهِ ، والأخبارُ ينابيعُ الوساوسِ وأصولُها . وليقنعْ باليسيرِ مِنَ المعيشةِ ، وإلا .. اضطرَّهُ التوسُّعُ إلى الناسِ، واحتاجَ إلى مخالطتِهِمْ . وليكنْ صبوراً على ما يلقاهُ مِنْ أذى الجيرانِ ، وليسدَّ سمعَهُ عنِ الإصغاءِ إلى ما يُقالُ فيهِ منْ ثناءِ عليهِ بالعزلةِ ، أَوْ قَدْحِ فيهِ بترْكِ الخِلطةِ ؛ فإنَّ كلَّ ذلكَ يؤثِّرُ في القلبِ ولوْ مدَّةً يسيرةً ، وحالَ اشتغالِ القلبِ بهِ لا بدَّ أنْ يكونَ واقفاً عنْ سيرِهِ في طريقِ الآخرةِ ؛ فإنَّ السيرَ إمَّا بالمواظبةِ على وزْدٍ وذكْرٍ معَ حضورٍ قلبٍ ، وإمَّا بالفكرِ في جلالِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ وملكوتِ سماواتِهِ وأرضِهِ ، وإمَّا بالتأمُّلِ في دقائقِ الأعمالِ ومفسداتِ القلوبِ وطلبٍ طرقٍ التحصُّنِ منها ، وكلُّ ذلكَ يستدعي الفراغَ، والإصغاءُ إلى جميع ذلكَ ممَّا يشوِّشُ القلبَ في الحالِ ، وقدْ يتجدَّدُ ذكرُهُ في دوام الذكرِ مِنْ حيثُ لا ينتظرُ . ـحن ٢ متن من حن ٤٠ حز. وليكنْ لهُ أهلٌ صالحةٌ أَوْ جليسٌ صالحٌ لتستريحَ نفسُهُ إليهِ في اليومِ ساعةً ٣٢٤ ربع العادات كتاب آداب العزلة عنْ كلِّ المواظبةِ ، ففيهِ عوْنٌ على بقيّةِ الساعاتِ . ولا يتمُّ لهُ الصبرُ في العزلةِ إلا بقطْع الطمع عنِ الدنيا وما الناسُ منهمكونَ فيهِ ، ولا ينقطعُ طمعُهُ إلا بقصَرِ الأملِ ، بألا يقدِّرَ لنفسِهِ عمراً طويلاً ، بلْ يصبحُ على أنَّهُ لا يمسي ، ويمسي على أنَّهُ لا يصبحُ ، فيسهلُ عليهِ صبْرُ يومٍ ، ولا يسهلُ عليهِ العزمُ على الصبرِ عشرينَ سنةً لوْ قدَّرَ تراخي الأجلِ . وليكنْ كثيرَ الذكرِ للموتِ ووحدةِ القبرِ مهما ضاقَ قلبُهُ مِنَ الوحدةِ ، وليتحقَّقْ أنَّ منْ لمْ يحصلْ في قلبِهِ مِنْ ذكرِ اللهِ ومعرفتِهِ ما يأنسُ بهِ .. فلا يطيقُ وحشةَ الوحدةِ بعدَ الموتِ ، وأنَّ مَن أنسَ بذكرِ اللهِ ومعرفتِهِ . . فلا يزيلُ الموتُ أنسَهُ ؛ إذ لا يهدمُ الموتُ محلَّ الأنسِ والمعرفةِ ، بلْ يبقىُ حيّاً بمعرفتِهِ وأنسِهِ ، فرحاً بفضْلِ اللهِ عليهِ ورحمتِهِ ، كما قالَ اللهُ تعالى في الشهداءِ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وكلُّ متجرِّدٍ للهِ في جهادِ نفسِهِ فهوَ شهيدٌ مهما أدركَهُ الموتُ مقبلاً غيرَ مدبرٍ ، فالمجاهدُ مَن جاهدَ نفسَهُ وهواهُ ؛ كما صرَّحَ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) ، والجهادُ الأكبرُ جهادُ النفسِ ، ٠عاك. (١) رواه الترمذي (١٦٢١)، وابن حبان في (صحيحه)) (٤٦٢٤)، وأحمد في («المسند» (٢٠/٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١١/١)، والطبراني في «الكبير)) (٣٠٩/١٨) . ٣٢٥ كتاب آداب العزلة ربع العادات كما قالَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُم : ( رجعنا مِنَ الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ )(١) يعنونَ جهادَ النفسِ . ثم كتاب آداب العزلة وهو الكتاب التناوس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد شهد رب العالمين والصّلاة والسلام على رسوله محمّدٍ وآله الطّيّبين الطاهرين وصحبة جمعين يثلوه كتاب آداب السَّفْر جزء (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٧٣)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٩٨/١٣)، وابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (ص١١٨) عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه: (( قدمتم خير مقدم ، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: ((مجاهدة العبد هواه)). ٣٢٦ كِتَابُ آدَارُ السَّفَ وهو الكتاب السابع من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين ٣٢٧ ٣.٨٠ ربع العادات كتاب آداب السفر كتاب آداب السَّفر بِسِْ للهِ الرَّحْمنِ الرَّّهِ الحمدُ للهِ الذي فتحَ بصائرَ أوليائِهِ بالحكمِ والعبرِ ، واستخلصَ هممَهُمْ لمشاهدةِ عجائبٍ صنعِهِ في الحضرِ والسفرِ ، فأصبحوا راضينَ بمجاري القدرِ ، منزِّهينَ قلوبَهُمْ عنِ التلفُّتِ إلى مُنتزهاتِ البصرِ ، إلا على سبيلٍ الاعتبارِ بما يسنحُ في مسارحِ النظرِ ومجاري الفكرِ ، فاستوىُ عندَهُمْ البؤُّ والبحرُ ، والسهلُ والوعرُ ، والبدوُ والحضرُ . ـكن : ثر حن حن والصلاةُ على محمَّدٍ سيِّدِ البشرِ ، وعلى آلِهِ وأصحابه المقتفينَ لآثارهِ في الأخلاقِ والسيرٍ ، وسلَّمَ كثيراً . أما بعد: فإنَّ السفرَ وسيلةٌ إلى الخلاصِ عنْ مهروبٍ عنْهُ، أوِ الوصولِ إلى مطلوب مرغوبٍ فیهِ . والسفر سفران : سفرٌ بظاهرِ البدنِ عنِ المستقرِّ والوطنِ إلى الصحارى والفلواتِ ، وسفرٌ بسيرِ القلبِ عنْ أسفلِ السافلينَ إلى ملكوتِ السماواتِ ، وأشرفُ السفرينِ السفرُ الباطنُ . فإنَّ الواقفَ على الحالةِ التي نشأ عليها عَقيبَ الولادةِ ، الجامدَ على ٣٢٩ حن ----- كتاب آداب السفر ربع العادات ما تلقَّنَهُ بالتقليدِ مِنَ الآباء والأجدادِ .. لازمٌ درجةَ القصورِ ، وقانعٌ برتبةٍ النقْصِ ، ومستبدلٌ بمتسع فضاءِ جنَّةٍ عرضُها السماوات والأرضُ ظلمةً السجنِ وضيقَ الحبسِ ، وقدْ صدقَ القائلُ(١): وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئاً كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى الثَّمَامِ إلا أنَّ هذا السفرَ لمَّا كانَ مقتحِمُهُ في خطْبٍ خطيرٍ .. لمْ يستغنِ فيهِ عنْ دليلٍ وخفيرٍ ، فاقتضى غموضُ السبيلِ ، وفقدُ الخفيرِ والدليلِ ، وقناعةُ 3 السالكينَ عنِ الحظَّ الجزيلِ بالنصيبِ النازلِ القليلِ .. اندراسَ مسالكِهِ ، فانقطعَ فيهِ الرفاقُ، وخلا عنِ الطائفينَ (٢) منتزهاتُ الأنفسِ والملكوتِ والآفاقِ . وإليهِ دعا اللهُ سبحانَهُ بقولِهِ: ﴿سَيُّرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى آلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ ، وبقولهِ تعالى: ﴿ وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿ وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وعلى القعودِ عنْ هذا السفرِ وقعَ الإنكارُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَهُرُونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ وَبِلَيْلُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنْءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾. فمَنْ تَسَّرَ لهُ هذا السفرُ .. لمْ يزلْ في سيرِهِ متنزِّهاً في جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ وهوَ ساكنٌ بالبدنِ ، مستقرٍّ في الوطنِ ، وهوَ السفرُ الذي (١) البيت من الوافر، وهو للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (١٤٥/٤). (٢) في (أ): ( الطالبين ) بدل ( الطائفين ) . ٣٣٠ سـ ربع العادات كتاب آداب السفر لا تضيقُ فيهِ المناهلُ والمواردُ ، ولا يضرُّ فيهِ التزاحمُ والتواردُ ، بلْ تزيدُ بكثرةِ المسافرينَ غنائمُهُ ، وتتضاعفُ ثمراتُهُ وفوائدُهُ، فغنائمُهُ دائمةٌ غيرُ ممنوعةٍ ، وثمراتُهُ متزايدةٌ غيرُ مقطوعةٍ ، إلا إذا بدا للمسافرِ فترةٌ في سفرِهِ ووَقفةٌ في حركتِهِ ، فإنَّ اللهَ لا يغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يغيِّرُوا ما بأنفسِهِمْ ، وإذا زاغوا .. أزاغَ اللهُ قلوبَهُمْ، وما اللهُ بظلام للعبيدِ، ولكنَّهُمْ يظلمونَ أنفسَهُمْ . ومَنْ لمْ يؤهَّلْ للجَوَلانِ في هذا الميدانِ ، والتطوافِ في متنزَّهاتِ هذا البستانِ .. ربَّما سافرَ بظاهرِ بدنِهِ في مدَّةٍ مديدةٍ فراسخَ معدودةٌ ، مغتنماً بها تجارةً للدنيا أوْ ذخيرةً للآخرةِ ، فإنْ كانَ مطلبُهُ العلمَ والدينَ ، أوِ الكفايةَ للاستعانةِ على الدينِ .. كانَ مِنْ سالكي سبيلِ الآخرةِ ، وكانَ لهُ في سفرِهِ شروطٌ وآدابٌ إِنْ أهملَها .. كانَ مِنْ عمَّالِ الدنيا وأتباع الشيطانِ ، وإنْ واظبَ عليها .. لمْ يخلُ سفرُّهُ عنْ فوائدَ تُلحقُهُ بعمَّالِ الآخرةِ وأولياءِ الرحمَنِ ، ونحنُ نذكرُ آدابَهُ وشروطَهُ في بابينِ : البابُ الأوَّلُ : في الآدابِ مِنْ أوَّلِ النهوضِ إلى آخرِ الرجوع ، وفي نيّةِ السفرِ وفائدتِهِ . البابُ الثاني : فيما لا بدَّ للمسافرِ مِنْ تعلُّمِهِ مِنْ رخصِ السفرِ وأدَّلةِ القبلةِ والأوقاتِ . ٣٣١ كتاب آداب السفر ربع العادات البَابُ الْأَوَّلُ في الآداب من أوّل النهوض إلى آخر الرجوع، وفي نيّة النفر وفائدته وفيه فصلان الفَصْلُ الْأَوَّلُ في فوائد السّفر وفضد ويته اعلمْ : أنَّ السفرَ نوعُ حركةٍ ومخالطةٍ ، وفيهِ فوائدُ ولهُ آفاتٌ کما ذكرناهُ في كتابِ الصحبةِ والعزلةِ . M والفوائدُ الباعثةُ على السفرِ لا تخلو مِنْ هربٍ أَوْ طلبٍ ، فإنَّ المسافرَ إمّا أنْ يكونَ لهُ مزعجٌ عنْ مُقامِهِ ولولاهُ لما كانَ لهُ مقصدٌ يسافرُ إليهِ ، وإمَّا أَنْ يكونَ لهُ مقصدٌ ومطلبٌ . والمهروبُ عنهُ: إمَّا أمرٌ لهُ نكايةٌ في الأمورِ الدنيويةِ ؛ كالطاعونِ والوباءِ إذا ظهرَ ببلدٍ ، أوْ خوفٌ سببُهُ فتنةٌ أَوْ خصومةٌ ، أوْ غلاءُ سعرٍ . وهوَ إِمَّا عامّ ؛ كما ذكرناهُ ، أَوْ خاصٌّ ؛ كمَنْ يُقصدُ بأذيَّةٍ في بلدِهِ فيهربُ منها ، وإمَّا أمرٌ لهُ نكايةٌ في الدينِ ؛ كمَنِ ابتليَ في بلدِهِ بجاهٍ ومالٍ واتساع أسبابٍ تصدُّهُ عنِ التجزُّدِ للهِ ، فيؤثرُ الغربةَ والخمولَ ، ويجتنبُ السعةَ والجاهَ ، أوْ كمَنْ يُدعى إلى بدعةٍ قهراً ، أوْ إلى ولاية عملٍ ٣٣٢ ربع العادات کتاب آداب السفر لا تحلُّ مباشرتُهُ ، فيطلبُ الفرارَ منهُ . وأمَّا المطلوبُ .. فهوَ إِمَّا دنيويٌّ كالمالِ والجاهِ ، أَوْ دينيٌّ . والدينيٌّ إمَّا علمٌ وإِمَّا عملٌ . والعلمُ إِمَّا علمٌ مِنَ العلومِ الدينيةِ ، وإمَّا علمٌ بأخلاقِ نفسِهِ وصفاتِهِ على سبيلِ التجربةِ ، وإمَّا علمٌ بآياتِ الأرضِ وعجائبِها ؛ كسفرِ ذي القرنينِ وطوافِهِ في نواحي الأرضِ . والعملُ إِمَّا عبادةٌ وإمّا زيارةٌ . والعبادةُ هيَ الحجّ والعمرةُ والجهادُ ، والزيارةُ أيضاً مِنَ القرباتِ ، وقدْ يُقصدُ بها مكانٌ ؛ كمكَّةَ والمدينةِ وبيتِ المقدسِ والثغورِ ؛ فإنَّ الرباطَ بها قربةٌ، وقدْ يُقصدُ بها الأولياءُ والعلماءُ، وهُمْ إمَّا موتى فتُزَارُ قبورُهُمْ ، وإمَّا أحياءٌ فيُبَّكُ بمشاهدتِهِمْ، ويُستفادُ مِنَ النظرِ إلى أحوالِهِمْ قوَّةُ الرغبةِ في الاقتداءِ بهمْ . فهذهِ هيَ أقسامُ الأسفارِ ، ويخرجُ مِنْ هذهِ القسمةِ أقسامٌ : القسمُ الأوَّلُ : السفرُ في طلبِ العلمِ : وهوَ إِمَّا واجبٌ، وإمَّا نفلٌ، وذلكَ بحسبِ كونِ العلمِ واجباً أوْ نفلاً ، وذلكَ العلمُ إمَّا علمٌ بأمورٍ دينِهِ ، أَوْ بأخلاقِهِ في نفسِهِ ، أَوْ بآياتِ اللهِ في أرضهِ . ٣٣٣ كتاب آداب السفر ربع العادات وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ في طلبِ العلمِ .. فهوَ في سبيلِ اللهِ حتَّى يرجعَ)) (١) . وفي خبرٍ آخرَ : (( مَنْ سلكَ طريقاً يلتمسُ فيهِ علماً .. سهَّلَ اللهُ لهُ طريقاً إلى الجنَّةِ))(٢). وكانَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ يسافرُ الأيامَ في طلبِ الحديثِ الواحدِ (٣). وقالَ الشعبيُّ: ( لوْ سافرَ رجلٌ مِنَ الشام إلى أقصى اليمنِ في كلمةٍ تدلُّهُ على هدىً ، أوْ تردُّهُ عنْ ردىّ .. ما كانَ سفرُهُ ضائعاً )(٤) . ورحلَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ مِنَ المدينةِ إلى مصرَ معَ غيرِهِ مِنَ الصحابةِ ، فساروا شهراً في حديثٍ بلغَهُمْ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أُنْيسِ الأنصاريِّ يحدِّثُ بهِ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، حتَّى سمعوهُ(٥). (١) رواه الترمذي (٢٦٤٧)، وقوله: ((حتى يرجع)) إشارة إلى أنه بعد الرجوع وإنذار القوم له درجة أعلى من تلك الدرجة ؛ لأنه حينئذٍ وارث الأنبياء في تكميل الناقصين . (( فيض القدير)) (١٢٤/٦). (٢) رواه مسلم ( ٢٦٩٩) . (٣) فقد روى ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٢٨/٢) عنه أنه قال: ( إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد ) . (٤) قوت القلوب (٢٠٥/٢) . (٥) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (٢/ ٤٣٧)، وأشار إلى ذلك البخاري في « صحيحه )) ( كتاب العلم/ باب الخروج في طلب العلم) حيث قال : ( ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنیس في حديث واحد ) . ٣٣٤ ربع العادات کتاب آداب السفر وقلَّ مذكورٌ في العلم محصِّلٌ مِنْ زمانِ الصحابةِ إلى زمانِنا هذا إلا وحصَّلَ العلمَ بالسفرِ وسافرَ لأجلِهِ . وأمَّا علمُهُ بنفسِهِ وأخلاقِهِ : فذلك أيضاً مهمٌّ ؛ فإنَّ طريقَ الآخرةِ لا يمكنُ سلوكُهُ إلا بتحسينِ الخُلقِ وتهذيبِهِ ، ومَنْ لا يطلعُ على أسرارِ باطنِهِ وخبائثِ صفاتِهِ .. لا يقدرُ على تطهيرِ القلبِ منها ، وإنَّما السفرُ هوَ الذي يسفرُ عنْ أخلاقِ الرجالِ ، وبهِ يُخرجُ اللهُ الخبْءَ في السماواتِ والأرضِ . وإنَّما سُمَِّ السفرُ سفراً لأنَّهُ يسفرُ عنِ الأخلاقِ ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ للذي كانَ يعرِّفُ عندَهُ بعضَ الشهودِ : هلْ صحبتَهُ في السفرِ الذي يُستدلُّ بهِ على مكارم الأخلاقِ ؟ فقالَ : لا ، فقالَ : ما أراكَ تعرفُهُ(١) . وكانَ بشرٌ يقولُ: ( يا معشرَ القرَّاءِ ؛ سِيحوا .. تطيبوا ؛ فإنَّ الماءَ إذا ساحَ .. طابَ، وإذا كَثُرَ مُقَامُّهُ في موضع .. تغيَّرَ)(٢). وبالجملةِ : فإنَّ النفسَ في الوطنِ معَ مواتاةِ الأسبابِ لا تظهرُ خبائثُ أخلاقِها ؛ لاستئناسِها بما يوافقُ طبعَها مِنَ المألوفاتِ المعهودةِ ، فإذا حملَتْ وعثاءَ السفرِ ، وصُرفَتْ عنْ مألوفاتِها المعتادةِ ، وامتُحَنَتْ بمشاقُّ الغربةِ .. (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٣)، ويلفظ المصنف في ((القوت)) (١١٥/٢). (٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٧/١٤) بنحوه، ولفظه في ((القوت)) (٢ / ٢٠٤ ) . ٣٣٥ كتاب آداب السفر ربع العادات انكشفَتْ غوائلُها ، ووقعَ الوقوفُ على عيوبِها ، فيمكنُ الاشتغالُ بعلاجها . وقدْ ذكرنا في كتابِ العزلةِ فوائدَ المخالطةِ ، والسفرُ مخالطةٌ معَ زيادةٍ اشتغالٍ واحتمالِ مشاقَّ . وأمَّا آياتُ اللهِ في أرضِهِ : ففي مشاهدتِها فوائدُ للمستبصرِ ، ففيها قِطَعٌ متجاوراتٌ ، وفيها الجبالُ ، والبراري والبحارُ ، وأنواعُ الحيوانِ والنباتِ ، وما مِنْ شيءٍ منها إلا وهوَ شاهدٌ للهِ بالوحدانيةِ، ومسبِّحُ لهُ بلسانٍ ذَلِقٍ(١) لا يدركُهُ إلا مَنْ ألقى السمعَ وهوَ شهيدٌ، وأمَّا الجاحدونَ والغافلونَ والمغتزُّونَ بلامع السرابِ مِنْ زهرةِ الدنيا .. فإنَّهُمْ لا يبصرونَ ولا يسمعونَ ؛ لأنَّهُمْ عنِ السمع معزولونَ ، وعنْ آيَاتِ ربِّهِمْ محجوبونَ ، يعلمونَ ظاهراً مِنَ الحياةِ الدنيا وهُمْ عنِ الآخرةِ همْ غافلونَ . وما أُرِيدَ بالسمع السمعُ الظاهرُ ؛ فإنَّ الذينَ أُريدوا بهِ ما كانوا معزولينَ عنهُ، وإنَّما أُرِيدَ بهِ السمعُ الباطنُ، ولا يُدركُ بالسمع الظاهرِ إلا الأصواتُ ، ويشاركُ فيهِ الإنسانَ سائرُ الحيواناتِ، فأمَّا السمعُ الباطنُ .. فيُدركُ بهِ لسانُ الحالِ ، وهوَ نطقٌ وراءَ نطقِ المقالِ ، يشبهُ قولَ القائلِ حكايةً لكلام الوتدِ والحائطِ : قالَ الجدارُ للوَتِدِ : لِمَ تشقُّني؟ فقالَ : سَلْ مَنْ يدقُّني فلمْ يتركْني ، وراءِ الحجرَ الذي ورائي(٢). ـرة (١) ذلق : فصيح . (٢) راءٍ: فعل أمر من راءى يرائي؛ أي: انظر. ((إتحاف)) (٧٨/٢). ٣٣٦ ربع العادات کتاب آداب السفر ۵ وما مِنْ ذَرَّةٍ في السماواتِ والأرضِ إلا ولها أنواعُ شهاداتٍ للهِ سبحانَهُ بالوحدانيةِ هيَ توحيدُها ، وأنواعُ شهاداتٍ لصانِعها بالتقدُّسِ هيَ تسبيحُها ، ولكنْ لا يفقهونَ تسبيحَها ؛ لأنَّهُمْ لمْ يسافروا مِنْ مضيقِ سَمْعِ الظاهرِ إلى فضاءِ سَمْعِ الباطنِ ، ومِنْ رَكاكةِ لسانِ المقالِ إلى فصاحةِ لسانِ الحالِ ، ولوْ قدرَ كلُّ عاجزٍ على مثلِ هذا السيرِ .. لما كانَ سليمانُ عليهِ السلامُ مختصّاً بفهمِ منطقِ الطيرِ ، ولما كانَ موسى عليهِ السلامُ مختصّاً بسماع كلام اللهِ تعالى الذي يجبُ تقديسُهُ عَنْ مشابهةِ الحروفِ والأصواتِ . ومَنْ يسافرُ ليستقرىءَ هذهِ الشهاداتِ مِنَ الأسطرِ المكتوبةِ بالخطوطِ الإلهية على صفحاتِ الجماداتِ .. لمْ يطلْ سفرُهُ بالبدنِ، بلْ يستقرّ في موضع ويفرِّغُ قلبَهُ للتمتُّع بسماع نغماتِ التسبيحاتِ مِنْ آحادِ الذرَّاتِ ، فما لهُ وللتردُّدِ في الفلواتِ ولهُ غنيةٌ في ملكوتِ السماواتِ ؟! فالشمسُ والقمرُ والنجومُ بأمرِهِ مسخراتٌ ، وهيَ إلى أبصارِ ذوي البصائرِ مسافراتٌ في الشهرِ والسنةِ مراتٍ ، بلْ هيَ دائبةٌ في الحركةِ على توالي الأوقاتِ ، فمِنَ الغرائبِ أنْ يدأبَ في الطوافِ بآحادِ المساجدِ مَنْ أُمرتِ الكعبةُ أنْ تطوفَ بهِ ! ومِنَ الغرائبِ أنْ يطوفَ في أكنافِ الأرضِ مَنْ تطوفُ بهِ أقطارُ السماءِ!(١). ثُمَّ ما دامَ المسافرُ مفتقراً إلى أنْ يبصرَ عالمَ المُلكِ والشهادةِ بالبصرِ (١) انظر ما ذكره العلامة الآلوسي في (( تفسيره)) (١٤/٢٣ - ١٥)، وقد سبقت الإشارة إليه في كتاب ( أسرار الحج ) عند قوله : ( فضيلة المقام بمكة المكرمة وكراهته ) . ٣٣٧ ٢٧٠ كتاب آداب السفر ربع العادات ـجي الظاهرِ .. فهوَ يُعدُّ في المنزلِ الأوَّلِ مِنْ منازلِ السائرينِ إلى الله تعالى والمسافرينَ إلى حضرتِهِ ، وكأنَّهُ معتكفٌ على بابِ الوطنِ لمْ يفضِ بهِ المسيرُ إلى متسع الفضاءِ ، ولا سببَ لطولِ المُقام في هذا المنزلِ إلا الجبنُ والقصورُ ، ولذلك قالَ بعضُ أرباب القلوبِ : ( إنَّ الناسَ يقولونَ : افتحوا أعينَكُمْ حتَّى تبصروا ، وأنا أقولُ : غمِّضوا أعينَكُمْ حتَّى تبصروا ) ، وكلُّ واحدٍ مِنَ القولينِ حقٌّ ، إلا أنَّ الأوَّلَ خبَّرَ عنِ المنزلِ الأَوَّلِ القريبِ مِنَ الوطنِ ، والثانيَ خبَّرَ عمَّا بعدَهُ مِنَ المنازلِ البعيدةِ عنِ الوطنِ ، التي لا يطؤُّها إلا مخاطرٌ بنفسِهِ، والمجاوزُ إليها ربَّما يتيهُ فيها سنينَ ، وربَّما يأخذُ التوفيقُ بيدِهِ فيرشدُهُ إلى سواء السبيلِ ، والهالكونَ في التيهِ هِمُ الأكثرونَ مِنْ ركَّابِ هذهِ الطرقِ ، ولكنِ السائحونَ السالمونَ بنورِ التوفيقِ فازوا بالنعيمِ والملكِ المقيمٍ ، وهمُ الذينَ سبقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحسنى . واعتبر هذا الملكَ بملكِ الدنيا ؛ فإنَّهُ يقلُّ بالإضافةِ إلى كثرةِ الخلقِ طلابُهُ ، ومهما عظمَ المطلوبُ .. قلَّ المساعدُ ، ثمَّ الذي يهِلِكُ أكثرُ مِنَ الذي يملكُ ، ولا يتصدَّى لطلبِ الملكِ العاجزُ الجبانُ ؛ لعظيمِ الخطرِ وطولِ التعبٍ . وَإِذا كانَتِ النُّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ فِي مُرادِها الأَجْسامُ(١) وما أودعَ اللهُ العَزَّ والملكَ في الدينِ والدنيا إلا في متنِ الخطرِ . (١) البيت من الخفيف، وهو للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٣٤٥/٣). ٣٣٨ - ربع العادات كتاب آداب السفر وقدْ يُسمِّي الجبانُ الجبنَ والقصورَ باسم الحزْم والحذرِ ؛ كما قيل(١) : [من الوافر ] تَرَى الْجُبَنَاءُ أَنَّ أَلْجُبْنَ حَزْمٌ وَتِلْكَ خَدِيعَةُ الطَّبْعِ اللَِّيمِ فهذا حكْمُ السفرِ الظاهرِ إذا أُريدَ بهِ السفرُ الباطنُ بمطالعةِ آياتِ اللهِ في الأرضِ ، فلنرجعْ إلى الغرضِ الذي كنّا نقصدُهُ ولنبيِّنْ . القسمُ الثاني : وهوَ أنْ يسافرَ لأجلِ العبادةِ: إمَّا لجهادٍ أَوْ لحجُّ : وقدْ ذكرنا فضْلَ ذلكَ وآدابَهُ وأعمالَهُ الظاهرةَ والباطنةَ في كتابِ أسرارِ الحجِّ ، ويدخلُ في جملتِهِ زيارةُ قبورِ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ ، وزيارةُ قبورِ الصحابة والتابعينَ ، وسائرٍ العلماءِ والأولياءِ ، وكلُّ مَنْ يُتبرَّكُ بمشاهدتِهِ في حياتِهِ يُبَّكُ بزيارتِهِ بعدَ وفاتِهِ . ويجوزُ شدُّ الرحالِ لهذا الغرضِ ، ولا يمنعُ مِنْ هذا قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((لا تُشْدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ : مسجدي هذا، والمسجدِ الحرام، والمسجدِ الأقصى)) (٢)؛ لأنَّ ذلكَ في المساجدِ ، فإنَّها متماثلةُ بعدَ هذهِ المساجدِ ، وإلا .. فلا فرقَ بينَ زيارةِ قبورِ الأنبياءِ وبينَ الأولياءِ والعلماءِ في أصلِ الفضلِ ، وإنْ كانَ يتفاوتُ في الدرجاتِ تفاوتاً (١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (١٢٠/٤)، وفيه: ( أن العجز عقل ). (٢) رواه البخاري (١١٨٩)، ومسلم ( ١٣٩٧). ٣٣٩ كتاب آداب السفر ربع العادات عظيماً بحسَبِ اختلافٍ درجاتِهِمْ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ . وبالجملةِ : زيارةُ الأحياءِ أولىُ مِنْ زيارةِ الأمواتِ ، والفائدةُ مِنْ زیارةِ الأحياءِ طلبُ بركةِ الدعاءِ وبركةِ النظرِ إليهِمْ ؛ فإنَّ النظرَ إلى وجوهِ العلماءِ والصلحاءِ عبادةٌ(١) ، وفيه أيضاً حركةُ الرغبةِ في الاقتداءِ بِهِمْ، والتخلَّقِ بأخلاقِهِمْ وآدابِهِمْ ، هذا سوى ما يُنتظرُ مِنَ الفوائدِ العلميَّةِ المستفادةِ مِنْ أنفاسِهِمْ وأفعالِهِمْ، كيفَ ومجرَّدُ زيارةِ الإخوانِ في اللهِ عزَّ وجلَّ فيهِ فضْلٌ كما ذكرناهُ في كتابِ الصحبةِ ؟! وفي التوراةِ: ( سِرْ أربعةَ أميالٍ: زُرْ أخاً في اللهِ ) (٢) . وأمَّا البقاعُ .. فلا معنى لزيارتِها سوى المساجدِ الثلاثةِ ، وسوى الثغورِ للرباطِ بها ، فالحديثُ ظاهرٌ في أنَّهُ لا تُشْدُّ الرحالُ لطلبٍ بركةِ البقاعِ إلا إلى المساجدِ الثلاثةِ . وقدْ ذكرنا فضائلَ الحرمينِ في كتابِ الحجِّ ، وبيتُ المقدسِ أيضاً لهُ فضلٌ كبيرٌ ، خرجَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ المدينةِ قاصداً بيتَ المقدسِ حتَّى صلَّى فيهِ الصلواتِ الخمسَ ثمَّ كرَّ راجعاً مِنَ الغدِ إلى المدينةِ(٣). (١) فإنهم إذا رُؤوا .. ذكر الله، والذكر عبادة. ((إتحاف)) (٣٨٨/٦). (٢) قوت القلوب (١٨٧/٢)، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٥٢٣) عن علي رضي الله عنه ، وروى نحوه ابن عدي في «الكامل)) (١٧٩/٥) مرفوعاً، وورد منثوراً على لسان التابعين كذلك . (٣) قوت القلوب (٢٠٥/٢) . ٣٤٠