النص المفهرس

صفحات 301-320

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
بهِ العوائُ في معرضِ الوعظِ ، أو لجدالٍ معقَّدٍ يُتوصَّلُ بهِ إلى إفحام الأقرانِ ،
ويُتقرَّبُ بهِ إلى السلطانِ ، ويُستعملُ في معرضِ المنافسةِ والمباهاةِ .
وأقربُ علمٍ مرغوبٍ فيهِ المذهبُ(١) ، ولا يطلبُ غالباً إلا للتوصُّلِ إلى
التقدُّمِ على الأمثالِ ، وتولِّي الولاياتِ ، واجتلابِ الأموالِ، فهؤلاءِ كلّهُمْ
يقتضي الدينُ والحزمُ الاعتزالَ عنهُمْ .
فإنْ صُودفَ طالبٌّ للهِ ، ومتقرِّبٌ بالعلمِ إلى اللهِ .. فأكبرُ الكبائرِ الاعتزالُ
عنهُ، وكتمانُ العلم منهُ ، وهذا لا يُصادفُ في بلدةٍ كبيرةٍ أكثرُ مِنْ واحدٍ أوِ
اثنينِ إِنْ صُودفَ .
ولا ينبغي أنْ يغترَّ الإنسانُ بقولِ سفيانَ: ( تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ ، فأبى
العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ)(٢) ؛ فإنَّ الفقهاءَ يتعلَّمونَ لغيرِ اللهِ ثُمَّ يرجعونَ
إلى اللهِ ، وانظرْ إلى أواخرٍ أعمارِ الأكثرينَ منهُمْ واعتبرْهُمْ أَنَّهُمْ ماتوا وهمْ
هلكى على طلبِ الدنيا ومتكالبونَ عليها، أوْ راغبونَ عنها وزاهدونَ فيها ،
وليسَ الخبرُ كالمعاينةِ .
واعلمْ : أنَّ العلمَ الذي أشارَ إليهِ سفيانُ هوَ علمُ الحديثِ وتفسيرُ القرآنِ
ومعرفةُ سيرِ الأنبياءِ والصحابةِ ، فإنَّ فيها التخويفَ والتحذيرَ ، وهوَ سببٌ
(١) أي: المسائل المتعلقة بمذهبه. ((إتحاف)) (٢٦٣/٦)، ولا يبعد أن يراد به هنا الفقه
خصوصاً؛ إذ قد أشار المصنف أنه كتب ((الإحياء )) على رسْمِهِ استمالةٌ للقلوب .
(٢) قد شرحها المصنف كذلك في ((ميزان العمل)) (ص ٣٤٣).
٣٠١
تن

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
لإثارةِ الخوفِ مِنَ اللهِ ، فإنْ لمْ يؤثِّرْ في الحالِ .. أثَّرَ في المآلِ .
فأمَّا الكلامُ والفقهُ المجرَّدُ الذي يتعلَّقُ بفتاوى المعاملاتِ وفَضْلِ
الخصوماتِ ؛ المذهبُ منهُ والخلافُ .. لا يردُّ الراغبَ فيهِ للدنيا إلى اللهِ
تعالىُ ، بلْ لا يزالُ متمادياً في حرصِهِ إلى آخرِ عمرِهِ .
ولعلَّ ما أودعناهُ هذا الكتابَ إنْ تعلَّمَهُ المتعلِّمُ رغبةً في الدنيا .. فيجوزُ
أنْ يرخّصَ فيهِ ؛ إذْ يُرجىُ أنْ ينزجرَ بهِ في آخرِ عمرِهِ ؛ فإنَّهُ مشحونٌ
بالتخويفِ باللهِ ، والترغيبِ في الآخرةِ ، والتحذيرِ مِنَ الدنيا ، وذلكَ ممَّا
يُصادفُ في الأحاديثِ وتفسيرِ القرآنِ ، ولا يُصادفُ في كلامٍ ، ولا خلافٍ ،
ولا في مذهبٍ ، فلا ينبغي أنْ يخادعَ الإنسانُ نفسَهُ ، فإنَّ المقصِّرَ العالمَ
بتقصيرِهِ أسعدُ حالاً مِنَ الجاهلِ المغرورِ ، أوِ المتجاهلِ المغبونِ .
وكلُّ عالمٍ اشتدَّ حرصُهُ على التعليمِ يوشكُ أنْ يكونَ غرضُهُ القبولَ
والجاهَ، وحظُّهُ تلذُّذَ النفسِ في الحالِ ؛ باستشعارِ الإدلالِ على الجهَّالِ
والتكتُّرِ عليهم ، فَآفةُ العلمِ الخيلاءُ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١).
ولذلكَ حُكِيَ عنْ بشرٍ أَنَّهُ دفنَ سبعةَ عشرَ قمطراً مِنْ كتبِ الأحاديثِ التي
سمعَها ، وكانَ لا يحدِّثُ ، ويقولُ: ( إنِّي أشتهي أنْ أحدِّثَ ، فلذلكَ
(١) المعروف - كما قال الحافظ العراقي - هو حديث: ((آفة العلم النسيان وآفة الجمال
الخيلاء))، وهو قطعة من حديث رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٣٢٦) ، وانظر
((الإتحاف)) (٦ / ٣٦٤) .
٣٠٢

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
لا أحدِّثُ، ولو اشتهيتُ ألا أحدٌثَ .. لحدثْتُ)(١).
ولذلكَ قالَ: ( ((حذَّثَنَا)) بابٌ مِنْ أبوابِ الدنيا، وإذا قالَ الرجلُ:
((حدَّثَنَا)) .. فإنَّما يقولُ: أوسعوا لي)(٢).
وقالَتْ رابعةُ العدويَّةُ لسفيان الثوريِّ: نعمَ الرجلُ أنتَ لولا رغبتُكَ في
الدنيا ، قالَ : وفي ماذا رغبتُ؟ قالَتْ: في الحديثِ (٣).
ولذلكَ قالَ أبو سليمان الدارانيُّ : ( مَنْ تزوَّجَ ، أوْ كتبَ الحديثَ ، أوِ
اشتغلَ بالسفرِ .. فقدْ ركنَ إلى الدنيا )(٤).
فهذهِ آفاتٌ قَدْ نبهنا عليها في كتابِ العلمِ ، والحزْمُ الاحترازُ بالعزلةِ ،
وتركُ الاستكثارِ مِنَ الأصحابِ ما أمكنَ ، بلِ الذي يطلبُ الدنيا بتدريسِهِ
وتعليمِهِ .. فالصوابُ لهُ - إنْ كانَ عاقلاً - في مثلِ هذا الزمانِ أنْ يتركَهُ ،
فلقدْ صدقَ أبو سليمانَ الخطابيُّ حيثُ قالَ : ( دع الراغبينَ في صحبتِكَ
والتعلُّم منكَ ، فليسَ لكَ منهُمْ مالٌ ولا جمالٌ ، إخوانُ العلانيةِ أعداءُ السرِّ،
إذا لقوكَ .. تملَّقوكَ، وإذا غبْتَ عنهُمْ .. سلقوكَ، مَنْ أتاكَ منهُمْ .. كانَ
(١) قوت القلوب (١٥٦/١)، وينحوه رواه عنه الخطيب في (( شرف أصحاب الحديث ))
(٢٣٠ ) .
(٢) قوت القلوب (١٣٥/١).
(٣) قوت القلوب (٢ /٥٧) .
(٤) قوت القلوب (١٣٥/١).
٣٠٣

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
عليكَ رقيباً ، وإذا خرجَ .. كانَ عليكَ خطيباً ، أهلُ نفاقٍ ونميمةٍ ، وغلِّ
وخديعةٍ، فلا تغترَّ باجتماعِهِمْ عليكَ، فما غرضُهُمْ العلمَ ، بلِ الجاهُ والمالُ،
وأنْ يتخذوكَ سلَّماً إلى أوطارِهِمْ وأغراضِهِمْ ، وحماراً في حاجاتِهِمْ .
G
ے
إنْ قصَّرْتَ في غرضٍ مِنْ أغراضِهِمْ .. كانوا أشدَّ أعدائِكَ، ثمَّ يعدُّونَ
تردّدَهُمْ إليكَ دالَّةٌ عليكَ، ويرونَهُ حقّاً واجباً لديكَ، ويفرضونَ عليكَ أنْ
تبذلَ عرضَكَ وجاهَكَ ودينَكَ لهُمْ، فتعاديَ عدوَّهُمْ، وتنصرَ قريبَهُمْ
وخادمَهُمْ ووليَّهُمْ، وتنتهضَ لهُمْ سفيهاً وقدْ كنتَ فقيهاً ، وتكونَ لهُمْ تابعاً
خسيساً بعدَ أنْ كنتَ متبوعاً رئيساً ، ولذلكَ قيلَ : اعتزالُ العامَّةِ مروءةٌ
تامَّةٌ)(١) .
فهذا معنى كلامِهِ وإنْ خالفَ بعضَ ألفاظِهِ ، وهوَ حقٌّ وصدْقٌ ، فإنَّكَ
ترى المدرسينَ في رِقُّ دائمٍ ، وتحتَ حقٍّ لازم ، ومِنَّةٍ ثقيلةٍ ممَّنْ يتردّدُ
إليهِمْ، فكأنَّهُ يُهدي تحفةً إليهِمْ، فيرى حقَّهُ واجباً عليهِمْ، وربَّما
لا يختلفُ إليهِ ما لمْ يتكفَّلْ برزقٍ لهُ على الإدرارِ ، ثمَّ المدرِّسُ المسكينُ قَدْ
يعجزُ عنِ القيام بذلكَ مِنْ مالِهِ ، فلا يزالُ يتردّدُ إلى أبوابِ السلاطينِ ،
ويقاسي الذلَّ والشدائدَ مقاساةَ الذليلِ المهينِ ، حتَّى يُكتبَ لهُ على بعضٍ
وجوهِ السحتِ مالٌ حرامٌ ، ثمَّ لا يزالُ العاملُ يسترقُّهُ ويستخدمُهُ ، ويمتهنُهُ
ويستذلُّهُ إلى أنْ يسلمَ إليهِ ما يقدرُهُ نعمةً مستأنفةٌ مِنْ عندِهِ عليهِ ، ثمَّ يبقى في
جن:
حن
C'
(١) العزلة (ص٣٩) .
٣٠٤

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
مقاساةِ القسمةِ على أصحابِهِ ؛ إنْ سوَّىُ بينَهُمْ .. مقتَهُ المبرِّزونَ، ونسبوهُ
إلى الحَمْقِ وقلَّةِ التمييزِ ، والقصورِ عنْ درْكِ مصارفاتِ الفضلِ ، والقيامِ في
مقاديرِ الحقوقِ بالعدلِ ، وإنْ فاوتَ بينَهُمْ .. سلقَهُ السفهاءُ بألسنةٍ حدادٍ ،
وثاروا عليهِ ثورانَ الأساودِ والآسادِ(١) ، فلا يزالُ في مقاساتِهِمْ في الدنيا ،
وفي مظالم ما يأخذُهُ ويفرِّقُهُ في العقبى .
والعجبُ أنَّهُ معَ هذا البلاءِ كلِّهِ تمنِّهِ نفسُهُ بالأباطيلِ ، وتدلِّيْهِ بحبلٍ
الغرورِ ، وتقولُ لهُ: لا تفترْ عنْ صنيعِكَ، فإنَّما أنتَ بما تفعلُهُ مريدٌ
وجهَ اللهِ تعالى ، ومذيعٌ شرْعَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وناشرٌ علمَ
دينِ اللهِ ، وقائمٌ بكفايةِ طلابِ العلمِ مِنْ عبادِ اللهِ ، وأموالُ السلاطينِ
لا مالكَ لها ، وهيَ مرصدةٌ للمصالح ، وأيُّ مصلحةٍ أكبرُ مِنْ تكثيرِ أهلِ
العلمِ ؟! فبِهِمْ يظهرُ الدينُ ويتقوَّىُ أهلُهُ ، ولوْ لمْ يكنْ ضُحْكةٌ للشيطانِ ..
لعلمَ بأدنى تأمُّلِ أنَّ فسادَ الزمانِ لا سببٌ لهُ إلا كثرةُ أمثالِ أولئكَ الفقهاءِ ،
الذينَ يأكلونَ ما يجدونَ ، ولا يميِّزُونَ بينَ الحلالِ والحرام ، فتلحظُهُمْ أعينُ
الجھَّالِ ، ويستجرئونَ على المعاصي باستجرائِهِمْ؛ اقتداءَ بهِمْ، واقتفاءً
الآثارِهِمْ، ولذلكَ قيلَ : ما فسدَتِ الرعيَّةُ إلا بفسادِ الملوكِ، وما فسدَتِ
الملوكُ إلا بفسادِ العلماءِ، فنعوذُ باللهِ مِنَ الغرورِ والعمىُ ؛ فإنَّهُ الداءُ الذي
ليسَ لهُ دواءٌ .
(١) الأساود: جمع أسود ، الحية السوداء ، والآساد : جمع أسد .
٣٠٥

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
الفائدةُ الثانيةُ : النفعُ والانتفاعُ :
أمَّا الانتفاعُ بالناسِ : فبالكسبِ والمعاملةِ، وذلكَ لا يتأتَّى إلا
بالمخالطةِ ، والمحتاجُ إليهِ مضطرٌ إلى ترْكِ العزلةِ ، فيقعُ في جهادٍ مِنَ
المخالطةِ إنْ طلبَ موافقةَ الشرع فيهِ كما ذكرناهُ في كتابِ الكسبِ .
فإنْ كانَ معَهُ ما لوِ اكتفى بهِ قانعاً لأقنعَهُ .. فالعزلةُ أفضلُ لهُ إذا انسدَّتْ
طرقُ المكاسبِ في الأكثرِ إلا مِنَ المعاصي ، إلا أنْ يكونَ غرضُهُ الكسْبَ
للصدقةِ ، فإذا اكتسبَ مِنْ وجهِهِ وتصدَّقَ .. فهوَ أفضلُ مِن العزلةِ ؛
للاشتغالِ بالنافلةِ ، وليسَ بأفضلَ مِنَ العزلةِ ؛ للاشتغالِ بالتحقَّقِ في
معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ علومِ الشرع ، ولا مِنَ الإقبالِ بكنهِ الهمَّةِ على اللهِ
تعالى ، والتجرُّدِ بهِ لذكرِ اللهِ ؛ أعني: مَنْ حصلَ لهُ أنْسٌ بمناجاةِ اللهِ عنْ
كشفٍ وبصيرةٍ ، لا عنْ أوهامٍ وخيالاتٍ فاسدةٍ .
٠٨
وأمَّا النفعُ : فهوَ أَنْ ينفعَ الناسَ ؛ إِمَّا بمالِهِ أَوْ ببدنِهِ ، فيقومَ بحاجاتِهِمْ
على سبيلِ الحسبةِ ، ففي النهوضِ بقضاءِ حوائجِ المسلمينَ ثوابٌ ، وذلكَ
لا يُنالُ إلا بالمخالطةِ، ومَنْ قدرَ عليها معَ القيامِ بحدودِ الشرعِ .. فهيَ
أفضلُ لهُ مِنَ العزلةِ إنْ كانَ لا يشتغلُ في عزلتِهِ إلا بنوافلِ الصلواتِ والأعمالِ
البدنيةِ، وإنْ كانَ ممَّنِ انفتحَ لهُ طريقُ العملِ بالقلبِ ؛ بدوامٍ ذكرٍ أوْ فكرٍ ..
فذلكَ لا يُعدلُ بِهِ غيرُهُ ألبتةً .
٣٠٦

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
الفائدةُ الثالثةُ : التأديبُ والتأُّبُ :
ونعني بهِ(١) : الارتياضَ بمقاساةِ الناسِ، والمجاهدةَ في تحمُّلِ أذاهُمْ ؛
كسراً للنفسِ ، وقهراً للشهواتِ ، وهيَ مِنَ الفوائدِ التي تُستفادُ بالمخالطةِ ،
وهيَ أفضلُ مِنَ العزلةِ في حقِّ مَنْ لمْ تتهذَّبْ أخلاقُهُ ، ولمْ تذعنْ لحدودٍ
الشرعِ شهواتُهُ .
ولهذا انتدبَ خدَّامُ الصوفيَّةِ في الرباطاتِ ، فيخالطُونَ النَّاسَ
بخدمتِهِمْ ، وأهلَ السوقِ للسؤالِ منهُمْ ؛ كسراً لرعونةِ النفسِ ، واستمداداً
مِنْ بركةِ دعاءِ الصوفيّةِ المنصرفينَ بهممِهِمْ إلى اللهِ سبحانَهُ .
وكانَ هذا هوَ المبدأَ في الأعصارِ الخاليةِ ، والآنْ قدْ خالطَتْهُ الأغراضُ
الفاسدةُ ، ومالَ ذلكَ عنِ القانونِ كما مالَتْ سائرُ شعائرِ الدينِ ، فصارَ يُطلبُ
مِنَ التواضعِ بالخدمةِ التكثيرُ بالاستتباعِ ، والتذرُّعُ إلى جمعِ المالِ ،
والاستظهارُ بكثرةِ الأتباع ، فإنْ كانَتِ النِيَّةُ هذا .. فالعزلةُ خيرٌ منهُ، ولو
إلى القبرِ ، وإنْ كانَتِ النِيَّةُ رياضةَ النفسِ .. فهيَ خيرٌ مِنَ العزلةِ في حقِّ
المحتاج إلى الرياضةِ ، وذلكَ ممَّا يُحتاجُ إليهِ في بدايةِ الإرادةِ ، فبعدَ
حصولِ الارتياضِ ينبغي أنْ يفهمَ أنَّ الدابَّةَ لا يُطلبُ مِنْ رياضتِها عينُ
رياضتِها ، بلِ المرادُ منها أنْ تُتُخذَ مركباً يُقطعُ بهِ المراحلُ ، ويُطوى على
(١) أي : بالتأذُّب ، وسيأتي الكلام على التأديب .
٣٠٧

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
G
ظهرِهِ الطريقُ(١)، والبَدَنُ مطيّةٌ للقلبِ، يركبُها ليسلكَ بها طريقَ الآخرةِ ،
وفيها شهواتٌ إنْ لمْ يكسرْها .. جمحَتْ بهِ في الطريقِ ، فمَنِ اشتغلَ طولَ
العمرِ بالرياضةِ .. كانَ كمَنْ اشتغلَ طولَ عمرِ الدابَّةِ برياضتِها ولمْ يركبْها ،
فلا يستفيدُ منها إلا الخلاصَ في الحالِ مِنْ عضِّها ورفَسِها ورَمْحِها ، وهيَ -
لعمري - فائدةٌ مقصودةٌ ، ولكنْ مثلُها حاصلٌ منَ البهيمةِ الميتةِ ، والدابَّةُ تُرَادُ
الفائدةٍ تحصلُ مِنْ حياتِها ، فكذلكَ الخلاصُ عنْ ألمِ الشهواتِ في الحالِ
يحصلُ بالنوم والموتِ ، فلا ينبغي أن يقنعَ بها ؛ كالراهبِ الذي قيلَ لهُ :
يا راهبُ ؛ فقالَ: ( ما أنا براهبٍ، إنَّما أَنا كلبٌ عقورٌ، حبستُ نفسي حتَّى
لا أعقرَ الناسَ ) ، وهذا حسنٌ بالإضافةِ إلى مَنْ يعقرُ الناسَ ، ولكنْ
لا ينبغي أنْ يقتصرَ عليهِ، فإنَّ مَنْ قتلَ نفسَهُ أيضاً .. لمْ يعقرِ الناسَ ، بلْ
ينبغي أنْ يتشوَّف إلى الغاية المقصودةِ بها ، ومنْ فهمَ ذلكَ واهتدى إلى
الطريقِ وقدرَ على السلوكِ .. استبان لهُ أنَّ العزلةَ أعونُ لهُ مِنَ المخالطةِ ،
فالأفضلُ لمثلِ هذا الشخصِ المخالطةُ أوّلاً والعزلةُ آخراً .
وأمَّا التأديبُ : فإنَّما نعني بهِ أنْ يروِّضَ غيرَهُ، وهوَ حالُ شيخ الصوفيّةِ
معَهُمْ ، فإنَّهُ لا يقدرُ على تهذبِهِمْ إلا بمخالطتِهِمْ، وحالُهُ حالُ المعلِّمِ ،
وحكمُهُ حكمُهُ ، ويتطرّقُ إليهِ مِنْ دقائقِ الآفاتِ والرياءِ ما يتطرّقُ إلى نشرٍ
العلمِ ، إلا أنَّ مخايلَ طلبِ الدنيا مِنَ المريدينَ الطالبينَ للارتياضِ أبعدُ منها
(١) في (ب): (يقطع بها المراحل ، ويطوى على ظهرها الطريق ).
٣٠٨

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
ـن
مِنْ طلبةِ العلمِ ، ولذلكَ يُرىُ فيهِمْ قلةٌ ، وفي طلبةِ العلمِ كثرةٌ ، فينبغي أنْ
يقيسَ ما تيسَّرَ لهُ مِنَ الخلوةِ بما تيسَّرَ لَهُ مِنَ المخالطةِ وتهذيبِ القومِ ،
وليقابلْ أحدَهُما بالآخرِ ، وليؤثرِ الأفضلَ ، وذلكَ يدركُ بدقيقِ الاجتهادِ ،
ويختلفُ بالأحوالِ والأشخاصِ ، فلا يمكنُ الحكمُ عليهِ مطلقاً بنفي
ولا إثباتٍ .
الفائدةُ الرابعةُ : الاستئناسُ والإيناسُ :
وهوَ غرضُ مَنْ يحضرُ الولائمَ والدعواتِ ، ومواضعَ المعاشرةِ
والأنسِ ، وهذا يرجعُ إلى حظّ النفسِ في الحالِ ، وقدْ يكونُ ذلكَ على
وجهٍ حرام ؛ بمؤانسةِ مَنْ لا تجوزُ مؤانستُهُ ، أوْ على وجهِ مباحٍ ، وقدْ
يُستحبُّ ذلكَ لأمرِ الدينِ ، وذلكَ فيمَنْ يستأنسُ بمشاهدةِ أحوالِهِ وأقوالِهِ في
الدينِ ؛ كالأنسِ بالمشايخ الملازمينَ لسمْتِ التقوى، وقدْ يتعلَّقُ بحظٍّ
النفسِ ، ويُستحبُّ إذا كانَ الغرضُ منهُ ترويحَ القلبِ ؛ لتهييج دواعي النشاطِ
في العبادةِ ، فإنَّ القلوبَ إذا أكرهَتْ .. عميَتْ، ومهما كانَ في الوحدةِ
وحشةٌ ، وفي المجالسةِ أنسٌ يروِّحُ القلبَ .. فهيَ أولى ؛ إذِ الرفقُ في
العبادةِ مِنْ حزْمِ العبادةِ .
٨٠٠٠.
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا)) (١) ،
(١) هو شطر حديث رواه البخاري (٤٣، ٦٤٦٥)، ومسلم ( ٧٨٢) .
٣٠٩

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وهذا أمرٌ لا يُستغنى عنهُ؛ فإنَّ النفسَ لا تألفُ الحقَّ على الدوامِ ما لمْ
تُرُوَّحْ ، وفي تكليفِها الملازمةَ تنفيرٌ ، ومَنْ يشاذَّ هذا الدينَ .. يغلبْهُ ؛ فإنَّ
الدينَ متينٌ، والإيغالُ فيهِ برفْقِ دأْبُ المستبصرينَ(١).
ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( لولا مخافةُ الوسواسِ .. لمْ
أجالسِ الناسَ )، وقالَ مرَّةً: ( .. لدخلتُ بلاداً لا أنيسَ بها ، وهلْ يفسدُ
الناسَ إلا الناسُ)(٢).
ته
فلا يستغني المعتزلُ إذاً عنْ رفيقٍ يستأنسُ بمشاهدتِهِ ومحادثتِهِ في اليومِ
والليلةِ ساعةً ، فليجتهدْ في طلبٍ مَنْ لا يفسدُ عليهِ في ساعتِهِ تلكَ سائرَ
ساعاتِهِ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( المرءُ على دينِ خليلِهِ ، فلينظرْ
أحدُكُمْ مَنْ يخاللُ))(٣).
وليحرِصْ أنْ يكونَ حديثُهُ عندَ اللقاءِ في أمورِ الدينِ، وحكايةِ أحوالِ القلبِ،
وشكواهُ وقصورِهِ عنِ الثباتِ على الحقِّ ، والاهتداءِ إلى الرشدِ ، ففي ذلكَ
متنفّسٌ ومتروٌَّ للنفسِ ، وفيهِ مجالٌ رحْبٌ لكلِّ مشغولٍ بإصلاحِ نفسِهِ ؛ فإنَّهُ
لا تنقطعُ شكواهُ ولوْ عُمِّرَ أعماراً طويلةً، والراضي عنْ نفسِهِ مغرورٌ قطعاً (٤) .
ـن
دن
(١) إشارة إلى ما رواه أحمد في ((المسند)) (١٩٨/٣) من حديث أنس رضي الله عنه.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (١٢٦)، وهو بلفظيه عند صاحب «القوت)) (١٤٢/٢).
(٣) رواه أبو داوود ( ٤٨٣٣)، والترمذي (٢٢٧٨).
(٤) ولا يذاكره في أمور الدنيا ، وأحوال فساد الخلق ، والشكوى على الظالمين ، وما انتشر
من فساد حال الرعية والعامة. ((إتحاف)) (٣٦٩/٦) .
٣١٠

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
فهذا النوعُ مِنَ الاستئناسِ في بعضٍ أوقاتِ النهارِ ربَّما يكونُ أفضلَ مِنَ
العزلةِ في حقِّ بعضِ الأشخاصِ ، فليتفقدْ فيهِ أحوالَ القلبِ وأحوالَ الجليسِ
أوَّلاً ، ثمَّ ليجالسْ .
الفائدةُ الخامسةُ : في نيلِ الثوابِ وإنالتهِ :
أمَّا النيلُ : فبحضورِ الجنائزِ ، وعيادةِ المرضى ، وحضورِ العيدينِ ،
وأمَّا حضورُ الجمعةِ .. فلا بدَّ منهُ ، وحضورُ الجماعةِ في سائرِ الصلواتِ
أيضاً لا رخصةَ في تركِهِ إلا لخوفِ ضررٍ ظاهرٍ يقاومُ ما يفوتُ مِنْ فضيلةٍ
الجماعةِ ويزيدُ عليهِ ، وذلكَ لا يتفقُ إلا نادراً، وكذلكَ في حضورِ
الإملاكاتِ والدعواتِ ثوابٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ إدخالُ سرورٍ على قلبٍ مسلمٍ .
وأمَّا إنالتُهُ: فهوَ أنْ يفتحَ البابَ لتعودَهُ الناسُ ، أوْ يعزُّوهُ في المصائبِ ،
أوْ يهنُّوهُ على النعمِ، فإنَّهُمْ ينالونَ بهِ ثواباً ، وكذلكَ إذا كان مِنَ العلماءِ وأذنَ
لهُمْ في الزيارةِ .. نالوا ثوابَ الزيارةِ ، وكانَ هوَ بالتمكينِ سبباً فيهِ .
فينبغي أنْ يزنَ ثوابَ هذهِ المخالطاتِ بآفاتِها التي ذكرناها ، وعندَ ذلكَ
قدْ ترجحُ العزلةُ وقدْ ترجحُ المخالطةُ، فقدْ حُكِيَ عنْ جماعةٍ مِنَ السلفِ مثلٍ
مالكِ بنِ أنسٍ وغيرِهِ تركُ إجابةِ الدعواتِ وعيادةِ المرضى وحضورِ الجنائِ ،
بلْ كانوا أحلاسَ بيوتِهِمْ (١)، لا يخرجونَ إلا للجمعةِ وزيارةِ القبورِ ،
(١) أحلاس: جمع حِلْس، وهو الحصير الذي يلي الأرض؛ أي: كانوا ملازمين بيوتهم ، =
4 3
٣١١

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وبعضُهُمْ فارقَ الأمصارَ وانحازَ إلى قُلَل الجبالِ ؛ تفرُّغاً للعبادةِ وفراراً مِنَ
الشواغلِ .
الفائدةُ السادسةُ مِنَ المخالطةِ : التواضعُ :
فإنَّهُ مِنْ أفضلِ المقاماتِ ، ولا يُقدرُ عليهِ في الوحدةِ (١) ، وقدْ يكونُ
الكِبْرُ سبباً في اختيارِ العزلةِ ، فقدْ رُوِيَ في الإسرائيلياتِ : أنَّ حكيماً مِنَ
الحكماءِ صنَّفَ ثلاثَ مئةٍ وستينَ مصحفاً في الحكمةِ ، حتَّى ظنَّ أنَّهُ قدْ نالَ
عندَ اللهِ منزلةً ، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّهِ : قلْ لفلانٍ: إنَّكَ قدْ ملأتَ
الأرضَ نفاقاً ، وإنِّي لا أقبلُ مِنْ نفاقِكَ شيئاً ، قالَ : فتخلّى وانفرد في سرْبٍ
تحتَ الأرضِ، وقالَ : الآنَ قدْ بلغتُ رضا ربِّي ، فأوحى اللهُ تعالى إلى
نبيِّه : قلْ لهُ: إنَّكَ لمْ تبلغْ رضايَ ، قالَ: فدخلَ الأسواقَ ، وخالطَ العامَّةَ
وجالسَهُمْ، وواكلَهُمْ وأكلَ الطعامَ بينَهُمْ ، ومشى في الأسواقِ معَهُمْ،
فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيِّهِ: الآنَ قدْ بلغتَ رضايَ(٢).
فَكَمْ مِنْ معتزلٍ في بيتِهِ وباعثُهُ التكبُّرُ ، ومانعُهُ عنِ المحافلِ ألا يُوقّرَ
لا ينتقلون كما أن الأحلاس لا تنقل، وفي هذا إشارة إلى كمال التواضع. ((إتحاف)»
=
(٣٦٩/٦) .
(١) لأن التواضع تفاعل يقتضي الاثنينية. ((إتحاف)) (٣٧٠/٦).
(٢) قوت القلوب (٢٣٣/٢)، وتقدم مختصراً.
٣١٢

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
أوْ لا يُقدَّمَ ، أوْ يرى الترفُّعَ عنْ مخالطتِهِمْ أرفعَ لمحلِّهِ ، وأبقىُ لطراوةٍ ذكرِهِ
بينَ الناسِ .
وقدْ يعتزلُ خيفةٌ مِنْ أنْ تظهرَ مقابحُهُ لوْ خالطَ ، فلا يُعتقدُ فيهِ الزهدُ
والاشتغالُ بالعبادةِ ، فيتخذُ مِن البيتِ ستراً على مقابحِهِ ؛ إبقاءً على اعتقادِ
الناسِ في زهدِهِ وتعبُّدِهِ مِنْ غيرِ استغراقٍ وقتٍ في الخلوةِ بذكرٍ أوْ فكرٍ .
وعلامةُ هؤلاءِ : أنَّهُمْ يحبُّونَ أنْ يُزاروا ولا يحبُّونَ أنْ يزوروا ، ويفرحونَ
بتقرُّبِ العوامِّ والسلاطينِ إليهِمْ، واجتماعِهِمْ على بابِهِمْ وطريقِهِمْ ،
وتقبيلِهِمْ أيديَهُمْ على سبيلِ التبرُّكِ، ولوْ كانَ الاشتغالُ بنفسِهِ هوَ الذي يبغُّضُ
إليهِ المخالطةَ وزيارةَ الناسِ .. لبغضَ إليهِ زيارتَهُمْ لَهُ ؛ كما حكيناهُ عنِ
الفضيلِ حيثُ قالَ: ( وهلْ جئتَنِي إلا لأتزيَّنَ لكَ وتتزيَّنَ لي؟!)(١) ، وعنْ
حاتم الأصمِّ أنَّهُ قالَ للأميرِ الذي زارَهُ : ( حاجتي ألَّ أراك ولا تراني ) .
فَمَنْ ليسَ مشغولاً معَ نفسِهِ بذكرِ اللهِ .. فاعتزالُهُ عنِ الناسِ سببُهُ شدَّةُ
اشتغالِهِ بالناسِ ؛ لأنَّ قلبَهُ متجرِّدٌ للالتفاتِ إلى نظرِهِمْ إليهِ بعينِ الوقارِ
والاحترامِ .
والعزلةُ لهذا السببِ جهلٌ مِنْ وجوهٍ :
أحدُها : أنَّ التواضعَ والمخالطةَ لا تنقُصُ مِنْ منصبٍ مَنْ هوَ كبيرٌ
بعلمِهِ أوْ دِينِهِ ؛ إذْ كانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يحملُ التمرَ والملحَ في ثوبِهِ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في (( العزلة والانفراد)) ( ٧٢).
٣١٣

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
ويدِهِ ويقولُ (١):
[من الرجز]
لا يَنْقُصُ الْكَامِلَ مِنْ كَمالِهِ مَا جَزَّ مِنْ نَفْعِ إِلَى عِيالِهِ
وكانَ أبو هريرةً وحذيفةُ وأبيٍّ وابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُمْ يحملونَ حزمةَ
الحطبِ وجِرابَ الدقيقِ على أكتافِهِمْ(٢).
وكانَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ وهو والي المدينةِ والحطبُ على
٤ .(٣)
رأسِهِ : طرِّقوا لأميرِكُمْ(٣).
وكانَ سيِّدُ المرسلينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشتري الشيءَ فيحملُهُ إلى بيتِهِ
بنفسِهِ ، فيقولُ لهُ صاحبُهُ: أعطني أحملْهُ، فيقولُ: ((صاحبُ الشيءِ أحقُّ
بحملِهِ )»(٤) .
وكانَ الحسنُ بنُّ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما يمرُّ بالسُّؤَّالِ وبينَ أيدِيهِمْ كِسَرٌ ،
فيقولونَ : هلمَّ إلى الغداءِ يا بنَ رسولِ اللهِ ؛ فكانَ ينزلُ ويجلسُ على الطريقِ
ويأكلُ معَهُمْ، ثمَّ يركبُ ويقولُ : إنَّ اللهَ لا يحبُّ المستكبرينَ .
(١) ديوان سيدنا علي (ص ٢١٢)، وهو أيضاً لمحمد بن كناسة. انظر ((الأغاني))
( ١٣ /٤٨٥١ ) .
(٢) قوت القلوب (٢٣٣/٢).
(٣) الرسالة القشيرية (ص٢٦٩) .
(٤) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦١٦٢)، والطبراني في «الأوسط )) (٦٥٩٠)، ومن
سأله الحمل عنه هو سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه ، وكان قد اشترى صلى الله عليه
وسلم سراويل له يلبسه .
٣١٤

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
الوجهُ الثاني : أنَّ الذي شغلَ نفسَهُ بطلبٍ رضا الناسِ عنهُ ، وتحسينٍ
اعتقادِهِمْ فيهِ .. مغرورٌ؛ لأنَّهُ لوْ عرفَ اللهَ حقَّ المعرفةِ .. علمَ أَنَّ الخلقَ
لا يغنونَ عنْهُ مِنَ اللهِ شيئاً ، وأنَّ ضررَهُ ونفعَهُ بيدِ اللهِ ، فلا نافعَ ولا ضارَّ
سواهُ، وأنَّ مَنْ طلبَ رضا الناسِ ومحبَّتَهُمْ بسخطِ اللهِ .. سخطَ اللهُ عليهِ
وأسخطَ عليهِ الناسَ(١)، بلْ رضا الناس غايةٌ لا تُدركُ، فرضا اللهِ أولى
بالطلبِ ، ولذلكَ قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ ليونسَ بنِ عبدِ الأعلى :
واللهِ ؛ ما أقولُ لكَ إلا نصحاً ، إنَّهُ ليسَ إلى السلامةِ مِنَ الناسِ سبيلٌ ، فانظرْ
ما يصلحُكَ فافعلْهُ(٢) .
ولذلكَ قيلَ(٣):
[من مخلع البسيط]
مَنْ راقَبَ النَّاسَ ماتَ غَمّاً وَفازَ بِأَللَّذَّةِ الْجَسُورُ
ونظرَ سهلٌ إلى واحدٍ مِنْ أصحابِهِ فقالَ: اعملْ كذا وكذا - لشيءٍ أمرَهُ بهِ -
فقالَ : يا أستاذُ ؛ لا أقدرُ عليهِ لأجلِ الناسِ ، فالتفتَ إلى أصحابِهِ وقالَ : ( لا
ينالُ عبدٌ حقيقةٌ مِنْ هذا الأمرِ حتَّى يكونَ بأحدٍ وصفينٍ : عبدٌ تسقطُ الناسُ مِنْ
عينِهِ ، فلا يرىُ في الدنيا إلا خالقَةُ، وأنَّ أحداً لا يقدرُ على أنْ يضرّهُ
(١) وهو معنى حديث رواه الترمذي (٢٤١٤) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: ((من
التمس رضا الله بسخط الناس .. كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس رضا الناس
بسخط الله .. وَكَلَّهُ اللهُ إلى الناس)).
(٢) قوت القلوب (٢٣٣/٢).
(٣) البيت لسلم الخاسر في ((ديوانه)) ( ص ١٠٤ ) ضمن (( شعراء عباسيون)) لغرونباوم.
٣١٥

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
ولا ينفعَهُ، وعبدٌ سقطَتْ نفسُهُ عنْ قلبهِ، فلا يبالي بأيِّ حالٍ يرونَةُ)(١).
وقالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ : ( ليسَ مِنْ أحدٍ إلا ولهُ محبٌّ ومبغضٌ ، فإذا
كانَ هكذا .. فكنْ معَ أهلِ طاعةِ اللهِ)(٢).
وقيلَ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ إنَّ قوماً يحضرونَ مجلسَكَ ليسَ بغيتُهُمْ إلا
تتبُّعَ سقطاتِ كلامِكَ ، وتعتُتَّكَ بالسؤالِ ! فتبسَّمَ وقالَ للقائلِ : هوِّنْ
عليكَ ، فإنِّي حدثتُ نفسي بسكنى الجنانِ ومجاورةِ الرحمنِ فطمعَتْ ،
وما حدثتُ نفسي بالسلامةِ مِنَ الناسِ ؛ لأنِّي قدْ علمتُ أنَّ خالقَهُمْ ورازقَهمْ
ومحييَهُمْ ومميتَهُمْ لمْ يسلمْ منْهُمْ(٣) .
وقالَ موسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا ربِّ ؛ احبسْ عنِّي ألسنةَ الناسِ ،
فقالَ : يا موسى ؛ هذا شيءٌ لمْ أصطفِهِ لنفسي، فكيفَ أفعلُهُ بكَ ؟!(٤).
وأوحى اللهُ سبحانَهُ وتعالى إلى عُزِيرٍ : إنْ لمْ تطبْ نفساً بأنْ أجعلَكَ
◌ِلكاً في أفواهِ الماضغينَ .. لمْ أكتبُكَ عندي مِنَ المتواضعينَ(٥).
فإذاً ؛ مَنْ حبسَ نفسَهُ في البيتِ ليحسِّنَ اعتقاداتِ الناسِ وأقوالَهُمْ فيهِ . .
فهوَ في عناءٍ حاضرٍ في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون .
(١) قوت القلوب (٢/ ٢٣٤).
(٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١١٧/٩).
(٣) قوت القلوب (٢٣٤/٢) وتمامه : ( فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم ؟!).
(٤) قوت القلوب (٢٣٤/٢) .
(٥) قوت القلوب (٢٣٤/٢).
٣١٦
. --

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
فإذاً؛ لا تُستحبُّ العزلةُ إلا لمستغرقِ الأوقاتِ بربِّهِ ذكراً وفكراً ، وعبادةً
وعلماً ؛ بحيثُ لوْ خالطَ الناسَ .. لضاعَتْ أوقاتُهُ، وكثرَتْ آفاتُهُ ،
وتشوَّشَتْ عليهِ عباداتُهُ .
فهذهِ غوائلُ خفيةٌ في اختيارِ العزلةِ ، ينبغي أنْ تُتُقى ؛ فإنَّها مهلكاتٌ في
صورِ منجياتٍ .
الفائدةُ السابعةُ : التجارِبُ :
فإنَّها تُستفادُ مِنْ مخالطةِ الخلقِ ومجاري أحوالِهِمْ ، والعقلُ الغريزيُّ
ليسَ كافياً في تفهُّمٍ مصالحِ الدينِ والدنيا ، وإنَّما تفيدُها التجربةُ
والممارسةُ ، ولا خيرَ في عزلةٍ مَنْ لمْ تحنِّكْهُ التجارِبُ ، فالصبيُّ إذا
اعتزلَ .. بقيَ غُمراً جاهلاً، بلْ ينبغي أنْ يشتغلَ بالتعلُّمِ ليحصلَ لهُ في مدَّةِ
التعلُّمِ ما يحتاجُ إليهِ مِنَ التجاربِ ، ويكفيهِ ذلكَ ، ويحصِّلُ بقيةَ التجارِبِ
بسماع الأحوالِ ، فلا يحتاجُ إلى المخالطةِ.
ومِنْ أُهمِّ التجاربِ : أنْ يجرِّبَ نفسَهُ وأخلاقَهُ وصفاتِ باطنِهِ ، وذلكَ
لا يقدرُ عليهِ في الخلوةِ ؛ فإنَّ كلَّ مجرَّبٍ في الخلاءِ يسيرٌ ، وكلَّ غضوبٍ أوْ
حقودٍ أوْ حسودٍ إذا خلا بنفسِهِ .. لمْ يترشَّحْ منهُ خبتُهُ ، وهذهِ الصفاتُ
مهلكاتٌ في أنفسِها ، يجبُ إماطتُها وقهرُها ، ولا يكفي تسكينُها بالتباعدِ
عمَّا يحرِّكُها .
٣١٧
ـوـ

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
فمثالُ القلبِ المشحونِ بهذه الخبائثِ مثالُ دُمَّلِ ممتلىءٍ بالصدیدِ
والمِدَّةِ(١) ، وقدْ لا يحسُّ صاحبُهُ بألمِهِ ما لمْ يتحرَّكْ أوْ يمسُّهُ غيرُهُ ، فإنْ لمْ
يكنْ لهُ يدٌ تمسُّهُ، أوْ عينٌ تبصرُ صورتَهُ ، ولمْ يكنْ معَهُ مَنْ يحرِّكُهُ .. ربَّما
ظنَّ بنفسِهِ السلامةَ ، ولمْ يشعرْ بالدُّمَّلِ في نفسِهِ ، واعتقدَ فقدَهُ ، ولكنْ لَوْ
حرّكَهُ محرٌِّ ، أوْ أصابَهُ مِشرطُ حجَّامٍ .. انفجرَ منهُ الصديدُ وفارَ فورانَ
الشيءِ المحتقنِ إذا حُبِسَ عنِ الاسترسالِ ؛ فكذلكَ القلبُ المشحونُ بالبخلِ
والحقدِ والغضبِ والحسدِ وسائرِ الأخلاقِ الذميمةِ إنَّما تتفجرُ منهُ خبائتُهُ إذا
حُرِّكَ .
وعنْ هذا كانَ السالكونَ لطريقِ الآخرةِ ، الطالبونَ لتزكيةِ القلوبِ
يجرِّبونَ أنفسَهُمْ، فمَنْ كانَ يستشعرُ في نفسِهِ كِبْراً .. سعى في إماطتِهِ حتى
كانَ بعضُهُمْ يحملُ قِربةَ ماءٍ على ظهرِهِ بينَ الناسِ ، أوْ حزمةَ حطبٍ على
رأسِهِ ويتردّدُ في الأسواقِ ؛ ليجرِّبَ بهِ نفسَهُ ، فإنَّ غوائلَ النفسِ ومكايدَ
الشيطانِ خفيَّةٌ ، قلَّ منْ يتفطَّنُ لها .
ولذلكَ حُكِيَ عَنْ بعضِهِمْ أنَّهُ قالَ : أعدتُ صلاةَ ثلاثينَ سنةً معَ أنِّي كنتُ
أصلُّيها في الصفِّ الأوَّلِ ، ولكنْ تخلَّفْتُ يوماً لعذْرٍ ، فما وجدتُ موضعاً في
الصفِّ الأوَّلِ ، فوقفتُ في الصفِّ الثاني ، فوجدتُ نفسي تستشعرُ خجلةً منْ
نظرِ الناسِ إليَّ، وقدْ سُبقتُ إلى الصفِّ الأوَّلِ، فعلمتُ أنَّ جميعَ صلواتي
(١) المِدَّة : ما يجتمع في الجرح من القيح.
٣١٨

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
كانَتْ مشوبةً بالرياءِ ، ممزوجةً بلذَّةِ نظرِ الناسِ إليَّ ورؤيتِهِمْ إِيَّايَ في زمرةٍ
السابقينَ إلى الخيرِ .
فالمخالطةُ لها فائدةٌ ظاهرةٌ عظيمةٌ في استخراج الخبائثِ وإظهارِها ،
ولذلكَ قيلَ: ( السفرُ يُسْفِرُ عنِ الأخلاقِ ) ؛ فإنَّهُ نوعٌ مِنَ المخالطةِ الدائمةِ .
وستأتي غوائلُ هذهِ المعاني ودقائقُها في ربع المهلكاتِ ، فإنَّ بالجهلِ
بها يحبطُ العملُ الكثيرُ ، وبالعلمِ بها يزكو العملُ القليلُ ، ولولا ذلكَ .. لما
فضلَ العلمُ على العملِ ؛ إذْ يستحيلُ أنْ يكونَ العلمُ بالصلاةِ ولا يُرادُ إلا
للصلاةِ أفضلَ مِنَ الصلاةِ ؛ فإنَّا نعلمُ أنَّ ما يُرادُ لغيرِهِ فذلكَ الغيرُ أشرفُ
منهُ، وقدْ قضى الشرعُ بتفضيلِ العالمِ على العابدِ ، حتَّى قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((فضْلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدْنى رجلٍ مِنْ
أصحابي )»(١) ، فمعنى تفضیلِ العلم يرجع إلى ثلاثة أوجهٍ :
أحدُها : ما ذكرناهُ .
والثاني : عمومُ نفعِهِ ؛ إذْ تتعدّى فائدتُهُ ، والعملُ لا يتعدَّى .
والثالثُ : أنْ يُرادَ بهِ العلمُ باللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، فذلكَ أفضلُ مِنْ كلِّ
عملٍ ، بلْ مقصودُ الأعمالِ صرْفُ القلوبِ عنِ الخلقِ إلى الخالقِ ؛ لتنبعثَ بعدَ
الانصرافِ إليهِ لمعرفتِهِ ومحبَّتِهِ ، فالعملُ وعلمُ العملِ مرادانِ لهذا العلمِ .
وهذا العلمُ غايةُ المريدينَ ، والعملُ كالشرطِ لهُ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ
(١) رواه الترمذي (٢٦٨٥) .
٣١٩

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ﴾ فالكلمُ الطيِّبُ: هوَ
هذا العلمُ ، والعملُ الصالحُ كالحمَّالِ الرافع لهُ إلى مقصدِهِ ، فيكونُ
المرفوعُ أفضلَ مِنَ الرافعِ .
وهذا كلامٌ معترَضٌ لا يليقُ بهذا الكلام ، فلنرجعْ إلى المقصودِ
فنقولُ :
إذا عرفتَ فوائدَ العزلةِ وغوائلَها .. تحققتَ أنَّ الحكمَ عليها مطلقاً
بالتفضيلِ نفياً وإثباتاً خطأً ، بلْ ينبغي أنْ يُنظرَ إلى الشخصِ وحالِهِ ، وإلى
الخليطِ وحالِهِ ، وإلى الباعثِ على مخالطتِهِ وإلى الفائتِ بسببٍ مخالطتِهِ مِنْ
هذهِ الفوائدِ المذكورةِ ، ويُقاسُ الفائتُ بالحاصلِ ، فعندَ ذلكَ يتبيَّنُ الحقُّ ،
ويتضحُ الأفضلُ .
وكلامُ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ هوَ فصْلُ الخطابِ ؛ إذْ قالَ : ( یا یونسُ ؛
الانقباضُ عنِ الناسِ مكسبةٌ للعداوةِ ، والانبساطُ إليهِمْ مجلبةٌ لقرناءِ السوءِ ،
فَكُنْ بينَ المنقبضِ والمنبسطِ)(١) .
فلذلكَ يجبُ الاعتدالُ في المخالطةِ والعزلةِ ، ويختلفُ ذلكَ بالأحوالِ ،
وبملاحظةِ الفوائدِ والآفاتِ يتبيَّنُ الأفضلُ، هذا هوَ الحقُّ الصُّراحُ ، وكلُّ
ما ذُكرَ سوىُ هذا فهوَ قاصرٌ، وإنَّما هوَ إخبارُ كلِّ واحدٍ عنْ حالةٍ خاصَّةٍ هوَ
فيها ، فلا يجوزُ أنْ يحكمَ بها على غيرِهِ المخالفِ لهُ في الحالِ .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٢/٩)، ويونس هو ابن عبد الأعلى الصدفي.
٣٢٠