النص المفهرس
صفحات 261-280
ربع العادات كتاب آداب العزلة ثمَّ تلاحقوا بهِ في المدينة بعدَ أنْ أعلى اللهُ كلمتَهُ . وهذا أيضاً اعتزالٌ عنِ الكفَّارِ عندَ اليأس منهُمْ؛ فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يعتزلِ المسلمينَ ولا منْ توقَّعَ إِسلامَهُ مِنَ الكفَّارِ ، وأهلُ الكَهْفِ ما اعتزلَ بعضُهُمْ بعضاً وهمْ مؤمنونَ ، وإنَّما اعتزلوا الكفَّارَ ، وإنَّما النظرُ في العزلةِ مِنَ المؤمنينَ . واحتجُوا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ عامرِ الجهنيِّ لمَّا قالَ : يا رسولَ اللهِ؛ ما النجاةُ؟ قالَ: (( ليسعْكَ بِيتُكَ، وأمسكْ عليكَ لسانَكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ)) (١). دام. ورُوِيَ أنَّهُ قيلَ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أيُّ الناس أفضلُ ؟ قالَ : ((مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسِهِ ومالِهِ في سبيلِ اللهِ تعالى ))، قيلَ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ : ((رجلٌ معتزلٌ في شعبٍ مِنَ الشعابِ يعبدُ ربَّهُ ويدعُ الناسَ مِنْ شرِّهِ)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ))(٣). وفي الاحتجاج بهذهِ الأحاديثِ نظرٌ : فأمَّا قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ عامٍ .. فلا يمكنُ تنزيلُهُ إلا على ما عرفَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) رواه الترمذي (٢٤٠٦). (٢) رواه البخاري (٢٧٨٦)، ومسلم ( ١٨٨٨). (٣) رواه مسلم ( ٢٩٦٥)، ويؤكد استدلالهم أنه من رواية صحابي معتزل هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، قاله لابنه حين قال له : أنزلتَ في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ . ٢٦١ كتاب آداب العزلة ربع العادات بنورِ النبؤَّةِ مِنْ حالِهِ ، وأنَّ لزومَ البيتِ كانَ أليقَ بهِ وأسلمَ لهُ مِنَ المخالطةِ ؛ فإنّهُ لمْ يأمرْ جميعَ الصحابةِ بذلكَ ، وربَّ شخصٍ تَكونُ سلامتُهُ في العزلةِ لا في المخالطةِ ، كما قدْ تكونُ سلامتُهُ في القعودِ في البيتِ ، وألا يخرجَ إلى الجهادِ ، وذلكَ لا يدلُّ على أنَّ تركَ الجهادِ أفضلُ . وفي مخالطةِ الناس مجاهدةٌ ومقاساةٌ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( المؤمنُ الذي يخالطُ الناسَ ويصبرُ على أذاهُمْ خيرٌ مِنَ الذي لا يخالطُ الناسَ ولا يصبرُ على أذاهمْ»(١). وعلى هذا ينزَّلُ قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((رجلٌ معتزلٌ يعبدُ ربَّهُ ويدعُ الناسَ مِنْ شرِّهِ))، فهذا إشارةٌ إلى شرِّيرِ بطبعِه يتأَذَّى الناسُ بمخالطتِهِ. م وقولُهُ : ((إنَّ اللهَ يحبُّ التقيَّ الخفيَّ)) إشارةٌ إلى إيثارِ الخمولِ، وتوقِّي الشهرةِ ، وذلكَ لا يتعلَّقُ بالعزلةِ، فكمْ مِنْ راهبٍ معتزلٍ تعرفُهُ كافَّةُ الناسِ ، وكمْ مِنْ مخالطٍ خاملٍ لا ذكرَ لهُ ولا شهرةَ ، فهذا تعرُّضٌ لأمرٍ لا يتعلَّقُ بالعزلةِ . واحتجُّوا بما رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لأصحابِهِ: ((ألا أنبتُكُمْ بخيرِ الناسِ ؟ )) قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، فأشارَ بيدِهِ نحوَ المغربِ وقالَ : ((رجلٌ آخذٌ بِعنانِ فرسِهِ في سبيلِ اللهِ ، ينتظرُ أنْ يُغيرَ أو يغارَ عليهِ ، ألا أنبتُكُمْ بخيرِ الناسِ بعدَهُ؟ )) وأشارَ بيدِهِ نحوَ الحجازِ وقالَ: ((رجلٌ في غنمِهِ (١) رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (٤٠٣٢) واللفظ له . ٢٦٢ ـرة ربع العادات کتاب آداب العزلة يقيمُ الصلاةَ ، ويؤتي الزكاةَ ، ويعلمُ حقَّ اللهِ في مالِهِ ، اعتزلَ شرورَ الناس ))(١) . ـدن فإذا ظهرَ أنَّ هذهِ الأدلةَ لا شفاءَ فيها منَ الجانبينِ .. فلا بدَّ مِنْ كشفِ الغطاءِ بالتصريح بفوائدِ العزلةِ وغوائِلِها ، ومقايسةِ بعضِها بالبعضِ ؛ ليتبيَّنَ الحقُّ فيها . (١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٤٤٥/٢) بنحوه عن عطاء بن يسار مرسلاً ، ورواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٩٦/١٠) بلفظ المصنف، والطبراني في (( الكبير)) (١٠٤/٢٥) وفيه: ( المشرق) بدل ( المغرب)، وابن عبد البر في (( التمهيد)) (٤٥٠/١٧) وفيه : ( الشام ) بدل ( المغرب ) . ٢٦٣ كتاب آداب العزلة ربع العادات البَابُ الثّاني في فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحقّ في فضلها اعلمْ : أنَّ اختلافَ الناسِ في هذا يضاهي اختلافَهُمْ في فضيلةِ النكاحِ والعزوبةِ، وقدْ ذكرنا أنَّ ذلكَ يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ ، بحسَبِ ما فصَّلْنَاهُ مِنْ آفاتِ النكاح وفوائدِهِ ، فكذلكَ القولُ فیما نحنُ فيهِ . فلنذكرْ أوَّلاً فوائدَ العزلةِ ، وهيَ تنقسمُ إلى فوائدَ دينيّةٍ ودنيويَّةٍ : ٢ والدينيّةُ : تنقسمُ إلى تمكُّنٍ مِنْ تحصيلِ الطاعاتِ في الخلوةِ ؛ بالمواظبةِ على العبادةِ والفكرِ وتربيةِ العلمِ ، وإلى تخلّصٍ مِنِ ارتكابِ المناهي التي يتعرَّض الإنسانُ لها بالمخالطةِ ؛ كالرياءِ والغيبةِ والسكوتِ عنِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ ، ومسارقةِ الطبع مِنَ الأخلاقِ الرديئةِ والأعمالِ الخبيئةِ مِنْ جلساءِ السوءِ . وأمَّا الدنيويّةُ : فتنقسمُ إلى تمكّنٍ مِنَ التحصيلِ بالخلوةِ ؛ كتمكّن المحترفِ في خلوتِهِ ، وإلى تخلصٍ مِنْ محذوراتٍ يتعرَّضُ لها بالمخالطةِ ؛ كالنظرِ إلى زهرةِ الدنيا وإقبالِ الخلْقِ عليها ، وطمعِهِ في الناسِ وطمعِ الناسِ فيهِ ، وانكشافِ ستْرِ مروءتِهِ بالمخالطةِ ، والتأذِّي بسوءِ خلقِ الجليسِ في c ٢٦٤ ربع العادات كتاب آداب العزلة مِرائِهِ أوْ سوء ظنِّهِ ، أَوْ نميمتِهِ أوْ محاسدتِهِ ، أوِ التأذِّي بثقلِهِ وتشوُّهِ خلقتِهِ(١). وإلى هذا ترجعُ مجامعُ فوائدِ العزلةِ ، فلنحصرها في ستٍّ فوائدَ : الفائدةُ الأولى : الفراغُ للعبادةِ والفكرِ ، والاستئناسُ بمناجاةِ اللهِ تعالى عنْ مناجاةِ الخلْقِ ، والاشتغالُ باستكشافِ أسرارِ اللهِ تعالى في أمرِ الدنيا والآخرةِ ، وملكوتِ السماوات والأرضٍ : فإنَّ ذلكَ يستدعي فراغاً ، ولا فراغَ معَ المخالطةِ ، فالعزلةُ وسيلةٌ إليهِ ، ولهذا قالَ بعضُ الحكماءِ : ( لا يتمكَّنُ أحدٌ مِنَ الخلوةِ إلا بالتمسُّكِ بكتابِ اللهِ تعالى ، والمتمسّكونَ بكتابِ اللهِ تعالى همُ الذين استراحوا مِنَ الدنيا بذكرِ اللهِ ، الذاكرونَ اللهَ باللهِ ، عاشوا بذكرِ اللهِ ، وماتوا بذكرِ اللهِ ، ولقوا اللهَ بذكرِ اللهِ ) ، ولا شكّ في أنَّ هؤلاءِ تمنعُهُمُ المخالطةُ عنِ الفكرِ والذكرِ ، فالعزلةُ أولى بِهِمْ . ولذلكَ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابتداءِ أمرهِ يتبثّلُ في جبلِ حِراءٍ وينعزلُ إليهِ (٢)، حتى قويَ فيهِ نورُ النبوَّةِ، فكانَ الخلْقُ لا يحجبونَهُ عنِ اللهِ تعالى ، فكانَ ببدِهِ معَ الخلْقِ ، وبقلبِهِ مقبلاً على اللهِ تعالى ، حتَّى كانَ (١) في ( ب): (وسوء خلقته)، وفي (هـ): ( وبسوء خلقه ). (٢) رواه البخاري (٤)، ومسلم ( ١٦٠ ). ٢٦٥ كتاب آداب العزلة ربع العادات الناسُ يظنُّونَ أنَّ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ خليلُهُ ، فأخبرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عنِ استغراقِ همِّهِ باللهِ فقالَ: ((لوْ كنتُ متَّخذاً خليلاً .. لا تخذتُ أبا بكرٍ خليلاً ، ولكنْ صاحبُكُمْ خليلُ اللهِ))(١) . ولنْ يتسعَ للجمعِ بينَ مخالطةِ الناسِ ظاهراً والإقبالِ على اللهِ سرّاً إلا قوَّةُ النبوَّةِ(٢) ، فلا ينبغي أنْ يغترَّ كلُّ ضعيفٍ بنفسِهِ فيطمعَ في ذلكَ . ولا يبعدُ أنْ تنتهيَ درجةُ بعضِ الأولياءِ إليهِ ، فقدْ نُقِلَ عنِ الجنيدِ أنَّهُ قالَ : ( أنا أكلِّمُ اللهَ منذُ ثلاثينَ سنةً والناسُ يظنُّونَ أَنِّي أكلِّمُهُمْ)(٣)، وهذا إنَّما يتيسَّرُ للمستغرقِ بحبِّ اللهِ استغراقاً لا يبقى لغيرِهِ فيهِ متَّعٌ ، وذلكَ غیرُ منكَرٍ ، ففي المستهتَرينَ بحبِّ الخلْقِ مَنْ يخالطُ الناسَ ببدنِهِ وهو لا يدري ما يقولُ ولا ما يقالُ لهُ لفرطِ عشقِهِ لمحبوبِهِ ، بلِ الذي دهاهُ ملمَّةٌ تشوِّشُ عليهِ أمراً مِنْ أمورِ دنياهُ قدْ يستغرقُهُ الهمُّ بحيثُ يخالطُ الناسَ ولا يحسُّ بِهِمْ ولا يسمعُ أصواتَهُمْ لشدَّةِ استغراقِهِ ، وأمرُ الآخرةِ أعظمُ عندَ العقلاءِ ، فلا (١) رواه البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٦/٢٣٨٣)، قال الحافظ الزبيدي: (الحديث متواتر، وقد رواه زهاء خمسة عشر من الصحابة). ((الإتحاف)) (٦/ ٢٥٠). (٢) إذ لها وجه إلى الخلق من حيث تبليغ الأحكام إلى الأنام ، ووجه إلى الحق من حيث المثول بين يديه ، والاستئناس بالقرب ، فالوجه الأول هو وجه النبوة ، والثاني هو وجه الولاية ، وهي سر النبوة وخلاصها ، فقول من قال : الولاية أفضل من النبوة ؛ إنما يعني بها ولاية النبوة ، وقد جمع له صلى الله عليه وسلم بين الوجهين في آن واحد . ((إتحاف)) (٦ /٣٤٢). (٣) التعرُّف لمذهب التصوف ( ص١٤٤) . ٥ ٢٦٦ ربع العادات كتاب آداب العزلة يستحيلُ ذلكَ فيهِ ، ولكنَّ الأولىُ بالأكثرينَ الاستعانةُ بالعزلةِ ، ولذلكَ قيلَ لبعضِ الحكماءِ : ما الذي أرادوا بالخلوةِ واختيارِ العزلةِ ؟ فقالَ : ليستدعوا بذلكَ دوامَ الفكرةِ ، وتثبتَ العلومُ في قلوبِهِمْ ؛ ليحيَوا حياةً طيِّةٌ ، ويذوقوا حلاوةَ المعرفةِ(١) . وقيلَ لبعضِ الرهبانِ : ما أصيرَكَ على الوحدةِ ؟ فقالَ : ما أنا وحدي ، أنا جليسُ اللهِ عزَّ وجلَّ، إذا شئتُ أنْ يناجيَني .. قرأتُ كتابَهُ، وإذا شئتُ أنْ أناجيَهُ .. صلَّيْتُ . حن وقيلَ لبعضِ الحكماءِ : إلى أيِّ شيءٍ أفضىُ بهِمُ الزهدُ والخلوةُ ؟ فقالَ : إلى الأنسِ باللهِ(٢). وقالَ سفيانُ بنُ عيينةَ : لقيتُ إبراهيمَ بنَ أدهمَ رحمهُ اللهُ في بلادِ الشام ، فقلتُ لهُ : يا إبراهيمُ ؛ تركتَ خراسانَ ؟ فقالَ : ما تهنأتُ بالعيشِ إلا ههنا ، أفرُّ بديني مِنْ شاهقٍ إلى شاهقٍ ، فمَنْ يراني يقولُ: موسوسٌ أَوْ حمَّالٌ أَوْ ملَأَحٌ(٣). (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٤٣)، وفي غير (ب، هـ) : ( المغفرة ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٦/١٠). (٣) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٣)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٦٩/٧)، والسائل عندهما هو شقيق بن إبراهيم ، لا سفيان، والموسوس - على صيغة اسم الفاعل - : مَنْ تعتريه الوساوس ، وهو يحدِّث نفسه بها ، قال تعالى : ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾ . ٢٦٧ حزم كتاب آداب العزلة ربع العادات وقيلَ لغزوانَ الرقاشيِّ: هبْكَ لا تضحكُ، فما يمنعُكَ مِنْ مجالسةِ إخوانِكَ ؟ قالَ : إنِّي أصيبُ راحةَ قلبي في مجالسةِ مَنْ عندَهُ حاجتي (١). وقيلَ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ هلهنا رجلٌ لمْ نرهُ قطَّ جالساً إلا وحدَهُ خلفَ ساريةٍ! فقالَ الحسنُ : إذا رأيتموهُ .. فأخبروني بهِ ، فنظروا إليهِ ذاتَ يومٍ ، فقالوا للحسنِ : هذا الرجلُ الذي أخبرناكَ بهِ ، وأشاروا إليهِ ، فمضى إليهِ الحسنُ وقالَ لهُ : يا عبدَ اللهِ ؛ أراكَ قدْ حُيِّبَتْ إليكَ العزلةُ، فما يمنعُكَ مِنْ مجالسةِ الناسِ ؟ فقالَ : أمرٌ شغلَني عنِ الناسِ ، قالَ : فما يمنعُكَ أنْ تأتيَ هذا الرجلَ الذي يقالُ لهُ : الحسنُ فتجلسَ إليهِ ؟ فقالَ : أمرٌ شغلَني عنِ الناسِ وعنِ الحسنِ ، فقالَ لهُ الحسنُ : وما ذاكَ الشغلُ رحمَكَ اللهُ؟ قال : إنِّي أصبحُ وأمسي بينَ نعمةٍ وذنبٍ ، فرأيتُ أنْ أشغلَ نفسي بشكرِ اللهِ تعالى على النعمةِ، والاستغفارِ مِنَ الذنبِ، فقالَ لهُ الحسنُ : أنتَ يا عبدَ اللهِ أفقهُ عندي مِنَ الحسنِ ، فالزمْ ما أنتَ عليهِ(٢). وقيلَ : بينما أويسٌ القرنيُّ جالسٌ إذْ أتاهُ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ ، فقالَ لهُ أويسٌ : ما جاءَ بكَ ؟ قالَ : جئتُ لاَنسَ بكَ ، فقالَ أويسٌ : ما كنتُ أرىُ أنَّ أحداً يعرفُ ربَّهُ فيأنسَ بغيرِهِ!(٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) ( ١٧٣). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) ( ٧٠). (٣) روى ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) (٢٠١) عن هرم عن أويس قال: ( الوحدة أحب إليَّ ) . ـحى ٢٦٨ ربع العادات كتاب آداب العزلة وقالَ الفضيلُ : ( إذا رأيتُ الليلَ مقبلاً .. فرحتُ بهِ وقلتُ : أخلو بربِّي ، وإذا رأيتُ الصبحَ أدركَني .. استرجعتُ كراهيةَ لقاءِ الناسِ ، وأنْ يجيئَني مَنْ يشغلُني عنْ ربِّي)(١). وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : طوبى لمَنْ عاشَ في الدنيا وعاشَ في الآخرةِ، قيلَ لهُ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : يناجي اللهَفي الدنيا ، ويجاورُهُ في الآخرةِ . وقالَ ذو النونِ المصريُّ : ( سرورُ المؤمنِ ولذَّتَهُ في الخلوةِ بمناجاةٍ ربِّهِ )(٢) . وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ : ( مَنْ لمْ يأنسْ بمحادثةِ اللهِ عزَّ وجلَّ عنْ محادثةٍ المخلوقينَ .. فقدْ قلَّ علمُهُ، وعميَ قلبُهُ، وضيَّعَ عمرَهُ)(٣). وقالَ ابنُ المباركِ : ( ما أحسنَ حالَ منِ انقطعَ إلى اللهِ تعالى )(٤) . ويُروى عنْ بعضِ الصالحِينَ أنَّهُ قالَ : بينما أنا أسيرُ في بعضٍ بلادِ الشامِ إذا أنا بعابدٍ خارجٍ مِنْ بعضِ تلكَ الجبالِ ، فلمَّا نظرَ إليَّ .. تتخَّى إلى أصلٍ شجرةٍ وتستَّرَ بها ، فقلتُ : سبحانَ اللهِ! تبخلُ عليَّ بالنظرِ إليك ؟! فقالَ: يا هذا ؛ إنِّي أقمتُ في هذا الجبلِ دهراً طويلاً أعالجُ قلبي في الصبرِ عنِ الدنيا وأهلها ، فطالَ في ذلك تعبي ، وفنيَ فيهِ عمري ، فسألتُ الله عزَّ وجلَّ .LA (١) روى نحوه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٨٩/٦) عن سفيان الثوري. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) (٤٢) عن عابد باليمن. (٣) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص٨٥). (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٩٢). ٢٦٩ ـععن كتاب آداب العزلة ربع العادات ألا يجعلَ حظّي مِنْ أيامي في مجاهدةٍ قلبي ، فسكِّنَهُ اللهُ عنِ الاضطرابِ وألفَ الوحدةَ والانفرادَ ، فلمَّا نظرتُ إليكَ .. خفتُ أنْ أقعَ في الأمرِ الأوَّلِ ، فإليكَ عنِّي ، فإنِّي أعوذُ مِنْ شَرِّكَ بربِّ العارفينَ وحبيبٍ التائبينَ ، ثمَّ صاحَ : وا غمَّاهُ مِنْ طولِ المكثِ في الدنيا ، ثمَّ حوَّلَ وجهَهُ عنِّي ، ثمَّ نفضَ يديهِ وقالَ : إليكِ عنِّي يا دنيا ، لغيري فتزيَّني، وأهلَكِ فغرِّي، ثُمَّ قالَ : سبحانَ مَنْ أذاقَ قلوبَ العارفينَ مِنْ لذَّةِ الخدمةِ وحلاوةِ الانقطاع إليهِ ما ألهى قلوبَهُمْ عنْ ذكرِ الجنانِ ، وعنِ الحورِ الحسانِ ؟! وجمعَ همَمَهُمْ في ذكرِهِ ، فلا شيءَ ألذَّ عندَهُمْ منْ مناجاتِهِ ، ثمَّ تركَني ومضى وهوَ يقولُ: قدوسٌ قدوسٌ(١) . فإذاً ؛ في الخلوةِ أنسٌ بذكرِ اللهِ ، واستكثارٌ مِنْ معرفةِ اللهِ ، وفي مثلٍ ذلكَ قيلَ(٢): [من الطويل] لَعَلَّ خَيالاً مِنْكِ يَلْقَى خَيالِيا وَإِنِّي لأَسْتَغْشِي وَمَا بِيَ غَشْوَةٌ أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِالسِّرِّ خالِيا وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ اَلْجُلُوسِ لَعَلَّنِي ولذلكَ قالَ بعضُ الحكماءِ : ( إنَّما يستوحشُ الإِنسانُ مِنْ نفسِهِ لخلوِّ ذاتِهِ عنِ الفضيلةِ ، فيكثرُ حينئذٍ ملاقاةَ الناسِ ، ويطردُ الوحشةَ عنْ نفسِهِ 03 (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٦/٩) بنحوه . (٢) البيتان لمجنون ليلى في ((ديوانه)) (ص ٢٩٤، ٢٩٦)، ونسبا لقيس بن ذريح أيضاً. انظر (( ديوانه)» ( ص١٦١ ) . ٢٧٠ ربع العادات كتاب آداب العزلة بالكونِ معَهُمْ ، فإذا كانَتْ ذاتُهُ فاضلةً .. طلبَ الوحدةَ؛ ليستعينَ بها على الفكرةِ ، ويستخرجَ العلمَ والحكمةَ)(١) . وقدْ قيلَ : ( الاستئناسُ بالناسِ مِنْ علاماتِ الإفلاسِ)(٢) فإذاً ؛ هذهِ فائدةٌ جزيلةٌ ولكنْ في حقِّ بعضِ الخواصِّ . ومَنْ يتيسَّرُ لهُ بدوام الذكرِ الأنسُ باللهِ ، أوْ بدوام الفِكرِ التحقّقُ في معرفةِ اللهِ .. فالتجرّدُ لهُ أفضلُ منْ كلِّ ما يتعلَّقُ بالمخالطةِ ، فإنَّ غايةً العباداتِ وثمرةَ المعاملاتِ أنْ يموتَ الإنسانُ محبّاً لله ، عارفاً بالله ، ولا محبّةَ إلا بالأنسِ الحاصلِ بدوامِ الذكرِ ، ولا معرفةً إلا بدوام الفِكرِ ، وفراغُ القلبِ شرطُ كلِّ واحدٍ منهما ، ولا فراغَ معَ المخالطةِ . ٠٠حالك. الفائدةُ الثانيةُ : التخلّصُ بالعزلةِ عنِ المعاصي التي يتعرَّضُ الإنسانُ لها غالباً بالمخالطةِ ، ويسلمُ منها في الخلوةِ : وهيَ أربعةٌ : الغيبةُ، والرياءُ ، والسكوتُ عنِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيٍ عن المنكرِ ، ومسارقةُ الطبع مِنَ الأخلاقِ الرديئةِ والأعمالِ الخبيثةِ التي يوجبُها الحرصُ على الدنيا . أمَّا الغيبةُ : فإذا عرفتَ في كتابِ آفاتِ اللسانِ مِنْ ربع المهلكاتِ (١) حكاه الخطابي في ((العزلة)) (ص٢٣). (٢) حكاه الخطابي في ((العزلة)) (ص٢٣). ٢٧١ ـم كتاب آداب العزلة ربع العادات وجوهَها .. عرفتَ أنَّ التحرُّزَ عنها معَ المخالطةِ عظيمٌ، لا ينجو منها إلا الصدِّيقونَ ، فإنَّ عادةَ الناسِ كافةً التمضمضُ بأعراضِ الناسِ ، والتفكُهُ بها ، والتنقُّلُ بحلاوتها ، وهيَ طعمتُهُمْ ولذَّتَهُمْ، وإليها يستروحونَ مِنْ وحشتِهِمْ في الخلوةِ ، فإنْ خالطتَهُمْ ووافقتَ .. أثمتَ وتعرضتَ لسخطِ اللهِ تعالى، وإنْ سكتَ .. كنتَ شريكاً ، والمستمعُ أحدُ المغتابينَ ، وإنْ أنكرتَ .. أبغضوكَ، وتركوا ذلكَ المغتابَ واغتابوكَ ، فازدادوا غيبةً إلى غيبةٍ ، وربما زادُوا على الغيبةِ وانتهوا إلى الاستخفافِ والشتْمِ . %3 وأمَّا الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكرِ : فهوَّ مِنْ أصولِ الدينِ ، وهوَ واجبٌ كما سيأتي بيانُهُ في آخرِ هذا الربع ، ومَنْ خالطَ الناسَ .. فلا يخلو عنْ مشاهدةِ المنكراتِ ، فإنْ سكتَ .. عصى اللهَ بهِ، وإنْ أنكرَ .. تعرَّضَ لأنواعٍ مِنَ الضررِ ؛ إذْ ربَّما يجرُّهُ طلبُ الخلاصِ منهُ إلى معاصٍ هيَ أكبرُ ممَّا نهى عنهُ ابتداءً ، وفي العزلةِ خلاصٌ من هذا؛ فإنَّ الأمرَ في إهمالِهِ شديدٌ ، والقيامَ بهِ شاٌّ . فرع وقدْ قامَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ خطيباً وقالَ : ( أيُّها الناسُ ؛ إِنَّكُمْ تقرؤونَ هذهِ الآيةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ﴾، وإنَّكُمْ تضعونَها في غيرٍ موضعِها، وإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إذا رأى الناسُ المنكرَ فلمْ ٢٧٢ ربع العادات کتاب آداب العزلة يغيِّرُوهُ .. أوشكَ أنْ يعمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ)))(١) . وقَدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ليسألُ العبدَ حتَّى يقولُ : ما منعكَ إذ رأيتَ المنكرَ في الدنيا أنْ تنكرَهُ؟ فإذا لقَّنَ اللهُ عبداً حجَّتَهُ .. قالَ: يا ربِّ؛ رجوتُكَ وخفتُ الناسَ))(٢). وهذا إذا خافَ مِنْ ضربٍ أوْ أمرٍ لا يطاقُ ، ومعرفةُ حدودِ ذلكَ مشكلٌ ، وفيهِ خطرٌ ، وفي العزلةِ خلاصٌ ، وفي الأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ إثارةٌ للخصوماتِ ، وتحريكٌ لغوائلِ الصدورِ ، كما قيلَ(٣) : [من الطويل] وَكَمْ سُفْتُ فِي آثارِكُمْ مِنْ نَصِيحَةٍ وَقَدْ يَسْتَقِيدُ الْبُغْضَةَ الْمُتَنَصِّحُ ومَنْ جِرَّبَ الأمرَ بالمعروفِ .. ندمَ عليهِ غالباً ، فإنَّهُ كجدارٍ مائلٍ يريدُ الإنسانُ أنْ يقيمَهُ، فيوشكُ أنْ يسقطَ عليهِ، فإذا سقطَ عليهِ .. يقولُ : يا ليتَنَي تركتُهُ مائلاً . (١) رواه أبو داوود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، والنسائي في (( الكبرى)) ( ١١٠٩٢)، وابن ماجه (٤٠٠٥ ). (٢) رواه ابن ماجه (٤٠١٧)، وفيه: ( وفَرِقت من الناس )، ويلفظ المصنف رواه الخطابي في ((العزلة)) (٦٧)، وقال عقبه: ( هذا طريق في الرواية يرتضيه أهل النقل من أهل الحديث ، فعلى هذا لا يحرج المرء - إن شاء الله - إن ترك أن يتعرض لأهل المنكر إذا خاف عاديتهم ، ولم يأمن بوائقهم ، مادام كارهاً لفعلهم بقلبه ، ومصارماً لهم بعزمه ونيته ) ، ثم ساق كلاماً في تفضيل العزلة من هذا الباب فريداً . (٣) أنشده الخطابي في ((العزلة)) (ص٣٨)، والمبرد في (( الكامل)) (١٥٠٢/٣) عن الرياشي، وهو في (( ديوان عمارة بن عقيل)) ( ص ٩٢ ). ٢٧٣ كتاب آداب العزلة ـرة ربع العادات نعمْ، لوْ وجدَ أعواناً أمسكوا الحائطَ حتَّى يحكمَهُ بدعامةٍ .. استقامَ ، وأنتَ اليومَ لا تجدُ الأعوانَ ، فدعْهُمْ وانجُ بنفسِكَ . وأمَّا الرياءُ : فهوَ الداءُ العضالُ ، الذي يعسرُ على الأبدالِ والأوتادِ الاحترازُ عنهُ، وكلُّ مَنْ خالطَ الناسَ .. داراهُمْ، ومَنْ داراهُمْ .. راءاهُمْ، ومَنْ راءاهُمْ . . وقعَ فيما وقعوا فيهِ ، وهلكَ كما هلكوا . وأقلُّ ما يلزمُ فيهِ النفاقُ ، فإنَّكَ إنْ خالطتَ متعاديينٍ ولمْ تلقَ كلَّ واحدٍ منهما بوجْهٍ يوافقُهُ .. صرتَ بغيضاً إليهما جميعاً ، وإنْ جاملتَهُما .. كنتَ مِنْ شرارِ الناسِ(١)؛ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تجدونَ مِنْ شِرارِ الناسِ ذا الوجهينِ ، الذي يأتي هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ» (٢). وأقلُّ ما يجبُّ في مخالطةِ الناسِ إظهارُ الشوقِ والمبالغةُ فيهِ ، ولا يخلو ذلكَ عنْ كذبٍ ؛ إمَّا في الأصلِ ، وإمَّا في الزيادةِ ، فإظهارُ الشفقةِ بالسؤالِ عنِ الأحوالِ بقولِكَ : كيفَ أنتَ ؟ وكيفَ أهلُكَ ؟ وأنتَ في الباطنِ فارغُ القلبِ مِنْ همومِهِ .. نفاقٌ محضٌ، قالَ ابنُ مسعودٍ : ( إنَّ الرجلَ فيكُمْ ليخرجُ مِنْ بيتِهِ ، فيلقي الرجلُ لهُ إليهِ حاجةٌ ، فيقولُ : ذيتَ وذيتَ ، ٢ (١) واستثني من ذلك ما كان القصد فيه الإصلاح. ((إتحاف)) (٣٤٦/٦). (٢) رواه البخاري (٣٤٩٤)، ومسلم ( ٢٥٢٦) . ٢٧٤ ربع العادات كتاب آداب العزلة فيمدحُهُ ، فعسى ألا يحكيَ مِنْ حاجتِهِ بشيءٍ ، فيرجعَ وقدْ أسخطُ اللهَ عليهِ ، ما معَهُ مِنْ دِينِهِ شيءٌ)(١) . قالَ سريٍّ : ( لوْ دخلَ عليَّ أخٌ لي ، فسوَّيتُ لحيتي بيدي لدخولِهِ .. خشيتُ أنْ أكتبَ في جريدةِ المنافقينَ ) . وكانَ الفضيلُ جالساً وحدَهُ في المسجدِ الحرامِ ، فجاءَ إليهِ أخٌ لهُ ، فقالَ لهُ: ما جاءَ بكَ؟ قالَ : المؤانسةُ يا أبا عليٍّ، فقالَ: هيَ - واللهِ - بالمواحشةِ أشبهُ ، هلْ تريدُ إلا أنْ تتزيَّنَ لي وأتزيّنَ لكَ ، وتكذبَ لي وأكذبَ لكَ ، إمَّا أنْ تقومَ عنِّي، وإمَّا أنْ أَقومَ عنكَ (٢) . وقالَ بعضُ العلماءِ : ( ما أحبَّ اللهُ عبداً إلا أحبَّ ألا يُشعرَ بهِ )(٣). ودخلَ طاووسٌ على الخليفةِ هشام ، فقالَ : كيفَ أنتَ يا هشامُ ؟ فغضبَ عليهِ وقالَ : لِمَ لمْ تخاطبْني بأميرِ المؤمنينَ ؟ فقالَ : لأنَّ جميعَ المسلمينَ لمْ يتفقوا على خلافتِكَ ، فخشيتُ أنْ أكونَ كاذباً . فمَنْ أمكنَهُ أنْ يحترزَ هذا الاحترازَ .. فليخالطِ الناسَ ، وإلا .. فليرضَ بإثباتِ اسمِهِ في جريدةِ المنافقينَ ، فقدْ كانَ السلفُ يتلاقونَ ويحترزونَ في قولِهِمْ : كيفَ أصبحتَ ؟ وكيفَ أمسيتَ ؟ وكيفَ أنتَ ؟ وكيفَ حالُكَ ؟ (١) رواه الفريابي في ((صفة المنافق )) (٨٧ ) ، وذيتَ وذيت : من ألفاظ الكنايات ؛ مثل: کیت وكيت . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( العزلة والانفراد)) ( ٧٢). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٦٦). ٢٧٥ كتاب آداب العزلة ربع العادات وفي الجوابِ عنهُ، وكانَ سؤالُهُمْ عنْ أحوالِ الدينِ لا عنْ أحوالِ الدنيا (١) قالَ حاتمٌ الأصمُّ لحامدِ اللفَّافِ : كيفَ أنتَ في نفسِكَ ؟ قالَ : سالمٌ معافىً، فكرهَ حاتمٌ جوابَهُ ، فقالَ : يا حامدُ ؛ السلامةُ مِنْ وراءِ الصراطِ ، والعافيةُ في الجنةِ ! وكانَ إذا قيلَ لعيسىُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : كيفَ أصبحتَ ؟ .. قالَ : ( أصبحتُ لا أملكُ نفعَ ما أرجو ، ولا أستطيعُ دفعَ ما أحاذرُ ، وأصبحتُ مرتهناً بعملي ، والخيرُ كلُّهُ بيدٍ غيري ، فلا فقيرَ أفقرُ منِّي)(٢). 40 وكانَ الربيعُ بنُ خُثيمٍ إذا قيلَ لهُ: كيفَ أصبحتَ .. قالَ : ( أصبحْنا ضعفاءَ مذنبينَ ، نستوفي أرزاقَنا، وننتظرُ آجالَنَا)(٣). وكانَ أبو الدرداءِ إذا قيلَ لهُ: كيفَ أصبحتَ ؟ .. قالَ: ( أصبحتُ بخيرٍ إِنْ نجوتُ مِنَ النّارِ ) . وكانَ سفيانُ الثوريُّ إذا قيلَ لهُ : كيفَ أصبحتَ ؟ .. يقولُ: ( أصبحتُ أشكو ذا إلى ذا ، وأذمُ ذا إلى ذا ، وأفرُّ مِنْ ذا إلى ذا). وقيلَ لأويس القرنيِّ: كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ: ( كيفَ يصبحُ رجلٌ إذا أمسى لا يدري أنَّهُ يصبحُ ، وإذا أصبحَ لا يدري أنَّهُ يمسي ؟! ). عن (١) قوت القلوب (١٦٣/١). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٩٩٩، ٣٥٣٧٧). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٥١) من زيادات نعيم بن حماد. ٢٧٦ ربع العادات كتاب آداب العزلة وقيلَ لمالكِ بنِ دينارِ : كيفَ أصبحتَ ؟ فقالَ : ( أصبحتُ في عمرٍ ينقصُ ، وذنوبٌ تزيدُ ) . وقيلَ لبعضِ الحكماءِ : كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ : ( أصبحتُ لا أرضى حياتي لمماتي ، ولا نفسي لربِّي ) . وقيلَ لحكيمٍ : كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ : ( أصبحتُ آكلُ رزقَ ربِّي ، وأطيعُ عدوَّهُ إبليسَ ) . وقيلَ لمحمدِ بنِ واسع : كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ : ( ما ظنُّكَ برجلٍ يرتحلُ كلَّ يومٍ إلى الآخرةِ مرحلةٌ)(١). 2 حزن وقيلَ لحامدِ اللفَّافِ : كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ : أصبحتُ أشتهي عافيةَ يومٍ إلى الليلِ ، فقيلَ لهُ : ألستَ في عافيةٍ كلَّ الأيام ؟ فقالَ : العافيةُ يومٌ لا أعصي الله تعالى فيهِ (٢). وقيلَ لرجلٍ وهوَ يجودُ بنفسِهِ : ما حالُكَ ؟ فقالَ : وما حالُ مَنْ يريدُ سفراً بعيداً بلا زادٍ ، ويدخلُ قبراً موحشاً بلا مؤنسٍ ، وينطلقُ إلى ملكِ عدْلٍ بلا حجَّةٍ ؟! (٣). (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٤٨/٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٦٩/٥٦ ) . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٨٥٨)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص٦٩) عن حامد اللفاف ، عن شيخه حاتم الأصم . (٣) أورده ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٣١٠/٢) عن بعض حكماء فارس. ٢٧٧ حز حر كتاب آداب العزلة ربع العادات وقيلَ لحسانَ بنِ أبي سنانٍ : ما حالكَ ؟ قالَ : ما حالُ مَنْ يموتُ ثمَّ يُبعثُ ثمَّ يُحاسبُ ؟!(١). وقالَ ابنُ سيرينَ لرجلِ : كيفَ حالكَ ؟ فقالَ : وما حالُ مَنْ عليهِ خمسُ مئةِ درهمٍ ديناً وهوَ معيلٌ ؟ فدخلَ ابنُ سيرينَ منزلَهُ ، فأخرجَ لهُ ألفَ درهمٍ ، فدفعَها إليهِ وقالَ : خمسُ مئةٍ اقضٍ بها دينَكَ ، وخمسُ مئةٍ عُدْ بها على نفسِكَ وعيالِكَ ، ولمْ يكنْ عندَهُ غيرُها ، ثمّ قالَ : واللهِ ؛ لا أسألُ أحداً عنْ حالِهِ أبداً . ثه وإنَّما فعلَ ذلكَ لأنَّهُ خشيَ أنْ يكونَ سؤالُهُ عنْ غيرِ اهتمامٍ بأمرِهِ ، فيكونَ ے مرائياً منافقاً، فقدْ كانَ سؤالُهُمْ عنْ أمورِ الدينِ وأحوالِ القلبِ في معاملةِ اللهِ ، وإنْ سألوا عنْ أمورِ الدنيا .. فعنِ اهتمامٍ ، وعزمٍ على القيام بما يظهرُ لهُمْ مِنَ الحاجةِ . وقالَ بعضُهُمْ: ( إنِّي لأعرفُ أقواماً كانوا لا يتلاقَونَ(٢) ، ولوْ حكمَ أحدُهُمْ على صاحبِهِ بجميع ما يملكُهُ .. لمْ يمنعْهُ، وأرى الآنَ أقواماً يتلاقَونَ ويتساءلونَ حتى عنِ الدجاجةِ في البيتِ ، ولوِ انبسطَ أحدُهُمْ لحيَّةٍ مِنْ مالِ صاحبهِ .. لمنعَهُ ، فهلْ هذا إلا مجرَّدُ الرياءِ والنفاقِ ؟! ) . وآيةُ ذلكَ أنَّكَ ترى هذا يقولُ : كيفَ أنتَ ؟ ويقولُ الآخرُ : كيفَ ـشن (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٦٥) . (٢) في (ب): ( يتمالقون) ، وكذا الآتية هي نسخة على هامشها . ٢٧٨ ربع العادات کتاب آداب العزلة أنتَ ؟ فالسائلُ لا ينتظر الجوابَ ، والمسؤولُ يشتغلُ بالسؤالِ ولا يجيبُ ، وذلكَ لمعرفتِهِمْ بأنَّ ذلكَ عنْ رياءٍ وتكلُّفٍ ، ولعلَّ القلوبَ لا تخلو عنْ ضغائنَ وأحقادٍ والألسنةُ تنطلقُ بالسؤالِ . قالَ الحسنُ : (إنَّما كانوا يقولونَ: السلامُ عليكُمْ إذا سلمَتْ - واللهِ - القلوبُ، أمّا الآنَ .. كيفَ أصبحْتَ عافاكَ اللهُ؟ كيفَ أنتَ أصلحَكَ اللهُ؟ فإنْ أخذنا بقولِهِمْ .. كانَتْ بدعةً ، لا ولا كرامةً ، فإنْ شاؤوا .. غضبوا علينا، وإنْ شاؤوا .. لا)(١). وإنَّما قالَ ذلكَ لأَنَّ البدايةَ بقولِكَ : كيفَ أصبحتَ .. بدعةٌ (٢) وقالَ رجلٌ لأبي بكرِ بنِ عِيَّاشِ : كيفَ أصبحتَ ؟ فما أجابَهُ ، وقالَ : دَعُونا مِنْ هذهِ البدعةِ، وقالَ: إنَّما حدثَ هذا في زمانِ الطاعونِ الذي كانَ يُدعىُ طاعونَ عَمْواسَ بالشامِ ؛ مِنَ الموتِ الذريعِ، كانَ الرجلُ يلقاهُ أخوهُ غدوةً ، فيقولُ : كيفَ أصبحتَ مِنَ الطاعونِ ؟ ويلقاهُ عشيَّةً ، فيقولُ : كيفَ أمسيتَ ؟(٣). (١) قوت القلوب (١٦٣/١) . (٢) ففي الخبر: ((من بدأكم بالكلام قبل السلام .. فلا تجيبوه))، وقد تقدم. (« إتحاف)) (٣٤٩/٦ ) . (٣) قوت القلوب (١٦٣/١)، وطاعون عمواس: أول طاعون ظهر في الإسلام، نسب إلى بلد عمواس على ستة أميال من بيت المقدس ، وقيل : إنما سمي بذلك لكونه عمَّ وآسى، فهو اسم مركب عليه . انظر ((الإتحاف)) (٣٥٠/٦). ـوري ٢٧٩ كتاب آداب العزلة ربع العادات والمقصودُ : أنَّ الالتقاءَ في غالبِ العاداتِ ليسَ يخلو عنْ أنواع مِنَ التصنّع والرياءِ والنفاقِ ، وكلُّ ذلكَ مذمومٌ ، بعضُهُ محظورٌ، وبعضُهُ مكروهٌ، وفي العزلةِ الخلاصُ مِنْ ذلكَ ؛ فإِنَّ مَنْ لقيَ الخلقَ ولمْ يخالقُهُمْ بأخلاقِهِمْ .. مقتوهُ واستثقلوهُ، واغتابوهُ وتشمَّروا لإيذائِهِ ، فيذهبُ دينُهُمْ فيهِ ، ويذهبُ دينُهُ ودنياهُ في الانتقامِ منْهُمْ . ٧ وأمّا مسارقةُ الطبع لما يشاهدُهُ مِنْ أخلاقِ الناسِ وأعمالِهِمْ : فهوَ داءٌ دفينٌ ، قلَّما يتنبَّهُ لهُ العقلاءُ فضلاً عنِ الغافلينَ ، فلا يجالسُ الإنسانُ فاسقاً مدَّةً معَ كونِهِ مُنْكراً عليهِ في باطنِهِ إلا ولوْ قاسَ نفسَهُ إلى ما قبلَ مجالستِهِ .. أدركَ فيها تفرقةً في النفرةِ عنِ الفسادِ واستثقالِهِ ؛ إذْ يصيرُ الفسادُ بكثرةٍ المشاهدةِ هيّاً على الطبع ، فيسقطُ وقعُهُ واستعظامُهُ لهُ، وإنَّما الوازعُ عنه شدَّهُ وقْعِهِ في القلبِ ، فإذا صارَ مستصغراً بطولِ المشاهدةِ .. أَوْشَكَ أنْ تنحلَّ القوَّةُ الوازعةُ ، ويذعنَ الطبعُ للميلِ إليهِ أوْ لما دونَهُ ، ومهما طالَتْ مشاهدتُهُ للكبائرِ مِنْ غيرِهِ .. استحقرَ الصغائرَ مِنْ نفسِهِ ، ولذلكَ يزدري الناظرُ إلى الأغنياءِ نعمةَ اللهِ عليهِ، فتؤْثِّرُ مجالستُهُمْ فِي أَنْ يستصغرَ ما عندَهُ ، وتؤثِّرُ مجالسةُ الفقراءِ في استعظام ما أتيحَ لهُ مِنَ النعمِ . ـحر فرن فكذلكَ النظرُ إلى المطيعينَ والعصاةِ هذا تأثيرُهُ في الطبع ، فمَنْ يقصرُ نظرَهُ على ملاحظةِ أحوالِ الصحابة والتابعينَ في العبادةِ والتنزُّه عنِ الدنيا .. ٢٨٠