النص المفهرس

صفحات 201-220

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا عادَ المسلمُ أخاهَ أوْ زارَهُ .. قالَ اللهُ
تعالى: طبتَ وطابَ ممشاكَ، وتبؤَّأْتَ منزلاً في الجنَّةِ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إذا مرضَ العبدُ .. بعثَ اللهُ تبارك وتعالى
إليهِ ملكينِ ، فقالَ : انظرا ماذا يقولُ لعوَّادِهِ ، فإنْ هوَ إذا جاؤوهُ حمدَ اللهَ
وأثنى عليهِ .. رفعا ذلكَ إلى اللهِ وهوَ أعلمُ، فيقولُ: لعبدي عليَّ إنْ توقَّيْتُهُ
أنْ أدخلَهُ الجنَّةَ ، وإنْ أنا شفيتُهُ أنْ أبدلَ لهُ لحماً خيراً مِنْ لحمهِ ، ودماً خيراً
مِنْ دِمِهِ، وأَنْ أكفَّرَ عنهُ سيِّئَاتِهِ)) (٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ يردِ اللهُ بهِ خيراً .. يُصَبْ
منهُ))(٣).
وقالَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ: مرضتُ ، فعادَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، فقالَ: (( بسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، أعيذُكَ باللهِ الأحدِ الصمدِ ، الَّذِي
لمْ يلدْ ولمْ يولدْ، ولمْ يكنْ لهُ كفواً أحدٌ، مِنْ شرِّ ما تجدُ))، قالَها مراراً(٤) .
(١) رواه الترمذي (٢٠٠٨)، وابن ماجه ( ١٤٤٣).
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٤٠/٢) عن عطاء بن يسار مرسلاً، وأسنده موصولاً ابن
عبد البر في ((التمهيد)) (٤٧/٥)، ورواه ابن أبي الدنيا في (( المرض والكفارات))
(٧٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً .
(٣) رواه البخاري (٥٦٤٥)، وقال الحافظ ابن حجر: ( ونسبه أبو الفضل بن عمار الشهيد
إلى تخريج مسلم وأعلَّه، وليس هو في النسخ الموجودة الآن). («إتحاف)) (٢٩٦/٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (١٩٤)، والطبراني في ((الدعاء))
(١١٢١)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٥٣).
٢٠١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ودخلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ
مريضٌ، فقالَ لهُ: ((قل: اللَّهُمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ تعجيلَ عافيتِكَ ، أوْ صبراً على
بليَِّكَ، أَوْ خروجاً مِنَ الدُّنيا إلى رحمتِكَ؛ فإنَّكَ ستُعطى إحداهُنَّ))(١).
ويُستحبُّ للعليلِ أيضاً أنْ يقولَ : ( أعوذُ بعزَّةِ اللهِ وقدرتِهِ مِنْ شرِّ ما أجدُ
وأحاذِرُ )(٢).
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إذا شكا أحدُكُمْ بطنَهُ .. فليسألِ امرأتَهُ شيئاً
مِنْ صَداقِها ، فيشتريَ بهِ عسلاً، فيشربَهُ بماءِ السماءِ ، فيجتمعَ لهُ الهنيءُ
والمريءُ والشفاءُ والمباركُ)(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أبا هريرةَ ؛ ألا أخبرُكَ بأمرٍ هوَ حقٌّ ،
مَنْ تَكلَّمَ بهِ في أوَّلِ مضجعِهِ مِنْ مرضهِ .. نجَّاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ؟ )) قلتُ: بلى
يا رسولَ اللهِ؛ قالَ: « يقولُ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، يحيي ويميتُ ، وهوَ حيٌّ
.ص
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٣٠)، ولم يصرح أنه دخل على علي
رضي الله عنه، ولكن صرَّح به القضاعي في ( مسند الشهاب)) (١٤٧٠) .
(٢) لما روى مالك في «الموطأ)» (٩٤٢/٢) عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبه وجع كاد يهلكه ، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((امسحه
بيمينك سبع مرات وقل : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد))، وعند مسلم
(٢٢٠٢) زيادة: (( وأحاذر)).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٤١٥٥)، والإشارة فيه إلى قوله تعالى في صداق
المرأة: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنَّيْئًا فَِّيْئًا﴾، وقوله تعالى في العسل: ﴿ يَخْرُجُ
مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفَ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، وقوله تعالى في المطر: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ
مَآءَ مُبَرَا﴾ .
٢٠٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
لا يموتُ ، سبحانَ اللهِ ربِّ العبادِ والبلادِ، والحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً
مباركاً فيهِ على كلِّ حالٍ ، اللهُ أكبرُ كبيراً ، كبرياءُ ربَّنا وجلالُهُ وقدرتُهُ بكلِّ
مكانٍ ، اللهمَّ ؛ إنْ أنتَ أمرضتَنَي لتقبضَ روحي في مرضي هذا .. فاجعلْ
رُوحِي في أرواحِ مَنْ سبقَتْ لهُ منكَ الحسنى ، وباعدْني مِنَ النَّارِ كما باعدتَ
أولياءَكَ الَّذينَ سبقَتْ لهُمْ منكَ الحسنىُ))(١).
ورُوِيَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: ((عيادةُ المريضِ فُواقَ ناقةٍ ))(٢)
وقالَ طاووسٌ: ( أفضلُ العيادةِ أخفُّها )(٣).
حـ
وقالَ ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُما : ( عيادةُ المريضِ مرَّةً سُنةٌ ، فما
ازددتَ .. فنافلةٌ )(٤) .
وقالَ بعضُهُمْ : ( عيادةُ المريضِ بعدَ ثلاثٍ )(٥) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (١٥٦)، وابن عدي في ((الكامل))
( ٨٥/٥ ).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (١٧٦)، والبيهقي في (( الشعب))
(٨٧٨٦)، والفواق : الوقت ما بين الحلبتين، إذ تحلب ثم تترك سويعة يرضعها
الفصيل لتدرّ، وقيل : ما بين قبض اليد عند الحلب وفتحها ، فيكون مجازاً دالاً على
التخفيف .
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٩٤/٣).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( المرض والكفارات)) (٨١)، والطبراني في ((الكبير))
( ٢٥٨/١١ ) .
(٥) رواه هناد في ((الزهد)) (٣٧٩)، وابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٢٤٢)
كلاهما عن النعمان بن أبي عياش الزرقي من قوله .
٢٠٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( أغِبُّوا في العيادةِ، وأرْبِعُوا فيها))(١).
وجملةُ آدابِ المريضِ : حسنُ الصبرِ، وقلَّةُ الشكوى والضجرِ ، والفزعُ
إلى الدعاءِ، والتوكُّلُ بعدَ الدواءِ على خالقِ الدواءِ .
ومنها : أنْ يشيّعَ جنائزَهُمْ: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ شِيَّعَ
جَنازةً .. فلهُ قيراطٌ مِنَ الأجرِ، فإنْ وقفَ حتَّى تُدُفنَ .. فلهُ قيراطانٍ))(٢).
وفي الخبرِ: (( القيراطُ مثلُ أحدٍ))(٣).
ولمَّا روى أبو هريرةَ هذا الحديثَ وسمعَهُ ابنُ عمرَ .. قالَ: ( لقدْ
فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ )(٤).
O
والقصدُ مِنَ التشييع : قضاءُ حقِّ المسلمينَ والاعتبارُ ، وكانَ مكحولٌ
الدمشقيُّ إذا رأىُ جَنازةً .. قالَ: (اغدوا؛ فإنَّا رائحونَ، موعظةٌ بليغةٌ ،
وغفلةٌ سريعةٌ ، يذهبُ الأوَّلُ والآخرُ لا عقلَ لهُ)(٥).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٢١٢)، والبيهقي في ((الشعب))
(٨٧٨٢) من حديث جابر مرفوعاً، وزاد: ((إلا أن يكون مغلوباً فلا يعاد)»، وأغبُّوا :
زوروه يوماً ودعوه يوماً ، وأربعوا : زوروه يوماً، ودعوه يومين ، وعودوه في الرابع .
انظر ((فيض القدير)) ( ١٥/٢).
٢٠
(٢) رواه البخاري (٤٧، ١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥).
(٣) هو قطعة من الحديث السابق، وأيضاً عند مسلم ( ٩٤٦ ).
(٤) رواه البخاري (١٣٢٤ ).
(٥) حكاه عنه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٥٣)، وقد =.
٢٠٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وخرجَ مالكُ بنُ دينارِ خلفَ جَنازةٍ أخيهِ وهوَ يبكي ويقولُ : ( واللهِ ؛
لا تقرّ عيني حتَّى أعلمَ إلامَ صرتَ، ولا واللهِ لا أعلمُهُ ما دمتُ حيّاً)(١).
دن
وقالَ الأعمشُ : ( كنّا نشهدُ الجنائزَ ، فلا ندري مَنْ نعزِّي لحزنِ القومِ
كلِّهِمْ) (٢).
ونظرَ إبراهيمُ الزيَّاتُ إلى أناسِ يترجَّمونَ على ميِّتٍ فقالَ : لوْ ترحمونَ
أَنفسَكُمْ .. لكانَ أولى ؛ إنَّهُ نجا مِنْ أهوالٍ ثلاثةٍ : وجهَ ملكِ الموتِ قدْ
رأى ، ومرارةَ الموتِ قدْ ذاقَ، وخوفَ الخاتمةِ قدْ أمنَ )(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يتبعُ الميِّتَ ثلاثةٌ ، فيرجعُ اثنانِ ويبقىُ
واحدٌ، يتبعُهُ أهلُهُ ومالُهُ وعملُهُ، فيرجعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقى عملُهُ))(٤).
ومنها : أنْ يزورَ قبورَهُمْ: والمقصودُ الدعاءُ والاعتبارُ وترقيقُ القلبِ .
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما رأيتُ منظراً إلاَّ والقبرُ أفظعُ منهُ))(٥) .
= رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٤٩/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٣/١)
عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(١) رواه ابن عساكر في (( تعزية المسلم)) (٢٨)، واسم أخيه المتوفى هو ملحان.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في (المصنف)) (٣٦٨٤٠)، وأبو نعيم في الحلية)) (٥٠/٥).
(٣) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١١٦).
(٤) رواه البخاري (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠).
(٥) رواه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه ( ٤٢٦٧).
٢٠٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : خرجْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فأتى المقابرَ ، فجلسَ إلى قبرٍ ، وكنتُ أدنى القوم منهُ ، فبكى وبكينا ،
فقالَ: (( ما يبكيكُمْ؟)) قلنا: بكينا لبكائِكَ، قالَ: ((هذا قبرُ آمنةَ بنتِ
وهبٍ ، استأذنتُ ربِّي في زيارَتِها فأذنَ لي ، واستأذنتُهُ في أَنْ أستغفرَ لها ..
فأبى عليَّ، فأدْركَني ما يدركُ الولدَ مِنَ الرَّةِ))(١).
وكانَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ إذا وقفَ على قبرٍ . . بكىُ حتَّى تُبُلَّ لحيتُهُ ،
ويقولُ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ القبرَ أوَّلُ
منازلِ الآخرةِ ، فإنَّ نجا منهُ صاحبُهُ .. فما بعدَهُ أيسرُ ، وإنْ لمْ ينجُ منهُ ..
فما بعدَهُ أشدٌ))(٢).
وقالَ مجاهدٌ : ( أوَّلُ ما يكلِّمُ ابنَ آدمَ حفرتُهُ ، فتقولُ : أنا بيتُ الدودِ ،
وبيتُ الوحدةِ ، وبيتُ الغربةِ ، وبيتُ الظلمةِ ، فهذا ما أعددتُ لكَ ، فما
أعددتَ لي؟!)(٣).
وقالَ أبو ذرٍّ : ( ألا أخبرُكُمْ بيومٍ فقري ؟ يومَ أُوضعُ في قبري ) (٤).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٥/٥) بنحو لفظ المصنف من حديث بريدة رضي الله
عنه ، وهو مختصراً عند مسلم (٩٧٦ ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) رواه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه ( ٤٢٦٧).
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٩٦/٤٢) عن علي رضي الله عنه من طريق
مجاهد ، وقد رواه الترمذي ( ٢٤٦٠) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً
بنحوه .
(٤) حكاه الحافظ الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٩٠).
٢٠٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وكانَ أبو الدرداءِ يقعدُ إلى القبورِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ: ( أجلسُ
إلى قوم يذكِّرُونَني معادي، وإنْ قمتُ عنهُم .. لمْ يغتابوني) .
وقالَ حاتم الأصمُّ : ( مَنْ مرَّ بالمقابرِ فلمْ يتفكّرْ لنفسِهِ ، ولمْ يَدْعُ
لهمْ .. فقدْ خانَ نفسَهُ وخانَهُمْ)(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ ليلةٍ إلَّ وينادي منادٍ : يا أهلَ
القبورِ ؛ مَنْ تغبطونَ ؟ فيقولونَ : نغبطُ أهلَ المساجدِ ؛ لأنَّهُمْ يصومونَ
ولا نصومُ ، ويصلُّونَ ولا نصلِّي، ويذكرونَ اللهَ ولا نذكرُهُ))(٢).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ: ( مَنْ أكثرَ ذكرَ القبرِ .. وجدَهُ روضٌ مِنْ ریاضٍ
الجنَّةِ، ومَنْ غفَلَ عنْ ذكرِهِ .. وجدَهُ حفرةً مِنْ حفرِ النارِ )(٣).
6
وكانَ الربيعُ بنُ خُثيمٍ قَدْ حفرَ في دارِهِ قبراً ، فكانَ إذا وجدَ في قلبِهِ
قساوةً .. دخلَ فيهِ فاضطجعَ فيهِ، ومكثَ ساعةً، ثمَّ يقولُ: ﴿رَبِّ أُرْجِعُونِ
لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، ثمَّ يقولُ: يا ربيعُ ؛ قدْ رجعْتَ ، فاعملٍ
الآنَ قبلَ ألا ترجعَ(٤) .
وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : خرجتُ معَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ إلى المقبرةِ فلمَّا
(١) حكاه الحافظ الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٩٥).
(٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٣٠١/٦)، والإشارة فيه إلى
انقطاع العمل للمؤمنين ، والتحسر على فواته لغيرهم ، وهذا ثابت المعنى .
(٣) حكاه الحافظ الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) ( ص١٩٥).
(٤) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣١١/١١).
٢٠٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
نظرَ إلى القبورِ .. بكى، وقالَ : يا ميمونُ ؛ هذهِ قبورُ آبائي بني أميَّةَ ؛
كأنَّهُمْ لمْ يشاركوا أهلَ الدنيا في لذَّاتِهِمْ، أما تراهُمْ صرعى قدْ خَلَتْ بهمُ
المَثُلاتُ، وأصابَ الهواُ مِنْ أبدانِهِمْ؟ ثمَّ بكى وقالَ : واللهِ ؛ ما أعلمُ
أحداً أنعمَ ممَّنْ صارَ إلى هذهِ القبورِ وقدْ أمنَ عذابَ اللهِ(١).
وآدابُ المعزِّي : خفضُ الجناح ، وإظهارُ الحزْنِ ، وقلّةُ الحديثِ ،
وتركُ التبسُمِ (٢).
وآدابُ تشييع الجنازةِ : لزومُ الخشوع ، وتركُ الحديثِ ، وملاحظةُ
الميتِ ، والتفكّرُ في الموتِ ، والاستعدادُ لهُ ، وأنْ يمشيَ أمامَ الجنازةِ
بقربِها ، والإسراعُ بالجنازةِ سنةٌ .
فهذهِ جملُ آدابٍ تنبّهُ على آدابِ المعاشرةِ معَ عمومِ الخلقِ .
والجملةُ الجامعةُ في ذلكَ : ألا تستصغرَ منهُمْ أحداً ، حيّاً كانَ أوْ ميتاً
فتهلكَ ؛ لأنَّكَ لا تدري لعلَّهُ خيرٌ منكَ، فإنَّهُ وإنْ كانَ فاسقاً فلعلَّهُ يُختمُ لكَ
بمثلِ حالِهِ ويُختمُ لُهُ بالصلاحِ !
ولا تنظرْ إليهِمْ بعينِ التعظيمِ لهمْ في حالِ دنياهُمْ، فإنَّ الدنيا صغيرةٌ
و
عندَ اللهِ ، صغيرٌ ما فيها ، ومهما عَظَمَ أهلُ الدنيا في نفسِكَ .. فقدْ عظَّمْتَ
الدنيا ، فتسقطُ مِنْ عينِ اللهِ عزَّ وجلَّ .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٩/٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق ))
( ٤٥ / ٢٣٢ ) .
(٢) ولا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيام من غير ارتكاب محظور. ((إتحاف)) (٣٠٢/٦).
٢٠٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ولا تبذلْ لهُمْ دينَكَ لتنالَ مِنْ دنياهُمْ فتصغرَ في أعينِهِمْ، ثمّ تُحرمَ
دنياهُمْ ، فإنْ لمْ تُحرمْ .. كنتَ قدِ استبدلْتَ الذي هوَ أدنى بالذي هوَ خيرٌ .
ولا تعادِهِمْ بحيثُ تظهرُ العداوةَ ، فيطولَ الأمرُ عليكَ في المعاداةِ ،
ويذهبَ دينُكَ ودنياك فيهِمْ ، ويذهبَ دينُهُمْ فيكَ ، إلا إذا رأيتَ منكراً في
الدينِ ، فتعادي أفعالَهُمُ القبيحةَ ، وتنظرُ إليهِمْ بعينِ الرحمةِ لهُمْ؛ لتعرُّضِهِمْ
لمقتِ اللهِ وعقوبتِهِ بعصيانِهِمْ ، فحسبُهُمْ جهنَّمُ يصلونَها ، فما لكَ تحقدُ
علیھمْ ؟!
ولا تسكنْ إليهِمْ في مودِهِمْ لكَ ، وثنائِهِمْ عليكَ في وجهِكَ ، وحسنٍ
بشرِهِمْ لكَ ؛ فإنَّكَ إِنْ طلبتَ حقيقةَ ذلكَ .. لمْ تجدْ في المئةِ إلا واحداً ،
وربَّما لا تجدُهُ .
ولا تشْكُ إليهِمْ أحوالَك فيكلَكَ اللهُ إليهِمْ ، ولا تطمعْ أنْ يكونوا لكَ في
الغيبِ والسرِّ كما في العلانيةِ ، فذلكَ طمعٌ كاذبٌ ، وأنَّى تظفرُ بهِ ؟!
ولا تطمعْ فيما في أيديهِمْ فتستعجلَ الذلَّ ولا تنالَ الغرضَ ، ولا تعلُ
عليهِمْ تكثُّراً لاستغنائِكَ عنْهُمْ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يلجئُكَ إليهمْ عقوبةً على
التكبُّرِ بإظهارِ الاستغناءِ .
وإذا سألتَ أحداً منهُمْ حاجةً فقضاها .. فهوَ أخٌ مستفادٌ ، وإنْ لمْ
يقضٍ .. فلا تعاتبُهُ، فيصيرَ عدوّاً تطولُ عليكَ مقاساتُهُ .
ولا تشتغلْ بوعظٍ مَنْ لا ترى فيهِ مخايلَ القبولِ ، فلا يسمعُ منكَ
٢٠٩
ر

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ويعاديكَ ، وليكنْ وعظُكَ عرْضاً وإرسالاً مِنْ غيرِ تنصيصٍ على الشخصِ .
ومهما رأيتَ منهُمْ كرامةً وخيراً .. فاشكرِ اللهَ الذي سخَّرَهُمْ لكَ،
واستعذْ باللهِ أنْ يكلَكَ إليهِمْ، وإذا بلغَكَ منهُمْ غيبةٌ ، أَوْ رأيتَ منهُمْ شرّاً ،
أوْ أصابَكَ منهُمْ ما يسوءُكَ .. فكِلْ أمرَهُمْ إلى اللهِ ، واستعذٌ باللهِ مِنْ شرِّهِمْ ،
ولا تشغَلْ نفسَكَ بالمكافأةِ فيزيدَ الضررُ ، ويضيعَ العمرُ بشغلِهِ ، ولا تقلْ
لهُمْ : ( لمْ تعرِفوا موضعي ) ، واعتقدْ أنَّكَ لوِ استحققْتَ ذلكَ .. لجعلَ اللهُ
لكَ موضعاً في قلوبِهِمْ ، فاللهُ المحبّبُ والمبغَّضُ إلى القلوبِ .
ميرة
وكُنْ فِيهِمْ سميعاً لحقُّهِمْ ، أصمَّ عنْ باطِلِهِمْ ، نطوقاً بحقِّهِمْ ، صَموتاً
عنْ باطلِهِمْ .
واحذرْ صحبةً أكثرِ الناسِ ، فإنَّهُمْ لا يقيلونَ عثرةً ، ولا يغفرونَ زلَّةٌ ،
ولا يسترونَ عورةً ، ويحاسبونَ على النقيرِ والقطميرِ ، ويحسدونَ على
القليلِ والكثيرِ ، ينتصفونَ ولا ينصفونَ ، ويؤاخذونَ على الخطأِ والنسيانِ
ولا يعفونَ ، يغرونَ الإخوانَ بالإخوانِ بالنميمةِ والبهتانِ ، فصحبةُ أكثرِهِمْ
خسرانٌ، وقطيعتُهُمْ رجحانٌ، إنْ رضوا .. فظاهرُهُمُ المَلَقُ ، وإنْ
سخطوا .. فباطنُهُمُ الحَنَقُ، لا يؤمنونَ في حنقِهِمْ، ولا يرجونَ في
ملِهِمْ ، ظاهرُهُمْ ثيابٌ ، وباطنُهُمْ ذئابٌ ، يقطعونَ بالظنونِ ، ويتغامزونَ
وراءَكَ بالعيونِ، ويتربَّصونَ بصديقِهِمْ مِنَ الحسدِ ريبَ المنونِ(١) ، يحصونَ
(١) المنون هنا : الدهر .
٢١٠

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
عليكَ العثراتِ في صحبتِهِمْ ؛ ليجبهوكَ بها في غضبِهِمْ ووحشتِهِمْ(١) .
ولا تعوّلْ على موذَّةِ مَنْ لمْ تخبرْهُ حقَّ الخبرةِ ؛ بأنْ تصحبَهُ مدَّةً في دارٍ أوْ
موضعٍ واحدٍ ، فتجرَِّهُ في عزلِهِ وولايتِهِ ، وغناهُ وفقرِهِ ، أوْ تسافرَ معَهُ ، أوْ
تعاملَهُ في الدينارِ والدرهمِ ، أوْ تقعَ في شدَّةٍ فتحتاجَ إليهِ ، فإنْ رضيتَهُ في
هذهِ الأحوالِ .. فاتخذْهُ أباً لكَ إنْ كانَ كبيراً، أوِ ابناً لكَ إنْ كانَ صغيراً ،
أوْ أخاً إنْ كانَ مثلَكَ .
فهذهِ جملةٌ آدابِ المعاشرةِ معَ أصنافِ الخلقِ .
٢٦٠
(١) في نسخة على هامش (ب): (ليجهّلوك) بدل (ليجبهوك)، وجبهَهُ: لقيه
بالمكروه .
٢١١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
حقوق الجوار
اعلمْ : أنَّ الجوارَ يقتضي حقّاً وراءَ ما تقتضيهِ أخوَّةُ الإسلام ، فيستحقُّ
الجارُ المسلمُ ما يستحقُّهُ كلُّ مسلمٍ وزيادةً ؛ إذْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ لهُ حقٌّ واحدٌ، وجارٌ لهُ حقَّانِ، وجارٌ لهُ
ثلاثةُ حقوقٍ ؛ فالجارُ الَّذِي لهُ ثلاثةُ حقوقِ الجارُ المسلمِ ذو الرَّحِمِ ، فلهُ
حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلامِ وحقُّ الرَّحمِ ، وأمَّا الذي لهُ حقَّان .. فالجارُ
المسلمُ ، لهُ حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلام ، وأمَّا الذي لهُ حقٌّ واحدٌ .. فالجارُ
المشركُ))(١) ، فانظرْ كيفَ أثبتَ للمشركِ حقّاً بمجرَّدِ الجوارِ .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أحسنْ مجاورةَ مَنْ جاورَك .. تكنْ
مسلماً )) (٢).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما زالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى
ظننتُ أنَّهُ سيورِّثُهُ)) (٣) .
ـرى
(١) رواه هناد في ((الزهد)) (١٠٣٦)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٣٤١)،
والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٤٧)، وابن عدي في ((الكامل )) (١٧١/٥)،
وأبو نعيم في الحلية)) (٢٠٧/٥)، والبيهقي في (( الشعب)) (٩١١٣)، وسيأتي
للحديث بقية .
(٢) رواه الترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه (٤٢١٧)، والقضاعي في (( مسند الشهاب)»
(٦٤٢)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ١٧٧٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) رواه البخاري (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٥)، ومعنى ( سيورثه) : كاد يجعل له حقاً
في المال ، تنبيه على إنزاله منزلة من يرث من البر والصلة .
٢١٢

ربع العادات
مــ
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فليكرمْ
جارَهُ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يؤمنُ عبدٌ حتَّى يأمنَ جارُهُ بوائقَهُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوَّلُ خصمينِ يومَ القيامةِ جارانٍ))(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إذا أنتَ رميتَ كلبَ جارِكَ .. فقدْ آذيتَهُ))(٤).
ويُروى أنَّ رجلاً جاءَ إلى ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ لهُ: إنَّ لي جاراً
يؤذيني ويشتمُني ويضيِّقُ عليَّ، فقالَ لهُ : اذهبْ ؛ فإنْ هوَ عصى اللهَ فيكَ ..
فَأَطِعِ اللهَ فيهِ (٥) .
وقيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ فلانةَ تصومُ النهارَ وتقومُ
الليلَ وتؤذي جيرانَها، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هيَ في
النَّار))(٦).
وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يشكو جارَهُ ، فقالَ لهُ النبيُّ
(١) رواه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم ( ٤٧ ).
(٢) رواه البخاري (٦٠١٦)، ونحوه عند مسلم (٤٦).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥١/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٠٣/١٧) من
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه .
(٤) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً ) .
(٥) وفي هذا المعنى قالة عمر الفاروق رضي الله عنه التي رواها ابن حبان في ( روضة
العقلاء)) (ص٨٩): ( ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ) .
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤٠/٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٩).
٢١٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اصبرْ))، ثمّ قالَ لهُ في الثالثةِ أوِ الرابعةِ: ((اطرحْ
متاعَكَ في الطَّريقِ ))، قالَ: فجعلَ الناسُ يمرُّونَ بهِ فيقولونَ: ما لكَ ؟
فيُقالُ : آذاهُ جارُّهُ ، قالَ: فجعلوا يقولونَ: لعنَهُ اللهُ، فجاءَهُ جارُهُ فقالَ لهُ :
رُدَّ متاعَكَ، فواللهِ؛ لا أعودُ (١).
وروى الزهريُّ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فجعلَ يشكو
جارَهُ، فأمرَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يناديَ على بابِ المسجدِ: (( ألا
إِنَّ أربعينَ داراً جارٌ)) (٢)، قالَ الزهريُّ: (أربعونَ هكذا، وأربعونَ
هكذا ، وأربعونَ هكذا ، وأربعونَ هلكذا) ، وأومأَ إلى أربع جهاتٍ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اليُمْنُ والشؤمُ في المرأةِ والمسكنِ
والفرسِ ، فيُمْنُ المرأةِ خفَّةُ مهرِها، ويسرُ نكاحِها، وحسنُ خُلُقِها ،
وشؤمُها غلاءُ مهرِها، وعسرُ نكاحِها ، وسوءُ خُلُقِها ، ويُمْنُ المسكَنِ سَعتُهُ
وحسنُ جوارِ أهلِهِ ، وشؤمُهُ ضيقُهُ وسوءُ جوارِ أهلِهِ ، ويُمْنُ الفرسِ ذلُّهُ
وحسنُ خُلِقِهِ ، وشؤمُهُ صعوبتُهُ وسوءُ خُلُقِهِ ))(٣).
(١) رواه أبو داوود (٥١٥٣).
(٢) رواه أبو داوود في ((المراسيل)) (٣٤٢) عن الزهري ، وعنده تمام قول الزهري ،
ووصله من طريقة الطبراني في ((الكبير)) ( ٧٣/١٩).
(٣) قال الحافظ العراقي: (رواه مسلم [٢٢٢٥] من حديث ابن عمر: (( الشؤم في الدار
والمرأة والفرس))، وفي رواية له [١١٧/٢٢٢٥]: ((إن يكن من الشؤم شيء حقاً))،
وله من حديث سهل بن سعد [١١٩/٢٢٢٥]: ((إن كان .. ففي الفرس والمرأة
والمسكن))، وللترمذي [٢٨٢٤] من حديث حكيم بن معاوية: ((لا شؤم، وقد يكون =
٢١٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
واعلمْ: أنَّهُ ليسَ حقُّ الجوارِ كفَّ الأذى فقط، بل احتمالُ الأذى ، فإنَّ
الجارَ أيضاً قدْ كفَّ أذاهُ ، فليسَ في ذلكَ قضاءُ حقٌّ .
ولا يكفي أيضاً احتمالُ الأذى، بلْ لا بدَّ مِنَ الرفقِ ، وإسداءِ الخيرِ
والمعروفِ ؛ إذْ يُقالُ : إنَّ الجارَ الفقيرَ يتعلَّقُ بجارِهِ الغنيِّ يومَ القيامةِ
ويقولُ: يا ربِّ ؛ سلْ هذا: لِمَ منعَني معروفَهُ وسدَّ بابَهُ دوني؟(١).
وبلغَ ابنَ المقفَّع أنَّ جاراً لهُ يبيعُ دارَهُ في دينٍ ركبَهُ ، وكانَ ابنُ المقفَّع
يجلسُ في ظلِّ دارِهِ ، فقالَ : ما قمتُ إذاً بحرمةِ ظلِّ دارِهِ إنْ باعَها مُعدِماً ،
فدفعَ إليهِ ثمنَ الدارِ ، وقالَ : لا تبعْها(٢) .
اليمن في الدار والمرأة والفرس))، ورواه ابن ماجه [١٩٩٣] فسماه عمر بن معاوية - هو
=
مخْمَر بن معاوية عم حكيم - وللطيراني - في ((الكبير)) [١٥٣/٢٤] - من حديث أسماء
بنت عميس قالت: يا رسول الله؛ ما سوء الدار؟ قال: (( ضيق ساحتها ، وخبث
جيرانها))، قيل: فما سوء الدابة؟ قال: ((منعها ظهرها، وسوء خلقها))، قيل: فما
سوء المرأة ؟ قال: ((عقم رحمها، وسوء خلقها))، وكلاهما ضعيف ، ورويناه في
((كتاب الخيل)) للدمياطي من حديث سالم بن عبد الله مرسلاً: ((إذا كان الفرس
ضروباً .. فهو شؤم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجاً قبل زوجها فحنَّت إلى الزوج
الأول .. فهي مشؤومة ، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع فيها الأذان
والإقامة .. فهي مشؤومة))، وإسناده ضعيف). ((إتحاف)) (٣٠٦/٦)، وجعلت
السيدة عائشة الشؤم هنا حكاية حال أهل الجاهلية ، ويحمل كذلك على عدم الموافقة
كما أفاده الحافظ الزبيدي وغيره .
(١) روى البخاري في ((الأدب المفرد)) (ص١١٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
مرفوعاً: (( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )).
(٢) أورده ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٣٣٩/١).
٢١٥
ون

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وشكا بعضُهُمْ كثرةَ الفأرِ في دارِهِ ، فقيلَ لهُ : لوِ اقتنيتَ هرّاً ، فقالَ :
أخشى أنْ يسمعَ الفأرُ صوتَ الهرِّ فيهربَ إلى دورِ الجيرانِ ، فأكونَ قدْ
أحببتُ لهُمْ ما لا أحبُّ لنفسي .
وجملةُ حقِّ الجارِ : أنْ يبدأَهُ بالسلامِ ، ولا يطيلَ معهُ الكلامَ ، ولا يكثرَ
عنْ حالِهِ السؤالَ ، ويعودَهُ في المرضِ ، ويعزَِّهِ في المصيبةِ ، ويقومَ معَهُ في
العزاءِ ، وبهنّتُهُ في الفرحِ ، ويظهرَ الشركةَ في السرورِ معَهُ ، ويصفحَ عنْ
زلاتِهِ ، ولا يتطلَّعَ مِنَ السطحِ إلى عوراتِهِ ، ولا يضايقَهُ في وضعِ الجذعِ على
جدارِهِ ، ولا في مصبِّ الماءِ في ميزابِهِ ، ولا في مطرحِ الترابِ في فِنائِهِ ،
ولا يضيقَ طريقَهُ إلى الدارِ ، ولا يتبعَهُ النظرَ فيما يحملُهُ إلى دارِهِ ، ويسترَ
ما ينكشفُ لهُ مِنْ عوراتِهِ، ويتعيَّنُ أن يعينَهُ إذا نابتْهُ نائبةٌ (١) ، ولا يغفُلَ عنْ
ملاحظةِ دارهِ عندَ غيبتِهِ ، ولا يتسمَّعَ عليهِ كلامَهُ(٢) ، ويغضَّ بصرَهُ عنْ
حرمتِهِ ، ولا يديمَ النظرَ إلى خادمتِهِ ، ويتلطَّفَ بولدِهِ في كلمتِهِ ، ويرشدَهُ
إلى ما يجهلُهُ مِنْ أمرِ دينِهِ ودنياهُ ، هذا إلى جملةِ الحقوقِ التي ذكرناها لعامَّةِ
المسلمينَ .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : «أتدرونَ ما حقُّ الجارِ ؟ إنِ استعانَ
(١) في (أ) : ( وينعش من صرعته) .
(٢) في (ب): ( ولا يستمع عليه كلاماً).
٢١٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
بكَ .. أعنتَهُ، وإن استنصرَكَ .. نصرتَهُ، وإنِ استقرضَكَ .. أقرضْتَهُ، وإنٍ
افتقرَ .. عدتَ عليهِ ، وإنْ مرضَ .. عدتهُ، وإنْ ماتَ .. تبعتَ جَنازتَهُ، وإنْ
أصابَهُ خيرٌ . . هنأتَهُ، وإنْ أصابَتْهُ مصيبَةٌ .. عزَّيتَهُ، ولا تستطلُ عليهِ بالبناءِ
فتحجبَ عنهُ الريحَ إلا بإذنِهِ ، ولا تؤذِهِ ، وإذا اشتريتَ فاكهةٌ .. فأهدِ لهُ ، فإنْ
لمْ تفعلْ .. فأدخلْها سرّاً ، ولا يخرجْ بها ولدُكَ ليغيظَ بها ولدَهُ، ولا تؤذِهِ بِقُتَارِ
قدْرِكَ ، إلا أنْ تغرفَ لهُ منها ، ثمّ قالَ: أتدرونَ ما حقُّ الجارِ ؟ والذي نفسي
بيدِهِ ؛ لا يبلغُ حقَّ الجارِ إلا مَنْ رحمَهُ اللهُ)). هكذا رواهُ عمرُو بنُ شعيبٍ عنْ
أبيهِ ، عنْ جدِّهِ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) .
قالَ مجاهدٌ: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو وغلامٌ لهُ يسلخُ شاةً، فقالَ :
يا غلامُ؛ إذا سلختَ .. فابدأَ بجارنا اليهوديِّ، حتَّى قالَ ذلكَ مراراً ، فقالَ
لهُ: كمْ تقولُ هذا! فقالَ: إِنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يزلْ
يوصينا بالجارِ حتَّىَّ خشينا أنَّهُ سيورِثُهُ (٢) .
وقالَ هشامٌ : ( كانَ الحسنُ لا يرىُ بأساً أنْ تطعمَ الجار اليهوديّ
والنصرانيَّ مِنْ أضحيتِكَ )(٣).
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٤٧)، وابن عدي في (( الكامل))
(١٧١/٥)، قال الحافظ في ((فتح الباري)) (٤٤٦/١٠) بعد ذكر من خرّجه :
( وأسانيدهم واهية ، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلاً ).
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٨) بلفظ المصنف هنا، وكذا بنحوه أبو داوود
(٥١٥٢)، والترمذي ( ١٩٤٣).
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق )) (٢٢٢) .
٢١٧
مقرة

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ أبو ذرِّ رضيَ اللهُ عنهُ : أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ :
((إذا طبختَ قدْراً .. فأكثرْ ماءَها، ثمَّ انظرْ بعضَ أهلِ بيتٍ مِنْ جيرانِكَ
فاغرفْ لهُمْ منها)»(١) .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنّ لي جارينِ ،
أحدُهُما مقبلٌ ببابِهِ ، والآخرُ ناءٍ بيابِهِ عنِّي ، وربَّما كانَ الذي عندي
لا يسعُهُما، فأيُّهُما أعظمُ حقّاً؟ فقالَ: (( المقبلُ عليكِ ببابِهِ))(٢) .
ورأى الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ ولدَهُ عبدَ الرحمانِ وهوَ يماظُّ جاراً لهُ ،
فقالَ: ( لا تماظِ جارَكَ ؛ فإنَّ هذا يبقى والناسُ يذهبونَ)(٣).
وقالَ الحسنُ بنُ عيسى النيسابوريُّ : سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ ،
فقلتُ : الرجلُ المجاورُ يأتيني فيشكو غلامي أنَّهُ أتى إليهِ أمراً ، والغلامُ
ينكرُ، فأكرَهُ أنْ أضربَهُ ولعلَّهُ بريءٌ، وأكرَهُ أنْ أدعَهُ فيجدَ عليَّ جاري ،
فكيفَ أصنعُ ؟ قالَ : إِنَّ غلامَكَ لعلَّهُ أنْ يحدثَ حدثاً يستوجبُ فيهِ الأدبَ ،
فاحفظْهُ عليهِ ، فإذا شكاهُ جارُكَ .. فأدِّبْهُ على ذلكَ الحدثِ ، فتكونَ قدْ
أرضيتَ جارَكَ وأدبتَهُ على ذلكَ الحدثِ (٤).
(١) رواه مسلم ( ٢٦٢٥ ) .
(٢) رواه البخاري (٢٢٥٩)، والذي رواه المروزي في (( البر والصلة)) ( ٢٤٣) أقرب
للفظ المصنف .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٩٩)، والمماظّة: المخاصمة والمشاقَّة وشدة المنازعة .
(٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٢٤٣).
٢١٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وهذا تلطُّفٌ في الجمعِ بينَ الحقّينِ .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( خلالُ المكارمِ عشرٌ ، تكونُ في الرجلِ
ولا تكونُ في أبيهِ ، وتكونُ في العبدِ ولا تكونُ في سيِّدِهِ ، يقسمُها اللهُ تعالى
لَمَنْ أحبَّ : صدقُ الحديثِ ، وصدقُ الناسِ ، وإعطاءُ السائلِ ، والمكافأةُ
بالصنائعِ ، وصلةُ الرحمِ ، وحفظُ الأمانةِ ، والتذقُمُ للجارِ ، والتذُّمُ
للصاحبِ، وقِرى الضيفِ، ورأسُهُنَّ الحياءُ)(١).
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( يا نساءَ المسلماتِ؛ لا تحقرَنْ جارةٌ لجارتِها ولوْ فِرْسِنَ شاةٍ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ مِنْ سعادةِ المرءِ المسلمِ المسكنَ
الواسعَ، والجارَ الصالحَ، والمركبَ الهنيءَ))(٣).
وقالَ عبدُ اللهِ : قالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ كيفَ لي أنْ أعلمَ إذا أحسنتُ
أوْ أسأتُ ؟ قالَ : (( إذا سمعتَ جيرانَكَ يقولونَ: قدْ أحسنتَ .. فقدْ
أحسنتَ ، وإذا سمعتَهُمْ يقولونَ: قدْ أسأتَ .. فقدْ أسأتَ))(٤).
وقالَ جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ لهُ
١٠٠٠
(١) رواه هناد في ((الزهد)) (١٠٤٦)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٤٩)،
والديوري في ((المجالسة وجواهر العلم )) ( ص٣١٩) .
(٢) رواه البخاري (٢٥٦٦)، ومسلم (١٠٣٠).
(٣) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (٣٨٥)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ( ١١٦).
(٤) رواه ابن ماجه ( ٤٢٢٣)، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه .
٢١٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
جارٌ في حائطٍ أوْ شريكٌ .. فلا يبعْهُ حتَّى يعرضَهُ عليهِ))(١).
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
أنَّ الجارَ يضعُ جذوعَهُ في حائطِ جارِهِ ، شاءَ أمْ أبى )(٢).
تتـ
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( لا يمنعنَّ أحدُكُمْ جارَهُ أنْ يضعَ خشبَهُ في حائطِهِ)»(٣) ، وكانَ أبو هريرةَ
رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( ما لي أراكُمْ عنها معرضينَ؟ واللهِ ؛ لأرمينَّها بينَ
أكتافِكُمْ )(٤) ، وقد ذهبَ بعضُ العلماءِ إلى وجوبِ ذلكَ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أرادَ اللهُ بهِ خيراً .. عسلَهُ))، قيلَ :
وما عسلَهُ ؟ قالَ : (( يحبّبُّهُ إلى جيرانِهِ ))(٥) .
جن
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٥٨)، وعند ابن ماجه (٢٤٩٢) مرفوعاً:
« من كانت له نخل أو أرض .. فلا يبيعها حتى یعرضها على شريكه )).
كنجنين
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٥٩) .
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٦١)، وهو عند البخاري ( ٢٤٦٣)،
ومسلم (١٦٠٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( لا يمنع جار جاره أن يغرز
خشبه في جداره )) .
حن
(٤) رواه البخاري (٢٤٦٣) وهي تمام الحديث المشار إليه قبل عنده ، وهي عند الخرائطي
في (مكارم الأخلاق)) ( ٢٦٢) .
(٥) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٢٦٣).
٢٢٠
---------