النص المفهرس
صفحات 141-160
ربع العادات كتاب آداب الصحبة وأمَّا اليدانِ : فألا يقبضَهُما عنْ معونتِهِمْ في كلِّ ما يُتعاطى باليدِ . وأمَّا الرجلانِ : فأنْ يمشيَ بهِما وراءَهُمْ مشيَ الأتباع لا مشيَ المتبوعينَ ، ولا يتقدَّمَهُمْ إلا بقدرِ ما يقدِّمونَهُ ، ولا يقرُّبَ منهُمْ إلا بقدْرِ ما يقرِّبونَهُ، ويقومَ لهُمْ إذا أقبلوا ، ولا يقعدَ إلا بقعودِهِمْ، ويقعدَ متواضعاً حيثُ يُقعَدُ . ومهما تمَّ الاتحادُ .. خفَّ حملُهُ مِنْ هذهِ الحقوقِ ؛ مثلُ القيامِ والاعتذارِ والثناءِ ، فإنَّها مِنْ حقوقِ الصحبةِ ، وفي ضمنِها نوعٌ مِنَ الأجنبيةِ والتكلُّفِ ، فإذا تمَّ الاتحادُ .. انطوى بساطُ التكلُّفِ بالكليّةِ ، فلا يسلكُ بهِ إلا مسلَكَ نفسِهِ ؛ لأنَّ هذهِ الآدابَ الظاهرةَ عنوانُ آدابِ الباطنِ وصفاءٍ القلبِ ، ومهما صفَتِ القلوبُ .. استُغْنِيَ عنْ تكلُّفِ إظهارِ ما فيها ، ومَنْ كانَ نظرُهُ إلى صحبةِ الخلْقِ .. فتارةً يعوجُ وتارةً يستقيمُ ، ومَنْ كانَ نظرُهُ إلى الخالقِ .. لزمَ الاستقامةَ ظاهراً وباطناً ، وزيَّنَ باطنَهُ بالحبِّ للهِ ولخلقِهِ ، وزيَّنَ ظاهرَهُ بالعبادةِ للهِ والخدمةِ لعبادِهِ ؛ فإنَّها أعلى أنواع الخدمةِ للهِ ، إذْ لا وصولَ إليها إلا بحسْنِ الخُلُقِ ، ويدركُ العبدُ بحسْنِ خلقِهِ درجةَ القائمِ الصائم وزيادةً(١) (١) وتقدم حديث: ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم الصائم)). ١٤١ مصر كتاب آداب الصحبة ربع العادات خاتمة لهذا الباب تذكر فيها جملةً من آداب المعيشة والمجالسشيع أصناف الخلق مننقطة من كلام بعض الحكماء إنْ أردتَ حسْنَ المعيشةِ .. فالْقَ صديقَكَ وعدوَّكَ بوجهِ الرضا ، مِنْ غیرِ ذلَّةٍ لهُمْ ولا هيبةٍ منهُمْ ، وتوقّرْ مِنْ غيرِ كبْرٍ ، وتواضعْ في غيرِ مذلَّةٍ ، وكنْ في جميع أمورِكَ في أوسطِها ، فكلا طرفي قصْدِ الأمورِ ذميمٌ . ولا تنظرْ في عِطفيكَ، ولا تكثرِ الالتفاتَ ، ولا تقفْ على الجماعاتِ ، وإذا جلستَ .. فلا تستوفزْ (١) ، وتحفّظْ مِنْ تشبيكِ أصابعِكَ ، والعبثِ بلحيتِكَ وخاتمِكَ، وتخليلِ أسنانِكَ(٢)، وإدخالِ إصبعِكَ في أَنِفِكَ(٣)، وكثرةٍ بصاقِكَ وتنخُّمِكَ، وطردِ الذبابِ مِنْ وجهِكَ ، وكثرةِ التمطِّي والتثاؤبٍ في وجوهِ الناسِ ، وفي الصلاةِ وغيرِها . وليكنْ مجلسُكَ هادياً(٤) ، وحديثُكَ منظوماً ومرتَّباً ، وأصْغ إلى الكلامِ الحسنِ ممَّنْ حدَّثَكَ بغيرِ إظهارِ تعجُّبٍ مفرِطٍ ، ولا تسألُهُ إعادتَهُ ، واسكتْ (١) الاستيفاز : جلوس منتصب على هيئة من يريد القيام . (٢) وسبقت قصة ابن المبارك، وفيها : ( وهل يستاك الرجل بين يدي صديقه؟!). (٣) أو أذنك، فكل ذلك فيه تقدير، إلا إن احتيج إليه .. فمرة واحدة. ((إتحاف)) (٢٤٦/٦ ) . (٤) يهتدي به الناس إلى الخير ، ووصف المجلس بالهادي على سبيل المبالغة ، أو المراد بالهادي هنا اللين. ((إتحاف)) (٢٤٦/٦)، وهي كذلك ( هادياً) في ((روضة العقلاء)) ( ص١٩٩ ) . ١٤٢ ربع العادات إجيم كتاب آداب الصحبة عنِ المضاحكِ والحكاياتِ ، ولا تحدِّثْ عن إعجابِكَ بولدِكَ ولا جاريتِكَ ، ولا شِعرِكَ ولا تصنيفِكَ وسائرٍ ما يخصُّكَ . ولا تتصنَّعْ تصنُّعَ المرأةِ في التزينِ ، ولا تبذَّلْ تبذُّلَ العبدِ ، وتوقَّ كثرةَ الكحْلِ والإسرافَ في الدهنِ ، ولا تلحَّ في الحاجاتِ ، ولا تشجِّعْ أحداً على الظلْمِ . ولا تُعلمْ أهلَكَ وولدَكَ فضلاً عنْ غيرِهِمْ مقدارَ مالِكَ ؛ فإنَّهُمْ إِنْ رأوهُ قليلاً .. هنتَ عليهِمْ، وإنْ كانَ كثيراً .. لمْ تبلغْ قُّ رضاهُمْ، وأخفْهُمْ في غيرِ عنْفٍ ، ولِنْ لهُمْ مِنْ غيرِ ضعفٍ ، ولا تهازلْ أمْتَكَ ولا عبدَكَ فيسقطَ وقارُكَ . وإذا خاصمتَ .. فتوقَّرْ وتحقَّظْ مِنْ جهلِكَ، وتجنَّبْ عجلتَكَ ، وتفكّرْ في حجَّتِكَ ، ولا تكثرِ الإشارةَ بيديكَ ، ولا تكثرِ الالتفاتَ إلى مَنْ وراءَكَ ، ولا تجثُ على ركبتيكَ، وإذا هدأَ غضبُكَ .. فتكلَّمْ . وإِنْ قرَّبَكَ سلطانٌ .. فكنْ منهُ على مثلِ حدِّ السنانِ ، وإنِ استرسلَ إليكَ .. فلا تأمنِ انقلابَهُ عليكَ، وارفقْ بهِ رفقَكَ بالصبيِّ، وكلِّمْهُ بما يشتهيهِ ما لمْ يكنْ معصيةً ، ولا يحملنَّكَ لطفُهُ بكَ أنْ تدخلَ بينَهُ وبينَ أهلِهِ وولدِهِ وحشمِهِ وإنْ كنتَ لذلكَ مستحقاً عندَهُ، فإنَّ سقطةَ الداخلِ بينَ المَلِكِ وأهلِهِ سقطةٌ لا تنعشُ (١) ، وزلَّةٌ لا تُقَالُ. فتـ (١) أي: لا تقام، يقال : انتعش العاثر؛ إذا نهض من عثرته . ١٤٣ جير كتاب آداب الصحبة ربع العادات وإِيَّاكَ وصديقَ العافيةِ ؛ فإنَّهُ أعدى الأعداءِ ، ولا تجعلْ مالَكَ أكرمَ مِنْ عرضِكَ . وإذا دخلتَ مجلساً .. فالأدبُ فيهِ البدايةُ بالتسليم ، وتركُ التخطِّ لمَنْ سبقَ ، والجلوسُ حيثُ اتسعَ ، وحيثُ يكونُ أقربَ إلى التواضع ، وأنْ تحييَ بالسلامِ مَنْ قربَ منكَ عندَ الجلوسِ . ولا تجلسْ على الطريقِ، فإنْ جلستَ .. فأدبُّهُ غضُّ البصرِ ، ونصرةٌ المظلوم ، وإغاثةُ الملهوفِ ، وعونُ الضعيفِ ، وإرشادُ الضالِ، وردُّ السلام ، وإعطاءُ السائلِ ، والأمرُ بالمعروفِ ، والنهيُ عنِ المنكرِ ، والارتيادُ لموضع البصاقِ ، ولا تبصقْ في جهةِ القبلةِ ، ولا عنْ يمينِكَ ، ولكنْ عنْ يسارِكَ ، وتحتَ قدمِكَ اليسرى . ولا تجالسِ الملوكَ ، فإنْ فعلتَ .. فأدبُهُ تركُ الغيبةِ ، ومجانبةُ الكذبِ ، وصيانةُ السرِّ، وقلَّةُ الحوائج ، وتهذيبُ الألفاظِ ، والإعرابُ في الخطابِ ، والمذاكرةُ بأخلاقِ الملوكِ ، وقلَّةُ المداعبةِ ، وكثرةُ الحذرِ منْهُمْ وإنْ ظهرَتْ لكَ المودَّةُ، وألا تتجشَّأَ بحضرتِهِمْ ، ولا تتخلَّلَ بعدَ الأكلِ عندَهُ ، وعلى الملكِ أنْ يحتملَ كلَّ شيءٍ إلا إفشاءَ السرِّ ، والقذْحَ في المِلْكِ ، والتعرُّضَ للحُرَمِ . ولا تجالسِ العامَّةَ، فإنْ فعلتَ .. فأدبُهُ تركُ الخوض في حديثِهِمْ، وقلّةُ ١٤٤ ربع العادات كتاب آداب الصحبة محر الإصغاءِ إلى أراجيفِهِمْ (١) ، والتغافلُ عمَّا يجري في سوءِ ألفاظِهِمْ، وقلَّةُ اللقاءِ لهُمْ معَ الحاجةِ إلیھِمْ . وإِيَّاكَ أنْ تمازحَ لبيباً أوْ غيرَ لبيبٍ ؛ فإنَّ اللبيبَ يحقدُ عليكَ ، والسفيهَ يجترئُ عليكَ؛ لأنَّ المزاحَ يخرقُ الهيبةَ، ويسقطُ ماءَ الوجهِ ، ويعقبُ الحقدَ، ويذهبُ بحلاوةِ الوُدِّ ، ويشينُ فقهَ الفقيهِ، ويجرِّئُ السفيه ، ويسقطُ المنزلةَ عندَ الحكيمِ ، ويمقتُهُ المتقونَ ، وهوَ يميتُ القلبَ ، ويباعدُ عنِ الربِّ تعالى ، ويكسبُ الغفلةَ، ويورثُ الذلَّةَ، وبهِ تظلمُ السرائرُ وتموتُ الخواطرُ ، وبهِ تكثرُ العيوبُ وتبينُ الذنوبُ . وقدْ قيلَ : لا يكونُ المزاحُ إلا مِنْ سخْفٍ أوْ بطرٍ ، ومَنْ بليَ في مجلسٍ بمزاحٍ أوْ لغطِ .. فليذكرِ اللهَ عزَّ وجلَّ عندَ قيامِهِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ جلسَ في مجلسٍ، فكثرَ فيهِ لغطُهُ، فقالَ قبلَ أنْ يقومَ مِنْ مجلِسِهِ ذلكَ : سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ ، أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ .. إلا غُفِرَ لهُ ما كانَ في مجلسِهِ ذلكَ)) (٢). (١) وهي الأقوال السيئة والأخبار الكاذبة ، وقد أرجف القوم الشيء وبه؛ إذا أكثروا من تلك الأقوال والأخبار حتى يضطر الناس بها. ((إتحاف)) (٢٤٨/٦). (٢) رواه الترمذي (٣٤٣٣). ١٤٥ : ے كتاب آداب الصحبة ربع العادات البَابُ الثَّالِثُ في حق السلم والرحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من يدلي بهذه الأسباب اعلمْ : أنَّ الإنسانَ إما أنْ يكونَ وحدهُ، أوْ معَ غيرِهِ ، وإذا تعذَّرَ عيشُ الإنسانِ إلا بمخالطةٍ منْ هوَ مِنْ جنسِهِ .. لمْ يكنْ لهُ بدٌّ مِنْ تعلّمِ آدابٍ المخالطةِ ، وكلُّ مخالطِ ففي مخالطتِهِ أدبٌّ ، والأدبُ على قدْرِ حقِّهِ ، وحقُّهُ علىَ قَدْرِ رابطتِهِ التي بها وقعَتِ المخالطةُ . والرابطةُ : إمَّا القرابةُ وهيَ أخصُّها ، أوْ أخوَّةُ الإسلامِ وهيَ أعمُّها ، وإمَّا الجوارُ ، وإمَّا صحبةُ السفرِ أوِ المكتبِ أوِ الدرْسِ ، وإمَّا الصداقةُ أوٍ الأخوَّةُ . ولكلِّ واحدٍ مِنْ هُذهِ الروابطِ درجاتٌ ، فالقرابةُ لها حقٌّ ، ولكنْ حقُّ الرحمِ المحرمِ آكدُ ، وللمحرمِ حقٌّ ، ولكنْ حقُّ الوالدينِ آكدُ . وكذلكَ حُّ الجارِ ولكنْ يختلفُ بحسَبٍ قرِبِهِ مِنَ الدارِ وبعدهِ ، ويظهرُ التفاوتُ عندَ النسبةِ ، حتى إنَّ البلديَّ في بلادِ الغربةِ يجري مَجرى القريبِ في الوطنِ ؛ لاختصاصِهِ بحقِّ الجوارِ في البلدِ . وكذلكَ حقُّ المسلم يتأكَّدُ بتأكّدِ المعرفةِ ، وللمعارفِ درجاتٌ ، فليسَ ١٤٦ ربع العادات كتاب آداب الصحبة حقُّ الذي عُرِفَ بالمشاهدةِ كحقِّ الذي عُرِفَ بالسماع ، بلْ آكدُ منهُ ، والمعرفةُ بعدَ وقوعِها تتأكَّدُ بالاختلاطِ . وكذلكَ الصحبةُ تتفاوتُ درجاتُها ، فحقُّ الصحبةِ في الدرسِ والمكتبِ آكدُ مِنْ حقِّ صحبةِ السفرِ . وكذلكَ الصداقةُ تتفاوتُ، فإنَّها إذا قويَتْ .. صارَتْ أخوَّةً ، فإنٍ ازدادَتْ .. صارَتْ محبّةً، فإنِ ازدادَتْ .. صارَتْ خلَّةً ، والخليلُ أقربُ مِنَ الحبيبِ ، والمحبَّةُ ما تتمكَّنُ مِنْ حبَّةِ القَلْبِ، والخلَّةُ ما تتخلَّلُ سرَّ القلبِ ، فكلُّ خليلٍ حبيبٌ ، وليسَ كلُّ حبيبٍ خليلاً . وتفاوتُ درجاتِ الصداقةِ لا يخفى بحكْم المشاهدةِ والتجربةِ ، فأمَّا كونُ الخلَّةِ فوقَ الأخوّةِ .. فمعناهُ: أنَّ لفظَ الخلَّةِ عبارةٌ عنْ حالةٍ هيَ أتمُّ مِنَ الأخوّةِ، وتعرفُهُ مِنْ قولهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لو كنتُ متخذاً خليلاً .. لا تخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنَّ صاحبَكُمْ خليلُ اللهِ))(١) ؛ إذِ الخليلُ هوَ الذي يتخلَّلُ الحبُّ جميعَ أجزاءٍ قلبِهِ ظاهراً وباطناً ويستوعبُهُ ، ولمْ يكنْ يستوعبُ قلبُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سوى حبُّ اللهِ تعالى، وقدْ منعتْهُ الخلَّةُ عنِ الاشتراكِ فيهِ (٢)، معَ أنَّهُ اتخذَ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ أخاً، فقالَ: ((عليٌّ (١) رواه البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢، ٢٣٨٣)، قال الحافظ الزبيدي : ( الحديث متواتر، وقد رواه زهاء خمسة عشر من الصحابة). ((الإتحاف)) (٢٥٠/٦). (٢) أي: لما اتخذه خليلاً .. لم يصلح أن يشترك في خلة الخالق خلة الخلق، ثم قال: ((ولكن أخوة الإسلام»، فأوقفه مع الأخوة؛ لأن فيها مشاركة في الحال. («إتحاف)) (٢٥١/٦). ١٤٧ 85 كتاب آداب الصحبة ربع العادات ـكن مِنِّي بمنزلةٍ هارونَ مِنْ موسى إلا النبؤَةَ)) (١) ، فعدلَ بعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبوَّةِ كما عدلَ بأبي بكرٍ عنِ الخلَّةِ ، فشاركَ أبو بكرٍ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُما في الأخوّةِ وزادَ عليهِ بمقاربةِ الخلَّةِ وأهليتِهِ لها لوْ كانَ للشركةِ في الخلَّةِ مجالٌ ، فإنَّهُ نبَّهَ عليهِ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا تخذتُ أبا بكرٍ خليلاً)). وكَانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حبيبَ اللهِ وخليلَهُ، فقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صعدَ المنبرَ يوماً مستبشراً فرحاً ، فقالَ: ((إنَّ اللهَ قدِ اتخذَني خليلاً كما اتخذَ إبراهيمَ خليلاً، فأنا حبيبُ اللهِ، وأنا خليلُ اللهِ تعالى))(٢). فإذاً؛ ليسَ قبلَ المعرفةِ رابطةٌ ، ولا بعدَ الخلَّةِ درجةٌ ، وما سواهُما مِنَ الدرجاتِ بينَهُما ، وقدْ ذكرنا حقَّ الصحبةِ والأخوَّةِ ، ويدخلُ فيهِما ما وراءَهُما مِنَ المحبَّةِ والخلَّةِ ، وإنَّما تتفاوتُ الرتبُ في تلكَ الحقوقِ كما سبقَ بحسَبِ تفاوتِ المحبَّةِ والأخوَّةِ ، حتى ينتهيَ أقصاها إلى أنْ يوجبَ الإيثارَ بالنفسِ والمالِ ؛ كما آثرَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمْ(٣)، ـتر: (١) رواه البخاري (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) بلفظ: (( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))، وعند أحمد في ((المسند)) (١٧٠/١): ((أوما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟)). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٣١/٢)، وقد رواه مسلم ( ٥٣٢) دون زيادة : ( فأنا حبيب الله، وأنا خليل الله )، وقوله : ( حبيب الله ) رواه الترمذي (٣٦١٦) ولفظه ضمن حديث: (( وأنا حبيب الله ولا فخر)) ، والجملة الثانية ثابتة بالحديث المتقدم . (٣) كما روى اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (٢٤٢٧)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٣/١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤٧٦/٢). ١٤٨ ربع العادات كتاب آداب الصحبة وكما آثرَهُ أبو طلحةً ببدنِهِ ، إذْ جعلَ نفسَهُ وقايةً لشخصِهِ العزيزِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ(١) . فنحنُ الآنَ نريدُ أنْ نذكرَ حقَّ أخوَّةِ الإِسلام ، وحقَّ الرحمِ ، وحقَّ الوالدينِ ، وحقَّ الجوارِ ، وحقَّ المِلْكِ ؛ أعني : ملكَ اليمينِ ؛ فإنَّ مِلْكَ النكاحِ قدْ ذكرنا حقوقَهُ في كتابِ آدابِ النكاحِ . (١) كما روى البخاري (٣٨١١)، ومسلم (١٨١١). ١٤٩ كتاب آداب الصحبة ٥٦٠٠ ربع العادات حقوق المسلم هيَ أنْ يسلِّمَ عليهِ إذا لقيَهُ ، ويجيبَهُ إذا دعاهُ ، ويشمِّتَهُ إذا عطسَ ، ويعودَهُ إذا مرضَ ، ويشهدَ جنازتَهُ إذا ماتَ ، ويبرَّ قسمَهُ إذا أقسمَ عليهِ ، وينصحَ لهُ إذا استنصحَهُ ، ويحفظَهُ بظهر الغيبِ إذا غابَ عنهُ ، ويحبَّ لهُ ما يحبُّ لنفسِهِ ، ويكرَهَ لهُ ما يكرَهُ لنفسِهِ ، وردَ جميعُ ذلكَ في أخبارٍ وآثار(١) . C. وقدْ روى أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( أربعٌ مِنْ حقِّ المسلمينَ عليكَ : أَنْ تعينَ محسنَهُمْ ، وأنْ تستغفرَ (١) منها ما رواه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) واللفظ له: (( حق المسلم على المسلم ستٍّ)) قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته .. فسلّم عليه، وإذا دعاك .. فأجبه، وإذا استنصحك .. فانصح له، وإذا عطس فحمد الله .. فسمِّته، وإذا مرض .. فعده، وإذا مات .. فاتبعه))، والتسميت والتشميت بمعنىّ. ومنها ما رواه أحمد في ((المسند)) (٨٨/١) من حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً: ((المسلم على المسلم من المعروف ست : يسلم عليه إذا لقيه ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشهده إذا توفي ، ويحب له ما يحب لنفسه ، وينصح له بالغيب )) . ومنها ما رواه البخاري ( ١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦) وفيه: ( وإبرار القسم أو المقسم، ونصرة المظلوم ) ، وقد جمع أصول هذه الأخبار أبو طالب المكي في ((القوت)) (٢ /١٤١). ١٥٠ ربع العادات كتاب آداب الصحبة لمذنبهِمْ ، وأنْ تدعوَ لمدبرِهِمْ، وأنْ تحبَّ تائبَهُمْ))(١). وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في معنى قولِهِ تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ قالَ : ( يدعو صالحُهُمْ لطالحِهِمْ، وطالحُهُمْ لصالحِهِمْ، إذا نظرَ الطالحُ إلى الصالح مِنْ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. قالَ: اللهمَّ؛ بارْ لهُ فيما قسمتَ لهُ مِنَ الخيرِ ، وثبتْهُ عليهِ ، وانفعْنا بهِ ، وإذا نظرَ الصالحُ إلى الطالح .. قالَ: اللهمَّ ؛ اهدِهِ وتبْ عليهِ ، واغفرْ لهُ)(٢). ومنها : أنْ يحبَّ للمؤمنينَ ما يحبُّ لنفسِهِ ، ويكرَهَ لهُمْ ما يكرَهُ لنفسِهِ : قالَ النعمانُ بنُ بشيرِ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((مثلُ المؤمنين في توادِّهِمْ وتراحُمِهِمْ كمثلِ الجسدِ ، إذا اشتكى عضوٌ منهُ .. تداعى سائرُهُ بالحمى والسهرِ))(٣). 13 وروى أبو موسىُ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُهُ بعضاً »(٤) . ٢٠٠٠ (١) قال صاحب ((القوت)) (١٤١/٢): (روينا عن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبان بن عياش ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وذكره ، وقد رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ١٤٩٩) من حديث أنس رضي الله عنه . (٢) قوت القلوب (١٤١/٢). (٣) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) . (٤) رواه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥) . ١٥١ 1 كتاب آداب الصحبة ربع العادات ومنها : ألا يؤذيَ أحداً مِنَ المسلمينَ بفعلٍ ولا قولٍ: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المسلمُ مَنْ سلمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويدِهِ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ طويلٍ يأمرُ فيهِ بالفضائلِ: (( فإنْ لمْ تقدرْ .. فدع الناسَ مِنَ الشّرِّ ؛ فإنَّها صدقةٌ تصدَّقُ بها على نفسِكَ))(٢). وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أفضلُ المسلمينَ مَنْ سلمَ المسلمونَ منْ لسانِهِ ويدِهِ ))(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أتدرونَ مَنِ المسلمُ؟)) فقالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: (( المسلمُ مَنْ سلمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويدِهِ ))، قالوا: فمَنِ المؤمنُ؟ قالَ: « مَنْ أمنَهُ المؤمنونَ على أنفسِهِمْ وأموالِهِمْ)) ، قالوا : فمَنِ المهاجرُ؟ قالَ: ((مَنْ هجرَ السوءَ واجتنبَهُ))(٤). وقالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما الإسلامُ؟ قالَ: (( أنْ يسلمَ قلبُكَ للهِ ، ويسلمَ المسلمونَ منْ لسانِكَ ويدِكَ ))(٥) . (١) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤١)، وإنما ذكر اللسان واليد وخصَّهما لأن أكثر وأغلب الأذى بهما . (٢) رواه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، قاله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه . (٣) رواه البخاري (١١)، ومسلم (٤٢) وقد سئل صلى الله عليه وسلم : ( أي المسلمين أفضل ؟ ) فذكره . (٤) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٢٣٤). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/ ١١٤). ١٥٢ ربع العادات كتاب آداب الصحبة حر وقالَ مجاهدٌ : ( يُسلَّطُ على أهلِ النارِ الجربُ ، فيحتكُّونَ حتَّى يبدوَ عظمُ أحدِهِمْ مِنْ جلدِهِ ، فيُنادَى : يا فلانُ ؛ هلْ يؤذيكَ هذا ؟ فيقولُ : نعمْ ، فيُقالُ: هذا بما كنتَ تؤذي المؤمنينَ)(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لقدْ رأيتُ رجلاً يتقلَّبُ في الجنَّةِ في شجرةٍ قطعَها عنْ ظهْرِ الطريقِ كانَتْ تؤذي الناسَ ))(٢). وقالَ أبو برزةَ رضيَ اللهُ عنهُ : يا رسولَ اللهِ ؛ علِّمْني شيئاً أنتفعُ بهِ ، قالَ: ((اعزلِ الأذى عنْ طريقِ المسلمينَ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ زحزحَ عنْ طريقِ المسلمينَ شيئاً يؤذيهِمْ .. كتبَ اللهُلُهُ بهِ حسنةً، ومَنْ كتبَ اللهُ لُهُ حسنةً .. أوجبَ لهُ بها الجنَّةَ))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يحلُّ لمسلم أنْ يشيرَ إلى أخيهِ بنظرةٍ تؤذیه »(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (١٢٤)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٩٤). (٢) رواه مسلم (١٢٩/١٩١٤). (٣) رواه مسلم (٢٦١٨) . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤٠/٦). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٨٩) عن حمزة بن عبدة مرسلاً، وزاد الحافظ العراقي: (وفي (( البر والصلة)) له من زيادات الحسين المروزي : حمزة بن عبد الله بن أبي سمي، وهو الصواب). («إتحاف)) (٢٥٥/٦)، وقال الحافظ المناوي في ((فيض القدير)) (٥٠٤/٥): ( عن حمزة بن عبيد مرسلاً ، هو ابن عبد الله بن عمر ، قال الذهبي : ثقة إمام ) . ١٥٣ كتاب آداب الصحبة ربع العادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يروِّعَ مسلماً))(١) وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يَكرَهُ أذى المؤمنِ)) (٢). وقالَ الربيعُ بنُ خثيمٍ : ( الناسُ رجلانٍ : مؤمنٌ فلا تؤذِهِ ، وجاهلٌ فلا تجاهلْهُ )(٣). ومنها : أنْ يتواضعَ لكلِّ مسلم ، ولا يتكبَّرَ عليهِ : فإنَّ اللهَ لا يحبُّ كلَّ مختال فخورٍ ، وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ اللهَ تعالى أوحى إليَّ: أنْ تواضعوا؛ حتَّى لا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ )) (٤) . ثُمَّ إِنْ تفاخرَ عليهِ غيرُهُ .. فليحتملْ، فَاللهُ تعالى قالَ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾. (١) رواه أبو داوود (٥٠٠٤ ) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبْل معه - وعند أحمد في ((المسند)) ( ٣٦٢/٥): إلى تبل معه - فأخذه ، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً )). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٩٢) عن عكرمة بن خالد مرسلاً، وذكره الترمذي (٢٨٢٥) تعليقاً . (٣) رواه السلمي في ((آداب الصحبة)) (٣٨). (٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) ضمن خطبة له صلى الله عليه وسلم ، ورواه مفرداً أبو داوود ( ٤٨٩٥)، وابن ماجه ( ٤١٧٩ ) . ١٥٤ ربع العادات ٥٠ كتاب آداب الصحبة وعنِ ابنِ أبي أوفى : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتواضعُ لكلِّ مسلم، ولا يأنفُ ولا يستكبرُ أَنْ يمشيَ معَ الأرملةِ والمسكينِ فيقضيَ حاجتهُ)(١). ومنها : ألا يسمعَ بلاغاتِ الناسِ بعضِهِمْ على بعضٍ ، ولا يبلَّغَ بعضَهُمْ ما يسمعُ منْ بعضٍ: قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يدخلُ الجنَّةَ قتَّاتٌ))(٢). وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ : ( مَنْ نمَّ إليكَ .. نمَّ عليكَ، ومَنْ أخبرَكَ بخبرٍ غيرِكَ .. أخبرَ غيرَكَ بخبرِكَ )(٣). ومنها : ألا يزيدَ في الهجرةِ لمَنْ يعرفُهُ على ثلاثةِ أيام مهما غضبَ عليهِ : قالَ أبو أيوبَ الأنصاريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا يحلُّ المسلم أنْ يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ ، يلتقيانِ فيعرضُ هذا ويعرضُ هذا ، وخيرُهُما الذي يبدأُ بالسلامِ)) (٤) . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أقالَ مسلماً عثرتَهُ .. أقالَهُ اللهُ يومَ القيامةِ))(٥). (١) رواه النسائي (١٠٨/٣). (٢) رواه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥)، والقَّات : النمَّام . (٣) رواه السلمي في ((آداب الصحبة)) (١٢١ ). (٤) رواه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم ( ٢٥٦٠) . (٥) رواه أبو داوود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، ولفظه عند أبي نعيم في ((الحلية)) (٣٤٥/٦٦). ١٥٥ كتاب آداب الصحبة ربع العادات قالَ عكرمةُ : ( قالَ اللهُ تعالى ليوسفَ بنِ يعقوبَ : بعفوِكَ عنْ إخوتِكَ .. رفعتُ ذكرَكَ في الذاكرينَ)(١) . قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ما انتقمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لنفسِهِ قطُّ إلا أنْ تُنْتَهَكَ حرمةُ اللهِ، فينتقمَ للهِ)(٢) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ما عفا رجلٌ عنْ مظلمةٍ إلا زادَهُ اللهُ بها عزّاً )(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما نقصَ مالٌ مِنْ صدقةٍ، وما زادَ اللهُ رجلاً بعفوٍ إلا عزّاً، وما منْ أحدٍ تواضعَ للهِ إلا رفعَهُ اللهُ)) (٤) . ومنها : أنْ يحسنَ إلى كلِّ مَنْ قدرَ عليهِ منهُمْ ما استطاعَ : لا يميزُ بينَ الأهلِ وغيرِ الأهلِ ، رُوِيَ عنْ عليٍّ بنِ الحسينِ ، عنْ أبيهِ ، عنْ جدِّهِ رضيَ اللهُ عنهُم قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اصنع المعروفَ إلى أهلِهِ وإلى غيرِ أهلِهِ ، فإنْ أصبتَ أهلَهُ .. فهوَ أهلُهُ، ـحرة (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٧/٣). حن (٢) رواه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم ( ٢٣٢٧) . (٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٤٢١). طن (٤) رواه مسلم (٢٥٨٨) ولفظه عنده: ( ما نقصت صدقة من مال ... ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . تخ ١٥٦ ربع العادات كتاب آداب الصحبة وإنْ لمْ تصبُ أهلَهُ .. فأنتَ أهْلُهُ))(١) وعنهُ بإسنادِهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رأسُ العقلِ بعدَ الدينِ التوذُّدُ إلى الناسِ واصطناعُ المعروفِ إلى كلِّ بَرّ وفاجرٍ))(٢). وقالَ أبو هريرةَ : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يأخذُ أحدٌ بيدِهِ فينزعُ يدَهُ حتَّى يكونَ الرجلُ هوَ الذي يرسلُهُ ، ولمْ تكنْ تُرى ركبتُهُ خارجةً عنْ ركبةٍ جليسِهِ ، ولمْ يكنْ أحدٌ يكلمُهُ إلا أقبلَ عليهِ بوجهِهِ ، ثمْ لمْ يصرفْهُ عنهُ حتَّى يفرِغَ مِنْ كلامِهِ)(٣). 2 حن ومنها : ألا يدخلَ على أحدٍ منهُمْ إلا بإذنِهِ : بلْ يستأذنُ ثلاثاً ، فإنْ لمْ يُؤذنْ لهُ .. انصرفَ، قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فالأولى يستنصتونَ ، والثانيةُ : يستصلحونَ، والثالثةُ: يأذنونَ أَوْ يردُّونَ))(٤) . (١) رواه أبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (٧٨)، والجصاص في (( أحكام القرآن)» (٢٦٧/٣)، والسلمي في ((آداب الصحبة)) (١٣٨)، وهو عند الدارقطني في ((العلل)) (١٠٧/٣) . (٢) رواه السلمي في (( آداب الصحبة)) (١٣٩) بتمامه، وروى الطبراني في ((الأوسط)) (٦٠٧٦) الجملة الأولى منه . (٣) رواه الطبراني في (( الأوسط)) ( ٨٦٨٣)، ونحوه عند الترمذي (٢٤٩٠)، وابن ماجه ( ٣٧١٦ ) . (٤) رواه السلمي في (( آداب الصحبة)) (١٦٢)، ويستصلحون: أي: المكان للجلوس ، = ١٥٧ كتاب آداب الصحبة ربع العادات ومنها : أنْ يخالقَ الجميعَ بخلقٍ حسنٍ ، ويعاملَهُمْ بحسَبٍ طريقتِهِ : فإنَّهُ إِنْ أرادَ لقاءَ الجاهلِ بالعلمِ ، والأميِّ بالفقهِ ، والعبيِّ بالبيانِ .. آذى وتأنَّى . ومنها : أنْ يوقِّرَ المشايخَ ويرحمَ الصبيانَ : قالَ جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ منَّا مَنْ لمْ يوقُرْ كبيرَنا ، ولمْ يرحمْ صغيرَنا))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مِنْ إجلالِ اللهِ إكرامُ ذي الشيبةِ المسلمِ)) (٢) . ومِنْ تمامٍ توقيرِ المشايخ : ألا يتكلمَ بينَ أيديهِمْ إلا بالإذنِ ، قالَ جابرٌ : قدمَ وفدُ جهينةَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقامَ غلامٌ ليتكلمَ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَهْ، فأينَ الكبيرُ؟))(٣). أو يصلحون عليهم ثيابهم ونحو ذلك ، وعند البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم ( ٢١٥٣) واللفظ له : ((الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك، وإلا .. فارجع». (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٩٢٣)، ورواه البخاري في (( الأدب المفرد)» (٣٥٤)، وأبو داوود (٤٩٤٣) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٢) رواه أبو داوود (٤٨٤٣) وتمامه: (( وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط )) . (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٤٨٦)، وفي (ب، هـ، ط، ي): ( الكُبْر) بدل ( الكبير ) وهي رواية . ١٥٨ (6) ربع العادات كتاب آداب الصحبة وفي الخبرِ: (( ما وقَّرَ شابٌ شيخاً إلا قيَّضَ اللهُ لهُ في سنِّهِ مَنْ يوقِّرُهُ))(١)، وهذهِ بشارةٌ بدوام الحياةِ ، فليُنَّه لها ، فلا يُوفَّقُ لتوقيرِ الشيوخ إلا مَنْ قضى اللهُ لهُ بطولِ العمرِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ الولدُ غيظاً ، والمطرُ قيظاً ، وتفيضُ اللئامُ فيضاً، وتغيضُ الكرامُ غيضاً ، ويجترىُ الصغيرُ على الكبيرِ ، واللئيمُ على الكريمِ))(٢). والتلطُّفُ بالصبيانِ مِنْ عادةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣)، كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقدمُ منَ السفرِ ، فيتلقاهُ الصبيانُ ، فيقفُ عليهِمْ، ثمّ يأمرُ بِهِمْ فَيُرفعونَ إليهِ ، فيرفعُ منهُمْ بينَ يديهِ وخلفَهُ ، ويأمرُ أصحابَهُ أنْ يحملوا بعضَهُمْ، فربَّما تفاخرَ الصبيانُ بعدَ ذلكَ، فيقولُ بعضُهُمْ لبعضٍ : حملَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ يديهِ ، وحملَكَ أنتَ وراءَهُ ، ويقولُ بعضُهُمْ: أمرَ أصحابَهُ أنْ يحملوكَ وراءَهُمْ(٤). (١) رواه الترمذي (٢٠٢٢) ولفظه: ((ما أكرم شاب ... )) الحديث. (٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٤٢٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٩٤٩). (٣) تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان أفكه الناس مع صبي . (٤) روى البخاري (٣٠٨٢)، ومسلم (٢٤٢٧) عن ابن أبي مليكة قال : قال ابن الزبير لابن جعفر رضي الله عنهم : أتذكر إذا تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال : نعم ، فحملنا وتركك . وروى مسلم (٢٤٢٨) عن عبد الله بن جعفر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر .. تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته ، قال : وإنه قدم من سفر ، فسُبق بي إليه ، فحملني = ١٥٩ كتاب آداب الصحبة ربع العادات وكانَ يُؤتى بالصبيِّ الصغيرِ ليدعوَ لهُ بالبركةِ وليسمِّيَهُ ، فيأخذُهُ فيضعُهُ في حجرِهٍ(١)، فربما بالَ الصبيُّ عليهِ، فيصيحُ بهِ بعضُ مَنْ يراهُ، فيقولُ: ((لا تُزْرِموا الصبيَّ بولَهُ))، فيدعُهُ حتَّى يقضيَ بولَهُ، ثمَّ يفرغُ مِنْ دعائِهِ لهُ وتسميتِهِ ، ويبلغُ سرورَ أهلِهِ فيهِ ، وألا يروا أنَّهُ تأذَّى ببولِهِ ، فإذا انصرفوا .. غسلَ ثوبَهُ بعدَهُ(٢) . بين يديه ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة ، فأردفه خلفه ، فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة . = (١) فقد روى البخاري (٥٤٦٨)، ومسلم (٢١٤٧) واللفظ له : ( كان يؤتى بالصبيان ، فيبرِّك عليهم ويحنّكهم ) . (٢) روى الطبراني في (( الأوسط)) ( ٦١٩٣) عن أم سلمة رضي الله عنها: أن الحسن أو الحسين بال على بطن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبوا ليأخذوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تَزْرِموا ابني ولا تستعجلوه )) فتركه حتى قضى بوله ، فدعا بماء فصبه عليه . وروى البخاري (٦٣٥٥)، ومسلم (٢٨٦) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان ، فيدعو لهم ، فأتي بصبي ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله ) . وروى أحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في ( البدر المنير)) (٥٣٩/١-٥٤٠) عن حسين بن علي - أو ابن حسين بن علي - : حدثتنا امرأة من أهلنا ، قالت : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً على ظهره يلاعب صبياً على صدره .. إذ بال ، فقامت لتأخذه وتضربه، قال: (( دعيه، ائتوني بكوز من ماء)) فنضح الماء على البول حتى تفايض الماء على البول ... الحديث . دن ووقع في (أ، ج) هنا: ( ولا يروا) بدل ( وألا يروا)، وفي (د): ( وألا يري والديه أنه ... ) . ١٦٠