النص المفهرس

صفحات 121-140

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
الحقّ السّاوس الدعاء للأخ في حياته وبعد مائه
لكل الجبدالنفسه ولأحل وكل تعلّق :.
0
فتدعو لهُ كما تدعو لنفسِكَ، ولا تفرِّقْ بينَ نفسِكَ وبينَهُ ، فإِنَّ دعاءَكَ لهُ
دعاءٌ لنفسِكَ على التحقيقِ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا دعا الرجلُ
لأخيهِ في ظهرِ الغيبِ .. قالَ الملكُ: ولكَ بمثلِ ذلكَ))(١)، وفي لفظٍ
آخرَ: ((يقولُ اللهُ تعالى: بكَ أبدأُ))(٢).
وفي الحديثِ : (( يُستجابُ للرجلِ في أخيهِ ما لا يُستجابُ لهُ في
نفسِهِ))(٣)، وفي الحديثِ: ((دعوةُ الرجلِ لأخيهِ بظهر الغيبِ
لا تُرُدُ ))(٤).
(١) رواه مسلم ( ٢٧٣٢) عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً بنحوه .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/٢)، قال الحافظ العراقي: ( لم أجد هذا اللفظ ).
(«إتحاف)) (٦ / ٢٣٤) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/٢)، وروى أحمد في ((المسند)) (٤٥٢/٦) عن أم الدرداء
رضي الله عنها مرفوعاً: (( يستجاب للمرء بظهر الغيب لأخيه ، فما دعا لأخيه بدعوة إلا
قال الملك : ولك بمثل)) وقد تقدم نحوه ، وروى أبو داوود (١٥٣٥)، والترمذي
(١٩٨٠) مرفوعاً: ((إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب)).
(٤) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) (٧٨٦)، وهو عند مسلم (٢٧٣٣) بلفظ :
(( دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة )) الحديث حديث أم الدرداء ، وقد
تقدم بعضه .
١٢١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وكانَ أبو الدرداءِ يقولُ : ( إنِّي لأَدعو لسبعينَ مِن إخواني في سجودي ،
أسميهِمْ بأسمائِهِمْ) (١).
٥
وكانَ محمدُ بنُ يوسفَ الأصبهانيُّ يقولُ: ( وأينَ مثلُ الأَخِ الصالحِ ؟!
أهلُكَ يقتسمونَ ميراثَكَ ويتنعَّمونَ بما خلَّفتَ ، وهوَ منفردٌ بحزنِكَ ، مهتمٌّ
بما قَدِمتَ وما صرتَ إليهِ ، يدعو لكَ في ظلمةِ الليلِ وأنتَ تحتَ أطباقٍ
الثرى )(٢) .
وكأنَّ الأخَ الصالحَ يقتدي بالملائكةِ ؛ إذْ جاءَ في الخبرِ : (( إذا ماتَ
العبدُ .. قالَ الناسُ: ما خلَّفَ؟ وقالتِ الملائكةُ: ما قدَّمَ؟))(٣) يفرحونَ
لهُ بما قدَّمَ ، ويسألونَ عنهُ ، ويشفقونَ عليهِ .
ويُقالُ : ( مَنْ بلغَهُ موتُ أخيهِ ، فترخَّمَ عليهِ واستغفرَ لهُ .. كُتبَ لهُ كأنَّهُ
شهدَ جنازتهُ وصلَّى عليهِ )(٤) .
ورُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مثلُ الميِّتِ في
قبرِهِ مثلُ الغريقِ يتعلَّقُ بكلِّ شيءٍ ، ينتظرُ دعوةٌ مِنْ ولدٍ أوْ والدٍ ، أَوْ أخ أوْ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨١٨٦)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٤٧ /١٨٨) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/٢) والسياق عنده، وفيه: (بحسرتك) بدل ( بحزنك ) ،
وروى بعضه أبو نعيم في (( الحلية)) (٨/ ٢٣١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٨٥١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٩٩٢)
عن أبي هريرة رضي الله عنه .
جن
(٤) قوت القلوب (٢٢٨/٢).
١٢٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
قريبٍ ، وإنَّهُ ليدخلُ على قبورِ الأمواتِ مِنْ دعاءِ الأحياءِ مِنَ الأنوارِ مثلُ
الجبالِ)) (١) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( الدعاءُ للأمواتِ بمنزلةِ الهدايا للأحياءِ ، فيدخلُ
الملكُ على الميّتِ ومعَهُ طبقٌ مِنْ نورٍ ، عليهِ منديلٌ مِنْ نورٍ ، فيقولُ : هذهِ
هديَّةٌ لكَ مِنْ عندِ أخيكَ فلانٍ، مِنْ عندٍ قريبكَ فلانٍ ، قالَ : فيفرحُ بذلكَ
كما يفرحُ الحيُّ بالهديَّةِ )(٢) .
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً وأوله :
(« ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوِّث، ينتظر دعوة ... )) الحديث .
(٢) تقدم نحو هذا ، وأنها رؤيا رآها بشار بن غالب في حق رابعة رحمهما الله تعالى ، وقد
روي نحوه مرفوعاً، رواه الطبراني في « الأوسط)) (٦٥٠٠).
١٢٣

كتاب آداب الصحية
ربع العادات
الحق السابع: الوفاء والإخلاص
ومعنى الوفاءِ : الثباتُ على الحبِّ وإدامتُهُ إلى الموتِ معَهُ ، وبعدَ
الموتِ معَ أولادِهِ وأصدقائِهِ ، فإنَّ الحبَّ إنَّما يرادُ للآخرةِ ، فإنِ انقطعَ قبلَ
الموتِ .. حبطَ العملُ ، وضاعَ السعيُّ ، ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ
في السبعةِ الذينَ يظلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ: (( ورجلانِ تحابًا في اللهِ اجتمعا على
ذلكَ ، وتفرَّقا عليهِ ))(١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( قليلُ الوفاءِ بعدَ الوفاةِ خيرٌ منْ كثيرِهِ في حالٍ
الحياة )(٢).
ولذلكَ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أكرمَ عجوزاً دخلَتْ عليهِ ، فقيلَ لهُ
في ذلكَ، فقالَ: (( إنَّها كانَتْ تأتينا أيامَ خديجةَ ، وإنَّ كرمَ العهدِ مِنَ
الدينِ))(٣) .
فمِنَ الوفاءِ للأخ : مراعاةُ جميع أصدقائِهِ وأقاربِهِ والمتعلقينَ بهِ ،
ومراعاتُهُمْ أوقعُ في قلبِ الصديقِ مِنْ مراعاةِ الأخِ نفسِهِ ، فإنَّ فرحَهُ بتفقُّدِ مَنْ
ـة
(١) رواه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١)، وفي (هـ): ( يظلهم الله تعالى تحت
عرشه: (( أخوين تحابّا في الله اجتمعا ... ))) .
(٢) رواه السلمي في (( آداب الصحبة)) (١٢٤ ) .
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٥/١).
١٢٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
يتعلَّقُ بهِ أكثرُ؛ إذْ لا يدلُّ على قوَّةِ الشفقةِ والحبِّ إلا تعديهما مِنَ المحبوبِ
إلىُ كلِّ مَنْ يتعلَّقُ بهِ ، حتَّى الكلبِ الذي على بابِ دارِهِ ينبغي أنْ يتميَّزَ في
القلبِ عنْ سائرِ الكلابِ(١).
ومهما انقطعَ الوفاءُ بدوام المحبَّةِ .. شمتَ بهِ الشيطانُ؛ فإنَّهُ لا يحسدُ
متعاونينٍ على برِّ كما يحسدُ متواخيينٍ في اللهِ ومتحابَّينِ فيهِ ، فإنَّهُ يجهدُ نفسَهُ
لإفسادِ ما بينَهُما، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ الشَّيْطَنَ
يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾، وقالَ مخبراً عنْ يوسفَ عليهِ السلامُ: ﴿مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَزَغَ الشَّيْطَانُ
بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَتِ﴾ .
ويُقالُ : ( ما تواخى اثنانِ في اللهِ فتفرَّقَ بينَهُما إلا بذنبٍ يرتكبُهُ
أحدُهُما)(٢).
وكانَ بشرٌ يقولُ: (إذا قصَّرَ العبدُ في طاعةِ اللهِ .. سلبَهُ اللهُ منْ
يؤنسُهُ)(٣).
وذلكَ لأَنَّ الإخوانَ مسلاةٌ للهموم ، وعونٌ على الدينِ ، ولذلكَ قالَ ابنُ
المباركِ : ( ألذُّ الأشياءِ مجالسةُ الإخوانِ، والانقلابُ إلى كفايةٍ)(٤).
(١) هذا هو الغاية القصوى في حسن العهد ، وقس على ذلك جيرانه وأهل حارته ، بل أهل
قريته. ((إتحاف)) (٢٣٦/٦) .
(٢) قوت القلوب (٢١٥/٢)، والسياق عنده.
(٣) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٤٣٨/١٤) من قوله في حق أخته مضغة لما ماتت
وقد كانت أنيسته .
(٤) قوت القلوب (٢١٩/٢) عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى.
١٢٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
والمودَّةُ الدائمةُ هيَ التي تكونُ في اللهِ ، وما يكونُ لغرضٍ .. يزولُ
بزوالِ ذلكَ الغرضِ .
ومِنْ ثمراتِ الموذَّةِ في اللهِ سبحانَهُ ألا تكونَ معَ حسدٍ في دينٍ ولا دنيا ،
وكيفَ يحسدُهُ وكلُّ ما هوَ لأخيهِ فإليهِ ترجعُ فائدتُهُ ؟! وبهِ وصفَ اللهُ تعالى
المحبِّيْنَ في اللهِ فقالَ تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ووجودُ الحاجةِ: هوَ الحسدُ(١).
ومِنَ الوفاءِ : ألا يتغيّرَ حالُهُ في التواضع معَ أخيهِ وإنِ ارتفعَ شأنُهُ ،
مے
واتسعَتْ ولايتُهُ ، وعظمَ جاهُهُ ، فالترفُّعُ على الإخوانِ بما يتجدَّدُ مِنَ
الأحوالِ لؤْمٌ ، ومنْ ذلكَ قولُ الشاعرِ(٢):
[من البسيط]
إِنَّ الْكِرَامَ إِذا ما أَسْهَلُوا ذَكَرُوا مَنْ كَانَ يَأَْفُهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ
وأوصىُ بعضُ السلفِ ابنَهُ فقالَ : ( يا بنيَّ ؛ لا تصحبْ مِنَ الناسِ إلا مَنْ
إِنِ افتقرتَ إليهِ . . قَرُّبَ منكَ، وإن استغنيتَ .. لمْ يطمعْ فيكَ، وإنْ عَلَتْ
مرتبتُهُ .. لمْ يرتفعْ عليكَ)(٣).
مصر
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٥٣/٢٨/١٤)، وكان صلى الله عليه وسلم قد قسم أموال
بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار ، فلم يحسدوهم على ما آتاهم الله
ورسوله من الفيء .
(٢) البيت لدعبل الخزاعي في ((ديوانه)) ( ص ٤٦٢).
(٣) قوت القلوب (٢٢٨/٢).
١٢٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إذا وَلِيَ أخوكَ ولايةً ، فثبتَ على نصفٍ موذَّتِهِ
لكَ .. فهوَ كثيرٌ)(١) .
ـتر
وحكى الربيعُ أنَّ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ آخى رجلاً ببغدادَ ، ثمَّ إنَّ أخاهُ
وَلِيَ السِّيبَيْنِ (٢)، فتغيَّرَ لهُ عمَّا كانَ عليهِ، فكتبَ إليهِ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ
هذهِ الأبياتَ(٣):
[من الكامل]
أَبَداً وَلَيْسَ طَلاقَ ذاتِ الْبَيْنِ
إِذْهَبْ فَوُدُّكَ مِنْ فُؤَادِي طالِقٌ
وَيَدُومُ وُدُّكَ لِي عَلَىُ ثِنْيَنِ
فَإِنِ أَرْعَوَيْتَ فَإِنَّها تَطْلِيقَةٌ
فَتَكُونُ تَطْلِيقَينِ في حَيْضَيْنِ
وَإِنِ أَمْتَنَعْتَ شَفَعْتُها بِمِثالِها
لَمْ تُغْنِ عَنْكَ وِلايَةُ أَلْسِّيبَيْنِ
فَإِذا الثَّلاثُ أَتَتَّكَ مِنِّي بَّةً
٠٩٠٠
واعلمْ : أَنَّهُ ليسَ مِنَ الوفاءِ موافقةُ الأخ فيما يخالفُ الحقَّ في أمرٍ يتعلَّقُ
بالدين، بلْ مِنَ الوفاءِ لهُ المخالفةُ: وقدْ كانَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ آخى
محمدَ ابنَ عبدِ الحكمِ ، وكانَ يقربُهُ ويقبلُ عليهِ ، ويقولُ : ما يقيمُني بمصرَ
غيرُهُ ، فاعتلَّ محمدٌ، فعادَهُ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ (٤): [من مجزوء الكامل]
مَرِضَ الْحَبِيبُ فَعُدْتُهُ فَمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عَلَيْهِ
(١) قوت القلوب (٢٢٧/٢)، والسياق عنده .
(٢) السّيبان: كورة من سواد الكوفة. انظر ((معجم البلدان)) (٢٩٣/٣).
(٣)
ديوان الإمام الشافعي ( ص ١٣٥ ) .
(٤) ديوان الإمام الشافعي (ص ١٥١).
١٢٧
١٨٠٠

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وَأَتَى أَلْحَبِيبُ يَعُودُنِي فَبَرِئْتُ مِنْ نَظَرِي إِلَيْهِ
وظنَّ الناسُ لصدْقِ موذَّتِهِما أنَّهُ يفوِّضُ أمرَ حلقتِهِ بعدَ وفاتِهِ إليهِ ، فقيلَ
للشافعيِّ في علَّتِهِ التي ماتَ فيها رضيَ اللهُ عنهُ : إلى مَنْ نجلسُ بعدَكَ يا أبا
عبدِ اللهِ ؟ فاستشرفَ لهُ محمدُ ابنُ عبدِ الحكمِ وهوَ عندَ رأسِهِ لیومیءَ إليهِ ،
فقالَ الشافعيُّ : سبحانَ اللهِ! أيُشَكُ في هذا! أبو يعقوبَ البويطيُّ ،
فانكسرَ لها محمدٌ ، ومالَ أصحابُهُ إلى البويطيِّ معَ أنَّ محمداً كانَ قدْ حملَ
عنهُ مذهبَهُ كلَّهُ، لكنْ كانَ البويطيُّ أفضلَ وأقربَ إلى الزهدِ والورع ، فنصحَ
الشافعيُّ اللهِ تعالى وللمسلمينَ، وتركَ المداهنةَ ، ولمْ يؤثرْ رضا الخلقِ على
رضا اللهِ تعالى(١).
فلمَّا توفِّيَ .. انقلبَ محمدُ ابنُ عبد الحكم عنْ مذهبهِ، ورجعَ إلى
مذهبٍ أبيهِ ، ودرسَ كتبَ مالكٍ ، وهوَ مِنْ كبارِ أصحابِ مالكٍ رضيَ اللهُ
عنهُ(٢) ، وآثرَ البويطيُّ الزهدَ والخمولَ، ولمْ يعجبُهُ الجمعُ والجلوسُ في
الحلقةِ، واشتغلَ بالعبادةِ(٣)، وصنَّفَ كتابَ ((الأمِّ )) الذي يُنسبُ الآنَ إلى
الربيعِ بنِ سليمانَ ويُعرفُ بهِ ، وإنَّما صنَّفَهُ البويطيُّ ، ولكنْ لمْ يذكرْ نفسَهُ
٢
٢٠
حن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٧/٢) والسياق عنده، ونحوه رواه البيهقي في ((مناقب
الشافعي )) ( ٢/ ٣٣٧) دون ذكر قول الشافعي رحمه الله تعالى .
(٢) أي : والده عبد الله بن عبد الحكم ، وانتقاله إلى مذهب الإمام مالك رحمه الله حكاه
البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٣٤١/٢).
(٣) حتى روى البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٣٣٩/٢) عن الربيع أنه قال: ( ما رأيت
البويطي بعدما فطنت له إلا رأيت شفته تتحرك إما بذكر وإما بقراءة قرآن ) .
١٢٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
فيهِ ، ولمْ ينسبْهُ إلى نفسِهِ، فزادَ الربيعُ فيهِ وتصرَّفَ وأظهرَهُ(١).
والمقصودُ : أنَّ الوفاءَ بالمحبَّةِ مِنْ تمامِها(٢) .
قالَ الأحنفُ : ( الإخاءُ جوهرةٌ رقيقةٌ، إنْ لمْ تحرسْها .. كانَتْ معرّضةً
للآفاتِ ، فاحرسْها بالكظّم حتَّى تعتذرَ إلى مَنْ ظلمَكَ ، وبالرضا حتَّى
لا تستكثرَ مِنْ نفسِكَ الفضلَ، ولا مِنْ أخيكَ التقصيرَ)(٣).
ومِنْ آثارِ الصدقِ والإخلاصِ وتمام الوفاءِ : أنْ تكونَ شديدَ الجزعِ مِنَ
المفارقةِ، نَفُورَ الطبع عنْ أسبابِها ، كما قيلَ(٤):
[من الطويل]
عـ
وَجَدْتُ مُصِيباتِ الزَّمانِ جَمِيعَهَا سِوَىُ فُرْقَةِ الأحبابِ هَيََّةَ الْخَطْبِ
وأنشدَ ابنُ عيينةَ هذا البيتَ وقالَ : ( لقدْ عهدتُ أقواماً فارقتُهُمْ منذٌ
ثلاثينَ سنةً ، ما يخيَّلُ إليَّ أنَّ حسرتَهُمْ ذهبَتْ مِنْ قلبي )(٥) .
ومِنَ الوفاءِ : ألا يسمعَ بلاغاتِ الناسِ على صديقِهِ ، لا سيما مَنْ يظهرُ
(١) قوت القلوب (٢٢٨/٢).
(٢) أي: من تمام المحبة الوفاء بها ، كذا في جميع النسخ ، وفي نسخة الحافظ الزبيدي :
( والمقصود: أن الوفاء بالمحبة من تمامها النصح الله). ((إتحاف)) (٢٣٩/٦).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢١٦/٢)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٤٢/٢٤).
(٤) البيت لقيس بن ذريح في ((ديوانه)) ( ص٦٦).
(٥) قوت القلوب (٢٢٣/٢).
١٢٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
أوَّلاً أنَّهُ محبٌّ لصديقِهِ كي لا يُتَّهَمَ ، ثمَّ يُلقي الكلامَ عرضاً ، وينقلُ عنِ
الصديقِ ما يوغرُ القلبَ ، فذلكَ مِنْ دقائقِ الحيلِ في التضريبِ ، ومَنْ لمْ
يحترزْ منهُ .. لمْ تدمْ مودَّتُهُ أصلاً .
قال رجلٌ لحكيم : قدْ جئتُ خاطباً لموذَّتِكَ ، قالَ : إنْ جعلتَ مهرَها
ثلاثاً .. فعلتُ ، قالَ : وما هيَ ؟ قالَ : لا تسمعْ عليَّ بلاغةً ، ولا تخالفْني
في أمرٍ ، ولا توطِئْني ◌ُشوةً (١).
ومِنَ الوفاءِ : ألا يصادقَ عدوَّ صديقِهِ ، قالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ : ( إذا
أطاعَ صديقُكَ عدوَّكَ . . فقدِ اشتركا في عداوتِكَ ) .
(١) يقال: أوطأني فلان عشوة؛ أي: حملني على أمر غير رشيد، والخبر في ((القوت))
(٢٢٩/٢)، وفيه الثالثة: (ولا تعطين فيَّ رشوة)، ثم زاد: (قد فعلت ، قال : قد
آخيتك ) .
١٣٠
فا

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
الحقّ الثَّمِنْ: التّحْفيْفِ وَتَكُ التَكُلْفِ والتَّحليف
وذلكَ بألا يكلِّفَ أخاهُ ما يشقُّ عليهِ ، بلْ يروِّحُ سرَّهُ مِنْ مهمَّاتِهِ
وحاجاتِهِ ، ويرفِّهُهُ عنْ أَنْ يحمِّلَهُ شيئاً مِنْ أعبائِهِ ، ولا يستمدُّ منهُ مِنْ جاهٍ
ومالٍ ، ولا يكلّفُهُ التواضعَ لهُ، والتفقُّدَ لأحوالِهِ ، والقيامَ بحقوقِهِ ، بلْ
لا يقصدُ بصحبتِهِ إلا اللهَ سبحانَه ؛ تبُّكاً بدعائِهِ ، واستئناساً بلقائِهِ ،
واستعانةٌ بهِ على دينِهِ ، وتقرُّباً إلى اللهِ تعالى بالقيامِ بحقوقِهِ وبحمْلِ مؤنتِهِ .
قالَ بعضُهُمْ: ( مَنِ اقتضى مِنْ إخوانِهِ ما لا يقتضونَهُ منهُ .. فقدْ
ظلمَهُمْ، ومَنِ اقتضى منهُمْ مثلَ ما يقتضونَهُ .. فقدْ أتعبَهُمْ، ومَنْ لمْ
يقتضٍ .. فهوَ المتفضِّلُ عليهِمْ)(١).
معمل
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( مَنْ جعلَ نفسَهُ عندَ الإخوانِ فوقَ قدْرِهِ .. أثمَ
وأثموا، ومَنْ جعلَ نفسَهُ في قدْرِهِ .. تعبَ وأتعبَهُمْ، ومَنْ جعلَها دونَ
قدْرِهِ . . سلمَ وسلموا)(٢).
وتمامُ التخفيفِ : بطيِّ بساطِ التكلَّفِ ، حتَّى لا يستحيَ منهُ فيما
لا يستحي مِنْ نفسِهِ ، وقالَ الجنيدُ : ( ما تواخى اثنانِ في اللهِ ، فاستوحشَ
٥٠٠
(١) قوت القلوب (٢١٧/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢١٧/٢).
١٣١

كتاب آداب الصحية
ربع العادات
أحدُهُما مِنْ صاحبِهِ أوِ احتشمَ .. إلا لعلَّةٍ في أحدِهِما)(١).
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( شرُّ الأصدقاءِ مَنْ تكلَّف لكَ، ومَنْ
أحوجَكَ إلى مداراةٍ ، وألجأكَ إلى اعتذارٍ)(٢).
وقالَ الفضيلُ : ( إنَّما تقاطعَ الناسُ بالتكلُّفِ ، يزورُ أحدُهُمْ أخاهُ ،
فيتكلَّفُ لهُ، فيقطعُهُ ذلكَ عنهُ)(٣) .
وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( المؤمنُ أخو المؤمن ، لا يغتنمُهُ ،
ولا يحتشمُهُ ) (٤) .
وقالَ الجنيدُ : ( صحبتُ أربعَ طبقاتٍ مِنْ هذِهِ الطائفةِ ، كلٌّ طبقةٍ
ثلاثونَ رجلاً : حارثاً المحاسبيَّ وطبقتَهُ، وحسناً المسوحيَّ وطبقتهُ ،
وسريّاً السقطيَّ وطبقتَهُ، وابنَ الكُرينيِّ وطبقتَهُ ، فما تواخى اثنانِ في اللهِ
واحتشمَ أحدُهُما مِنْ صاحبِهِ أوِ استوحشَ .. إلا لعلَّة في أحدِهِما )(٥) .
وقيلَ لبعضِهِمْ : مَنْ نصحبُ ؟ قالَ : مَنْ يرفعُ عنكَ ثقلَ التكلُّفِ ،
وتسقطُ بينَكَ وبينَهُ مؤنةُ التحقُّظِ(٦) .
جر
(١) قوت القلوب (٢١٧/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٢٤/٢)، وهما عنده قولان ، جمع المصنف هنا بينهما .
(٣) قوت القلوب (٢٢٤/٢).
(٤) قوت القلوب (٢٢٥/٢) ، والجملة الأولى رويت في المرفوع.
(٥)
تقدم بعضه قريباً عن صاحب ((القوت)).
(٦) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٠٤٩) عن أبي بكر الزقاق .
------
١٣٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وكانَ جعفرُ بنُ محمدِ الصادقُ رضيَ اللهُ عنهُما يقولُ : ( أثقلُ إخواني
عليَّ مَنْ يتكلَّفُ لي وأتحقَّظُ منهُ، وأخفُهُمْ على قلبي مَن أكونُ معَهُ كما أكونُ
وحدي )(١) .
وقالَ بعضُ الصوفيَّةِ : ( لا تعاشرْ مِنَ الناسِ إلا منْ لا تزيدُ عندَهُ بِيرٌ
ولا تنقصُ بإثمٍ، يكونُ ذلكَ لكَ وعليكَ وأنتَ عندَهُ سواءٌ)(١) ، وإنَّما قالَ
هذا لأنَّ بهِ يتخلَّصُ عنِ التكلُّفِ والتحقُّظِ ، وإلا .. فالطبعُ يحملُهُ على أنْ
يتحقَّظَ منهُ إذا علمَ أنَّ ذلكَ ينقصُهُ عندَهُ .
شن
3
وقالَ بعضُهُمْ : ( كنْ معَ أبناءِ الدنيا بالأدبِ ، ومعَ أبناءِ الآخرةِ بالعلمِ ،
ومعَ العارفينَ كيفَ شئتَ ) .
جاح .
وقالَ آخرُ : ( لا تصحبْ إلا مَنْ يتوبُ عنكَ إذا أذنبتَ ، ويعتذرُ إليكَ إذا
أسأتَ ، ويحملُ عنكَ مؤنةَ نفسِكَ، ويكفيكَ مؤنةَ نفسِهِ)(١).
وقائلُ هذا قدْ ضيّقَ طريقَ الأخوَّةِ على الناسِ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ ، بلْ
ينبغي أنْ يؤاخيَ كلَّ متديّنٍ عاقلٍ ، ويعزمَ على أنْ يقومَ بهذهِ الشروطِ ،
ولا يكلفَها أخاهُ ؛ حتَّى تكثرَ إخوانُهُ ، إذْ بهِ يكونُ مؤاخياً في اللهِ ، وإلا ..
كانَتْ مؤاخاتُهُ لحظوظِ نفسِهِ فقطْ .
ولذلكَ قالَ رجلٌ للجنيدِ : قدْ عزَّ الإخوانُ في هذا الزمانِ ، أينَ أخٌ
(١) قوت القلوب (٢٢٥/٢) .
١٣٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
في اللهِ ؟! فأعرضَ الجنيدُ حتَّى أعادَهُ ثلاثاً ، فلمَّا أكثرَ .. قالَ لهُ : إنْ أردتَ
أخاً يكفيكَ مؤنتَكَ، ويتحمَّلُ أذاكَ .. فهذا لعمري قليلٌ ، وإنْ أردتَ أخاً
في اللهِ تحملُ أنتَ مؤنتَهُ ، وتصبرُ على أذاهُ . . فعندي جماعةٌ أعرفُهُمْ لكَ ،
فسكتَ الرجلُ(١).
واعلمْ: أنَّ الناسَ ثلاثةٌ : رجلٌ تنتفعُ بصحبتِهِ ، ورجلٌ تقدرُ على أنْ
تنفعَهُ ولا تتضرَّرُ بهِ ولكنْ لا تنتفعُ بهِ ، ورجلٌ لا تقدرُ أيضاً على أنْ تنفعَهُ
وتتضرَّرُ بهِ ، وهوَ الأحمقُ أوِ السيِّئُ الخلقِ ، فهذا الثالثُ ينبغي أنْ
يُجتنبَ، فأمَّا الثاني .. فلا يُجتنبُ؛ لأنَّكَ تنتفعُ في الآخرةِ بشفاعتِهِ
وبدعائِهِ ، وبثوابِكَ على القيام بهِ ، وقدْ أوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليهِ
السلامُ : إنْ أطعتَنَي .. فما أكثرَ إخوانَكَ ؛ أيْ : إنْ واسيتَهُمْ واحتملتَ منهُمْ
ولمْ تحسذْهُمْ(٢) .
وقدْ قالَ بعضُهُمْ : ( صحبتُ الناسَ خمسينَ سنةً ، فما وقعَ بيني وبينَهُمْ
خلافٌ؛ لأنِّي كنتُ معَهُمْ على نفسي )(٣)، ومَنْ كانتْ هذهِ شيمتَهُ .. كثرَ
إخوانُهُ .
(١) قوت القلوب (٢٢٥/٢)، وقال: (فهذا - لعمري - يكون محباً لنفسه إذا اقتضى هذا
من أخيه ، لا محباً لأخ في الله تعالى ) .
(٢) قوت القلوب (٢١٥/٢).
(٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٩٣)، وهو لأبي سعيد الخرّاز.
١٣٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ومِنَ التخفيفِ وترْكِ التكلُّفِ : ألا يعترضَ عليهِ في نوافلِ العباداتِ : كانَ
طائفةٌ مِنَ الصوفيةِ يصطحبونَ على شرطِ المساواةِ بينَ أربعةِ معانٍ : إنْ أكلَ
أحدُهُمُ النهارَ كلَّهُ .. لمْ يقلْ لهُ صاحبُهُ: صُمْ، وإِنْ صامَ الدهرَ كلَّهُ .. لمْ
يقلْ لهُ: أفطرْ ، وإنْ نامَ الليلَ كلَّهُ .. لمْ يقلْ لهُ: قُمْ، ولمَنْ صلَّى الليلَ
كلَّهُ .. لمْ يقلْ لهُ: نمْ، وتستوي حالاتُهُ عندَهُ بلا مزيدٍ ولا نقصانٍ ؛ لأنَّ
ذلكَ إنْ تفاوتَ عندَهُ .. حرَّكَ الطبعَ إلى الرياءِ والتحفُّظِ لا محالةَ(١)، وقدْ
قيلَ: ( مَنْ سقطَتْ كلفتُهُ .. دامَتْ ألفتُهُ، ومَنْ خفَّتْ مؤنتُهُ .. دامَتْ
مودَّتُهُ )(٢) .
وقالَ بعضُ الصحابةِ : ( إنَّ اللهَ تعالى لعنَ المتكلِّفينَ ).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أنا والأتقياءُ مِنْ أمَّتي برآءُ مِنَ
التكلُّفِ))(٣).
وقالَ بعضُهُمْ : ( إذا عملَ الرجلُ في بيتِ أخيهِ أربعَ خصالٍ .. فقدْ تمَّ
أنسُهُ بهِ : إذا أكلَ عندَهُ، ودخلَ الخلاءَ ، وصلَّى ونامَ ) ، فذُكرَ ذلكَ
(١) السياق هنا عند صاحب ((القوت)) (٢٢٥/٢-٢٢٦).
(٢) قوت القلوب (٢٢٩/٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/٢)، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٢٢٨)، وابن
عساكر في « تاريخ دمشق)) (٢٧٨/٣٥) بلفظ: (( إني بريء من التكلف وصالحو
أمتي ))، وعند البخاري ( ٧٢٩٣) موقوفاً على سيدنا عمر رضي الله عنه : ( نهينا عن
التكلُّف ) .
١٣٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
لبعضِ المشايخ(١) ، فقالَ: بقيتْ خامسةٌ؛ وهيَ أنْ يحضرَ معَ الأهلِ في
بيتٍ أخيهِ ويجامعَها ؛ لأنَّ البيتَ إنَّما يتخذُ للاستخفاءِ في هذهِ الأمورِ
الخمسِ ، وإلا .. فالمساجدُ أروحُ لقلوبِ المتعبدينَ ، فإذا فعلَ هُذهِ
الخمسَ .. فقدْ تمَّ الإخاءُ ، وارتفعَتِ الحشمةُ، وتأكَّدَ الانبساطُ .
وقولُ العربِ في تسليمِهِمْ يشيرُ إلى ذلكَ(٢) ، إذْ يقولُ أحدُهُمْ لصاحبِهِ :
مرحباً وأهلاً وسهلاً ؛ أيْ : لكَ عندَنا مرحبٌ وهوَ السعةُ في القلبِ
والمكانِ ، ولكَ عندنا أهلٌ تأنسُ بِهِمْ بلا وحشةٍ لكَ منَّا ، ولكَ عندنا سهولةٌ
في ذلكَ كلِّهِ ؛ أيْ : لا يشتدُّ علينا شيءٌ ممّا تريدُ .
ولا يتمُّ التخفيفُ وتركُ التكلُّفِ إلا بأنْ يرىُ نفسَهُ دونَ إخوانِهِ ، ويحسنَ
الظنَّ بهمْ ويُسيئَه بنفسِهِ ، فإذا رآهُمْ خيراً مِنْ نفسِهِ .. فعندَ ذلكَ يكونُ هوَ
ء . (٣)
خيراً منهُمْ(٣) .
قالَ أبو معاويةَ الأسودُ : إخواني كلُّهُمْ خيرٌ مِنِّي ، قيلَ : وكيفَ ذلكَ ؟
(١) وهو من بعض مشايخ أبي طالب المكي كما حكى هذا الخبر في ((القوت)) (٢٣٠/٢)
وسياقه عنده ، وقد وقع هذا الخبر في نسخة الحافظ العراقي مرفوعاً وهو ليس كذلك ،
أشار لهذا الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٤٢/٦).
(٢) وكذلك تشير إليه عبارة صاحب ((القوت)) (٢٣٠/٢).
(٣) ومن هنا قولهم : سيد القوم خادمهم ، فلا تتم السيادة إلا باطّراح النفس وترك الترفع
على الإخوان. ((إتحاف)) (٢٤٣/٦).
١٣٦

ربع العادات
حن
كتاب آداب الصحبة
قالَ: كلُّهُمْ يرى لي الفضلَ عليهِ، ومَنْ فضَّلَني على نفسِهِ .. فهوَ خيرٌ مِنِّي(١).
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( المرءُ على دينِ خليلِهِ ، ولا خيرَ في
صحبةٍ مَنْ لا يرى لكَ مثلَ ما ترى لهُ))(٢).
فهذهِ أقلُّ الدرجاتِ وهيَ النظرُ بعينِ المساواةِ والكمالِ في رؤيةِ الفضلِ
للأخ ، ولذلكَ قالَ سفيانُ: ( إذا قيلَ لكَ: يا شرَّ الناسِ ، فغضبتَ ..
فأنتَ شرُّ الناسِ )(٣) أَيْ: ينبغي أنْ تكونَ معتقداً ذلكَ في نفسِكَ أبداً ،
وسيأتي وجهُ ذلكَ في كتابِ الكبرِ والعجْبِ .
وقدْ قيلَ في معنى التواضع ورؤيةِ الفضلِ للإخوانِ أبياتٌ (٤): [من المتقارب]
تَذَلَّلْ لِمَنْ إِنْ تَذَلَّلْتَ لَهْ يَرَى ذاكَ لِلْفَضْلِ لا لِلْبَلَهْ
وَجانِبْ صَداقَةَ مَنْ لا يَزَالْ عَلَى الأَصْدِقَاءِ يرَى الفَضْلَ لَهْ
وقالَ آخرُ(٥) :
[من الخفيف]
كَمْ صَدِيقٍ عَرَفْتُهُ بِصَدِيقٍ
صارَ أَحْظَى مِنَ الصَّدِيقِ اٌلْعَتِيقِ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٢/٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٦ /١٨ ) .
(٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٤٧/٣)، والقضاعي في (( مسند الشهاب))
(٩٠٧ )، وتقدم تخريج الجملة الأولى منه ، وروى نحو الجملة الثانية منفردة أبو نعيم
في ((الحلية)) (٢٥/١٠) .
(٣) نسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٤٣/٦).
(٤) البيتان لحظة البرمكي في ((ديوانه)) ( ص ١٤١).
(٥) كذا في ((القوت)) (٢٢٠/٢) لبعض الأدباء، وانظر ((الصداقة والصديق)) (ص ٣٤٩).
١٣٧
.حن.

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
صارَ عِنْدِي هُوَ الصَّدِيقَ أَلْحَقِيقِي
وَرَفِيقٍ رَأَيْتُهُ فِي طَرِيقٍ
ومهما رأى الفضلَ لنفسِهِ .. فقدٍ احتقرَ أخاهُ ، وهذا في عموم
المسلمينَ مذمومٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بحسْبِ امرىءٍ مِنَ الشرّ أنْ
يحقرَ أخاهُ المسلمَ ))(١).
%G
ومِنْ تتمَّةِ الانبساطِ وتركِ التكلُّفِ : أنْ يشاورَ إخوانَهُ في كلِّ ما يقصدُهُ ،
ويقبلَ إشارتَهُمْ ، فقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَشَاوِرُهُمْ فِ اَلْأَمِ﴾.
ولا ينبغي أنْ يخفيَ عنهُمْ شيئاً مِنْ أسرارِهِ ؛ كما رُويَ عنْ يعقوبَ ابنِ
أخي معروفٍ قالَ : جاءَ أسودُ بنُ سالمٍ إلى عمِّي معروفٍ ، وكانَ مؤاخياً
لهُ ، فقالَ : إِنَّ بشرَ بنَ الحارثِ يحبُّ مؤاخاتَكَ ، وهوَ يستحي أنْ يشافهَكَ
بذلكَ، وقدْ أرسلَني إليكَ يسألُكَ أنْ تعقدَ لهُ فيما بينَكَ وبينَهُ أخوَّةٌ يحتسبُها
ويعتدُّ بها ، إلا أنَّهُ يشترطُ فيها شروطاً : لا يحبُّ أنْ يشتهرَ بذلكَ ،
ولا يكونُ بينَكَ وبينَهُ مزاورةٌ ولا ملاقاةٌ، فإنَّهُ يكرهُ كثرةَ الالتقاءِ ، فقالَ
معروفٌ: أمَّا أنا فإذا أحببتُ أحداً .. لمْ أحبَّ مفارقتَهُ ليلاً ولا نهاراً ،
ولزرتُهُ في كلِّ وقتٍ ، ولآثرتُهُ على نفسي في كلِّ حالٍ ، ثمَّ ذكرَ مِنْ فضلِ
الأخوَّةِ والحبِّ في اللهِ أحاديث كثيرةً ، ثمَّ قالَ فيها : وقدْ آخى رسولُ اللهِ
٢٠
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤) .
١٣٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ علياً رضيَ اللهُ عنهُ(١) ، فشاركَهُ في العلمِ ، وقاسمَهُ في
البُدْنِ ، وأنكحَهُ أفضلَ بناتِهِ وأحبَّهُنَّ إليهِ ، وخصَّه بذلكَ لمؤاخاتِهِ ، وأنا
أشهدُكَ أنّي قدْ عقدتُ لهُ أخوَّةً بيني وبينَهُ ، وعقدتُ إخاءهُ في اللهِ لرسالتِكَ
ولمسألتِهِ على ألا يزورَني إنْ كرهَ ذلكَ ، ولكنِّي أزورُهُ متى أحببتُ ، وآمرُهُ
أنْ يلقاني في مواضعَ نلتقي فيها ، وآمرُهُ ألا يخفيَ عليَّ شيئاً مِنْ شأنِهِ ، وأنْ
يطلعَني على جميع أحوالِهِ ، فأخبرَ ابنُ سالمٍ بشراً بذلكَ ، فرضيَّ وسرّ
بهِ(٢) .
فهذا جامعُ حقوقِ الصحبةِ ، وقدْ أجملناهُ مرَّةً ، وفصلناهُ أخرىُ ،
ولا يتمُّ ذلكَ إلا بأنْ تكونَ على نفسِكَ للإِخوانِ ، ولا تكونَ لنفسِكَ عليهِمْ،
وأنَّ تنزلَ نفسَكَ منزلةَ الخادم لهُمْ ، فتقيدَ بحقوقِهِمْ جميعَ جوارحِكَ .
أمّا البصرُ : فبأنْ تنظرَ إليهِمْ نظرَ موذَّةٍ يعرفونَها منكَ ، وتنظرَ إلى
محاسنِهِمْ ، وتتعامى عنْ عيوبِهِمْ، ولا تصرفَ بصرَكَ عنهُمْ في وقتِ إقبالِهِمْ
عليكَ وكلامِهِمْ معَكَ .
رُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يُعطي كلَّ مَنْ جلسَ إليهِ نصيبَهُ مِنْ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧/٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١١٩/١٠)، وقال صاحب ((القوت)) (٢٣٦/٢): (وهذا من أعلى فضائله؛ لأن
علمه من علمه ، وحاله من وصفه ) .
(٢) الخبر بتمامه في ((قوت القلوب)) (٢٣٦/٢).
١٣٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وجههٍ ، وما استصغاهُ أحدٌ إلا ظنَّ أنَّهُ أكرمُ الناس عليهِ ، حتَّى كانَ مجلسُهُ
وسمعُهُ وحديثُهُ ولطيفُ مسألتِهِ وتوجهُهُ للجالسِ إليهِ ، وكانَ مجلسُهُ مجلسَ
حياءٍ وتواضع وأمانةٍ(١)، وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أكثرَ الناسِ تبسُّماً
وضحكاً في وجوهِ أصحابِهِ ، وتعجباً ممَّا يحدثونَهُ بهِ ، وكانَ ضحكُ أصحابِهِ
عندَهُ التبسُّمَ ؛ اقتداءً منهُمْ بفعلِهِ ، وتوقيراً لهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ (٢).
وأمَّا السمعُ : فبأنْ تسمعَ كلامَهُمْ متلذذاً بسماعِهِ ، ومصدِّقاً بهِ ، ومظهراً
للاستبشارِ بهِ ، ولا تقطعَ حديثَهُمْ عليهِمْ بمرادَّةٍ ولا منازعةٍ ومداخلةٍ
واعتراضٍٍ ، فإنْ أرهقَكَ عارضٌ .. اعتذرتَ إليهِمْ، وتحرسَ سمعَكَ عنْ
سماع ما يكرهونَ .
وأمَّا اللسانُ : فقدْ ذكرنا حقوقَهُ، فإنَّ القولَ فيه يطولُ، ومنْ ذلكَ ألا
يرفعَ صوتَةُ عليهِمْ ولا يخاطبَهُمْ إلاَّ بما يفقهونَ .
(١) ففي الحديث الذي رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٣٣٦) في وصف مجلسه عليه
الصلاة والسلام : ( يعطي كل جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه
منه ، من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله
حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول ... ، مجلسه مجلس حلم وحياء ، وأمانة
وصبر ) الحديث .
٢
ـدة
دن
(٢) روى الترمذي في ((الشمائل)) (٣٥١) في وصفه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه :
( يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ) ، وعنده ( ٢٢٥) : ( جلُّ
ضحكه التبسم ) ، وكذا (٢٢٧): ( ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ) ..
١٤٠