النص المفهرس

صفحات 101-120

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ومِنْ ذلكَ : أنْ تشكرَهُ على صنيعِهِ في حقِّكَ ، بلْ علىْ نِيَّهِ وإنْ لمْ يتمَّ
ذلكَ: قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ لَمْ يحمدْ أخاهُ على حسنِ النيّةِ .. لمْ
يحمدْهُ على حسْنِ الصنيعةِ)(١) .
ئة
وأعظمُ مِنْ ذلكَ تأثيراً في جلبِ المحبَّةِ : الذبُّ عنهُ في غيبتِهِ مهما قُصِدَ
بسوءٍ أوْ تعرَّضَ لعرضِهِ بكلام صريحٍ أوْ تعريضٍ : فحقُّ الأخوَّةِ التشميرُ في
الحمايةِ والنصرةِ ، وتبكيتُ المتعنَّتِ ، وتغليظُ القولِ عليهِ ، فالسكوتُ عنْ
ذلكَ موغرٌ للصدرِ، ومنفِّرٌ للقلبِ ، وتقصيرٌ في حقِّ الأخوّةِ .
وإنَّما شبَّهَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأخوينِ باليدينِ تغسلُ
إحداهما الأخرى .. لينصرَ أحدُهُما الآخرَ وينوبَ عنهُ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((المسلمُ أخو المسلمِ ، لا يظلمُهُ ولا يخذلُهُ
ولا يُسلِمُهُ)) (٢)، وهذا من الإسلام والخذلانِ؛ فإنَّ إهمالَهُ ليُمَزَّقَ عرضُهُ
كإهمالِهِ ليُمَزَّقَ لحمُهُ ، وأخسسْ بأخ يراكَ والكلابُ تفترسُكَ وتمزِّقُ لحمَكَ
وهوَ ساكتٌ لا تحركُهُ الشفقةُ والحميَّةُ للدفع عنكَ ، وتمزيقُ الأعراضِ أشدُ
على النفوسِ مِنْ تمزيقِ اللحوم ، ولذلكَ شبَّهَهُ اللهُ تعالى بأكلِ لحمِ الميتةِ
فقالَ: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) (٩١) عن عبيد الله بن محمد التيمي قال:
كان يقال ... وذكره .
(٢) رواه مسلم ( ٢٥٦٤) .
١
١٠

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
والمَلَكُ الذي يمثِّلُ في المنام ما تطالعُهُ الروحُ مِنَ اللوحِ المحفوظِ
بالأمثلةِ المحسوسةِ يمثِّلُ الغيبةَ بأكلٍ لحم الميتةِ ، حتَّى إِنَّ مَنْ رأى أنَّهُ يأكلُ
لحمَ ميتةٍ .. فإنَّهُ يغتابُ الناسَ ؛ لأنَّ ذلكَ المَلَكَ في تمثيلهِ يراعي المشاركةَ
والمناسبةَ بينَ الشيءِ وبينَ مثالِهِ في المعنى الذي يجري مِنَ المثالِ مَجرى
الروحِ ، لا في ظاهرِ الصورِ .
فإذاً ؛ حمايةُ الأخوَّةِ بدفع ذمِّ الأَعداءِ وتعنُّتِ المتعنِِّينَ واجبٌ في عقْدٍ
الأخوّةِ ، فقدْ قالَ مجاهدٌ: ( لا تذكر أخاكَ في غيبتِهِ إلا كما تحبُّ أنْ يذكرَكَ
في غيبتِكَ)(١) .
فإذاً ؛ لكَ فيهِ معيارانِ :
أحدُهما : أنْ تقدِّرَ أنَّ الذي قيلَ فيهِ لوْ قيلَ فيكَ وكانَ أخوكَ حاضراً ..
ما الذي كنتَ تحبُّ أنْ يقولَهُ أخوكَ فيكَ ؟ فينبغي أنْ تعاملَ المتعرِّضَ لعرضِهِ
بهِ .
والثاني : أنْ تقدِّرَ أنَّهُ حاضرٌ مِنْ وراءِ جدارٍ يتسمَّعُ قولَكَ، ويظنُّ أنَّكَ
لا تعرفُ حضورَهُ، فما كانَ يتحرَّكُ في قلبكَ مِنَ النصرةِ لهُ بمسمَعٍ منهُ
ومرأىّ .. فينبغي أنْ يكونَ في مغيبهِ كذلكَ ، فقدْ قالَ بعضُهُمْ: ( ما ذُكرَ أخٌ
لي بغيبٍ إلا تصوَّرتُهُ جالساً ، فقلتُ فيهِ ما يحبُّ أنْ يسمعَهُ لوْ حضرَ )(٢).
(١) قوت القلوب (٢١٧/٢) من وصية ابن عباس رضي الله عنهما لمجاهد .
(٢) قوت القلوب (٢١٧/٢).
١٠٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ آخرُ : ( ما ذُكرَ أخٌ لي إلا تصوَّرْتُ نفسي في صورتِهِ ، فقلتُ فيهِ
مثلَ ما أحبُّ أنْ يُقالَ فيَّ)(١) .
وهذا مِنْ صدقِ الإِسلام ، وهوَ ألا يرى لأخيهِ إلا ما يراهُ لنفسِهِ .
وقدْ نظرَ أبو الدرداءِ إلى ثورينِ يحرثانِ في فدَّانِ(٢)، فوقفَ أحدُهُما
يحكُ جسمَهُ ، فوقفَ الآخرُ، فبكى أبو الدرداءِ وقالَ : هكذا الأخوانِ
في اللهِ يعملانِ للهِ، فإذا وقفَ أحدُهُما .. وافقَهُ الآخرُ(٣).
وبالموافقةِ يتمُّ الإخلاصُ ، ومَنْ لمْ يكنْ مخلصاً في إخائِهِ .. فهوَ
منافقٌ، والإخلاصُ استواءُ الغيبِ والشهادةِ ، واللسانِ والقلبِ ، والسرِّ
والعلانيةِ ، والجماعةِ والخلوةِ ، والاختلافُ والتفاوتُ في شيءٍ مِنْ ذلكَ
مماذقةٌ في المودَّةِ(٤) ، وهوَ دَخَلٌ في الدينِ ، ووليجةٌ في طريقٍ
المؤمنينَ(٥) .
ومَنْ لا يقدرُ مِنْ نفسِهِ على هذا .. فالانقطاعُ والعزلةُ أولىُ بهِ مِنَ
المؤاخاةِ والمصاحبةِ؛ فإنَّ حقَّ الصحبةِ ثقيلٌ، لا يطيقُهُ إلا محقُّقٌ ، فلا جرمَ
أجرُهُ جزيلٌ لا ينالُهُ إِلا موفَّقٌ، ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أبا هرّ؛
(١) قوت القلوب (٢١٧/٢) .
(٢) الفذّان: آلة الثورين للحرث ، وقد تقدم استعمال هذه اللفظة.
(٣) قوت القلوب (٢٢٨/٢) .
(٤) يقال : فلان يمذق في الود ؛ إذا لم يخلصه ، فالمماذقة ضد المخالصة .
(٥) السياق عند صاحب ((القوت)) (٢١٨/٢).
١٠٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
أحسنْ مجاورةَ مَنْ جاورَكَ .. تكنْ مسلماً ، وأحسنْ مصاحبةً مَنْ صاحبَكَ ..
تكنْ مؤمناً))(١) .
فانظر كيفَ جعلَ الإيمانَ جزاءَ الصحبةِ ، والإسلامَ جزاءَ الجوارِ ،
والفرقُ بينَ فضْلِ الإيمانِ وفضلِ الإسلامِ على حدِّ الفرقِ بينَ المشقَّةِ في
القيامِ بحقِّ الجوارِ والقيامِ بحقِّ الصحبةِ ؛ فإنَّ الصحبةَ تقتضي حقوقاً كثيرةً
في أحوالٍ متقاربةٍ مترادفةٍ ، بلْ على الدوامِ ، والجوارُ لا يقتضي إلا حقوقاً
قريبةٌ في أوقاتٍ متباعدةٍ لا تدومُ .
ومِنْ ذلكَ : التعليمُ والنصيحةُ : فليسَ حاجةُ أخيكَ إلى العلمِ بأقلَّ مِنْ
حاجتِهِ إلى المالِ ، فإنْ كنتَ غنياً بالعلم .. فعليكَ مواساتُهُ مِنْ فضلِكَ ،
وإرشادُهُ إلى كلِّ ما ينفعُهُ في الدينِ والدنيا ، فإنْ علَّمْتَهُ وأرشدتَهُ ، فلمْ يعملْ
بمقتضى العلم .. فعليكَ نصحُهُ، وذلكَ بأنْ تذكرَ آفاتِ ذلكَ الفعلِ ،
وفوائدَ تركِهِ ، وتخوِّفَهُ بما يكرهُهُ في الدنيا والآخرةِ لينزجرَ عنهُ ، وتنبهَهُ
على عيوبِهِ ، وتقبِّحَ القبيحَ في عينِهِ ، وتحسِّنَ الحسنَ .
ولكنْ ينبغي أنْ يكونَ ذلكَ في سرٍّ لا يطلعُ عليهِ أحدٌ ، فما كانَ على
(١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٤٢)، والديلمي في (( مسند الفردوس))
( ١٧٧٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ المصنف ، وروى ابن ماجه ( ٤٢١٧)
القطعة الأولى منه ، وهو عند الترمذي (٢٣٠٥) بلفظ: ( مؤمناً) بدل ( مسلماً) .
١٠٤

١
ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
الملأِ .. فهوَ توبيخٌ وفضيحةٌ ، وما كانَ في السرِّ .. فهوَ شفقةٌ ونصيحةٌ ؛ إذْ
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ))(١) أيْ: يرىُ منهُ ما لا
يرىُ مِنْ نفسِهِ، فيستفيدُ المرءُ بأخيهِ معرفةَ عيوبِ نفسِهِ، ولوِ انفردَ .. لِمْ
يستفدْ ؛ كما يستفيدُ بالمرآةِ الوقوفَ على عيوبِ صورتِهِ الظاهرةِ .
وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ وعظَ أخاهُ سرّاً .. فقدْ نصحَهُ
وزانَهُ، ومَنْ وعظَهُ علانيةٌ .. فقدْ فضحَهُ وشانَهُ)(٢).
وقيلَ لِمِسْعَرِ : تحبُّ مَنْ يخبرُكَ بعيوبِكَ ؟ فقالَ : إنْ نصحَني فيما بيني
وبينَهُ .. فنعمْ، وإنْ قرَّعَني بينَ الملأٍ .. فلا(٣).
وقدْ صدقَ ؛ فإنَّ النصحَ على الملأِ فضيحةٌ ، واللهُ تعالى يعاتبُ المؤمنَ
يومَ القيامةِ تحتَ كنفِهِ وفي ظلِّ سترِهِ ، فيوقفُهُ على ذنوبِهِ سرّاً(٤).
٨٥
وقدْ يدفعُ كتابَ عمِلِهِ مختوماً إلى الملائكةِ الذينَ يحفونَ بهِ إلى الجنَّةِ ،
فإذا قاربوا بابَ الجنَّةِ .. أعطَوهُ الكتابَ مختوماً ليقرأَهُ، وأمَّا أهلُ المفْتِ ..
فينادونَ على رؤوس الأشهادِ ، وتُستنطقُ جوراحُهُمْ بفضائِحِهِمْ، فيزدادونَ
بذلكَ خزْياً وافتضاحاً ، نعوذُ باللهِ مِنَ الخزي يومَ العرْضِ الأكبرِ .
فالفرقُ بينَ التوبيخ والنصيحةِ بالإسرارِ والإعلانِ ؛ كما أنَّ الفرقَ بينَ
(١) رواه أبو داوود ( ٤٩١٨) بلفظه، ونحوه عند الترمذي ( ١٩٢٩).
(٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٤٠/٩).
(٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٨١/٧)، وابن الطيوري في ((الطيوريات)) (٣٤٦).
(٤) السياق عند صاحب ((القوت)) (٢٢١/٢)، والخبر سيأتي .
١٠٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
المداراةِ والمداهنةِ بالغرضِ الباعثِ على الإغضاءِ ، فإنْ أغضيتَ لسلامةٍ
دينِكَ ، ولما ترى فيهِ مِنْ إصلاح أخيكَ بالإغضاءِ .. فأنتَ مدارٍ ، وإنْ
أغضيتَ لحظُّ نفسِكَ، واجتلاب شهواتِكَ ، وسلامةِ جاهِكَ .. فأنتَ
مداهنٌ .
وقالَ ذو النونِ : ( لا تصحبْ معَ اللهِ إلا بالموافقةِ ، ولا معَ الخلقِ إلا
بالمناصحةِ ، ولا معَ النفسِ إلا بالمخالفةِ ، ولا معَ الشيطانِ إلا
بالعداوة )(١).
فإنْ قلتَ : إذا كانَ في النصح ذكرُ العيوبِ ، وفيهِ إيحاشٌ للقلبِ ،
فكيفَ يكونُ ذلكَ مِنْ حقِّ الأخوّةِ ؟
فاعلمْ : أنَّ الإيحاشَ إنَّما يحصلُ مِنْ ذكرٍ عيبٍ يعلمُهُ أخوكَ مِنْ نفسِهِ ،
فأمَّا تنبيهُهُ على ما لا يعلمُهُ .. فهوَ عينُ الشفقةِ ، وهوَ استمالةٌ للقلوبِ ؛
أعني : قلوبَ العقلاءِ، وأمَّا الحمقى .. فلا يُلتفتُ إليهِمْ؛ فإنَّ مَنْ ينبهُكَ
على فعلٍ مذموم تعاطيتَهُ ، أَوْ صفةٍ مذمومةٍ اتصفتَ بها ؛ لتزكِّيَ نفسَكَ
عنها .. كانَ كمَنْ ينبهُكَ على حيَّةٍ أوْ عقربِ تحتَ ذيلِكَ وقدْ همَّتْ
بإهلاكِكَ، فإنْ كنتَ تكرهُ ذلكَ . . فما أشدَّ حمقَكَ !
والصفاتُ الذميمةُ عقاربُ وحِيَّاتٌ ، وهيَ في الآخرةِ مهلكاتٌ ، فإنَّها
(١) الرسالة القشيرية (ص٤٨٩).
١٠٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
تلدغُ القلوبَ والأرواحَ ، وألمُها شديدٌ ، بلْ أشدُّ ممَّا يلدغُ الظواهرَ
والأجسادَ ، وهيَ مخلوقةٌ مِنْ نارِ اللهِ الموقدةِ ، التي تطلعُ على الأفئدةِ .
ولذلكَ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يستهدي ذلكَ مِنْ إخوانِهِ ويقولُ :
( رحمَ اللهُ امرأً أهدى إلى أخيهِ عيوبَهُ)(١) .
ولذلكَ قالَ عمرُ لسلمانَ وقدْ قدمَ عليهِ : ما الذي بلغَك مِنِّي ممَّا تكرهُ ،
فاستعفى ، فألحَّ عليهِ، فقالَ : بلغَني أنَّ لكَ حلَّتينِ ؛ تلبسُ إحداهما
بالنهارِ ، والأخرى بالليلِ ، وبلغَني أنَّكَ جمعتَ بينَ إدامينِ على مائدةٍ
واحدةٍ ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: أمَّا هذانِ .. فقدْ كُفيتَهُما، فهلْ بلغَكَ
غيرُهُما؟ فقالَ : لا(٢).
وكتبَ حذيفةُ المرعشيُّ إلى يوسفَ بنِ أسباطِ : ( بلغَني أنَّكَ بعتَ دِينَكَ
بحبِّينِ ، وقفتَ على صاحبِ لبنٍ ، فقلتَ : بكمْ هذا ؟ فقالَ : بسدس ،
فقلتَ: لا ، بثُمُنِ ، فقالَ: هوَ لكَ، وكانَ يعرفُكَ ، اكشفْ عنْ رأسِكَ
قناعَ الغافلينَ ، وانتبهْ عنْ رقدةِ الموتى، واعلمْ أنَّ مَنْ قرأ القرآنَ فلمْ
يستغنِ، وآثرَ الدنيا .. لمْ يأمنْ أنْ يكونَ بآياتِ اللهِ مِنَ المستهزئينَ )(٣).
وقدْ وصفَ اللهُ تعالى الكاذبينَ ببغضِهِمْ للناصحينَ إذْ قالَ: ﴿ وَلَكِن لَّا
تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾.
(١) قوت القلوب (٢٢١/٢).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠١٧٠ ).
(٣) رواه الآجري في (( أخلاق حملة القرآن)) (٣٢).
١٠٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وهذا في عيبٍ هوَ غافلٌ عنهُ ، فأمَّا ما علمتَ أنَّهُ يعلمُهُ مِنْ نفسِهِ ، وإنَّما
هوَ مقهورٌ عليهِ مِنْ طبعِهِ .. فلا ينبغي أنْ يُكشفَ فيهِ سترُهُ إِنْ كانَ يخفيهِ ،
وإنْ كانَ يظهرُهُ .. فلا بدَّ مِنَ التلطّفِ في النصح ؛ بالتعريضِ مرَّةً ،
وبالتصريح أخرى ، إلى حدٍّ لا يؤدِّي إلى الإيحاشِ .
فإنْ علمتَ أنَّ النصحَ غيرُ مؤثِّرِ فيهِ، وأنَّهُ مضطرٍّ مِنْ طبعِهِ إلى الإصرارِ
عليهِ .. فالسكوتُ عنهُ أولىُ، وهذا كلُّهُ فيما يتعلَّقُ بمصالح أخيكَ في دِينِهِ
أو دنياهُ .
فأمَّا ما يتعلَّقُ بتقصيرِهِ في حقٌّكَ .. فالواجبُ فيهِ الاحتمالُ ، والعفوُ
والصفحُ ، والتعامي عنهُ، فالتعرُّضُ لذلكَ ليسَ مِنَ النصحِ في شيءٍ ،
نعمْ، إنْ كانَ بحيثُ يؤدِّي استمرارُهُ عليهِ إلى القطيعةِ .. فالعتابُ في السرِّ
خيرٌ مِنَ القطيعةِ ، والتعريضُ بهِ خيرٌ مِنَ التصريح ، والكتابةُ خيرٌ مِنَ
المشافهةِ ، والاحتمالُ خيرٌ مِنَ الكلِّ ؛ إذْ ينبغي أنْ يكونَ قصدُكَ مِنْ أخيكَ
إصلاحَ نفسِكَ بمراعاتِكَ إِيَّاهُ، وقيامِكَ بحقِّهِ ، واحتمالِكَ تقصيرَهُ ،
لا الاستعانةَ بهِ والاسترفاقَ منهُ .
قالَ أبو بكرِ الكَتَّانيُّ : ( صحبَتي رجلٌ وكانَ على قلبي ثقيلاً ، فوهبتُهُ
يوماً شيئاً على أنْ يزولَ ما في قلبي ، فلمْ يزلْ، فأخذتُ بيدِهِ يوماً إلى
البيتِ ، وقلتُ لهُ: ضعْ رجلَكَ علىُ خدِّي، فأبى، فقلتُ :
ـكن
١٠٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
لا بدَّ، ففعلَ، فزالَ ذلكَ مِنْ قلبي)(١).
وقالَ أبو عليٍّ الرباطيُّ: صحبتُ عبدَ اللهِ الرازيَّ، وكانَ يدخلُ الباديةَ ،
فقالَ : على أنْ تكونَ أنتَ الأميرَ أوْ أنا ؟ فقلتُ : بلْ أنتَ ، فقالَ : وعليكَ
الطاعةُ ؟ فقلتُ : نعمْ ، فأخذَ مخلاةً ، ووضعَ فيها الزادَ ، وحملَها على
ظهرِهِ ، فإذا قلتُ لهُ: أعطني .. قالَ : ألستَ قلتَ: أنتَ الأميرُ ؟ فعليكَ
الطاعةُ ، فأخذَنا المطرُ ليلةً ، فوقفَ على رأسي إلى الصباحِ وعليهِ كساءٌ وأنا
جالسٌ يمنعُ عنِّي المطرَ ، فكنتُ أقولُ معَ نفسي : ليتني مثُّ ولمْ أقلْ : أنتَ
الأميرُ(٢).
(١) رواه القشيري في « رسالته)) ( ص٤٨٨) وفيه: ( فقلت : لا بد ، ففعل ، واعتقدت أن
لا يرفع رجله من خدي حتى يرفع الله من قلبي ما كنت أجده ، فلما زال عن قلبي
ما كنت أجده .. قلت له : ارفع رجلك الآن )، وإنما أهدى له أولاً عملاً بخبر :
((تهادوا تحابوا)» فلما لم يرفع الثقل عنه .. عمد إلى اتهام نفسه ، والتسبب في إزالة
ما انطوى له في باطنه. انظر ((عوارف المعارف)) (٧٦٣/٢)، و(( الإتحاف )»
(٢٢٦/٦ ) .
(٢) الرسالة القشيرية (ص ٤٨١).
١٠٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
الحقّ الخامس: العفوعن الزّلات الهفوات
وهفوةُ الصديقِ لا تخلُو : إمَّا أنْ تكونَ في دينِهِ بارتكابِ معصيةٍ ، أَوْ في
حقّكَ بتقصيرٍ في الأخوّةِ .
أمَّا ما يكونُ في الدينِ مِنِ ارتكابِ معصيةٍ والإصرارِ عليها : فعليكَ
التلطُّفُ في نصحِهِ بما يقيمُ أودَهُ، ويجمعُ شملَهُ، ويعيدُ إلى الصلاح
والورع حالَّهُ ، فإنْ لمْ تقدرْ، وبقيَ مصرّاً .. فقدِ اختلفَتْ طرقُ الصحابةِ
والتابعينَ في إدامةِ حقِّ موذَّتِهِ أوْ مقاطعتِهِ .
فذهبَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ إلى الانقطاع، وقالَ : ( إذا انقلبَ أخوكَ
عمَّا كانَ عليهِ .. فأبغضْهُ مِنْ حيثُ أحببتَهُ)(١) ، ورأى ذلكَ مِنْ مقتضى
الحبِّ في اللهِ والبغضِ في اللهِ .
وأمَّا أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ وجماعةٌ مِنَ الصحابةِ .. فذهبوا إلى
خلافِهِ ، فقالَ أبو الدرداءِ : ( إذا تغيَّرَ أخوكَ وحالَ عمَّا كانَ عليهِ .. فلا
تدعْهُ لأجلِ ذلكَ، فإنَّ أخاكَ يعوجُ مرَّةً ويستقيمُ أخرى)(٢).
وقالَ إبراهيمُ النخعيُّ : ( لا تقطعْ أخاكَ ، ولا تهجرْهُ عندَ الذنبِ
(١) قوت القلوب (٢١٨/٢) والسياق عنده .
(٢) قوت القلوب (٢١٨/٢) .
١١٠
-

i
ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
حن
بذنبهِ ، فإنَّهُ يرتكبُهُ اليومَ ويتركُهُ غداً)(١).
وقال أيضاً : ( لا تحدِّثوا الناسَ بزلَّةِ العالِم؛ فإنَّ العالمَ يزلُ الزلَّةَ ثمّ
يتركُها )(٢) .
وفي الخبرِ : ((اتقوازلَّةَ العالِمِ ولا تقطعوهُ وانتظروا فيئتَهُ))(٣).
وفي حديثٍ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وقدْ سألَ عنْ أخ كانَ آخاهُ ، فخرجَ إلى
الشام ، فسألَ عنهُ بعضَ مَنْ قدمَ عليهِ فقالَ : ما فعلَ أخي ؟ فقالَ : ذلكَ
أخو الشيطانِ ، قالَ : مَةْ ، قالَ : إنَّهُ قارفَ الكبائرَ حتَّى وقعَ في الخمرِ ،
قالَ : إذا أردتَ الخروجَ .. فآذنِّي، فكتبَ عندَ خروجِهِ إليهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ
﴿ حَمَ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٤﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَابِلِ التَّوْبٍ شَدِيدٍ الْعِقَابٍ . .. ﴾ الآيَةَ، ثمَّ عاتبَهُ تحتَ ذلكَ وعذلَهُ، فلمَّا قرأَ
الكتابَ .. بكى، وقالَ: صدقَ اللهُ ونصحَ لي عمرُ، فتابَ ورجعَ(٤) .
بدر
وحُكِيَ أنَّ أخوينِ ابْتُلِيَ أحدُهُما بهوىّ ، فأظهرَ عليهِ أخاهُ وقالَ : إنِّي قدِ
(١) قوت القلوب (٢١٨/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢١٨/٢).
(٣) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٦٠/٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢١١/١٠)
من حديث عمرو بن عوف مرفوعاً .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢١٨/٢)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٤/ ٩٧) بنحوه ، وزاد
من قول عمر رضي الله عنه بعد أن بلغته أوبته : ( هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أخاً لكم زل
زلة .. فسددوه ووفقوه ، وادعوا الله أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعواناً للشيطان
عليه ) .
١١١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
اعتللتُ(١)، فإنْ شئتَ ألا تعقدَ على محبََّي للهِ .. فافعلْ، فقالَ: ما كنتُ
لأحُلَّ عقْدَ أخوَّتِكَ لأجلِ خطيئتِكَ أبداً ، ثمَّ عقدَ أخوهُ بينَهُ وبينَ اللهِ ألا يأكلَ
ولا يشربَ حتَّى يُعافيّ اللهُ أخاهُ مِنْ هواهُ، فطوى أربعينَ يوماً في كلِّها يسألُهُ
عنْ هواهُ ، فكانَ يقولُ : القلبُ مقيمٌ على حالِهِ ، وما زالَ هوَ ينحَلُ مِنَ الغمِّ
والجوع ، حتَّى زالَ الهوىُ عنْ قلبٍ أخيهِ بعدَ الأربعينَ ، فأخبرَهُ بذلكَ ،
فأكلَ وشربَ بعدَ أنْ كادَ يتلفُ هزالاً وضرّا(٢) .
وكذلكَ حُكِيَ عنْ أخوينٍ مِنَ السلفِ انقلبَ أحدُهُما عنِ الاستقامةِ ،
فقيلَ لأخيهِ : ألا تقطعُهُ وتهجرُهُ ؟ فقالَ : أحوجُ ما كانَ إليَّ في هذا الوقتِ
لمَّا وقعَ في عثرتِهِ أَنْ آخُذَ بيدِهِ ، وأتلطَّفَ لهُ في المعاتبةِ ، وأدعوَ لهُ بالعَوْدِ
إلىُ ما كانَ عليهِ(٣).
ورُويَ في الإسرائيلياتِ : أنَّ أخوينِ عابدينٍ كانا في جبلٍ نزلَ أحدُهُما
يشتري مِنَ المصرِ لحماً بدرهمٍ ، فرأىُ بغيّاً عند اللخَام ، فرمقَها وعشقَها ،
واجتذبَها إلى خلوةٍ وواقعَها ، ثمَّ أقامَ عندَها ثلاثاً ، واستحيا أنْ يرجعَ إلى
أخيهِ؛ حياءً مِنْ جنايتِهِ ، قالَ: فافتقدَهُ أخوهُ واهتمَّ بشأنِهِ ، فنزلَ إلى
المدينةِ ، فلمْ يزلْ يسألُ عنهُ حتَّى دُلَّ عليهِ ، فدخلَ عليهِ وهوَ جالسٌ معَها ،
C
جن
(١) أي: أصابتني علة العشق. ((إتحاف)) (٢٢٨/٦).
(٢) قوت القلوب (٢٢٣/٢).
(٣) قوت القلوب (٢٢٣/٢) .
١١٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
فاعتنقَهُ وجعلَ يقبَّلُهُ ويلتزمُهُ، وأنكرَ الآخرُ أنَّهُ يعرفُهُ لفرْطِ استحيائِهِ منهُ ،
فقالَ : قمْ يا أخي ؛ فقدْ علمتُ شأنَكَ وقصَّتَكَ، وما كنتَ قطُّ أحبّ إليَّ
ولا أعزَّ عليَّ مِنْ ساعتِكَ هذهِ، فلمَّا رأى أنَّ ذلكَ لمْ يسقطُهُ مِنْ عِينِهِ .. قامَ
فانصرفَ معَهُ (١) .
فهذهِ طريقةُ قوم ، وهيَ ألطفُ وأفقهُ مِنْ طريقةِ أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ ،
وطريقتُهُ أخشنُ وأسلمُ(٢).
متن
فإنْ قلتَ : ولِمَ قلتَ: ( هذهِ ألطفُ وأفقهُ) ومقارفُ هذهِ المعصيةِ
لا تجوزُ مؤاخاتُهُ ابتداءً، فتجبُ مقاطعتُهُ انتهاءً ؛ لأنَّ الحكمَ إذا ثبتَ
بعلَّةٍ .. فالقياسُ أنْ يزولَ بزوالِها، وعلَّةُ عقْدِ الأخوَّةِ التعاونُ في الدينِ ،
ولا يستمرُّ ذلكَ معَ مقارفةِ المعصيةِ ؟
فأقولُ: أمَّا كونُها ألطفَ .. فلما فيها مِنَ الرفقِ والاستمالةِ والتعلُّفِ
المفضي إلى الرجوع والتوبةِ ؛ لاستمرارِ الحياءِ عندَ دوام الصحبةِ ، ومهما
قوطعَ وانقطعَ طمعُهُ عنِ الصحبةِ .. أصرّ واستمرّ .
وأمَّا كونُها أفقهَ .. فمِنْ حيثُ إنَّ الأخوَّةَ عقدٌ ينزَّلُ منزلةَ القرابةِ ، فإذا
انعقدَتْ .. تأكَّدَ الحقُّ، ووجبَ الوفاءُ بموجَبِ العقدِ ، ومِنَ الوفاءِ بهِ ألا
(١) قوت القلوب (٢٢٤/٢) .
(٢) في (ج): ( أحسن وأسلم ) .
١١٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
يُهملَ أيامَ حاجتِهِ وفقرِهِ ، وفقرُ الدينِ أشدُّ مِنْ فقْرِ المالِ، وقدْ أصابَتْهُ جائحةٌ ،
وألمَّتْ بهِ آفةٌ افتقرَ بسببها في دينِهِ ، فينبغي أنْ يُراقبَ ويُراعى ولا يُهملَ ، بل
لا يزالُ يُتلطَّفُ بهِ ليُعانَ على الخلاصِ مِنْ تلكَ الوقعةِ التي ألمَّتْ بهِ ، فالأخوَّةُ
عُدَّةٌ للنائباتِ وحوادثِ الزمانِ ، وهذا مِنْ أشدِّ النوائبِ .
والفاجرُ إذا صحبَ تقيّاً وهوَ ينظرُ إلى خوفِهِ ومداومتِهِ (١) .. فسيرجعُ
على قرْبٍ ، ويستحيي مِنَ الإصرارِ ، بلِ الكسلانُ يصحبُ الحريصَ في
العملِ فيحرصُ حياءً منهُ .
قالَ جعفرُ بنُ سليمانَ : ( مهما فترتُ في العملِ .. نظرتُ إلى محمدِ بنِ
واسع وإقبالِهِ على الطاعةِ ؛ فيرجعُ إليَّ نشاطي في العبادةِ ، وفارقَني
الكسلُ ، وعملتُ عليهِ أسبوعاً )(٢) .
وههذا التحقيقُ ، وهوَ أنَّ الصداقةَ لُّحمةٌ كلَّحمةِ النسب ، والقريبُ
لا يجوزُ أنْ يُهجرَ بالمعصيةِ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى لنبيَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في عشيرتِهِ: ﴿فَإِنْ عَصَوَكَ فَقُلْ إِىِ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ولمْ يقلْ: إنِّي بريءٌ
مِنكُم ؛ مراعاةً لحقِّ القرابةِ ولحمةِ النسبِ(٣).
(١) أي : ينظر إلى دوام خوف هذا التقي من الله عز وجل .
(٢) روى الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٣٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٣٤٧/٢) عن جعفر بن سليمان قال: ( كنت إذا وجدت من قلبي قسوة .. نظرت إلى
وجه محمد بن واسع نظرة ، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع .. حسبت أن وجهه
وجه تكلی ) .
(٣) قوت القلوب (٢١٨/٢)، واللَّحمة: القرابة أو الاختلاط .
١١٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وإلى هذا أشارَ أبو الدرداءِ لمَّا قيلَ لهُ : ألا تبغضُ أخاكَ وقدْ فعلَ كذا ؟
فقالَ: إنَّما أبغضُ عملَهُ ، وإلا .. فهوَ أخي(١).
وأخوّةُ الدينِ آكدُ مِنْ أخوَّةِ القرابةِ ، ولذلكَ قيلَ لحكيمٍ (٢): أيُّما أحبُّ
إليكَ: أخوكَ أَوْ صديقُكَ؟ فقالَ : إنَّما أحبُّ أخي إذا كانَ صديقاً .
وكانَ الحسنُ يقولُ: ( كمْ مِنْ أخٍ لمْ تلدْهُ أمُّكَ)(٣).
ولذلكَ قيلَ : القرابةُ تحتاجُ إلى مودَّةٍ، والموذَّةُ لا تحتاجُ إلى قرابةٍ(٤).
وقالَ جعفرٌ الصادقُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مودَّةُ يوم صلةٌ، وموذَّةُ شهرٍ
قرابةٌ، ومودَّةُ سنةٍ رحمٌ ماسّةٌ، مَنْ قطعَها .. قطعَهُ اللهُ)(٥) .
فإذاً ؛ الوفاءُ بعقْدِ الأخوَّةِ إذا سبقَ انعقادُها واجبٌ ، وهذا جوابُنا عنِ
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٨٠/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٥/١)
ولفظه عندهما : أن أبا الدرداء مرَّ على رجل قد أصاب ذنباً ، فكانوا يسبونه ، فقال :
أرأيتم لو وجدتموه في قَليب .. ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا : بلى ، قال : فلا تسبوا
أخاكم ، واحمدوا الله الذي عافاكم ، قالوا : أفلا تبغضه ؟ قال : إنما أبغض عمله ،
فإذا تركه .. فهو أخي. والخبر عند صاحب ((القوت)) (٢١٨/٢) متوازع بين روايتين
كذلك .
(٢) أي : حكيم بن مرّة ، وهو كلاب ، أحد أجداد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، صرح
بنسبة القول له أبو طالب في ((القوت)) (٢١٨/٢)، وقول الماوردي في (( أدب الدنيا
والدين)) ( ص ٢٤٥): ( وقد قيل لبعض قريش : أيما ... ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (٨٢).
(٤) قوت القلوب (٢١٨/٢) .
(٥) أورده السلمي في ((آداب الصحبة)) (١٦٩).
١١٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ابتداءِ المؤاخاةِ معَ الفاسقِ ؛ فإنَّهُ لمْ يتقدَّمْ لهُ حقٌّ ، فإذا تقدَّمَتْ لهُ قرابةٌ ..
فلا جرمَ لا ينبغي أنْ يقاطعَ ، بلْ يجاملُ ، والدليلُ على ذلكَ : أنَّ تركَ
المؤاخاةِ والصحبةِ ابتداءً ليسَ بمذمومٍ ولا مكروهٍ ، بلْ قالَ قائلونَ : الانفرادُ
أولى ، فأمَّا قطعُ الأخوَّةِ عنْ دوامِها .. فمنهيٌّ عنهُ ، ومذمومٌ في نفسِهِ ،
ونسبتُهُ إلى تركِها ابتداءً كنسبةِ الطلاقِ إلى تركِ النكاح ، فالطلاقُ أبغضُ
إلى اللهِ تعالى مِنْ تركِ النكاح، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((شرارُ عبادِ اللهِ تعالى المشَّاؤونَ بالنميمةِ، المفرِّقونَ بينَ الأحبَّةِ)) (١).
وقالَ بعضُ السلفِ في زلاتِ الإخوانِ : ( ودَّ الشيطانُ أنْ يلقيَ على أخيكُمْ
مثلَ هذا؛ حتَّى تهجروهُ وتقطعوهُ، فماذا اتقيتُمْ منْ محبَّةِ عدوًّكُمْ؟!) (٢).
وهذا لأنَّ التفرُّقَ بينَ الأحبابِ مِنْ محابِّ الشيطانِ، كما أنَّ مقارفةَ العصيانِ
مِنْ محابِّهِ ، فإذا حصَّلَ الشيطانُ أحدَ غرضيهِ .. فلا ينبغي أنْ يُضافَ إليهِ
الآخرُ، وإلى هذا أشارَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الذي شتمَ الرجلَ الذي
أتى فاحشةً إذ قالَ: ((مَوْ - وزبرَهُ - لا تكونوا عوناً للشيطانِ على أخيكُمْ))(٣).
فبهذا كلِّهِ يتبيَّنُ الفرقُ بينَ الدوام والابتداءِ ؛ لأنَّ مخالطةَ الفسَّاقِ
ـ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٧/٤) عن عبد الرحمن بن غنم بلاغاً ، ولفظه :
(( خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا .. ذكر الله، وشرار عباد الله المشَّاؤون بالنميمة ،
المفرقون بين الأحبة)) الحديث.
جبن
(٢) قوت القلوب (٢١٨/٢) .
(٣) رواه البخاري (٦٧٨١) ولفظه: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)).
١١٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
محذورةٌ ، ومفارقةَ الأحباب والإخوانِ أيضاً محذورةٌ ، وليسَ مَنْ سِلِمَ عنْ
معارضةِ غيرِهِ كالذي لمْ يسلمْ ، وفي الابتداءِ قدْ سلِمَ ، فرأينا أنَّ المهاجرةَ
والتباعدَ هوَ الأولى، وفي الدوام تعارضا ، فكانَ الوفاءُ بحقِّ الأخوّةِ أولى ،
هذا كلُّهُ فِي زلَّتِهِ في دينِهِ .
أمَّا زلَّتُهُ في حقِّهِ بما يوجبُ إيحاشَهُ : فلا خلافَ في أنَّ الأولى العفوُ
والاحتمالُ ، بلْ كلُّ ما يحتملُ تنزيلُهُ على وجهٍ حسنٍ ، ويُتصوَّرُ تمهيدُ عذرِ
فيهِ ، قريبٍ أوْ بعيدٍ .. فهوَ واجبٌّ بحقِّ الأخوّةِ ، فقدْ قيلَ : ينبغي أنْ تستنبطَ
لزلَّةِ أخيكَ سبعينَ عذراً، فإنْ لمْ يقبلْهُ قلبُكَ .. فردّ اللومَ على نفسِكَ،
فتقولُ لقلبكَ: ما أقساكَ ! يعتذرُ إليكَ أخوكَ سبعينَ عذراً فلا تقبلُهُ ؟! فأنتَ
المعيبُ لا أخوكَ (١) ، فإنْ ظهرَ بحيثُ لمْ يقبلِ التحسينَ .. فينبغي ألا تغضبَ
إِنْ قدرتَ ، ولكنْ ذلكَ لا يمكنُ ، وقدْ قالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ : ( مَنِ
استُغضبَ فلمْ يغضبْ .. فهوَ حمارٌ، ومَنِ اسْتُرضيَ فلمْ يرضَ .. فهوَ
شيطانٌ )(٢) ، فلا تكنْ حماراً ولا شيطاناً ، واسترضٍٍ قلبَكَ بنفسِكَ نيابةً عنْ
أخيكَ ، واحترزْ أنْ تكونَ شيطاناً إنْ لمْ تقبلْ .
(١) وقد روى السلمي في (( آداب الصحبة)) (١٤) عن حمدون القصار قال: (إذا زل أخ
من إخوانكم .. فاطلبوا له سبعين عذراً ، فإن لم تقبله قلوبكم .. فاعلموا أن المعيب
أنفسكم ؛ حيث ظهر لمسلم سبعون عذراً فلم تقبله ) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٣/٩).
١١٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ الأحنفُ : ( حقُّ الصديقِ أنْ تحتملَ منهُ ثلاثاً : ظلمُ الغضبِ ،
وظلمُ الدالَّةِ، وظلمُ الهفوةِ )(١) .
وقالَ آخرُ : ( ما شتمتُ أحداً قطُّ ؛ لأنَّهُ إِنْ شتمَني كريمٌ .. فأنا أحقُّ
مَنْ غفرَها لهُ، أَوْ لئيمٌ .. فلا أجعلُ عرضي لهُ غرضاً)(٢)، ثمَّ تمثَّلَ
وقالَ(٣):
[من الطويل]
وَأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَُّما
وَأَغْفِرُ عَوْراءَ (٤) أَلْكَرِيمِ أُدِّخَارَهُ
وقدْ قيلَ(٥) :
[من مجزوء الكامل]
خُذْ مِنْ خِلِيلِكَ ما صَفا وَدَعِ الَّذِي فِيهِ الْكَدَرْ
فَأَلْعُمْرُ أَقْصَرُ مِنْ مُعا تَبَةِ الْخَلِيلِ عَلَى الْغِيَرْ
ومهما اعتذرَ أخوكَ كاذباً كانَ أوْ صادقاً .. فاقبلْ عذرَهُ، قَالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((مَنِ اعتذرَ إليهِ أخوهُ فلمْ يقبلْ .. فعليهِ مثلُ إثْمِ صاحبِ المكسِ)) (٦).
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٤٢/٢٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١١٧) مع التمثُّلِ الآتي .
(٣)
البيت لحاتم الطائي في (( ديوانه)) ( ص٢٢٤ ).
(٤)
العوراء : الكلمة القبيحة .
(٥) البيت لديك الجن في ((ديوانه)) (ص ٢٥٧).
ب
(٦) رواه ابن ماجه (٣٧١٨) عن جُودان مرفوعاً ، وهو مختلف في صحبته ، وقد رواه له
كذلك البغويُّ في ((معجم الصحابة)) (٥٠٦/١)، والطبراني في ((الكبير)"
(٢٧٥/٢)، ورواه في ((الأوسط)) (٨٦٣٩) عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً،
وصاحب المكس : هو ما يأخذه أعوان السلطان ظلماً عند البيع والشراء ، وفي معنى =
١١٨
--- ---

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( المؤمنُ سريعُ الغضبِ ، سريعُ
الرضا)»(١) ، فلمْ يصفْهُ بأنَّهُ لا يغضبُ .
دن
وكذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ولمْ يقلْ: (والفاقدينَ
الغيظَ ) ، وهذا لأنَّ العادةَ لا تنتهي إلى أنْ يُجرحَ الإنسانُ فلا يتألَّمَ ، بلْ
تنتهي إلى أنْ يصبرَ عليهِ ويحتملَ ، وكما أنَّ التألُمَ بالجرحِ مُقْتَضى طبع
البدنِ .. فالتألُّمُ بأسبابِ الغضبِ طبعٌ للقلبِ لا يمكنُ قلعُهُ، ولكنْ يمكنُ
ضبطُهُ وكظمُهُ ، والعملُ بخلافِ مقتضاهُ ، فإنَّهُ يقتضي التشفِّيَ والانتقامَ
والمكافأةَ ، وتركُ العملِ بمقتضاهُ ممكنٌ، وقدْ قالَ الشاعرُ(٢): [من الطويل]
مجـ
وَلَسْتَ بِمُسْتَبِّقِ أَخاً لا تَلُقُّهُ عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ(٣)
قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ لأحمدَ بنِ أبي الحَواري : إذا واخيتَ أخاً في
هذا الزمانِ .. فلا تعاتبْهُ على ما تكرهُهُ ، فإنَّكَ لا تأمنُ أنْ ترىُ في جوابِهِ
الحديث أن من صفات الله تعالى قبول الاعتذار والعفو عن الزلات ، فمن أبى واستكبر
=
عن ذلك .. فقد عرض نفسه لغضب الله ومقته. انظر ((الإتحاف)) (٦/ ٢٣٢).
(١) نسب الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٣٢/٦) لفظه لصاحب ((القوت)) وزاد:
( فهذه بهذه)، وقد روى نحوه الترمذي (٢١٩١) عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه مرفوعاً، وفيه: (( ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى)» إلى أن قال صلى الله
عليه وسلم: (( ومنهم سريع الغضب سريع الفيء، فتلك بتلك)).
(٢) البيت النابغة الذبياني في (( ديوانه)) ( ص ٧٤ ).
(٣) لا تلمه : لا تصلحه، على شعث : تفرق وفساد حال ، ثم الاستفهام للاستبعاد
والاستقلال ، وبيان عزَّته .
١١٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ما هوَ شرٌّ مِنَ الأوَّلِ، قالَ: فجربتُهُ، فوجدتُهُ كذلكَ(١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( الصبرُ على مضضِ الأخ خيرٌ مِنْ معاتبتِهِ ، والمعاتبةُ
خيرٌ مِن القطيعةِ ، والقطيعةُ خيرٌ منَ الوقيعةِ)(٢) .
وينبغي ألا يبالغَ في البغضِ عندَ الوقيعةِ، قالَ تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ
يَبْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَدَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةً﴾.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أحببْ حبيبَكَ هوناً ما ؛ عسى أنْ يكونَ
بغيضَكَ يوماً ما، وأبغضْ بغيضَكَ هوناً ما؛ عسى أنْ يكونَ حبيبَكَ يوماً ما))(٣).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لا يكنْ حبُّكَ كلفاً، ولا بغضُكَ تلفاً )(٤) ،
وهوَ أنْ تحبَّ تلفَ صاحبكَ معَ هلاكِهِ(٥) .
(١) قوت القلوب (٢٣٦/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٣٧/٢)، وروى الدينوري في ((عيون الأخبار)) (٢٨/٣) عن
أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ( معاتبة الأخ خير من فقده ، ومن لك بأخيك كلٌّه؟!).
(٣) رواه الترمذي (١٩٩٧) حيث قال: ( عن أبي هريرة أُراءُ رفعه) ، قال الحافظ العراقي :
( رواه الترمذي وقال: ((غريب))، قلت: رجاله رجال مسلم ، لكن الراوي تردد في
رفعه)، وأوقفه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٣٢١) من كلام علي رضي الله عنه .
(٤) رواه البخاري في (( الأدب المفرد)) (١٣٢٢) وتمامه: فقلت ــ أي : أسلم راوي
الحديث - : كيف ذاك؟ قال: إذا أحببت .. كلفت كلف الصبي ، وإذا أبغضت ..
أحببت لصاحبك التلف، وأورده في ((القوت)) (٢١٥/٢).
(٥) في النسخ : (هلاكك)، والمثبت من نسخة الحافظ الزبيدي ، ولعله الصواب ، والله
أعلم .
١٢٠
-----