النص المفهرس

صفحات 41-60

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقولُ مَنْ قالَ (١) :
[من البسيط]
وَمَا لِجُرْحٍ إِذا أَرْضاكُمْ أَلَمُ
وقدْ يكونُ الحبُّ بحيثُ يُتركُ بهِ بعضُ الحظوظِ دونَ بعضٍ ، کمَنْ تسمحُ
نفسُهُ بأَنْ يشاطرَ محبوبَهُ في نصْفِ مالِهِ أوْ في ثلثِهِ أوْ في عشْرِهِ ؛ فمقاديرُ
الأموالِ موازينُ المحبَّةِ ؛ إذْ لا تعرفُ درجةُ المحبوبِ إلا بمحبوبٍ يُتركُ في
مقابلتِهِ ، فمَنِ استغرقَ الحبُّ جميعَ قلبِهِ .. لمْ يبقَ لهُ محبوبٌ سواهُ ، فلا
يمسكُ لنفسِهِ شيئاً ؛ مثلُ أبي بكرِ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فإنَّهُ لمْ يتركْ لنفسِهِ
أهلاً ولا مالاً ؛ فسلَّمَ ابنتَهُ التي هيَ قرَّةُ عينِهِ ، وبذلَ جميعَ مالِهِ(٢) .
قالَ ابنُ عمرَ : بينَما النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسٌ وعندَهُ أبو بكرٍ
الصديقُ، وعليهِ عباءةٌ قدْ خلَّلَها على صدرِهِ بخلالٍ .. إذْ نزلَ جبريلُ عليهِ
السلامُ ، فأقرأَهُ مِنَ اللهِ السلامَ ، وقالَ لهُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما لي أرى أبا بكرٍ
عليهِ عباءةٌ قَدْ خلَّلَها على صدرِهِ بخلالٍ؟ فقالَ: (( أنفقَ مالَهُ عليَّ قبلَ
الفتح))، قالَ: فأقرتْهُ مِنَ اللهِ السلامَ ، وقُلْ لهُ: يقولُ لكَ رَبُّكَ : أراضٍ
أنتَ عنّي في فقرِكَ هذا أمْ ساخطٌ ؟ قالَ: فالتفتَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
إلى أبي بكرٍ وقالَ: (( يا أبا بكرِ ؛ هذا جبريلُ يقرتُكَ السَّلامَ منَ اللهِ تعالى
(١) عجز بيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٣/ ٣٧٠) وتمامه :
إِنْ كانَ سرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا فما لجرحِ إذا أرضاكم أَلِمُ
(٢) رواه أبو داوود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥).
٤١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ويقولُ : أراضٍ أنتَ عنِّي في فقرِكَ هذا أمْ ساخطٌ ؟ )) قالَ: فبكى أبو بكر
رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ : أعلى ربِّي أسخطُ ، أنا عنْ ربِّي راضٍ ، أنا عنْ ربِّي
(١)
راضٍ(١) .
فحصلَ مِنْ هذا أنَّ كلَّ مَنْ أحبَّ عالماً أوْ عابداً ، أوْ أحبَّ شخصاً راغباً
في علمٍ أوْ في عبادةٍ أوْ في خيرٍ .. فإنَّما أحبَّهُ في اللهِ وللهِ ، ولهُ فيهِ مِنَ الأجرِ
والثوابِ بقدْرِ قوَّةٍ حبِّهِ .
فهذا شرحُ الحبِّ في اللهِ ودرجاتِهِ ، وبهذا يتضحُ البغضُ في اللهِ ،
ولكنْ نزيدُهُ بياناً أيضاً .
(١) رواه الثعليي في ((تفسيره)) (٢٣٦/٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٥/٧)، وابن
حزم في ((المحلى)) (١٣٩/٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠٥/٢)، وابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٠ /٧١).
٤٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
بيان البغض بيفى الله
اعلمْ : أنَّ كلَّ مَنْ يحبُّ في اللهِ لا بدَّ أنْ يبغضَ في اللهِ ؛ فإنَّكَ إذا أحببتَ
إنساناً لأنَّهُ مُطيعٌ للهِ ، ومحبوبٌ عندَ اللهِ ؛ فإنْ عصاهُ .. فلا بدَّ أنْ تبغضَهُ ؛
لأنَّهُ عاصٍ للهِ ، وممقوتٌ عندَ اللهِ ، ومَنْ أحبَّ بسببٍ .. فبالضرورةِ يبغضُ
الضدِّهِ ، وهذانِ متلازمانٍ ، لا ينفصلُ أحدُهُما عنِ الآخرِ ، وهوَ مطردٌ في
الحبِّ والبغضِ في العاداتِ ، ولكنْ كلُّ واحدٍ مِنَ الحبِّ والبغضِ داءٌ دفينٌ
في القلبِ ، وإنَّما يترشَّحُ عندَ الغلبةِ، ويترشَّحُ بظهورِ أفعالِ المحبِّيْنَ
والمبغضينَ في المقاربةِ والمباعدةِ ، وفي المخالفةِ والموافقةِ ، فإذا ظهرَ في
الفعلِ .. سمِّيَ موالاةٌ ومعاداةً، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ((هلْ واليتَ فيَّ
وليّاً ، وهلْ عاديتَ فيَّ عدوًّاً)) كما نقلناهُ .
وهذا واضحٌ في حقِّ مَنْ لمْ يُظهرُ لكَ إلا طاعتَهُ ؛ إذْ تقدرُ على أنْ
تحبُّ ، أوْ لمْ يُظهرْ لكَ إلا فسقَهُ وفجورَهُ وأخلاقَهُ السيئةَ ، فتقدرُ على أنْ
تبغضَهُ، وإنَّما المشكلُ إذا اختلطتِ الطاعاتُ بالمعاصي ، فإنَّكَ تقولُ :
كيفَ أجمعُ بينَ البغضِ والمحبّة وهما متناقضانِ ؟ وكذلكَ تتناقضُ ثمرتُهُما
مِنَ الموافقةِ والمخالفةِ ، والموالاةِ والمعاداةِ ؟
فأقولُ : ذلكَ غيرُ متناقضٍ في حقِّ اللهِ تعالى ؛ كما لا يتناقضُ في
الحظوظِ البشريّةِ ؛ فإنَّهُ مهما اجتمعَ في شخصٍ واحدٍ خصالٌ يُحبُّ بعضُها
٤٣
13

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
55
ويُكرةُ بعضُها .. فإنَّكَ تحبُّهُ مِنْ وجهٍ وتبغضُهُ مِنْ وجهٍ ، فمَنْ لهُ زوجةٌ حسناءُ
فاجرةٌ ، أوْ ولدٌ ذكيٌّ خدومٌ ولكنَّهُ فاسقٌ .. فإنَّهُ يحبُّهُما مِنْ وجهٍ ويبغضُهُما
مِنْ وجهٍ ، ويكونُ معَهُما على حالةٍ بينَ حالتينٍ ، إذْ لَوْ فُرِضَ لهُ ثلاثةُ
أولادٍ : أحدُهُمْ ذكيٌّ بارزٌّ، والآخرُ بليدٌ عاقٌّ، والآخرُ بليدٌ بارزٌّ أوْ ذكيٌّ
عاقٌ .. فإنَّهُ يصادفُ نفسَهُ معَهُمْ على ثلاثةِ أحوالٍ متفاوتةٍ بحسَبِ تفاوتٍ
خصالِهِمْ ؛ فكذلكَ ينبغي أنْ تكونَ حالُكَ بالإضافةِ إلى مَنْ غلبَ عليهِ
الفجورُ، ومَنْ غلبَتْ عليهِ الطاعةُ، ومَنِ اجتمعَ فيهِ كلاهما .. متفاوتةً على
ثلاثٍ مراتبَ ، وذلكَ بأنْ تعطيَ كلَّ صفةٍ حظّها مِنَ البغضِ والحبِّ ،
والإعراضِ والإقبالِ ، والصحبةِ والقطيعةِ ، وسائرِ الأفعالِ الصادرةِ منهُمْ .
فإنْ قلتَ : فكلُّ مسلم فإسلامُهُ طاعةٌ منهُ، فكيفَ أبغضُهُ معَ الإسلام ؟
فأقولُ: تحبُّهُ الإسلامِهِ، وتبغضُهُ لمعصيتِهِ ، وتكونُ معَهُ على حالةٍ لوْ
قستَها بحالٍ كافٍ أوْ فاجرٍ .. أدركتَ تفرقةً بينَهُما ، وتلكَ التفرقةُ حبُّ
للإسلام وقضاءٌ لحقِّهِ .
وقدْرُ الجنايةِ على حقِّ اللهِ تعالى والطاعةِ لهُ .. كالجنايةِ على حقِّكَ
والطاعةِ لكَ، فمَنْ وافَقَكَ على غرضٍ وخالفَكَ في آخرَ .. فكُنْ معَهُ على
حالةٍ متوسطةٍ بينَ الانقباضِ والاسترسالِ ، وبينَ الإقبالِ والإعراضِ ، وبينَ
التودُّدِ إليهِ والتوخُّشِ مِنْهُ ، فلا تبالغُ في إكرامِهِ مبالغتَكَ في إكرامٍ مَنْ يوافقُكَ
٤٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
على جميع أغراضِكَ ، ولا تبالغُ في إهانِهِ مبالغتَكَ في إهانةِ مَنْ خالفَكَ في
جميع أغراضِكِ ، ثمَّ ذلكَ التوسُّطُ تارةٌ يكونُ ميلُهُ إلى طرفِ الإهانةِ عندَ غلبةٍ
الجنايةِ ، وتارةً إلى طرفِ المجاملةِ والإكرام عندَ غلبةِ الموافقةِ .
فهكذا ينبغي أنْ يكونَ فيمَنْ يطيعُ اللهَ تعالى ويعصيهِ ، ويتعرَّضُ لرضاهُ
مرَّةً ولسخطِهِ أخرى .
فإِنْ قلتَ : فبماذا يمكنُ إظهارُ البغضِ ؟
فأقولُ : أمَّا في القولِ .. فبكفِّ اللسانِ عنْ مكالمتِهِ ومحادثتِهِ مرَّةً ،
وبالاستخفافِ والتغليظِ في القولِ أخرى ، وأمَّا في الفعلِ .. فبقطع السعي
في إعانتِهِ مرَّةٌ ، وبالسعي في إساءتِهِ وإفسادِ مآربِهِ أخرى ، وبعضُ هذا أشدُّ
مِنْ بعضٍ ، وهوَ بحسَبِ درجاتِ الفسقِ والمعصيةِ الصادرةِ منهُ .
أمَّا ما يجري مَجرى الهفوةِ التي يعلمُ أنَّهُ متندٌمٌ عليها ، ولا يصرُّ عليها ..
فالأولىُ فيهِ الستْرُ والإغماضُ .
وأمَّا ما أصرَّ عليهِ مِنْ صغيرةٍ أوْ كبيرةٍ ؛ فإنْ كانَ ممَّنْ تأكَّدَتْ بِينَكَ وبينَهُ
مودَّةٌ وصحبةٌ وأخوّةٌ . . فلهُ حكمٌ آخرُ ، وسيأتي ، وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ .
وأمَّا إذا لمْ تتأكَّدْ أخوَّةٌ وصحبةٌ .. فلا بدَّ مِنْ إظهارِ أثرِ البغضٍ؛ إمَّا في
الإعراضِ والتباعدِ عنهُ، وقلَّةِ الالتفاتِ إليهِ ، وإمَّا في الاستخفافِ وتغليظٍ
القولِ عليهِ ، وهذا أشدُّ مِنَ الإعراضِ ، وهوَ بحسبِ غلظِ المعصيةِ وخفَّتِها .
G
٤٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وكذلكَ في الفعلِ أيضاً رتبتانِ :
إحداهما : قطعُ المعونةِ والرفْقِ والنصرةِ عنهُ ، وهوَ أقلُّ الدرجاتِ .
والأخرى : السعيُ في إفسادِ أغراضِهِ عليهِ ؛ كفعلِ الأعداءِ المبغضينَ ،
وهذا لا بدَّ منهُ ، ولكنْ فيما يفسدُ عليهِ طريقَ المعصيةِ ، وذلكَ فيما يؤثِّرُ فيهِ .
أمَّا ما لا يؤثِّرُ فيهِ .. فلا، ومثالُهُ : رجلٌ عصى اللهَ بشرْبِ الخمرِ ، وقدْ
خطبَ امرأةً لوْ تيسَّرَ لهُ نكاحُها .. لكانَ مغبوطاً فيها بالمالِ والجمالِ
والجاهِ ، إلا أنَّ ذلكَ لا يؤثِّرُ في منعِهِ مِنْ شربِ الخمرِ ، ولا في بعثٍ
وتحريضٍ عليهِ ، فإذا قدرتَ على إعانتِهِ ليتمَّ لهُ غرضُهُ ومقصودُهُ ، وقدرتَ
على تشويشِهِ ليفوتَهُ غرضُهُ .. فليسَ لكَ السعيُّ في تشويشهِ ، أمَّا الإعانةُ فلو
تركتَها إظهاراً للغضبِ عليهِ في فسقِهِ .. فلا بأسَ ، وليسَ يجبُ تركُها ؛ إذْ
ربَّما يكونُ لكَ نِيَّةٌ في أنْ تتلطّفَ بإعانتِهِ وإظهارِ الشفقةِ عليهِ ليعتقدَ مودَّتَكَ
ويقبلَ نصحَكَ ، فهذا حسنٌ .
وإنْ لمْ تنتظرُ ذلكَ منهُ ولكنْ رأيتَ أنْ تعينَهُ على غرضِهِ قضاءً لحقٌ
إسلامِهِ .. فذلكَ ليسَ بممنوع ، بلْ هوَ الأحسنُ إنْ كانَتْ معصيتُهُ بالجنایةِ علی
حقِّكَ أَوْ حقِّ مَنْ يتعلَّقُ بكَ، وفيهِ نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ
وَالسَّعَةِ﴾ إلى قولهِ تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(١) إذْ تكلَّمَ مِسْطَحُ بنُ
محل
جن
ئن.
عٹ۔۔
(١) والآية بتمامها: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلَيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
٤٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
أُثاثَةَ في واقعةِ الإفكِ ، فحلفَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنْ يقطعَ عنهُ رفقَهُ ،
وقَدْ كانَ يواسيهِ بالمالِ، فنزلَتِ الآيةُ، معَ عظمٍ معصيةِ مسطحِ (١).
وأيّةُ معصيةٍ تزيدُ على التعرُّضِ لحرم رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وإطالةِ اللسانِ في مثلِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ؟! إلا أنَّ الصدِيقَ رضيَ اللهُ عنهُ
كانَ كالمجنيِّ عليهِ في نفسِهِ بتلكَ الواقعةِ ، والعفوُ عمَّنْ ظلمَ والإحسانُ إلى
مَنْ أساءَ مِنْ أخلاقِ الصدِّيقينَ ، وإنَّما يحسنُ الإحسانُ إلى مَنْ ظلمَكَ .
فأمَّا مَنْ ظلمَ غيرَكَ ، وعصى اللهَ بهِ .. فلا يحسنُ الإحسانُ إليهِ ؛ لأنَّ في
الإحسانِ إلى الظالمِ إساءةً إلى المظلوم ، وحقُّ المظلوم أولى بالمراعاةِ ،
وتقويةُ قلبهِ بالإعراضِ عنِ الظالمِ أحبُّ إلى اللهِ مِنْ تقويةِ قلبِ الظالمِ .
فأمَّا إذا كنتَ أنتَ المظلومَ .. فالأحسنُ في حقِّكَ العفو والصفحُ .
وطرقُ السلفِ الصالحِ رضيَ اللهُ عنهُم قدِ اختلَفتْ في إظهارِ البغْضِ للهِ
معَ أهلِ المعاصي ، وكلُّهُمُ اتفقوا على إظهارِ البغْضِ للظلمةِ والمبتدعةِ ،
وكلِّ مَنْ عصى اللهَ بمعصيةٍ متعدِّيةٍ منهُ إلى غيرِهِ .
فأمَّا مَنْ عصى اللهَ في نفسِهِ .. فمنهُمْ مَنْ نظرَ بعينِ الرحمةِ إلى العصاةِ
كلِّهِمْ، ومنهُمْ مَنْ شدَّدَ الإنكارَ واختارَ المهاجرةَ .
فقدْ كانَ أحمدُ ابنُ حنبلِ رحمَهُ اللهُ يهجرُ الأكابرَ في أدنى كلمةٍ ، حتَّى
(١) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم ( ٢٧٧٠).
٤٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
هجرَ يحيى بنَ معينٍ في قولِهِ : ( إني لا أسألُ أحداً شيئاً ، ولوْ حملَ
السلطانُ إليَّ شيئاً .. لأخذتُهُ)(١).
وهجرَ الحارثَ المحاسبيَّ في تصنيفِهِ في الردِّ على المعتزلةِ ، وقالَ :
( إنَّكَ لا بدَّ توردُ أوَّلاً شبهتَهُمْ، وتحملُ الناسَ على التفكّرِ فيها ، ثمَّ تردُّ
عليهِمْ)(٢).
وهجرَ أبا ثورٍ في تأويلِهِ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ
على صورتِهِ))(٣) .
وهذا أمرٌ يختلفُ باختلافِ النيّةِ، وتختلفُ النِيَّةُ باختلافِ الحالِ ، فإنْ
كانَ الغالبُ على القلبِ النظرَ إلى اضطرارِ الخلقِ وعجزِهِمْ، وأنَّهُمْ
مسخَّرونَ لما قُدِّروا لهُ .. أورثَ هذا تساهلاً في المعاداةِ والبغْضِ ، ولَهُ
وجهُ، ولكنْ قدْ تلتبسُ بهِ المداهنةُ(٤) ، فأكثرُ البواعثِ على الإغضاءِ عنِ
المعاصي المداهنةُ ومراعاةُ القلوبِ ، والخوفُ مِنْ وحشتِها ونفارِها ، وقدْ
يلبُّ الشيطانُ ذلكَ على الغبيِّ الأحمقِ ، بأنَّهُ ينظرُ بعينِ الرحمةِ .
(١) قوت القلوب (٢٨٩/٢) .
قوت القلوب (١٦٨/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٩/٢).
(٢)
(٣) هجر أحمد لأبي ثور لذلك حكاه أبو طالب في ((القوت)) (١٦٨/١) مع ذكر القولين
السابقين كذلك ، والحديث المرفوع رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم ( ٢٦١٢) .
ـكن
(٤) وهي هنا : ترك دفع منكر هو قادر عليه لقلَّة مبالاة بالدين ، أو حفظاً لجانب مرتكبه .
(«إتحاف)) (٦/ ١٩٤ ) .
٤٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ومحكُ ذلكَ : أنْ ينظرَ إليهِ بعينِ الرحمةِ إنْ جنى على خاصٍّ حقِّهِ ،
ويقولُ : إِنَّهُ قد سُخِّرَ لهُ ، والقدرُ لا ينفعُ منهُ الحذرُ ، وكيفَ لا يفعلُهُ وقدْ
كُتِبَ عليهِ ؟! فمثلُ هذا قدْ تصحُّ لهُ نيَّةٌ في الإغماضِ عنِ الجنايةِ على
حقِّ اللهِ تعالى .
فإنْ كانَ يغتاظُ عندَ الجنايةِ على حقِّهِ ، ويترخَّمُ عندَ الجنايةِ علىُ حقِّ اللهِ
تعالى .. فهذا مداهنٌ مغرورٌ بمكيدةٍ مِنْ مكايدِ الشيطانِ، فليُتَنَّهْ لهُ .
فإنْ قلتَ : فأقلُّ الدرجاتِ في إظهارِ البغضِ الهجرُ والإعراضُ ، وقطعُ
الرفقِ والإعانةِ ، فهلْ يجبُ ذلكَ حتَّى يعصي العبدُ بتركِهِ ؟
فأقولُ : لا يدخلُ ذلكَ في ظاهرِ العلمِ تحتَ التكليفِ والإيجابِ ، فإنَّا
نعلمُ أنَّ الذينَ شربوا الخمرَ وتعاطَوا الفواحشَ في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ والصحابةِ .. ما كانوا يهجرونَ بالكلِّيَّةِ ، بلْ كانوا منقسمينَ فيهِمْ
إلى مَنْ يغلظُ القولَ فيهِ ويظهرُ البغضَ لهُ ، وإلى منْ يعرضُ عنهُ ولا يتعرَّضُ
لهُ، وإلىْ مَنْ ينظرُ إليهِ بعينِ الرحمةِ ولا يؤثرُ المقاطعةَ والتباعدَ .
فهذهِ دقائقُ دينيَّةٌ تختلفُ فيها طرقُ السالكينَ لطريقِ الآخرةِ ، ويكونُ
عملُ كلِّ واحدٍ على ما يقتضيهِ حالُّهُ ووقتُهُ ، ومقتضى الأحوالِ في هذهِ
الأمور إمَّا مكروهةٌ أوْ مندوبةٌ ، فتكونُ في رتبةِ الفضائلِ ، ولا تنتهي إلى
٤٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
التحريمِ والإيجابِ ؛ فإنَّ الداخلَ تحتَ التكليفِ أصلُ المعرفةِ اللهِ تعالى
وأصلُ الحبِّ ، وذلكَ قدْ لا يتعدَّى مِنَ المحبوبِ إلى غيرِهِ ، وإنَّما المتعدِّي
إفراطُ الحبِّ واستيلاؤُهُ ، وذلكَ لا يدخلُ في الفتوى وتحتَ ظاهرِ التكليفِ
في حقِّ عوامِّ الخلقِ أصلاً .

ربع العادات
ـويه
كتاب آداب الصحبة
بان مراتب الذين يقضون في الله وكيفية معاشهم
فإنْ قلتَ : إظهارُ البغضِ والعداوةِ بالفعلِ إنْ لمْ يكنْ واجباً .. فلا شكَّ
أنَّهُ مندوبٌ إليهِ، والعصاةُ والفسَّاقُ على مراتبَ مختلفةٍ، فكيفَ ينالُ الفضلَ
عندَ معاملتِهِمْ ؟ وهلْ يسلكُ بجميعِهِمْ مسلكاً واحداً أمْ لا ؟
فاعلمْ : أنَّ المخالفَ لأمرِ اللهِ سبحانَهُ لا يخلو : إمَّا أنْ يكونَ مخالفاً في
عقدِهِ، أوْ في عملِهِ ، والمخالفُ في العقدِ: إِمَّا مبتدعٌ ، أوْ كافرٌ ، والمبتدعُ:
إِمَّا داع إلى بدعتِهِ ، أوْ ساكتٌ ، والساكتُ : إما بعجزِهِ ، أوْ باختيارِهِ .
شن
فأقسامُ الفسادِ في الاعتقادِ ثلاثةٌ :
الأوَّلُ : الكفرُ :
والكافرُ إنْ كانَ محارباً .. فهوَ يستحقُّ القتلَ والإرقاقَ، وليسَ بعدَ
هذينٍ إهانةٌ .
وأمَّا الذمِّيُّ : فإنَّهُ لا يجوزُ إيذاؤُهُ إلا بالإعراضِ عنهُ والتحقيرِ لهُ ؛
بالاضطرارِ إلى أضيقِ الطرقِ(١)، وتركِ المفاتحةِ بالسلام(٢)، فإذا قالَ:
(١) إن كان ماشياً في طريق فيه زحمة بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه نحو جدار ؛ فإن
إيذاءهم بلا سبب لا يجوز ، وإنما المراد : ولا تتركوا لهم صدر الطريق إكراماً لهم ،
وفيه تنبيه على ضيق مسلك الكفر ، وأنه يلجىء إلى النار ، وهذه سنة قد أميتت من
زمان، فمن أحياها .. فله الأجر. ((إتحاف)) (٦ /١٩٥).
(٢) وكذلك ما يقوم مقام السلام من التحايا؛ كأن يقول: صبَّحك الله بالخير، أو أسعد الله =
٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
( السلامُ عليكَ) .. قلتَ: (وعليكَ)، والأولى الكفُّ عن مخالطتِهِ
ومعاملتِهِ ومواكلتِهِ ، فأمَّا الانبساطُ معَهُ والاسترسالُ إليهِ كما يسترسلُ إلى
الأصدقاءِ .. فهوَ مكروهٌ كراهةً شديدةً يكادُ ينتهي ما يقوى منهُ إلى حدٍّ
التحريمِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ يُوَآدُونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَ هُمْ ... ) الآيةَ.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المسلمُ والمشركُ لا تتراءَىُ ناراهُما)(١).
وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... ﴾ الآيةَ.
الثاني : المبتدعُ الذي يدعو إلى بدعتِهِ :
فإنْ كانتِ البدعةُ بحيثُ يكفرُ بها .. فأمرُهُ أشدُّ مِنَ الذميِّ؛ لأنَّهُ لا يقرّ
بجزيةٍ ولا يسامحُ بعقْدِ ذمَّةٍ .
وإنْ كانتْ ممّا لا يكفرُ بها .. فأمرُهُ بينَهُ وبينَ اللهِ أخفتُّ مِنْ أمرِ الكافرِ
لا محالةَ، ولكنَّ الأمرَ في الإنكارِ عليهِ أشدُّ منهُ على الكافرِ ؛ لأنَّ شرَّ الكافرِ
غيرُ متعدٍّ؛ فإنَّ المسلمينَ اعتقدوا كفرَهُ، فلا يلتفتونَ إلى قولِهِ ؛ إذْ لا يدَّعي
لنفسِهِ الإِسلامَ واعتقادَ الحقِّ ، أمَّا المبتدعُ الذي يدعو إلى البدعةِ ، ويزعمُ
= صباحك، أو مثل ذلك مما جرت به العادات الآن. («إتحاف)) (١٩٥/٦).
(١) رواه أبو داوود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) مرفوعاً من حديث جرير بن عبد الله
رضي الله عنهما، والنسائي (٣٦/٨) وهو عنده مرسل من حديث قيس بن أبي حازم ،
ومطلع الحديث عندهم: (( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين )).
مكن
حن
٥٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
أنَّ ما يدعو إليهِ حقٌّ .. فهوَ سببٌ لغوايةِ الخلقِ، فشرُّهُ متعدٍّ، فالاستحبابُ
في إظهارِ بغضِهِ ومعاداتِهِ ، والانقطاع عنهُ وتحقيرِهِ ، والتشنيع عليهِ ببدعتِهِ ،
وتنفيرِ الناسِ عنهُ .. أشدُّ.
وإنْ سلَّمَ في خلوةٍ . . فلا بأسَ بردِّ جوابِهِ ، وإنْ علمَ أنَّ الإعراضَ عنهُ
والسكوتَ عنْ جوابِهِ يقبِّحُ في نفسِهِ بدعتَهُ ويؤثِّرُ في زجرِهِ .. فتركُ الجوابِ
أولى ؛ لأنَّ جواب السلام وإنْ كانَ واجباً فيسقطُ بأدنى غرضٍ فيهِ مصلحةٌ ،
حتَّى يسقطُ بكونِ الإنسانِ في الحمَّامِ ، أَوْ في قضاءِ حاجتِهِ ، وغرضُ الزجرِ
أهمُّ مِنْ هذهِ الأغراض ، وإنْ كانَ في ملأٍ .. فتركُ الجوابِ أولى؛ تنفيراً
للناسِ عنهُ ، وتقبيحاً لبدعتِهِ في أعينِهِمْ .
وكذلكَ الأولى كفُّ الإحسانِ والإعانةِ عنهُ ، لا سيما فيما يظهرُ للخلْقِ ، قالَ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( مَنِ انتهرَ صاحبَ بدْعَةٍ .. ملأَ اللهُ قلبَهُ أمْناً وإيماناً ،
ومَنْ أهانَ صاحبَ بدعةٍ .. أمَّنَهُ اللهُ يومَ الفزع الأكبرِ، ومَنْ ألانَ لهُ وأكرمَهُ أَوْ لقيَهُ
ببشرٍ .. فقدِ استخفَّ بما أنزلَ اللهُ على محمدٍ )) صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) .
الثالثُ : المبتدعُ العاميُّ الذي لا يقدرُ على الدعوةِ ، ولا يُخافُّ الاقتداءُ بهِ :
فأمرُهُ أهونُ ، والأولى ألا يُفاتحَ بالتغليظِ والإهانةِ ، بلْ يُتلطَّفُ بهِ في
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٩/٨)، والهروي في ((ذم الكلام)) (٩٤٩) من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
٥٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
النصح ؛ فإنَّ قلوبَ العوامِّ سريعةُ التقلُّبِ فإِنْ لمْ ينفع النصحُ ، وكانَ في
الإعراضِ عنهُ تقبيحٌ لبدعتِهِ في عينِهِ .. تأكَّدَ الاستحبابُ في الإعراضِ ، وإنْ
عُلمَ أنَّ ذلكَ لا يؤثِّرُ فيهِ ؛ لجمودِ طبعِهِ ، ورسوخ عقدِهِ في قلبِهِ ..
فالإعراضُ أولى ؛ لأنَّ البدعةَ إذا لمْ يُبالغْ في تقبيحِها .. شاعَتْ بينَ الخلقِ
وعمَّ فسادُها .
وأمَّا العاصي بفعلِهِ وعملِهِ لا باعتقادِهِ : فلا يخلو : إمَّا أنْ يكونَ بحيثُ
يتأذَّى بهِ غيرُهُ ؛ كالظلم ، والغصْبِ ، وشهادةِ الزورِ ، والغيبةِ ، والتضريبِ
بينَ الناسِ ، والمشي بالنميمةِ ، وأمثالِها ممَّا لا يقتصرُ عليهِ ويؤذي غيرَهُ ،
وذلكَ ينقسمُ إلى ما يدعو غيرَهُ إلى الفسادِ ؛ كصاحبِ الماخورِ (١) الذي
يجمعُ بينَ الرجالِ والنساءِ ، ويهِّئُ أسبابَ الشربِ والفسادِ لأهلِ الفسادِ ،
أوْ لا يدعو غيرَهُ إلى فعلِهِ ؛ كالذي يشربُ أوْ يزني ، وهذا الذي لا يدعو
غيرَهُ إِمَّا أنْ يكونَ عصيانُهُ بكبيرةٍ أوْ بصغيرةٍ ، وكلُّ واحدٍ فإمَّا أنْ يكونَ مصرّاً
عليهِ أوْ غيرَ مصرٍّ .
Ci
فهذهِ التقسيماتُ يتحصَّلُ منها ثلاثةُ أقسام ، ولكلِّ قسم منها رتبةٌ ،
وبعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ ، فلا نسلكُ بالكلِّ مسلكاً واحداً .
(١) الماخور : لفظة فارسية ، وهو حان الخمر وبيت الدعارة، أو هو مجلس الفسق
والريبة .
ـدة
٥٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
القسمُ الأوَّلُ - وهو أشدُّها - : ما يتضرَّرُ بهِ الناسُ ؛ كالظلم والغصْبِ وشهادةٍ
الزورِ والغيبةِ والنميمةِ :
فهؤلاءِ الأولى الإعراضُ عنهُمْ ، وتركُ مخالطتِهِمْ، والانقباضُ عنْ
معاملتِهِمْ ؛ لأنَّ المعصيةَ شديدةٌ فيما يرجعُ إلى إيذاءِ الخلْقِ ، ثمَّ هؤلاءِ
ينقسمونَ إلى مَنْ يظلمُ في الدماءِ ، وإلى مَنْ يظلمُ في الأموالِ ، وإلىُ مَنْ
يظلمُ في الأعراضِ ، وبعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ ، فالاستحبابُ في إهانتِهِمْ
والإِعراضِ عنهُمْ مؤكّدٌ جداً، ومهما كانَ يُتوقَّعُ مِنَ الإهانةِ زجرٌ لَهُمْ أوْ
لغيرِهِمْ .. كانَ الأمرُ فيهِ آكدَ وأشدَّ .
عبـ
الثاني : صاحبُ الماخورِ الذي يهِّىُ أسبابَ الفسادِ ، ويسهِّلُ طرقَهُ على
الخلق :
فهذا لا يؤذي الخلْقَ في دنياهُمْ ، ولكنْ يجتاحُ بفعلِهِ دينَهُمْ ، وإنْ كانَ
علىُ وَفْقِ رضاهُمْ .. فهوَ قريبٌ مِنَ الأوَّلِ ولكنَّهُ أخفتُّ منهُ ؛ فإنَّ المعصيةَ بينَ
العبدِ وبينَ اللهِ تعالى إلى العفوِ أقربُ، لكنَّهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ متعدٍّ على الجملةِ
إلى غيرِهِ فهوَ شديدٌ، وهذا أيضاً يقتضي الإهانةَ والإعراضَ والمقاطعةَ،
وتركَ جوابِ السلام إذا ظنَّ أنَّ فيهِ نوعاً مِنَ الزجرِ لهُ أوْ لغيرِهِ .
٥٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
الثالثُ : الذي يفسقُ في نفسِهِ بشرْبٍ خمرٍ ، أَوْ ترْكِ واجبٍ ، أوْ مقارفةٍ
محظورٍ يخصُّهُ :
ے
فالأمرُ فيهِ أخفُّ ، ولكنَّهُ في وقتِ مباشرتِهِ إِنْ صُودفَ .. يجبُ منعُهُ بما
يمتنعُ بهِ منهُ ، ولوْ بالضربِ والاستخفافِ ، فإنَّ النهيَ عنِ المنكرِ واجبٌ ،
وإذا فرغَ منهُ ، وعلمَ أنَّ ذلكَ مِنْ عادتِهِ ، وهوَ مصرٌ عليهِ ؛ فإنْ تحقَّقَ أنَّ
نصحَهُ يمنعُهُ مِنَ العَوْدِ إليهِ .. وجبَ النصحُ، وإنْ لمْ يتحقَّقْ ولكنَّهُ كانَ
يرجوهُ .. فالأفضلُ النصحُ والزجرُ بالتلطُّفِ، أَوْ بالتغليظِ إنْ كانَ هوَ
الأنفعَ .
فأمَّا الإعراضُ عنْ جوابٍ سلامِهِ ، والكفُّ عنْ مخالطتِهِ حيثُ يعلمُ أنَّهُ
يصرُ وأنَّ النصحَ ليسَ ينفعُهُ . . فهذا فيهِ نظرٌ ، وسيرُ العلماءِ فيهِ مختلفةٌ .
والصحيحُ : أنَّ ذلكَ يختلف باختلافِ نِيَّةِ الرجلِ ، فعندَ هذا يُقالُ :
الأعمالُ بالنيّاتِ ؛ إذْ في الرِّفْقِ والنظرِ بعينِ الرحمةِ إلى الخلقِ نوعٌ مِنَ
التواضع ، وفي العنْفِ والإعراضِ نوعٌ مِنَ الزجرِ ، والمستفتَىُ فيهِ القلبُ ،
فما يراهُ أميلَ إلى هواهُ ومقتضى طبعِهِ .. فالأولىُ ضدُّهُ ؛ إذْ قدْ يكونُ
استخفافُهُ وعنفُهُ عنْ كبرٍ وعجْبٍ ، والتذاذِ بإظهارِ العلوِّ والإدلالِ بالصلاحِ ،
وقدْ يكونُ رفقُهُ عنْ مداهنةٍ واستمالةِ قلبٍ للوصولِ بهِ إلى غرضٍ ، أَوْ لخوفٍ
مِنْ تأثيرِ وحشةٍ ونفرةٍ في جاهٍ أوْ مالٍ ، بظنٍّ قريبٍ أوْ بعيدٍ ، وكلُّ ذلكَ تردُّدٌ
على إشاراتِ الشيطانِ ، وبعيدٌ عنْ أعمالِ أهلِ الآخرةِ .
ـحن
ـتر
ـجن
مدن
حن
٥٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
فكلُّ راغبٍ في أعمالِ الدينِ مجتهدٌ معَ نفسِهِ في التفتيشِ عنْ هذهِ
الدقائقِ ، ومراقبةِ هذهِ الأحوالِ ، والقلبُ هوَ المفتي فيهِ ، وقدْ يصيبُ
الحقَّ في اجتهادِهِ وقدْ يُخطىءُ ، وقدْ يقدمُ على اتباعِ هواهُ وهوَ عالمٌ بهِ ، وقدْ
يقدمُ وهوَ بحكمِ الغرورِ ظانٌّ أنَّهُ عاملٌ للهِ ، وسالكٌ طريقَ الآخرةِ ، وسيأتي
بيانُ هذهِ الدقائقِ في كتابِ الغرورِ مِنْ ربع المهلكاتِ .
ويدلُّ على تخفيفِ الأمرِ في الفسقِ القاصرِ الذي هوَ بينَ العبدِ وبينَ اللهِ
تعالى ما رُوِيَ أنَّ شاربَ خمرٍ ضُرِبَ مرَّاتٍ بينَ يدي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وهوَ يعودُ ، فقالَ واحدٌ مِن الصحابةِ : لعنَهُ اللهُ، ما أكثرَ ما يشربُ !
فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تكنْ عوناً للشيطانِ على أخيكَ))(١) أوْ
لفظاً هذا معناهُ، وكانَ هذا إشارةً إلى أنَّ الرفْقَ أولى مِن العنْفِ والتغليظِ .
(١) رواه البخاري (٦٧٨١) ولفظه: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)).
٥٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته
اعلمْ : أنَّهُ لا يصلحُ للصحبةِ كلُّ إنسانٍ ، قَالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((المرءُ على دينٍ خليلِهِ، فلينظرُ أحدُكُمْ مَنْ يخالِلُ))(١)، فلا بدَّ أنْ
يتميَّزَ بخصالٍ وصفاتٍ يُرغبُ بسببها في صحبتِهِ ، وتُشترطُ تلكَ الخصالُ
بحسَبِ الفوائدِ المطلوبةِ مِنَ الصحبةِ ؛ إذْ معنى الشرطِ : ما لا بدَّ منهُ
للوصولِ إلى المقصودِ ، فبالإضافةِ إلى المقصودِ تظهرُ الشروطُ .
ويُطلبُ مِنَ الصحبةِ فوائدُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ :
أمَّا الدنيويةُ: فكالانتفاع بالمالِ أوِ الجاهِ ، أَوْ مجرَّدِ الاستئناس
بالمشاهدةِ والمجاورةِ ، وليسَ ذلكَ مِنْ غرضِنا .
وأمَّا الدينيّةُ : فيجتمعُ فيها أيضاً أغراضٌ مختلفةٌ ؛ إذْ منها الاستفادةُ مِنَ
العلمِ والعملِ ، ومنها الاستفادةُ مِنَ الجاهِ تحصُّناً بهِ عنْ إيذاءِ مَنْ يشوشُ
القلبَ ويصدُّ عنِ العبادةِ ، ومنها استفادةُ المالِ للاكتفاءِ بهِ عنْ تضييع
الأوقاتِ في طلبِ القوتِ ، ومنها الاستعانةُ في المهمَّاتِ ليكونَ عدَّةً في
المصائبِ وقوَّةً في الأحوالِ ، ومنها التبرُّكُ بمجرَّدِ الدعاءِ ، ومنها انتظارُ
الشفاعةِ في الآخرةِ ؛ فقدْ قالَ بعضُ السلفِ : ( استكثروا مِنَ الإِخوانِ ؛ فإنَّ
(١) رواه أبو داوود (٤٨٣٣)، والترمذي ( ٢٢٧٨).
٥٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
لكلِّ مؤمنٍ شفاعةً، فلعلَّكَ تدخلُ في شفاعةِ أخيكَ )(١) .
ورُوِيَ في غريبِ التفسيرِ في قولهِ تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنْ فَضْلِهِ ﴾ قَالَ: يشفُّعُهُمْ في إخوانِهِمْ، فيدخلُهُمُ الجنَّةَ
ره . (٢)
٠
معهم
ويُقالُ: إذا غُفِرَ للعبدِ .. شُفِّعَ في إخوانِهِ (٣) ، ولذلكَ حثَّ جماعةٌ مِنَ
السلفِ على الصحبةِ والأُلفةِ والمخالطةِ ، وكرهوا العزلةَ والانفرادَ .
0
فهذهِ فوائدُ ، تستدعي كلُّ فائدةٍ شروطاً لا تحصلُ إلا بها ، ولا يخفى
تفصيلُها .
أمَّا على الجملةِ :
فينبغي أنْ يكونَ فيمَنْ تُؤثرُ صحبتُهُ خمسُ خصالٍ : أنْ يكونَ عاقلاً ،
حسنَ الخلُقِ ، غيرَ فاسقٍ ، ولا مبتدعٍ ، ولا حريصٍ على الدنيا :
(١) كذا في ((قوت القلوب)) (٢١٤/٢)، ورواه ابن النجار في (( تاريخه)) مرفوعاً من
حديث أنس رضي الله عنه كما في « فيض القدير)) (٥٠٠/١).
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٨٤) عن الضحاك رحمه الله،
وروى الطبري في ((تفسيره)) ( ٣٧/٢٥/١٣) عن إبراهيم النخعي في تفسير هذه
الآية: ( يشفَّعون في إخوانهم، ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾، قال : يشفعون في إخوان
إخوانهم ) .
(٣) قوت القلوب (٢١٤/٢) .
٤٦٠٠٠
٥٩
To

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
أمَّا العقلُ: فهوَ رأسُ المالِ ، وهوَ الأصلُ ، فلا خيرَ في صحبةٍ
الأحمقِ ، فإلى الوحشةِ والقطيعةِ ترجعُ عاقبتُها وإنْ طالَتْ ، قالَ عليّ
رضيَ اللهُ عنهُ(١) :
[من الهزج]
وإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ
فَلا تَصْحَبْ أَخا الْجَهْلِ
حَلِيماً حِينَ آخاهُ
فَكَمْ مِنْ جَاهِلِ أَرْدَى
إِذا ماهُوَّ ماشاءُ
يُقاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ
مَقَابِسٌ وَأَشْبَاهُ
وَلِلشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ
دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ
وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ
كيفَ والأحمقُ قَدْ يضرُّكَ وهوَ يرِيدُ نفعَكَ وإعانتَكَ مِنْ حيثُ لا يدري ،
ولذلكَ قالَ الشاعرُ(٢):
[من الكامل]
وَأَخافُ خِلَةٌ يَعْتَرِيهِ جُنُونُ
إِنِّي لَآَمَنُ مِنْ عَدُوِّ عاقِلٍ
أَدْرِي فَأَرْصُدُ وَأَلْجُنُونُ فُنُونُ
فَأَلْعَقْلُ فَنّ واحِدٌ وَطَرِيقَهُ
ولذلكَ قيلَ : ( مقاطعةُ الأحمقِ قربانٌ إلى اللهِ ) .
وقالَ الثوريُّ: ( النظرُ إلى وجهِ الأحمقِ خطيئةٌ مكتوبةٌ)(٣).
(١) الأبيات مما يُنسب لسيدنا علي رضي الله عنه في ((ديوانه)) الموسوم بـ(( أنوار العقول
لوصي الرسول)) (ص٢٦٣)، وكذا تنسب لأبي العتاهية في (( ديوانه)) ( ٦٦٥،
٦٦٧ ) .
(٢) فاكهة الخلفاء ( ص ٤٤١ ).
(٣) قوت القلوب (٢٣٤/٢) .
٦٠