النص المفهرس
صفحات 521-540
ربع العادات ـدر كتاب الحلال والحرام على الناس ، ثمَّ جاءَهُ سائلٌ، فاستقرضَ لهُ مِنْ بعضٍ مَنْ أعطاهُ ، وأعطى السائل(١). حن خة ولمَّا قدمَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما على معاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : ألا أجيزُكَ بجائزةٍ لمْ أجزْها أحداً قبلَكَ مِنَ العربِ، ولا أجيزُها أحداً بعدَكَ مِنَ العربِ ؟ قالَ: فأعطاهُ أربعَ مئةِ ألفِ درهم ، فأخذَها(٢) . 3 وعنْ حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ قالَ : لقدْ رأيتُ جائزةَ المختارِ لابنِ عمرَ وابنٍ عباسٍ فقبلاها ، فقيلَ: ما هيَ ؟ قالَ: مالٌ وكسوةٌ (٣). وعنِ الزبيرِ بنِ عديٍّ أنَّهُ قالَ : قالَ سلمانُ : ( إذا كانَ لكَ صديقٌ عاملٌ أوْ تاجرٌ يقارفُ الربا، فدعاكَ إلى طعام أوْ نحوهِ، أَوْ أعطاكَ شيئاً .. فاقبلْ ، فإنَّ المهنأَ لكَ وعليهِ الوزرُ)(٤)، وإذا ثبتَ هذا في المُرْبي .. فالظالمُ في معناهُ . (١) روى نحوه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٣٨/٤). (٢) وروى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١١٣/١٤) قال: دخل الحسن والحسين على معاوية ، فأمر لهما في وقته بمئتي ألف درهم ، قال : خذاها وأنا ابن هند ، ما أعطاها أحد قبلي ولا يعطيها أحد بعدي ، وقد كان من جواب سيدنا الحسين رضي الله عنه على ذلك (١٩٣/٥٩) أن قال: والله ما أعطى أحد قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف )) ( ٢٠٧٠٣) بنحوه ، وسبقت الإشارة إليه قريباً . (٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ( ١٤٦٧٧). ٥٢١ ترح كتاب الحلال والحرام ربع العادات حن وعنْ جعفرٍ عنْ أبيهِ : أنَّ الحسنَ والحسينَ رضيَ اللهُ عنهُم كانا يقبلان جوائزَ معاويةً(١) . وقالَ حكيمُ بنُ جبيرٍ : مررْنا على سعيدِ بنِ جبيرٍ وقدْ جُعِلَ عشَّارون مِنْ أسفلِ الفراتِ ، فأرسلَ إلى العشَّارينَ : أطعمونا ممَّا عندَكُمْ ، فأرسلوا بطعام ، فأكلَ وأكلْنا معهُ (٢). وقالَ العلاءُ بنُ زهيرِ الأزديُّ : أتى إبراهيمَ أبي وهوَ عاملٌ على حُلوانَ ، فأجازَهُ، فقبلَ(٣). وقالَ إبراهيمُ : ( لا بأسَ بجائزةِ العمّالِ، إنَّ للعمَّالِ مؤنةً ورزْقاً ، ويدخلُ بيتَ مالِهِ الخبيثُ والطيِّبُ ، فما أعطاكَ فهوَ مِنْ طِيِّبٍ مالِهِ) (٤) . فقدْ أخذَ هؤلاءِ كلُّهُمْ جوائزَ السلاطينِ الظلمةِ ، وكلَّهُمْ طعنوا على مَنْ أطاعَهُمْ في معصيةِ اللهِ تعالى . وزعمَتْ هذهِ الفرقةُ أنَّ ما يُنقلُ مِنِ امتناع جماعةٍ مِنَ السلفِ مِنَ العطاءِ ـحز ٢٠ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٠٧٠٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٩٤/٥٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٣٦٨٤)، وسعيد رحمه الله بههذا حمل حالهم على أن لهم رزقاً وكفاية من بيت المال تحت خدمتهم ، فيحل لهم ، وما حل لهم حل لغيرهم. («إتحاف)) (٦ /١١٤). (٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٩٤/٨)، وإبراهيم هو النخعي . (٤) تقدم نحو هذا عن علي رضي الله عنه، وروى ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٩٤/٨) عن عون قال : كان إبراهيم يأتي السلطان فيسألهم الجوائز . ح جن حن جن جن حن حن ٥٢٢ ----- ربع العادات كتاب الحلال والحرام لا يدلُّ على التحريمِ ، بلْ على الورع ؛ كالخلفاءِ الراشدينَ وأبي ذرٍّ وغيرِهِمْ مِنَ الزهَّادِ ؛ فإنَّهُمُ امتنعوا مِنَ الحلالِ المطلقِ زهداً ، ومِنَ الحلالِ الذي يُخافُ إفضاؤُهُ إلى محذورِ ورعاً وتقوى ، فإقدامُ هؤلاءِ يدلُّ على الجوازِ ، وامتناعُ أولئكَ لا يدلُّ على التحريمِ . جن وما نقلَ عنْ سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّهُ تركَ عطاءَهُ في بيتِ المالِ حتَّى اجتمعَ بضعةٌ وثلاثونَ ألفاً(١) ، وما نُقُلَ عنِ الحسنِ مِنْ قولِهِ : ( لا أتوضَّأُ مِنْ ماءِ صيرفيٍّ وإنْ ضاقَ وقتُ الصلاةِ؛ لأني لا أدري أصلَ مالِهِ ) .. كلُّ ذلكَ ورعٌ لا يُنْكرُ، واتباعُهُمْ عليهِ أحسنُ مِن اتباعِهِمْ على الاتساع، ولكنْ لا يحرمُ اتباعُهُمْ على الاتساع أيضاً . فهذهِ هيَ شبهةُ مَنْ يجوِّزُ أخذَ مالِ السلطانِ الظالم . 3 والجوابُ : أَنَّ ما نُقُلَ مِنْ أخذِ هؤلاءِ محصورٌ قليلٌ بالإضافةِ إلى ما نقلَ مِنْ رَدِّهِمْ وإنكارِهِمْ ، فإنْ كانَ يتطرَّقُ إلى امتناعِهِمُ احتمالُ الورعِ .. فيتطرّقُ إلى أخذِ مَنْ أخذَ ثلاثةُ احتمالاتٍ متفاوتةٍ في الدرجةِ بتفاوتِهِمْ في الورعِ ؛ فإنَّ للورعِ في حقِّ السلاطينِ أربعَ درجاتٍ : الدرجةُ الأولىُ : ألا يأخذَ منْ مالِهِمْ شيئاً أصلاً ؛ كما فعلَهُ الورعونَ منهُمْ ، وكما كانَ يفعلُهُ الخلفاءُ الراشدونَ، حتَّى إِنَّ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٢٩/٧). ٥٢٣ كتاب الحلال والحرام ربع العادات حسَبَ جميعَ ما كانَ أخذَهُ مِنْ بيتِ المالِ ، فبلغَ ستةَ آلافِ درهمٍ ، فَغَرِمَها لبيتِ المالِ(١) . وحتى إنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يقسمُ مالَ بيتِ المالِ يوماً ، فدخلَتِ ابنةٌ لهُ وأخذَتْ درهماً مِنَ المالِ ، فنهضَ عمرُ في طلبها حتَّى سقطَتِ الملحفةُ عنْ أحدٍ منكبيهِ ، ودخلَتِ الصبيَّةُ إلى بيتِ أهلِها تبكي ، وجعلَتِ الدرهمَ في فيها ، فأدخلَ عمرُ إصبعَهُ فأخرجَهُ مِنْ فيها ، وطرحَهُ على الخراج ، وقالَ : ( أيُّها الناسُ ؛ ليسَ لعمرَ ولا لآلِ عمرَ إلا ما للمسلمينَ قريبِهِمْ وبعيدِهِمْ ) . وكسحَ أبو موسى الأشعريُّ بيتَ المالِ ، فوجدَ درهماً ، فمرَّ بُبُنَّيِّ لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، فأعطاهُ الدرهمَ فرآهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في يدِ الغلامِ ، فقالَ لهُ: مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ : أعطانيهِ أبو موسى ، فقالَ : يا أبا موسى ؛ ما كانَ في أهلِ المدينةِ بيتٌ أهونَ عليكَ مِنْ آلِ عمرَ ؟! أردتَ ألا يبقى مِنْ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحدٌ إلا طلبَنا بمظلمةٍ ؟! وردَّ الدرهمَ إلى بيتٍ المالِ(٢). ٢٠٠ هذا معَ أنَّ المالَ كانَ حلالاً، ولكنْ خافَ ألا يستحقَّ هوَ ذلكَ القَدْرَ ، فكانَ يستبرىُ لدينِهِ ، ويقتصرُ على الأقلِّ ؛ امتثالاً لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ ٢ ٢٠ (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ( ١٧٦/٣). (٢) عزاه المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٣٦٠٢٤) لابن النجار . ٥٢٤ ـرك بع. ربع العادات Fig. كتاب الحلال والحرام ـسيــ وسلَّمَ : ((دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ)) (١)، ولقولِهِ: ((فمَنْ تركَها .. فقد استبرأَ لعرضِهِ ودينِهِ))(٢) ، ولِمَا سمعَهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ التشديداتِ في الأموالِ السلطانيةِ ، حتَّى قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ بعثَ عبادةَ بنَ الصامتِ إلى الصدقةِ : (( اتقِ اللهَ يا أبا الوليدِ ؛ لا تجىءْ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تحملُهُ على رقبتِكَ لهُ رغاءٌ ، أَوْ بقرةٍ لها خوارٌ ، أَوْ شاةٍ لها تُؤَاجٌ)) ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ؛ أهكذا يكونُ؟ قالَ: (( نعمْ ، والذي نفسي بيدِهِ إلا مَنْ رحمَ اللهُ)) ، قالَ : فوالذي بعثَكَ بالحقِّ ؛ لا أعملُ على شيءٍ أبداً(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنِّي لا أخافُ عليكُمْ أنْ تشركوا بعدي ، ولكنْ أخافُ عليكُمْ أنْ تَنَافَسُوا)) (٤)، وإنَّما خافَ التنافُسَ في المالِ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في حديثٍ طويلٍ يذكرُ فيهِ مَالَ بيتِ المالِ : (١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٥٢٠١). (٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم ( ١٥٩٩). (٣) رواه الشافعي في ((الأم)) (١٤٦/٣) مرسلاً، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٥٨/٤) موصولاً، والنؤاج: صوت النعجة وصياح الغنم ، وهو عند البيهقي : ( لا أعمل على شيء أبداً، أو قال: على اثنين)، قال الرافعي في (( شرح مسند الشافعي)) (١٦٦/٢): ( كأنه أراد عمل الزكاة ؛ لأنه روي أن عبادة مات بقبرس والياً عليها من قبل عمر رضي الله عنه ، والظاهر من حال الصحابة الوفاء بما قالوه وحلفوا عليه ) ، فكأن رواية ( اثنين ) أوفق لههذه العلة ، والمعنى كما ذكر الحافظ الزبيدي : لا ألي الحكم على اثنين، ولا أقوم على أحد. («إتحاف)) (١١٥/٦). (٤) رواه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم ( ٢٢٩٦) . ـيه ٥٢٥ كتاب الحلال والحرام ربع العادات ( إنِّي لمْ أجدْ نفسي فيهِ إلا كالوالِي مالَ اليتيمِ ؛ إنِ استغنيتُ .. استعففتُ ، وإن افتقرتُ .. أكلتُ بالمعروفِ)(١) . 0 35 ورُوِيَ أنَّ ابناً لطاووسِ افتعلَ كتاباً عن لسانِهِ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فأعطاهُ ثلاثَ مئة دينارٍ ، فباعَ طاووسٌ ضيعةً لهُ ، وبعثَ مِنْ ثمنِها إلى عمرَ بثلاثِ مئةٍ دينارٍ (٢)، هذا معَ أنَّ السلطانَ مثلُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ . هَذِهِ هِيَ الدرجةُ العليا في الورعِ . الدرجةُ الثانيةُ : هوَ أنْ يأخذَ مالَ السلطانِ ولكنْ إنَّما يأخذُ إذا علمَ أنَّ ما يأخذُهُ مِنْ جهةٍ حلالٍ ، فاشتمالُ يدِ السلطانِ على حرامٍ آخرَ لا يضرُّهُ ، وعلى هذا ينزَّلُ جميعُ ما نُقِلَ مِنَ الآثارِ أوْ أكثرُها ، أَوْ ما اختصَّ منها بأكابرٍ الصحابةِ والورعينَ منهُمْ ؛ مثلَ ابنِ عمرَ ؛ فإنَّهُ كانَ مِنَ المبالغينَ في الورع ، فكيفَ يتوسَّعُ في مالِ السلطانِ وقدْ كانَ مِنْ أشدِّهِمْ إنكاراً عليهِمْ ، وأشدِّهِمْ ذمّاً لأموالِهِمْ ؟! وذلكَ أَنَّهُمُ اجتمعوا عندَ ابنِ عامٍ وهوَ في مرضِهِ ، وأشفقَ على نفسِهِ مِنْ ولايتِهِ وكونِهِ مأخوذاً عندَ اللهِ بها، فقالوا لهُ : إنَّا لنرجو لكَ الخيرَ ؛ حفرتَ الآبارَ ، وسقيتَ الحاجّ ، وصنعتَ وصنعتَ ، وابنُ عمر ساكتٌ ، فقالَ : ماذا تقولُ يا بنَ عمرَ ؟ فقالَ : أقولُ ذلكَ إذا طابَ (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٥٦/٣). (٢) كذا في (( الورع)) (ص٨٦) لأحمد . فس كن +ن ٹن ء ٥٢٦ حن من دان شرء ربع العادات كتاب الحلال والحرام ديـ المكسبُ ، وزكتِ النفقةُ، وستردُ فترى!(١). وفي حديثٍ آخرَ : أنَّهُ قالَ : إنَّ الخبيثَ لا يكفِّرُ الخبيثَ ، وإنَّكَ قدْ وُليتَ البصرةَ ولا أحسبُكَ إلا قدْ أصبتَ منها شرّاً، فقالَ لهُ ابنُ عامٍ : ألا تدعو لي ؟ فقالَ ابنُ عمرَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : (( لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طهورٍ، ولا صدقةٌ مِنْ غلولٍ))، وقدْ وُليتَ البصرةَ(٢). فهذا قولُهُ فيما صرفَهُ إلى الخيراتِ. وعنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ في أيام الحجّاج : ( ما شبعتُ مِنَ الطعامِ مذِ انتهبتِ الدارُ إلى يومي هذا)(٣). ـمحن ےے حن ورُوِيَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لهُ سويقٌ في إناءٍ مختومٍ يشربُ منهُ ، فقيلَ : أتفعلُ هذا بالعراقِ معَ كثرةِ طعامِهِ ؟! فقالَ : أما إنِّي لا أختمُهُ بخلاً بهِ ، ولكنْ أكرَهُ أنْ يُجعلَ فيهِ ما ليسَ منهُ، وأكرهُ أنْ يدخلَ بطني غيرُ طيبٍ (٤) . فهذا هوَ المألوفُ منهُمْ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٨). (٢) مجمل الخبر رواه أحمد في ((الزهد)» ( ١٠٦٣-١٠٦٥)، والطبراني في (( الكبير)) (٢٢٧/١٠)، والبيهقى فى «السنن الكبرى)) (١٩١/٤)، والحديث المرفوع فيه رواه مسلم ( ٢٢٤ ) . (٣) رواه بنحوه أبو داوود في ((الزهد)) (٣٠٩)، ونسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((القوت)) كذلك، وقال: ( قوله المذكور أن أكله للطعام لم يكن إلا على قدر الضرورة من غير توسع فيه). ((إتحاف)) (١١٧/٦ ). (٤) رواه ضمن خبر طويل أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٢/١). ٥٢٧ حار كتاب الحلال والحرام حر ربع العادات وكانَ ابنُ عمرَ لا يعجبُهُ شيءٌ إلا خرِجَ عنهُ، فطُلِبَ منهُ نافعٌ بثلاثينَ ألفاً ، فقالَ : إنِّي أخافُ أنْ تفتتَنِي دراهمُ ابنٍ عامٍ - وكانَ هوَ الطالبَ - اذهب فأنتَ حٍ(١) . وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : ( ما منَّا أحدٌ إلاَّ وقدْ مالَتْ بهِ الدنيا إلا ابنُ عمرَ )(٢) . فبهذا يتضحُ أنَّهُ لا يُظْنُّ بهِ وبمَنْ كانَ في منصبهِ أنَّهُ أخذَ ما لا يدري أنَّهُ حلالٌ . الدرجةُ الثالثةُ : أنْ يأخذَ ما أخذَهُ مِنَ السلطانِ ليتصدَّقَ بهِ على الفقراءِ ، أوْ يفرِّقَهُ على المستحقينَ ؛ فإنَّ ما لا يتعيَّنُ مالكُهُ هذا حكمُ الشرع فيهِ ، فإذا كانَ السلطانُ إنْ لمْ يأخذْ منهُ لمْ يفرِّقْهُ، واستعانَ بهِ على ظلمٍ .. فقدْ نقولُ: أخذُهُ منهُ وتفرقتُهُ أولىُ مِنْ تركِهِ في يدِهِ ، وهذا قدْ رآهُ بعضُ العلماءِ ، وسيأتي وجهُهُ . تن ٢٠٠ وعلى هذا ينزَّلُ ما أخذَهُ أكثرُهُمْ، ولذلكَ قالَ ابنُ المباركِ : إنَّ الذينَ (١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٩٥/١). (٢) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١٧٠٧/٣) عن جابر لا عن أبي سعيد، رضي الله عنهما . ٥٢٨ حمد ربع العادات كتاب الحلال والحرام يأخذونَ الجوائزَ اليومَ ويحتجُّونَ بابنِ عمرَ وعائشةً .. ما يقتدونَ بهما؛ لأنَّ ابنّ عمرَ فرَّقَ ما أخذَ حتَّى استقرضَ في مجلسِهِ بعدَ تفرقتِهِ ستينَ ألفاً(١) ، وعائشةُ فعلَتْ مثلَ ذلكَ(٢)، وجابرُ بنُ زيدٍ جاءَهُ مالٌ فتصدَّقَ بهِ ، وقالَ: رأيتُ أنْ آخِذَهُ منهُمْ وأتصدَّقَ بهِ أحبّ إليَّ مِنْ أنْ أدعَها في أيديهِمْ ، وهكذا فعلَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ بما قبلَهُ مِنْ هارون الرشيدِ ؛ فإنَّهُ فرَّقَهُ على قرْبٍ ، حتَّى لمْ يمسكْ لنفسِهِ حبَّةً واحدةً(٣) . الدرجةُ الرابعةُ: ألا يتحقَّقَ أنَّهُ حلالٌ، ولا يفرِّقَ، بلْ يستنفقُ(٤)، ولكنْ يأخذُ مِنْ سلطانٍ أكثرُ مالِهِ حلالٌ، وهكذا كانَ الخلفاءُ في زمانٍ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم والتابعينَ بعدَ الخلفاءِ الراشدينَ ، ولمْ يكنْ أكثرُ مالِهِمْ حراماً ، ويدلُّ عليهِ تعليلُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قالَ : ( فإنَّ ما يأخذُهُ مِنَ الحلالِ أكثرُ ) . وهذا ممَّا قَدْ جوَّزَهُ جماعةٌ مِنَ العلماءِ ؛ تعويلاً على الأكثرِ ، ونحنُ إنَّما توقّقنا فيهِ في حقِّ آحادِ الناسِ ، ومالُ السلطانِ أشبهُ بالخروجِ عنِ الحصرِ ، زمة (١) روى نحوه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٣٨/٤). (٢) كما هو عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٠٧٠٥). (٣) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٢٢٦/٢) بنحوه . (٤) يستنفق : يصرفها نفقة ، يقال : أنفق الرجل على عياله واستنفق . هي س ٥٢٩ غا بريِ كتاب الحلال والحرام ?۴۴. ربع العادات فلا يبعدُ أنْ يؤديَ اجتهادُ مجتهدٍ إلى جوازٍ أخذِ ما لمْ يُعلمْ أنَّهُ حرامٌ ؛ اعتماداً على الأغلبِ ، وإنَّما منعْنا إذا كانَ الأكثرُ حراماً . فإذا فهمتَ هذهِ الدرجاتِ .. تحققتَ أنَّ إدراراتِ الظلمةِ في زمانِنا لا تجري مجرى ذلكَ، وأَنَّها تفارقُهُ مِنْ وجهينِ قاطعينٍ : أحدُهما : أنَّ أموالَ السلاطينِ في عصرِنا حرامٌ كلُّها أوْ أكثرُها ، وكيفَ لا والحلالُ هوَ الصدقاتُ والفيءُ والغنيمةُ ولا وجودَ لها وليسَ يدخلُ منها شيءٌ في يدِ السلاطينِ؟! (١) ولمْ يبقَ إلا الجزيةُ ، وأنَّها تُؤْخذُ بأنواعٍ مِنَ الظلم لا يحلُّ أخذُها بذلكَ ؛ فإنَّهُمْ يجاوزونَ حدود الشرع في المأخوذِ والمأخوذِ منهُ، والوفاءِ لهُ بالشرطِ، ثمَّ إذا نُسِبَ ذلكَ إلى ما ينصبُّ إليهِمْ مِنَ الخراجِ المضروبِ على المسلمينَ ، ومِنَ المصادراتِ ، والرشا ، وصنوفِ الظلمٍ .. لمْ يبلغْ عُشرَ معشارٍ عَشيرِهِ . والوجهُ الثاني : أنَّ الظلمةَ في العصرِ الأوَّلِ لقربِ عهدِهِمْ بزمانِ الخلفاءِ الراشدينَ .. كانوا مستشعرينَ(٢) مِنْ ظلمِهِمْ، ومتشوِّفينَ إلى استمالةٍ قلوبٍ الصحابةِ والتابعينَ ، وحريصينَ على قبولِهِمْ عطاياهُمْ وجوائزَهُمْ ، وكانوا يبعثونَ إليهم مِنْ غيرِ سؤالٍ وإذلالٍ ، بلْ كانوا يتقلَّدونَ المنَّةَ بقبولِهِمْ ويفرحونَ بهِ ، فكانوا يأخذونَ منهُمْ ويفرِّقونَ ، ولا يطيعونَ السلاطينَ في حن كن حن عن أن (١) أي : في وقت المصنف . (٢) أي : متخوفين . ٥٣٠ :5 ربع العادات كتاب الحلال والحرام أغراضِهِمْ، ولا يغشَونَ مجالسَهُمْ، ولا يكثرونَ جمعَهُمْ، ولا يحبُّونَ بقاءَهُمْ، بلْ يدعونَ عليهِمْ ، ويطلقونَ اللسانَ فِيهِمْ ، وينكرونَ المنكراتِ منهُمْ ، فما كانَ يُحذرُ عليهِمْ أنْ يصيبوا مِنْ دينِهِمْ بقدْرِ ما أصابوا مِنْ دنياهُمْ ، فلمْ يكنْ بأخذِهِمْ بأسٌ . شن فأمَّا الآنَ .. فلا تسمحُ نفوسُ السلاطينِ بعطيَّةٍ إلا لمَنْ طمعوا في استخدامِهِ ، والتكثُّرِ بهِ ، والاستعانةِ بهِ على أغراضِهِمْ، والتجمُّلِ بغشيانِ مجالسِهِمْ ، وتكليفِهِمُ المواظبةَ على الدعاءِ والثناءِ ، والتزكيةِ والإطراءِ في حضورِهِمْ ومغيِيهِمْ ، فلوْ لمْ يذلَّ الآخذُ نفسَهُ بالسؤالِ أوَّلاً ، وبالتردُّدِ في الخدمةِ ثانياً ، وبالثناءِ والدعاءِ ثالثاً، وبالمساعدةِ لهُ على أغراضِهِ عندَ الاستعانةِ رابعاً ، وبتكثيرِ جمعِهِ في مجلسِهِ وموكبهِ خامساً ، وبإظهارِ الحبِّ والموالاةِ والمناصرةِ لهُ على أعدائِهِ سادساً ، وبالسترِ على ظلمِهِ ومقابِحِهِ ومساوىءِ أعمالِهِ سابعاً(١) .. لمْ يُنعمْ عليهِ بدرهمٍ واحدٍ ، ولو كانَ في فضلٍ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ مثلاً ! فإذاً ؛ لا يجوزُ أنْ يُؤخذَ منهُمْ في هذا الزمانِ ما يُعلمُ أنَّهُ حلالٌ ؛ لإفضائِهِ إلى هذهِ المعاني ، فكيفَ ما يُعلمُ أنَّهُ حرامٌ أَوْ يشكُّ فيهِ ؟! فمَنِ استجرأ على أموالِهِمْ، وشبََّ نفسَهُ بالصحابةِ والتابعينِ .. فقدْ قاسَ (١) والانتساب إليه في أحواله ثامناً ، والتعويل عليه في مهماته تاسعاً ، وجر أسباب تحصيل الأموال إليه عاشراً. ((إتحاف)) (١١٩/٦). ٣ ٥٣١ حن كتاب الحلال والحرام ربع العادات الملائكةَ بالحذَّادينَ ؛ ففي أخذِ الأموالِ منهُمْ حاجةٌ إلى مخالطتِهِمْ ومراعاتِهِمْ وخدمةِ عمَّالِهِمْ، واحتمالِ الذلِّ منهُمْ ، والثناءِ عليهِمْ، والتردُّدِ إلى أبوابِهِمْ وكلُّ ذلكَ معصيةٌ على ما سنبينُ في البابِ الذي يلي هذا . فإذاً ؛ قدْ تبيَّنَ ممَّا تقدَّمَ مداخلُ أموالِهِمْ ، وما يحلُّ منها وما لا يحلُّ . فلو تُصوِّرَ أَنْ يأخذَ الإنسانُ منها ما يحلُّ بقدْرِ استحقاقِهِ وهوَ جالسٌ في بيتِهِ يُساقُ إليهِ ذلكَ، لا يحتاجُ فيهِ إلى تفقُّدِ عاملٍ وخدمتِهِ ، ولا إلى الثناءِ عليهِمْ وتزكيتِهِمْ، ولا إلى مساعدتِهِمْ .. فلا يحرمُ الأخذُ، ولكنْ يُكرهُ لمعانٍ سننيّهُ عليها في البابِ الذي يلي هذا . ٣ ٥٣٢ ربع العادات كتاب الحلال والحرام النّظر الثّاني والتَّلث من هذا الباب: في قدر المأخوذ وصفة الآخذ ولنفرضِ المالَ منْ أموالِ المصالح ؛ كأربعةِ أخماسِ الفيءٍ ، والمواريثِ ، فإنَّ ما عداهُ ممَّا قدْ تعيَّنَ مستحقُّهُ إنْ كانَ مِنْ وقفٍ ، أَوْ صدقةٍ ، أوْ خمسٍ فيءٍ ، أَوْ خمسٍ غنيمةٍ ، وما كانَ مِنْ ملكِ السلطانِ ممَّا أحياهُ أوِ اشتراهُ .. فلهُ أنْ يعطيَ ما شاءَ لمَنْ شاءَ . وإنَّما النظرُ في الأموالِ الضائعةِ ومالِ المصالح ، فلا يجوزُ صرفُهُ إلا إلى مَنْ فيهِ مصلحةٌ عامةٌ ، أوْ هوَ محتاجٌ إليهِ عاجزٌ عنِ الكسبِ . فأمَّا الغنيُّ الذي لا مصلحةَ فيهِ .. فلا يجوزُ صرْفُ مالِ بيتِ المالِ إليهِ ، هذا هوّ الصحيحُ، وإنْ كانَ العلماءُ قدِ اختلفوا فيهِ (١) ، وفي كلام عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ما يدلُّ على أنَّ لكلِّ مسلمٍ حقّاً في مالِ بيتِ المالِ ؛ لكونِهِ مسلماً مكثراً جمعَ الإسلام ، ولكنَّهُ معَ هذا ما كانَ يقسمُ المالَ على المسلمينَ كافَّةً ، بلْ على مخصوصينَ بصفاتٍ . فإذا ثبتَ هذا .. فكلُّ مَنْ يتولَّى أمراً يقومُ بهِ ، تتعدّى مصلحتُهُ إلى المسلمينَ، ولوِ اشتغلَ بالكسبِ لتعطَّلَ عليهِ ما هوَ فيهِ .. فلهُ في بيتِ المالِ حقُّ الكفايةِ ، ويدخلُ فيهِ العلماءُ كلُّهُمْ ؛ أعني : العلومَ التي تتعلّقُ بمصالح (١) فمن قائل: إنه يخمَّس، وآخر: لا يخمَّس ويصرف في مصالح عامة المسلمين . انظر ((الإتحاف)) (١١٩/٦ ). ٥٣٣ جزء كتاب الحلال والحرام ربع العادات الدينِ ؛ مِنْ علم الفقهِ، والحديثِ ، والتفسيرِ، والقراءةٍ (١)، حتَّى يدخلُ فيهِ المعلِّمونَ، والمؤذنونَ، وطلبةُ هُذهِ العلومِ أيضاً يدخلونَ فيهِ (٢)، فإنَّهُ إِنْ لمْ يُكَفَوا .. لمْ يتمكّنوا مِنَ الطلبِ . ويدخلُ فيهِ العمَّالُ ، وهمُّ الذينَ ترتبطَ مصالحُ الدنيا بأعمالِهِمْ ، وهمُ الأجنادُ المرتزقةُ الذينَ يحرسونَ المملكةَ بالسيوفِ عنْ أَهلِ العداوةِ وأهلِ البغي وأعداءِ الإسلامِ . ويدخلُ فيهِ الكتَّابُ والحسَّابُ والوكلاءُ ، وكلُّ مَنْ يُحتاجُ إليهِ في ترتیبٍ ديوانِ الخراج ؛ أعني : العمالَ على الأموالِ الحلالِ لا على الحرام ، فإنّ هذا المالَ للمصالحِ ، والمصلحةُ إِمَّا أنْ تتعلَّقَ بالدينِ أوْ بالدنيا ، وبالعلماءِ حراسةُ الدينِ ، وبالأجنادِ حراسةُ الدنيا ، والدينُ والملكُ توءمانِ ، فلا يستغني أحدُهما عنِ الآخرِ، والطبيبُ وإنْ كانَ لا يرتبطُ بعلمِهِ أمرٌ دينيٍّ ولكنْ يرتبطُ بهِ صحَّةُ الجسدِ ، والدينُ يتبعُهُ ، فيجوزُ أنْ يكونَ لهُ ولمَنْ يجري مجراهُ في العلومِ المحتاجِ إليها في مصلحةِ الأبدانِ أوْ مصلحةٍ البلادِ .. إدرارٌ مِنْ هذهِ الأموالِ ؛ ليتفرَّغوا لمعالجةِ المسلمينَ ؛ أعني : مَنْ يعالجُ منهُمْ بغيرِ أجرةٍ ، وليسَ يُشترطُ في هؤلاءِ الحاجةُ ، بلْ يجوزُ أنْ يُعطَوا معَ الغنى، فإنَّ الخلفاء الراشدينَ كانوا يعطونَ المهاجرين والأنصارَ ، ولمْ ـتن ٠؟ شرخحن (١) وما تتوقف عليه مما هو جارٍ مجرى الوسائل والوسائط ؛ كالنحو والصرف والمعاني والبيان، فلها حكم علوم الدين. ((إتحاف)) (٦ / ١٢٠ ). (٢) سواء كان من شهر أو سنة أو أزيد أو أقل. ((إتحاف)) (١٢٠/٦). ٥٣٤ 5 ربع العادات كتاب الحلال والحرام يُعرفوا بالحاجةِ ، وليسَ يتقدَّرُ أيضاً بمقدارٍ ، بلْ هوَ إلى اجتهادِ الإمام ، ولهُ أنْ يوسِّعَ ويغنيَ ، ولهُ أنْ يقتصرَ على الكفايةِ على ما يقتضيهِ الحالُ وسعةُ المالِ ، فقدْ أخذَ الحسنُ مِنْ معاويةَ في دفعةٍ واحدةٍ أربعَ مئةِ ألفِ درهمٍ (١) ، وقدْ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يعطي لجماعةٍ اثني عشرَ ألف درهمٍ نُقْرةً في السنةِ(٢)، وأثبتَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها في هذهِ الجريدةِ(٣)، ولجماعةٍ عشرةَ آلافٍ ، ولجماعةٍ ستةَ آلافٍ ، وهكذا . فهذا مالُ هؤلاءٍ ، فيُوزَّعُ عليهِمْ حتَّى لا يبقى منهُ شيءٌ ، فإنْ خصَّ واحداً منهُمْ بمالٍ كثيرٍ . . فلا بأسَ . = وكذلكَ للسلطانِ أنْ يخصَّ مِنْ هذا المالِ ذوي الخصائصِ بالخلعِ والجوائزِ ، فقدْ كانَ يُفعلُ ذلكَ في السلفِ ، ولكنْ ينبغي أنْ يلتفتَ فيهِ إلى المصلحةِ ، ومهما خُصَّ عالمٌ أوْ شجاعٌ بصلةٍ .. كانَ فيهِ بعثٌ للناس ، وتحريضٌ على الاشتغالِ والتشبُّهِ بهِ . فهذهِ فائدةُ الخلَع والصلاتِ وضروبِ التخصيصاتِ ، وكلُّ ذلكَ منوطٌ باجتهادِ السلطانِ . وإنَّما النظرُ في السلاطينِ الظلمةِ في شيئينِ : أحدُهما : أنَّ السلطانَ الظالمَ عليهِ أنْ يكفّ عنْ ولايتهِ ، وهوَ إمَّا P (١) روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١١٣/١٤) نحوه. (٢) النقرة : القطعة المذابة من الفضة . (٣) فكانت تأخذ هذا القدر من العطاء في كل سنة. ((إتحاف)) (١٢١/٦). ٥٣٥ 5 - كتاب الحلال والحرام ربع العادات معزولٌ ، أوْ واجبُ العزلِ ، فكيفَ يجوزُ أنْ يأخذَ مِنْ يدِهِ وهوَ على التحقيقِ ليسَ بسلطانٍ ؟! 9 والثاني : أنَّهُ ليسَ يعمِّمُ بمالِهِ جميعَ المستحقينَ ، فكيفَ يجوزُ للآحادِ أنْ يأخذوا؟ أفيجوزُ لهمُ الأخذُ بقدْرِ حصصِهِمْ ، أمْ لا يجوزُ أصلاً، أَمْ يجوزُ أنْ يأخذَ كلُّ واحدٍ ما أعطي ؟ أمَّا الأوَّلُ .. فالذي نراهُ أنَّهُ لا يمنعُ أخذَ الحقِّ ؛ لأنَّ السلطانَ الظالمَ الجاهلَ مهما ساعدتْهُ الشوكةُ، وعسرَ خلعُهُ ، وكانَ في الاستبدالِ بهِ فتنةٌ ثائرةٌ لا تطاقُ .. وجبَ تركُهُ ، ووجبَتِ الطاعةُ لهُ كما تجبُ طاعةُ الأمراءِ ، وقدْ وردَ في الأمرِ بطاعةِ الأمراءِ ، والمنع مِنْ سلِّ اليدِ عنْ مساعدتِهِمْ أوامرُ وزواجرُ (١)، فالذي نراهُ أنَّ الخلافةَ منعقدةٌ للمتكفِّلِ بها مِنْ بني العبَّاسِ رضيَ اللهُ عنهُ، وأنَّ الولايةَ نافذةٌ للسلاطينِ في أقطارِ البلادِ المبايعينَ للخليفةِ، وقدْ ذكرنا في كتابِ (( المستظهريِّ)) المستنبطِ مِنْ كتابِ (( كشفٍ الأسرارِ وهتكِ الأستارِ )) تأليفِ القاضي أبي الطيِّبِ في الردِّ على أصنافٍ (١) كالذي روى البخاري (٦٩٣) مرفوعاً: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشيٍّ رأسه زبيبة))، وما رواه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣) مرفوعاً: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)) قالوا : يا رسول الله ؛ كيف تأمر من أدرك منا ذلك ؟ قال : (( تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم))، وروى البخاري ( ٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩) مرفوعاً: ((من كره من أميره شيئاً .. فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبراً .. مات ميتة جاهلية)). ٥٣٦ من حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام الروافضِ والباطنيةِ .. ما يشيرُ إلى وجهِ المصلحةِ فيه(١). والقولُ الوجيزُ : أنَّا نراعي الصفاتِ والشروطَ في السلاطينِ ؛ تشوُّفاً إلى مزايا المصالح ، ولوْ قضينا ببطلانِ الولاياتِ الآنَ .. لبطلتِ المصالحُ رأساً ، فكيفَ يفوتُ رأسُ المالِ في طلبِ الربحِ (٢) ؟ بلِ الولايةُ الآنَ لا تتبعُ إلا الشوكةَ، فمَنْ بايعَهُ صاحبُ الشوكةِ .. فهوَ الخليفةُ، ومَنِ استبدَّ بالشوكةِ وهوَ مطيعٌ للخليفةِ في أصلِ الخطبةِ والسَّةِ .. فهوَ سلطانٌ نافذٌ الحكم (٣)، والقضاةُ في أقطارِ الأرضِ ولاةٌ نافذو الأحكام ، وتحقيقُ هذا قدْ ذكرناهُ في أحكام الإمامةِ مِنْ كتابِ ((الاقتصادِ في الاعتقادِ)) (٤) ، فلسنا نطوِّلُ الآنَ بهِ . بـ42 وأمَّا الإشكالُ الآخرُ، وهوَ أنَّ السلطانَ إذا لمْ يعمِّمْ بالعطاءِ كلِّ مستحقٌّ .. فهلْ يجوزُ للواحدِ أنْ يأخذَ منهُ ؟ فهذا ممَّا اختلفَ العلماءُ فيهِ على أربع مراتبَ : فعلا بعضُهُمْ وقالَ : كلُّ ما يأخذُهُ فالمسلمونَ كلُّهُمْ فيهِ شركاءُ ، ولا يدري أنَّ حصَّتَهُ منهُ دانقٌ أوْ حبَّةٌ ، فليتركِ الكلَّ . (١) انظر ((المستظهري)) (١٦٩، ١٩٤) . (٢) فالمصالح بمنزلة طلب الربح ، وولي الأمر بمنزلة رأس المال. (( إتحاف)) (٦ /١٢٢ ) . (٣) وهو الحال الذي كان في عصر المصنف رحمه الله تعالى . (٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٢٩١-٢٩٧). ٥٣٧ حن. كتاب الحلال والحرام ربع العادات وقالَ قومٌ: لهُ أنْ يأخذَ قدْرَ قوتِ يومِهِ فقطْ، فإنَّ هذا القدْرَ يستحقُّهُ لحاجتِهِ على المسلمينَ . وقالَ قومٌ: لهُ قوتُ سنةٍ ، فإنَّ أخذَ الكفايةِ كلَّ يوم عسيرٌ ، وهوَ ذو حقٌّ في هذا المالِ ، فكيفَ يتركُهُ ؟(١). ـنء وقالَ قومٌ: إنَّهُ يأخذُ ما يعطى، والمظلومُ هُمُ الباقونَ ، وهذا هوَ القياسُ ؛ لأنَّ المالَ ليسَ مشتركاً بينَ المسلمينَ كالغنيمةِ بينَ الغانمينَ ، ولا كالميراثِ بينَ الورثةِ ؛ لأنَّ ذلكَ صارَ ملكاً لهُمْ، وهذا لوْ لمْ يتفقْ قسمتُهُ حتَّى ماتَ هؤلاءِ .. لمْ يجبِ التوزيعُ على ورثتِهِمْ بحكمِ الميراثِ ، بلْ ههذا الحقُّ غيرُ متعيّنٍ ، وإنَّما يتعيَّنُ بالقبضِ ، بلْ هوَ كالصدقاتِ ، ومهما أُعطيَ الفقراءُ حصَّتَهُمْ مِنَ الصدقاتِ .. وقعَ ذلكَ ملكاً لهُمْ، ولمْ يمتنعْ بظلمِ المالكِ بقيّةَ الأصنافِ بمنعٍ حقِّهِمْ هذا إذا لمْ يُصرفْ إليه كلُّ المالِ ، بلْ صرفَ إليهِ مِنَ المالِ ما لوْ صرفَ إليهِ بطريقِ الإيثارِ والتفضيلِ معَ تعميمِ الآخرينَ .. لجازَ لهُ أنْ يأخذَهُ . والتفضيلُ جائزٌ في العطاءِ ؛ سوَّى أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، فراجعَهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ: إنَّما فضلُهُمْ عندَ اللهِ، وإنَّما الدنيا بلاغٌ(٢) من حن جر ٠؟ ـان ٢ (١) وإذا قسطه الإمام على أثلاث ؛ فيعطى في كل أربعة أشهر مرة واحدة قدر ما يكفيه في هذه المدة .. كان حسناً، وهو الذي أراه وأذهب إليه. ((إتحاف)) (١٢٣/٦). (٢) قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في ((الأم)) (٣٤٥/٥): ( وإن أبا بكر حين قال له عمر : أتجعل الذين جاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم له كمن إنما دخل =. ٥٣٨ ربع العادات كتاب الحلال والحرام وفضَّلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في زمانِهِ ، فأعطىُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها اثني عشرَ ألفاً، وزينبَ عشرةَ آلافٍ، وجويريةَ ستة آلافٍ، وكذا صفيَّةُ (١) . وأقطعَ عمرُ لعليٍّ خاصَّةٌ رضيَ اللهُ عنهُما ، وأقطعَ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ أيضاً مِنَ السوادِ خمسَ جَّاتٍ ، وآثرَ عثمانُ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُما بها ، فقبلَ ذلكَ منهُ ولمْ ینکرْ . وكلُّ ذلكَ جائزٌ ؛ فإنَّهُ في محلِّ الاجتهادِ ، وهوَ مِنَ المجتهداتِ التي أقولُ فيها : إنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ ؛ وهيَ كلُّ مسألةٍ لا نصَّ فيها على عينِها ، ولا على مسألةٍ تقرُّبُ منها ، فتكونُ في معناها بقياسِ جليٍّ ؛ كهذهِ المسألةِ ومسألةِ حدِّ الشربِ ؛ فإنَّهُمْ جلدوا أربعينَ وثمانينَ ، والكلُّ سنَّةٌ وحقٌّ ، وإنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما مصيبٌ باتفاقِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم ، وأنَّ المفضولَ ما ردَّ في زمانٍ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ شيئاً إلى الفاضلِ ممَّا قدْ كانَ أخذَهُ في زمانِ أبي بكرٍ ، ولا الفاضلُ امتنعَ مِنْ قبولٍ الفضْلِ في زمانٍ عمرَ ، واشتركَ في ذلكَ كلُّ الصحابةِ ، واعتقدوا أنَّ كلَّ (٢) واحدٍ مِنَ الرأيينِ حقٌّ (٢ ٠ في الإسلام كرهاً؟! فقال أبو بكر : إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله عز وجل ، = وإنما الدنيا بلاغ ، وخير البلاغ أوسعه ) ، ثم اختاره الإمام الشافعي . (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٥٣٧). (٢) المستصفى من علم الأصول (٣٦٥/٢)، وفيه قال : ( ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها .. علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل .. فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال ، فإذا انتفى التكليف .. انتفى الخطأ) . 2 .2 ٥٣٩ عش كتاب الحلال والحرام ربع العادات فليُؤخذْ هذا الجنسُ دستوراً للاختلافاتِ التي يُصوَّبُ فيها كلُّ مجتهدٍ . فأمَّا كلُّ مسألةٍ شذَّ عنْ مجتهدٍ فيها نصٌّ أوْ قياسٌ جليٌّ ؛ بغفلةٍ ، أوْ سوءٍ رأي ، وكانَ في القوَّةِ بحيثُ يُنقضُ بهِ حكمُ المجتهدِ .. فلا نقولُ فيها : إنَّ كلَّ واحدٍ مصيبٌ ، بلِ المصيبُ مَنْ أصابَ النصَّ أُوْ ما في معنى النصِّ . وقدْ تحصَّلَ مِنْ مجموع هذا أنَّ مَنْ وجدَ مِنْ أهلِ الخصوصِ الموصوفينَ بصفةٍ تتعلَّقُ بها مصالحُ الدينِ أوِ الدنيا ، وأخذَ مِنَ السلطانِ خلعةً أوْ إدراراً على التركاتِ أوِ الجزيةِ .. لمْ يصرْ فاسقاً بمجرَّدِ أخذِهِ ، وإنَّما يفسقُ بخدمتِهِ لهُمْ ومعاونتِهِ إِيَّاهُمْ، ودخولِهِ عليهِمْ، وثنائِهِ وإطرائِهِ لَهُمْ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ لوازمَ لا يسلمُ المالُ غالباً إلا بها ؛ كما سنبيُّهُ . ـكن ٥٤٠ ممن