النص المفهرس

صفحات 501-520

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
الخبرِ الصحيح : « إنَّ للزارع والغارسِ أجراً في كلِّ ما يصييُّهُ الناسُ والطيورُ
مِنْ ثمارِهِ وزرعِهِ))(١) ، وذلكَ بغيرِ اختيارِهِ .
وأمَّا قولُ القائلِ: ( لا نتصدَّقُ إلا بالطيِّبِ ) .. فذلكَ إذا طلبْنا الأجرَ
لأنفسِنا ، ونحنُ الآنَ نطلبُ الخلاصَ مِنَ المظلمةِ لا الأجرَ ، وتردّدْنا بينَ
التضييعِ وبينَ التصدُّقِ ، ورجَّحْنا جانبَ التصدُّقِ على جانبِ التضييعِ .
وقولُ القائلِ : ( لا نرضى لغيرِنا ما لا نرضاهُ لأنفسنا ) .. فهوَ كذلكَ،
ولكنَّهُ علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنهُ ، وللفقيرِ حلالٌ ؛ إذْ أحلَّهُ دليلُ الشرع ،
وإذا اقتضتِ المصلحةُ التحليلَ .. وجبَ التحليلُ، وإذا حلَّ .. فقدْ رضينا لهُ
الحلالَ .
ش شن
ونقولُ : إنَّ لهُ أنْ يتصدَّقَ على نفسِهِ وعيالِهِ إذا كانَ فقيراً .
أَمَّا عيالُهُ وأهلُهُ .. فلا يخفى ؛ لأنَّ الفقرَ لا ينتفى عنهُمْ بكونِهِمْ مِنْ عيالِهِ
وأهلِهِ ، بلْ همْ أولىُ مَنْ يتصدَّقُ عليهمْ . وأمَّا هوَ .. فلهُ أنْ يأخذَ منهُ قدْرَ
حاجتِهِ ؛ لأنَّهُ أيضاً فقيرٌ، ولوْ تصدَّقَ بهِ على فقيرٍ .. لجازَ، فكذا إذا كانَ
هوّ الفقيرَ .
(١) رواه البخاري (٢٣٢٠)، ومسلم (١٥٥٢) بنحوه، وفي بعض رواياته: (( وما يرزؤه
أحد إلا كان له صدقة))، وقد لاحظ هذا المعنى الإمام البيهقي ؛ وبيَّن ضعف أخبار
إحراق الغلول من الغنيمة في ((السنن الكبرى)) (١٠٢/٩).
ت
٥٠
جر
د.

كتاب الحلال والحرام
٢١٠٫٠
ربع العادات
مز
ولنرسمْ في بيانِ هذا الأصلِ أيضاً مسائلَ :
مَثْالَّةٌ
[فيما إذا وقعَ في يدِهِ مالٌ منْ سلطانٍ ]
إذا وقعَ في يدِهِ مالٌ مِنْ يدِ سلطانٍ .. قالَ قومٌ : يردُّ إلى السلطانِ ؛ فهوَ
أعلمُ بما تولاَّهُ ، فيقلِّدُهُ ما تقلَّدَهُ، وهوَ خيرٌ منْ أنْ يتصدَّقَ بهِ ، واختارَ
المحاسبيُّ ذلكَ، وقالَ : كيفَ يتصدَّقُ بهِ ولعلَّ لهُ مالكاً معيَّناً؟ ولوْ جازَ
ذلكَ .. لجازَ أنْ يسرقَ مِنَ السلطانِ ويتصدَّقَ بهِ .
وقالَ قومٌ: يتصدَّقُ بهِ إذا علمَ أنَّ السلطانَ لا يردُّهُ إلى المالكِ ؛ لأنَّ
ذلكَ إعانةٌ للظالمِ، وتكثيرٌ لأسبابٍ ظلمِهِ ، فالردُّ إليهِ تضييعٌ لحقِّ المالكِ .
والمختارُ : أَنَّهُ إذا علمَ مِنْ عادةِ السلطانِ أنَّهُ لا يردُّهُ إلىْ مالِكِهِ ..
فليتصدقْ بهِ عنِ المالكِ ، فهوَ خيرٌ للمالكِ - إنْ كانَ لهُ مالكٌ معيَّنٌ - مِنْ أنْ
يُردَّ على السلطانِ ؛ لأنَّهُ ربَّما لا يكونُ لهُ مالكٌ معيَّنٌ ، ويكونُ حقَّ
المسلمينَ ، وردُّهُ على السلطانِ تضييعٌ ، وإنْ كانَ لهُ مالكٌ معيَّنٌ .. فالردُّ
على السلطانِ تضييعٌ ، وإعانةٌ للسلطانِ الظالم ، وتفويتٌ لبركةِ دعاءِ الفقير
على المالكِ ، وهذا ظاهرٌ .
٢٠
حى من حن من
؟
٢٠
٢٠
فإذا وقعَ في يدِهِ مِنْ ميراثٍ ، ولمْ يتعدَّ هوَ بالأخذِ مِنَ السلطانِ .. فإنَّهُ
شبيهٌ باللقطةِ التي أيسَ عنْ معرفةِ صاحبها ؛ إذْ لمْ يكنْ لهُ أنْ يتصرَّفَ فيها
رت
٥٠٢
--

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
بالتصدُّقِ عنِ المالكِ ، ولكنْ لهُ أنْ يتملَّكَها ثَمَّ وإنْ كانَ غنياً؛ مِنْ حيثُ إِنَّهُ
اكتسبَها بجهةٍ مباحةٍ وهوَ الالتقاطُ ، وهلهنا لمْ يحصلِ المالُ بجهةٍ مباحةٍ ،
فيؤثِّرُ في منعِهِ مِنَ التملُكِ ، ولا يؤثِّرُ في المنعِ مِنَ التصدُّقِ .
مَث ◌َلٌَّ
[في تعيينٍ قدرِ الحاجةِ إنْ أبحنا لهُ الأخذَ]
إذا حصلَ في يدِهِ مالٌ لا مالكَ لهُ ، وجوزنا لهُ أنْ يأخذُ قَدْرَ حاجتِهِ
الفقرِهِ .. ففي قدْرِ حاجتِهِ نظرٌ ذكرناهُ في كتابِ أسرارِ الزكاةِ ؛ فقدْ قالَ قومٌ :
يأخذُ كفايةً سنةٍ لنفسِهِ وعيالِهِ ، وإنْ قدرَ على شراءٍ ضيعةٍ أوْ تجارةٍ يكتسبُ
بها لعيالهِ .. فعلَ، وهذا ما اختارَهُ المحاسبيُّ، ولكنَّهُ قالَ : ( الأولى أنْ
يتصدَّقَ بالكلِّ إنْ وجدَ مِنْ نفسِهِ قوَّةَ التوكُّلِ، وينتظرُ لِطْفَ اللهِ سبحانَهُ في
الحلالِ ، فإنْ لمْ يقدرْ .. فلهُ أنْ يشتريَ ضيعةً ، أوْ يتخذَ رأسَ مالٍ يتعيَّشُ
بالمعروفِ منهُ ، وكلَّ يوم وجدَ فيهِ حلالاً أمسكَ ذلكَ اليومَ عنهُ ، فإذا
فنيَ .. عادَ إليهِ، فإذا وجدَ حلالاً معيناً(١) .. تصدَّقَ بمثل ما أنفقَهُ مِنْ قبلُ ،
ويكونُ ذلكَ قرْضاً عندَهُ، ثمّ إنَّهُ يأكلُ الخبزَ(٢) ويتركُ اللحمَ إنْ قويَ عليهِ ،
وإلا .. أكلَ اللحمَ مِنْ غيرِ تنقُّمِ وتوسُّع ) .
(١) في (ب، هـ) : ( مغنياً).
(٢) في ( ب): ( ثم إنه لا يأكل إلا الخبز ).
٥٠٣
د.ر،
%
٠٧
:2

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
02
وما ذكرَهُ لا مزيدَ عليهِ ، ولكنْ جعلُ ما أنفقَهُ قرْضاً عندَهُ فيهِ نظرٌ ،
ولا شكّ في أنَّ الورِعَ أنْ يجعلَهُ قرضاً، فإذا وجدَ حلالاً .. تصدَّقَ بمثلِهِ ،
ولكنْ مهما لمْ يجبْ ذلكَ على الفقيرِ الذي يتصدَّقُ بهِ عليهِ .. فلا يبعدُ ألا
يجبَ عليهِ أيضاً إذا أخذَهُ لفقرِهِ ، لا سيما إذا وقعَ في يدِهِ مِنْ ميراثٍ ، ولمْ
يكنْ متعدِّياً بغصبهِ وكسبهِ حتَّى يُغلَّظَ الأمرُ عليهِ فيهِ .
مَثَآلَةٌ
[في ترتيبِ الأكلِ عندَ مَنْ في يدِهِ حلالٌ وحرامٌ أو شبهةٌ]
إذا كانَ في يدِهِ حلالٌ وحرامٌ أوْ شبهةٌ ، وليسَ يفضلُ الكلُّ عنْ حاجتِهِ ؛
فإذا كانَ لهُ عيالٌ .. فليخُصَّ نفسَهُ بالحلالِ ، لأنَّ الحجَّةَ عليهِ آكدُ في نفسِهِ
منها في عبدِهِ وعيالِهِ وأولادِهِ الصغارِ ، والكبارُ منْ أولادِهِ يحرسُهُمْ عنِ
الحرامِ إنْ كانَ لا يفضي بِهِمْ إلى ما هوَ أشدُّ منهُ، فإنْ أفضى .. فيطعمُهُمْ
بقدْرِ الحاجةِ .
وبالجملةِ : كلُّ ما يحذرُهُ في غيرِهِ فهوَ محذورٌ في نفسِهِ وزيادةٌ ؛ وهوَ
أَنَّهُ يتناولُ معَ العلم ، والعيالُ ربَّما يُعذرونَ إذا لمْ يعلموا؛ إذْ لمْ يتولّوا الأمرَ
بأنفسِهِمْ .
فليبدأ في الحلالِ بنفسِهِ ، ثمَّ بمَنْ يعولُ، وإذا تردَّدَ في حقِّ نفسِهِ بينَ
ما يخصُّ قوتَهُ وكسوتَهُ وبينَ غيرِهِ مِنَ المؤنِ ؛ كأجرةِ الحجَّامِ والصَّّاغِ
من
ـمن
٥٠٤
د

ربع العادات
ـتن
كتاب الحلال والحرام
والقصَّار والحمَّالِ ، والاطلاءِ بالنُّورةِ والدهنِ ، وعمارةِ المنزلِ ، وتعهُّدٍ
الدائَّةِ ، وتسجيرِ التّنُّورِ ، وثمنِ الحطبِ ودهنِ السراج .. فليخصَّ
بالحلالِ قوتَهُ ولباسَهُ ؛ فإنَّ ما يتعلَّقُ بيدِنِهِ ولا غنى بهِ عنهُ هوَ أولى بأنْ يكونَ
طيّباً .
وإذا دارَ الأمرُ بينَ القوتِ واللباسِ .. فيُحتملُ أنْ يُقالَ: يخصُّ القوتَ
بالحلالِ ؛ لأنَّهُ الممتزجُ بلحمهِ ودمِهِ ، وكلُّ لحمٍ نبتَ مِنْ حرامِ .. فالنارُ
أولى بهِ، وأمَّا الكسوةُ .. ففائدتُها سترُ عورتِهِ، ودفعُ الحرِّ والبرْدِ والأبصارِ
عنْ بشرتِهِ ، وهذا هوَ الأظهرُ عندي .
عے
3
وقالَ الحارثُ المحاسبيُّ: يُقدَّمُ اللباسُ ؛ لأنَّهُ يبقى عليهِ مدَّةٌ ، والطعامُ
لا يبقى عليهِ ؛ لما رُوِيَ أنَّهُ لا يقبلُ اللهُ صلاةً مَنْ عليهِ ثوبٌ اشتريّ بعشرةِ
دراهمَ فيها درهمٌّ حرامٌ(١) ، وهذا محتملٌ، ولكنَّ أمثالَ هذا قدْ وردَ فيمَنْ
في بطنِهِ حرامٌ ونبتَ لحمُهُ مِنْ حرامٍ ، فمراعاةُ اللحْمِ والعظمِ أنْ ينبتَ مِنَ
الحلالِ أولى ؛ ولذلكَ تقيّأَ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ ما شربَهُ معَ الجهلِ ؛ حتَّى
لا ينبتَ منهُ لحمٌ يلبثُ ويبقى .
فإنْ قيلَ : فإذا كانَ الكلُّ منصرفاً إلى أغراضهِ .. فأيُّ فرْقٍ بين نفسِهِ
وغيرِهِ ، وبينَ جهةٍ وجهةٍ ، وما مُدرَكُ هذا الفرْقِ ؟
ي
(١) الحديث رواه أحمد في ((المسند)) (٩٨/٢).
ن﴾.
٥٠٥
حن

كتاب الحلال والحرام
حميد
ربع العادات
قلنا : عرفَ ذلكَ بما رُوِيَ أنَّ رافعَ بنَ خديج رحمهُ اللهُ ماتَ وخلَّفَ
ناضحاً وعبداً حجَّاماً، فسئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ ذلكَ ..
فمنعَ منْ كسبِ الحِجَّامِ ، فروجعَ مرَّاتٍ ، فمنعَ منهُ ، فقيلَ : إِنَّ لهُ
أيتاماً ، فقالَ: ((اعلفوهُ الناضحَ)) (١) .
فهذا يدلُّ على الفرْقِ بينَ ما يأكلُهُ هوَ أَوْ دابتُهُ .
وإذا انفتحَ سبيلُ الفرْقِ .. فقسْ عليهِ التفصيلَ الذي ذكرناهُ .
C.
مَثْلَةٌ
[في تفاوتِ الصرفِ بينَهُ وبينَ الفقراءِ ونحوِ ذلكَ]
الحرامُ الذي في يدِهِ لوْ تصدَّقَ بهِ على الفقراءِ .. فلهُ أنْ يوسّعَ عليهِمْ ،
وإذا أنفقَ على نفسِهِ .. فليضيِّقْ ما قدرَ، وما أنفقَ على عيالِهِ .. فليقتصدْ ،
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٤١/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٧٥/٤) عن
عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج يحدث أن جدَّه حين مات ترك جارية وناضحاً وغلاماً
حجاماً وأرضاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجارية ، فنهى عن كسبها ،
قال شعبة: مخافة أن تبغي، وقال: (( ما أصاب الحجام .. فاعلفه الناضح))، وقال
في الأرض: ((ازرعها أو ذرها)). ولكن ليس المراد بلفظ ( الجد) في هذه الرواية
رافعاً ؛ إذ رافع لم يمت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلعل المراد هو جده
خديج ، وقد ذكر له صحبة البغوي في (( معجم الصحابة)) (٢٨٦/٢) ، وبسط القول
في هذا الحديث ونسبته الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٤٢٠/١)، وذكر في
ترجمة رافع (٤٨٣/١) أنه مات سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة .
٢٠٠
ت
س
.٢
٥٠٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وليكنْ وسطاً بينَ التوسيع والتضييقِ ، فيكونُ الأمرُ على ثلاثٍ مراتبَ .
فإِنْ أَنفقَ على ضيفٍ قدمَ عليهِ وهوَ فقيرٌ .. فليوسِّعْ عليهِ، وإنْ كانَ
غنياً .. فلا يطعمْهُ إلا إذا كانَ في برِّيَّةٍ أوْ قدمَ ليلاً ولمْ يجدْ شيئاً ؛ فإنَّهُ في
ذلكَ الوقتِ فقيرٌ .
وإنْ كانَ الفقيرُ الذي حضرَ ضيفاً تقيّاً، لو علمَ ذلكَ لتورَّعَ عنهُ ..
فليعرضِ الطعامَ وليخيرْهُ ؛ جمعاً بينَ حقِّ الضيافةِ وتَرْكِ الخداع .
فلا ينبغي أنْ يكرمَ أخاهُ بما يكرَهُ ، ولا ينبغي أنْ يعوِّلَ على أنَّهُ لا يدري
فلا يضرُّهُ ؛ لأنَّ الحرامَ إذا حصلَ في المعدةِ .. أثَّرَ في قساوةِ القلبِ وإنْ لمْ
يعرفُهُ صاحبُهُ .
ولذلكَ تقيَّأَ أبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ عنهُما وكانا قدْ شربا على جهلٍ(١)،
وهذا وإنْ أفتيْنا بأنَّهُ حلالٌ للفقيرِ .. فإنَّما أحللْناهُ بحكْم الحاجةِ إليهِ ، فهوَ
كالخنزيرِ والخمرِ إذا أحللْناهُما بالضرورةِ ، فلا يلتحقُ بالطيِّاتِ .
مَثْالَّة
[فيما إذا كانَ الحرامُ في يدِ أبويهِ أو أحدِهِما]
إذا كانَ الحرامُ أوِ الشبهةُ في يدِ أبويهِ .. فليمتنعْ عنْ مؤاكلتِهِما ، فإنْ كانا
٢٠٠٠
٢٠٠
(١) وأكل الحرام وشربه جهلاً بحاله لا يوجب التقيُّؤُ، ففعلُهما دليل على ثبوت أثر لههذا
الحرام في القلب والبدن .
٥٠٧

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
يسخطانِ .. فلا يوافقُهُما على الحرام المحضٍ ، بلْ ينهاهُما ، فلا طاعةَ
لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ(١).
وإنْ كانَ شبهةً، وكانَ امتناعُهُ للورعِ .. فهذا قدْ عارضَهُ أنَّ الورِعَ طلبُ
رضاهُما، بلْ هوَ واجبٌ، فليتلطَّفْ في الامتناع، فإنْ لمْ يقدرْ .. فليوافقْ وليقلَّلِ
الأكلَ ؛ بأنْ يصغِّرَ اللقمةَ، ويطيلَ المضْغَ ، ولا يتوسَّعَ ، فإنَّ ذلكَ غرورٌ .
والأخُ والأختُ قريبانِ مِنْ ذلكَ ؛ لأنَّ حقَّهما أيضاً مؤكَّدٌ .
وكذلكَ إذا ألبستُهُ أمُّهُ ثوباً مِنْ شبهةٍ وكانتْ تسخطُ بردِّهِ ، فليقبلْهُ وليلبسْهُ
بينَ يديها ، ولينزعْهُ في غيبتِها ، وليجتهدْ ألَّ يصلَّيَ فيهِ إلا عندَ حضورِها ،
فيصلِّي فيهِ صلاةَ المضطرِّ .
وعندَ تعارضٍ أسبابِ الورع ينبغي أنْ يتفقَّدَ هذهِ الدقائقَ .
من
وقدْ حُكِيَ عنْ بشرِ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ سلَّمَتْ إليهِ أُّهُ رطبةً، وقالَتْ : بحقِّي
عليكَ أنْ تأكلَها ، وكانَ يكرهُهُ ، فأكلَ ، ثمَّ صعدَ غرفةٌ ، فصعدتْ أَقُّهُ
وراءَهُ ، فرأتُهُ يتقيَّأُ ، وإنَّما فعلَ ذلكَ؛ لأنَّهُ أرادَ أنْ يجمعَ بينَ رضاها وبينَ
صيانةِ المعدةِ(٢) .
وقدْ قيلَ لأحمدَ ابنِ حنبلٍ : سئلَ بشرٌ : هلْ للوالدينِ طاعةٌ في الشبهةِ ؟
فقالَ: لا ، فقالَ أحمدُ : هذا شديدٌ، فقيلَ لهُ : سئلَ محمدُ بنُ مقاتلٍ
(١) وهذا قد رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٠/١٨) مرفوعاً بهذا اللفظ .
(٢) كذا في ((الورع)) (ص ٨٥) لأحمد، والخبر في ((القوت)) (٢٧٨/٢).
٥٠٨

ربع العادات
١٦٠٠٠
كتاب الحلال والحرام
ـح
العَبَّادانيُّ عنها فقالَ : بِرَّ والديكَ ، فماذا تقولُ ؟ فقالَ للسائل : أحبُّ أنْ
تعفيّي ؛ فقدْ سمعتَ ما قالا، ثمَّ قالَ: ما أحسنَ أنْ تداريَهُما(١) .
ـكن
محر
مَثَالَةٌ
[لا تجبُ العباداتُ الماليةُ على مَنْ في يدِهِ مالٌ حرامٌ محضٌ]
مَنْ في يدِهِ مالٌ حرامٌ محضٌ .. فلا حجَّ عليهِ ، ولا تلزمُهُ كفارةٌ مالِيَّةٌ ؛
لأنَّهُ مفلسٌ، ولا تجبُ الزكاةُ ؛ إذْ معنى الزكاةِ وجوبُ إخراجِ ربع العشرِ
مثلاً ، وهذا يجبُ عليهِ إخراجُ الكلِّ ؛ إمَّا رداً على المالكِ إنْ عرفَهُ ، أَوْ
صرفاً إلى الفقراءِ إنْ لمْ يعرفِ المالكَ.
وأمَّا إذا كانَ مالَ شبهةٍ يُحتملُ أنَّهُ حلالٌ ؛ فإذا لمْ يخرجْهُ مِنْ يِدِهِ . . لزمَهُ
الحجُّ ؛ لأنَّ كونَهُ حلالاً ممكنٌ ، ولا يسقطُ الحجُّ إلا بالفقرِ ، ولمْ يتحققْ
فقرُهُ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ أَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
وإذا وجبَ عليهِ التصدُّقُ بما يزيدُ على حاجتِهِ ، حيثُ يغلبُ على ظنِّهِ
تحريمُهُ .. فالزكاةُ أولى بالوجوبِ .
وإنْ لزمتْهُ كفارةٌ .. فليجمعْ بينَ الصومِ والإعتاقِ ؛ ليتخلّصَ بيقينِ ، وقدْ
قالَ قومٌ: عليهِ الجمعُ، وقالَ قومٌ: يلزمُهُ الصومُ دونَ الإطعام ؛ إذْ ليسَ لهُ
يسارٌ معلومٌ ، وقالَ المحاسبيُّ : يكفيهِ الإطعامُ .
(١) بنحوه في ((الورع)) (ص٤٨، ٤٩) لأحمد، وهو في ((القوت)) (٢/ ٢٧٧).
٥٠٩
ثر۔۔
مكن
بتى: حن . مئن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
والذي نختارُهُ : أنَّ كلَّ شبهةٍ حكمْنا بوجوبِ اجتنابها ، وألزمناهُ
إخراجَها مِنْ يدِهِ ؛ لكونِ احتمالِ الحرام أغلبَ على ما ذكرناهُ .. فعليهِ
الجمعُ بينَ الصومِ والإطعامِ ، أمَّا الصومُ .. فلأنَّهُ مفلسٌ حكماً، وأمَّا
الإطعامُ .. فلأنَّهُ قدْ وجبَ عليهِ التصدُّقُ بالجميع، ويُحتملُ أنْ يكونَ لهُ ،
فيكونَ اللزومُ مِنْ جهةِ الكفَّارةِ .
٠٤٪
مَنْألَّة
[فِيمَنْ أرادَ الحجّ وبيدِهِ مالٌ حرامٌ أمسكَهُ للحاجةِ]
مَنْ في يدِهِ مالٌ حرامٌ أمسكَهُ للحاجةِ ، فأرادَ أنْ يتطوَّعَ بالحجِّ ؛ فإنْ كانَ
ماشياً .. فلا بأسَ بهِ ؛ لأنَّهُ سيأكلُ هذا المالَ في غيرِ عبادةٍ ، فأكلُّهُ في عبادةٍ
أولى ، وإنْ كانَ لا يقدرُ على أنْ يمشيَ ، ويحتاجُ إلى زيادةٍ للمركوبِ .. فلا
يجوزُ الأخذُ لمثلِ هذهِ الحاجةِ في الطريقِ ، كما لا يجوزُ شراءُ المركوبِ في
البلدِ ، وإنْ كانَ يتوقَّعُ القدرةَ على حلالٍ لَوْ أقامَ ؛ بحيثُ يستغني بهِ عنْ بقيّةِ
الحرامِ .. فالإقامةُ في انتظارِهِ أولىُ مِنَ الحجِّ ماشياً بالمالِ الحرامِ .
ـثن
مَثْألَّةٌ
[فيمَنْ خرِجَ لحجّ واجبٍ بمالٍ فِيهِ شبهةٌ]
مَنْ خرِجَ لحجٌّ واجبٍ بمالٍ فيهِ شبهةٌ .. فليجتهدْ أنْ يكونَ قوتُهُ مِنَ
ر،۔۔
٥١٠

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
الطيّبِ ، فإنْ لمْ يقدرْ .. فمِنْ وقتِ الإحرامِ إلى التحلُّلِ ، فإنْ لمْ يقدرْ ..
فليجتهدْ يومَ عرفةَ ألا يكونَ قيامُهُ بينَ يدي اللهِ عزَّ وجلَّ ودعاؤُهُ في وقتٍ
مطعمُهُ حرامٌ وملبسُهُ حرامٌ ، فليجتهدْ ألا يكونَ في بطنِهِ حرامٌ ، ولا على
ظهرِهِ حرامٌ ؛ فإنَّا وإنْ جوَّزْنا هذا للحاجةِ .. فهوَ نوعُ ضرورةٍ، وما ألحقناهُ
بالطيِّاتِ(١).
فإنْ لمْ يقدرْ .. فليلازمْ قلبَهُ الخوفَ والغمَّ لما هوَ مضطرّ إليهِ مِنْ تناولِ
ما ليسَ بطيِّبٍ ، فعسى اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ ينظرَ إليهِ بعينِ الرحمةِ ، ويتجاوزَ عنهُ
بسببٍ حزنهِ وخوفِهِ وكراهتهِ .
مَثَآلَةٌ
[فيمَنْ ماتَ وكانَ يعاملُ مَنْ تُكرهُ معاملتُهُ]
سُئِلَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رحمهُ اللهُ فقالَ لهُ قائلٌ : ماتَ أبي وتركَ مالاً ،
وكانَ يعاملُ مَنْ تُكُرهُ معاملتُهُ ، فقالَ : تدعُ مِنْ مالِهِ بقدْرٍ ما ربحَ ، فقالَ :
لهُ دينٌ وعليهِ دينٌ ، فقالَ : تقضي وتقتضي ، فقالَ : أفترىُ ذلكَ ؟ فقالَ
أفتدعُهُ محتبساً بدينِهِ ؟! (٢).
وما ذكرَهُ صحيحٌ، وهوَ يدلُّ على أنَّهُ رأى التحرِّيَ بإخراج مقدارِ
(١) وإنما جوَّزناه للضرورات. ((إتحاف)) (١٠٩/٦).
(٢) كذا في ((الورع)) (ص١٤٨) لأحمد، وهو في ((القوت)) (٢٧٧/٢).
بنا
2
٥١١
حرم
+ (،

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
الحرام ، إذْ قالَ : ( يخرجُ قَدْرَ الربح )، وأنَّهُ رأى أنَّ أعيانَ أموالِهِ ملكٌ لهُ
بدلاً عمَّا بذلَهُ في المعاوضاتِ الفاسدةِ بطريقِ التقاصِّ والتقابلِ مهما كثرَ
التصرُّفُ وعسُرَ الرَدُّ ، وعوَّلَ في قضاءِ دينِهِ على أنَّهُ يقينٌ ، فلا يتركُ بسببٍ
الشبهةِ .
ـحر
حن حن
٥١٢

ربع العادات
٥٠
كتاب الحلال والحرام
سون
البَابُ الْخَامِيسُ
في إذرارات التلاطين وصلاتهم وماكل منها وما يحرم
اعلمْ : أَنَّ مَنْ أخذَ مالاً مِنْ سلطانٍ .. فلا بدَّ لهُ مِنَ النظرِ في ثلاثةِ أمورٍ :
في مدخلٍ ذلكَ إلى يدِ السلطانِ مِنْ أينَ هوَ ؟
وفي صفتِهِ التي بها يستحقُّ الأخذَ .
وفي المقدارِ الذي يأخذهُ هلْ يستحقُّهُ إذا أضيفَ إلى حالهِ وحالِ شركائِهِ
في الاستحقاقِ ؟
النّظر الأوّل: في جمات الدخل السّلطان
وكلُّ ما يحلُّ للسلطانِ سوى الإحياء وما يشتركُ فيهِ الرعيَّةُ قسمانٍ :
مأخوذٌ منَ الكفَّارِ : وهوَ الغنيمةُ المأخوذةُ بالقهرِ ، والفيءُ ؛ وهوّ الذي
حصلَ مِنْ مالِهِمْ في يدهِ مِنْ غيرِ قتالٍ ، والجِزيةُ وأموالُ المصالحةِ ؛ وهيَ
التي تؤخذُ بالشرطِ والمعاقدةِ .
والقسمُ الثاني : المأخوذُ مِنَ المسلمينَ : ولا يحلُّ منهُ إلا قسمانِ :
- المواريثُ وسائرُ الأموالِ الضائعةِ التي لا يتعيَّنُ لها مالكٌ.
٥١٣
حن حن حن حن حن حن
مئن.
3

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
كرز
- والأوقافُ التي لا متولِّيَ لها .
أمَّا الصدقاتُ .. فليسَ تؤخذُ في هذا الزمانِ ، وما عدا ذلكَ ؛ مِنَ
الخراج المضروبِ على المسلمينَ ، والمصادراتِ ، وأنواع الرِّشوةِ .. كلُّها
حرامٌ .
فإذا كتبَ لفقيهٍ أوْ غيرهِ إدراراً ، أوْ صلةً أوْ خلعةً على جهةٍ .. فلا يخلو
مِنْ أحوالٍ ثمانيةٍ؛ فإنَّهُ إمَّا أنْ يكتبَ لهُ ذلكَ على الجزيةِ ، أَوْ على
المواريثِ ، أوْ على الأوقافِ ، أوْ على مواتٍ أحياهُ السلطانُ، أوْ على ملْكٍ
اشتراهُ ، أَوْ على عاملٍ خراجِ المسلمينَ ، أَوْ على بيَّاعِ مِنْ جملةِ التجّارِ ، أوْ
على الخزانةِ .
فالأوَّلُ : هوَ الجزيةُ : وأربعةُ أخماسِها للمصالح(١)، وخمسُهَا لجهاتٍ
معيَّنةٍ ، فما يُكتبُ على الخمسِ مِنْ تلكَ الجهاتِ ، أوْ على الأخماس
الأربعةِ لما فيهِ مصلحةٌ ، وروعيَ فيهِ الاحتياطُ في القدْرِ .. فهوَ حلالٌ بشرطِ
أنْ تكونَ الجزيةُ مضروبةٌ على وجهٍ شرعيٍّ ؛ ليسَ فيها زيادةٌ على دينارِ ، أوْ
٢٠
ـن
(١) كسد الثغور، وبناء القناطر والجسور، وكفاية القضاة والعلماء والمقاتلة ووزرائهم؛
لأنه مأخوذ بقوة المسلمين ، فيصرف إلى مصالحهم ، وهؤلاء عملة المسلمين ، قد
حبسوا أنفسهم لمصالح المسلمين ، فكان الصرف إليهم تقوية للمسلمين . (( إتحاف !
(٦ /١١٠ ).
من
٥١٤

ربع العادات
مے
كتاب الحلال والحرام
حرب
من
على أربعةِ دنانيرَ ؛ فإنَّهُ أيضاً في محلِّ الاجتهادِ (١) ، وللسلطانِ أنْ يفعلَ
ما هوَ في محلِّ الاجتهادِ ، وبشرطِ أنْ يكونَ الذميُّ الذي تُؤخذُ الجزيةُ منهُ
مكتسباً مِنْ وجهٍ لا يُعلمُ تحريمُهُ ، فلا يكونُ عاملَ سلطانٍ ظالمٍ ، ولا بَيَّاعَ
خمرٍ ، ولا صبيّاً ولا امرأةً ؛ إذْ لا جزيةً عليهما .
فهذهِ أمورٌ تُراعى في كيفيةِ ضرْبِ الجزيةِ ، ومقدارِها ، وصفةٍ مَنْ
تُصرفُ إليهِ ، ومقدار ما يُصرفُ ، فيجبُ النظرُ في جميعِ ذلكَ .
الثاني : المواريثُ والأموالُ الضائعةُ : فهيَ للمصالح ، والنظرُ في أنَّ
الذي خلَّفَهُ هلْ كانَ مالُهُ كلُّهُ حراماً أوْ أكثرُهُ أَوْ أقلُّهُ؟ وقدْ سبقَ حكمُهُ ، فإنْ
لمْ يكنْ حراماً .. بقيَ النظرُ في صفةٍ مَنْ يُصرفُ إليهِ ؛ بأنْ يكونَ في الصرْفِ
إليهِ مصلحةٌ ، ثمَّ في المقدارِ المصروفِ .
الثالثُ : الأوقافُ : وكذا يجري النظرُ فيها كما يجري في الميراثِ ، معَ
زيادةِ أمرٍ ؛ وهوَ شرْطُ الواقِفِ ، حتَّى يكونَ المأخوذُ موافقاً لهُ في جميعِ
شرائِطِهِ .
٣٦٠٠٠
(١) فتقدير الدينار هو قول الإمام الشافعي، وتقديرها بأربعة دنانير هو قول الإمام مالك،
على تفصيل في ذلك. انظر ((الإتحاف)) (٦ / ١١٠).
٥١٥
جار»

كتاب الحلال والحرام
۴۴.
ربع العادات
الرابعُ : ما أحياهُ السلطانُ : وهذا لا يُعتبرُّ فيهِ شرْطٌ ؛ إذْ لهُ أنْ يعطيَ
مِنْ ملكِهِ ما شاءَ ، لمَنْ شاءَ، أيَّ قدْرِ شاءَ، وإنَّما النظرُ في أنَّ الغالبَ أنَّهُ
أحياهُ بإكراهِ الأجراءِ ، أَوْ بأداءِ أجرتِهِمْ مِنْ حرام ؛ فإنَّ الإحياءَ يحصلُ بحفْرٍ
القناةِ والأنهارِ وبناءِ الجدرانِ ، وتسويةِ الأرضِ ، ولا يتولاَهُ السلطانُ
بنفسِهِ.
فإنْ كانوا مكرهينَ على الفعلِ .. لمْ يتملكْهُ السلطانُ، وهوَ حرامٌ ، وإنْ
كانوا مستأجرينَ ، ثمَّ قُضيتْ أجورُهُمْ مِنَ الحرام .. فهذا يورثُ شبهةً قدْ
نبهنا عليها في تعلّقِ الكراهةِ بالأعواضِ .
الخامسُ : ما اشتراهُ السلطانُ في الذمَّةِ مِنْ أرضٍ أَوْ ثيابٍ خِلْعةٍ ، أوْ
فرسٍ ، أوْ غيرهٍ : فهوَ ملكُهُ ، ولهُ أنْ يتصرَّفَ فيهِ ، ولكنَّهُ سيقضي ثمنَهُ مِنْ
حرام ، وذلكَ يوجبُ التحريمَ تارةً ، والشبهةَ أخرى ، وقدْ سبقَ
تفصيلُهُ(١) .
السادسُ : أنْ يكتبَ على عاملِ خراج المسلمينَ (٢) أَوْ مَنْ يجمعُ أموالَ
حن حن حج حن
(١) فموجب التحريم كونه اشترى من مال حرام ، وموجب الشبهة أنه اشتراه في الذمة ، ثم
أدى ثمنه من حرام. («إتحاف)) (١١١/٦).
(٢) أي : على الأراضي الخراجية .
٥١٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
القسمةِ (١) والمصادرةِ: وهوَ الحرامُ السخْتُ الذي لا شبهةَ فيهِ، وهوَ أكثرُ
الإدراراتِ في هذا الزمانِ ، إلا ما على أراضي العراقِ ؛ فإنَّها وقْفٌ عندَ
الشافعيِّ رحمهُ اللهُ على مصالح المسلمينَ (٢).
٤٠
السابعُ : ما يُكتبُ على بيَّاعِ يعاملُ السلطانَ : فإنْ كانَ لا يُعاملُ غيرَهُ ..
فمالُهُ كمالِ خزانةِ السلطانِ ، وإنْ كانتْ معاملتُهُ معَ غيرِ السلطانِ أكثرَ .. فما
يعطيهِ قرضٌ على السلطانِ، وسيأخذُ بدلَهُ مِنَ الحرام ، فالخللُ يتطرّقُ إلى
العوضِ ، وقد سبقَ حكمُ الثمنِ الحرامِ .
الثامنُ : ما يُكتبُ على الخزانةِ ، أو على عاملٍ يجتمعُ عندَهُ مِنَ الحلالِ
والحرام : فإنْ لمْ يُعرفْ للسلطانِ دخلٌ إلا مِنَ الحرام .. فهوَ سحْتٌ
محضٌ ، وإنْ عُرفَ يقيناً أنَّ الخزانةَ تشتملُ على مالٍ حلالٍ ومالٍ حرامٍ ،
واحتملَ أنْ يكونَ ما يسلَّمُ إليهِ بعينِهِ مِنْ الحلالِ احتمالاً قريباً لهُ وقْعٌ في
النفسِ ، واحتملَ أنْ يكونَ مِنَ الحرام وهوَ الأغلبُ ؛ لأنَّ أغلبَ أموالٍ
السلاطينِ حرامٌ في هذهِ الأعصارِ ، والحلالُ في أيديهِمْ معدومٌ أوْ عزيزٌ ..
فقدِ اختلفَ الناسُ في هذا :
(١) في ( ب): (الرشوة)، وفي نسخة الحافظ الزبيدي (١١١/٦): (الغنيمة).
(٢) إذ استطاب عمر رضي الله عنه قلوب الغانمين وآجرها من أهلها. انظر ((الأم))
(٦٨٤/٥)، و((السنن الكبرى)) (٣١٨/٦) للبيهقي، و((الإتحاف)) (١١١/٦).
ق:
ـذء
٥١٧
حن
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
فقالَ قومٌ : كلُّ ما لا أتيقَّنُ أنَّهُ حرامٌ . . فلي أنْ آخذَهُ .
وقالَ آخرونَ : لا يحلُّ أنْ يُؤخذَ ما لمْ يُتحقَّقْ أنَّهُ حلالٌ ؛ فلا تحلُّ شبهةٌ
أصلاً .
وكلاهما إسرافٌ، والاعتدالُ ما قدمنا ذكرَهُ، وهوَ الحكمُ بأنَّ الأغلبَ
إذا كانَ حراماً .. حرمَ، وإنْ كانَ الأغلبُ حلالاً وفيهِ يقينُ حرامٍ .. فهوَ
موضعٌ توقفنا فيهِ كما سبقٌ .
ں۔
ولقدِ احتجَّ مَنْ جوَّزَ أخذَ أموالِ السلاطينِ إذا كانَ فيها حرامٌ وحلالٌ مهما
لمْ يتحقَّقْ أنَّ عينَ المأخوذِ حرامٌ .. بما رُوِيَ عنْ جماعةٍ مِنَ الصحابةِ أنَّهُمْ
أدركوا أيامَ الأئمةِ الظلمةِ وأخذوا الأموالَ ؛ منهُمْ : أبو هريرةَ ، وأبو سعيدٍ
الخدريُّ ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ، وأبو أيُّوبَ الأنصاريُّ ، وجريرُ بنُ عبدِ اللهِ ،
وجابرٌ ، وأنسُ بنُ مالكِ ، والمِسْوَرُ بنُ مخرمةً .
فأخذَ أبو سعيدٍ وأبو هريرةً مِنْ مروانَ ويزيدَ ومِنْ عبدِ الملكِ(١)، وأخذ
ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍٍ مِنْ الحجّاجِ(٢).
(١) فقد أُمِّر عبد الملك في زمن معاوية رضي الله عنه؛ إذ كان أميره على المدينة وعمره ست
عشرة سنة. انظر ((الطبقات الكبرى)) (٢٢١/٧).
(٢) عقد ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٢٠٧٠٢ -٢٠٧٢٢) باباً فيمن رخص في جوائز
الأمراء والعمال .
٥١٨

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وأخذَ كثيرٌ مِنَ التابعينَ منهُمْ ؛ كالشعبيِّ ، والنخعيِّ ، والحسنِ ، وابنٍ
أبي ليلى .
وأخذَ الشافعيُّ مِنْ هارون الرشيدِ ألفَ دينارٍ في دفعةٍ واحدةٍ ، وأخذَ
مالكٌ مِنَ الخلفاءِ أموالاً جمَّةٌ .
وقالَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( خذْ ما يعطيكَ السلطانُ ؛ فإنَّما يعطيكَ مِنَ
الحلالِ ، وما يأخذُ مِنَ الحلالِ أكثرُ ) .
وإنما تركَ مَنْ تركَ العطاءَ منهُمْ توُّعاً ؛ مخافةً على دينِهِ أنْ يحملَ على
ما لا يحلُّ .
ألا ترى قولَ أبي ذرٍّ للأحنفِ بنِ قيسٍ : ( خذِ العطاءَ ما كانَ نحلةٌ ، فإذا
كانَ أثمانَ دِينِكُمْ .. فدعوهُ)(١) .
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا أُعطِينا .. قبلْنا، وإذا مُنعْنا .. لمْ
نسألْ)(٢) .
وعنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا أعطاهُ
معاويةٌ .. سكتَ، وإنْ منعَهُ .. وقعَ فيهِ (٣) .
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢١٦/٤).
(٢) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٨٤/٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
( ٦٧ /٣٧٤) بنحوه .
(٣) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٧٣/٦٧) بنحوه .
رت.
٥١٩

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
حن
ش
وعنِ الشعبيِّ، عنْ مسروقٍ(١): ( لا يزال العطاء بأهلِ العطاءِ
حتَّى يدخلَهُمُ النارَ)(٢) أيْ: يحملُهُمْ ذلكَ على الحرامِ، لا أنَّهُ في نفسِهِ
حرامٌ .
وروىُ نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : أنَّ المختارَ كانَ يبعثُ إليهِ
المالَ فيقبلُهُ، ثمّ يقولُ: ( لا أسألُ أحداً، ولا أرذُّ ما رزقَني اللهُ)(٣)،
وأهدى إليهِ ناقةً فقبلَها ، وكانَ يُقالُ لها : ناقةُ المختار (٤).
ولكنْ هذا يعارضُهُ ما رُوِيَ أنَّ ابنَ عمرَ لمْ يردَّ هديةَ أحدٍ إلا هديّةً
المختارِ ، والإسنادُ في ردِّهِ أثبتُ(٥) .
وعنْ نافع أنَّهُ قالَ : بعثَ ابنُ معمرٍ إلى ابنِ عمرَ ستينَ ألفاً ، فقسمَها
(١) في (أ، ج، هـ، ط): (ابن مسروق)، وفي (ب، د): ( أبي مسروق ) ،
والمثبت من بعض نسخ وقف عليها الحافظ الزبيدي ، فالشعبي إنما يروي عن
مسروق بن الأجدع الكوفي التابعي المشهور. انظر ((الإتحاف)) (١١٣/٦ ).
(٢) قد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٠٧١١) أن خالد بن أسيد بعث إلى مسروق
بثلاثين ألفاً ، فردها ، فقالوا له : لو أخذتها فتصدقت بها ووصلت بها ؟! فأبى أن
يأخذها .
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٤٠/٤)، والمختار هو ابن أبي عبيد الثقفي
الكذاب .
(٤) معناه في الخبر قبله ، وسيأتي خبر حبيب قريباً .
(٥) خبر ردّه هدايا المختار رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٤٧/٤) قال نافع : ما رد ابن
عمر على أحد وصية ولا رد على أحد هدية إلا على المختار .
ته.٥؟"
ق
٥٢٠
طن
حن.