النص المفهرس

صفحات 461-480

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
بالورع في الطهارة والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ .. فلهُ حكمٌ آخرُ؛ إذْ تعارضَتِ
الدلالتانِ بالإضافةِ إلى المالِ فتساقطتا وعادَ الرجلُ كالمجهولِ ؛ إذْ ليسَتْ
إحدى الدلالتينِ تناسبُ المالَ على الخصوصِ ، فَكَمْ مِنْ متحرِّج في المالِ
لا يتحرَّجُ في غيرِهِ ، وكمْ مِنْ محسنٍ للصلاةِ والوضوءِ والقراءةِ ويأكلُ مِنْ
حيثُ يجدُ ، فالحكمُ في مثلِ هذهِ الوقائع ما يميلُ إليهِ القلبُ ، فإنَّ هذا
أمرٌ بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى، فلا يبعدُ أنْ يُناطَ بسببٍ خفيٍّ لا يطلعُ عليهِ إلا
هوَ وربُّ الأربابِ(١) ، وهوَ حكْمُ حزازةِ القلبِ .
جن
چېپ.
ثمَّ ليُتنبَّهْ لدقيقةٍ أخرى ، وهيَ أنَّ هذهِ الدلالةَ ينبغي أنْ تكونَ بحيثُ تدلُّ
على أنَّ أكثرَ مالِهِ حرامٌ، بأنْ يكونَ جندياً ، أوْ عاملَ سلطانٍ ، أوْ نائحةً ، أوْ
مغنّا (٢) ، فإنْ دلَّ على أنَّ في مالِهِ حراماً قليلاً .. لمْ يكنِ السؤالُ واجباً ، بلْ
كانَ السؤالُ مِنَ الورعِ .
الحالةُ الثالثةُ : أنْ تكونَ الحالُ معلومةً بنوع خبرةٍ وممارسةٍ ؛ بحيثُ
يوجبُ ذلك ظنّاً في حلِّ المالِ أوْ تحریمِهِ :
مثلَ أنْ يُعرفَ صلاحُ الرجلِ وديانتُهُ وعدالتُهُ في الظاهرِ ، وجُوِّزَ أنْ يكونَ
الباطنُ بخلافِهِ ، فهلهنا لا يجبُ السؤالُ ولا يجوزُ ؛ كما في المجهولِ ، بلْ
(١) في (أ): ( لا يطلع عليه إلا الله تعالى وهو رب الأرباب ).
(٢) في (د) : (مغنِّية ) .
ويته
٤٦١
کرم
مدن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
أولى(١)، والإقدامُ ههنا أبعدُ عنِ الشبهةِ مِنَ الإقدام على طعامِ المجهولِ ،
فإنَّ ذلكَ بعيدٌ عنِ الورعِ وإنْ لمْ يكنْ حراماً .
وأمَّا أكلُ طعام أهلِ الصلاحِ .. فدأبُ الأنبياءِ والأولياءِ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: (( لا تأكلْ إلا طعامَ تقيٍّ، ولا يأكلْ طعامَكَ إلا تقيٌّ))(٢).
فأمَّا إذا علمَ بالخبرةِ أنَّهُ جنديٌّ ، أَوْ مغنٍّ ، أَوْ مربٍ ، واستغنىُ عنِ
الاستدلالِ عليهِ بالهيئةِ والشكْلِ والثيابِ .. فهلهنا السؤالُ واجبٌ لا محالةً ؛
كما في موضعِ الريبةِ ، بلْ أولى .
(١) أي: أولى من المجهول في عدم السؤال. ((إتحاف)) (٨٢/٦).
(٢) رواه أبو داوود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥) بلفظ: (( لا تصاحب إلا مؤمناً،
ولا يأكل طعامك إلا تقي» .
ـتن
ن،
٤٦٢

١
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
المثار الثَّاني: ، يستند الشّكت في إلى سبب في المال ، في حال المالك
وذلكَ بأنْ يختلطَ الحلالُ بالحرامِ ؛ كما إذا طُرِحَ في سوقٍ أحمالٌ مِنْ
طعامٍ غصْبٍ ، واشتراها أهلُ السوقِ ، فليسَ يجبُ على مَنْ يشتري في تلكَ
البلدةِ وذلكَ السوقِ أنْ يسألَ عمَّا يشتريهِ إلا أنْ يظهرَ أنَّ أكثرَ ما في أیدیهِمْ
حرامٌ ، فعندَ ذلكَ يجبُ السؤالُ، فإنْ لمْ يكنْ هوَ الأكثرَ .. فالتفتيشُ مِنَ
الورعِ ، وليسَ بواجبٍ ، والسوقُ الكبيرُ حكمُهُ حكْمُ بلدٍ .
والدليلُ على أنَّهُ لا يجبُ السؤالُ والتفتيشُ إذا لمْ يكنِ الأغلبُ الحرامَ .. أنَّ
الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُم لمْ يمتنعوا عنِ الشراءِ في الأسواقِ وفيها دراهِمُ الربا وغلولُ
الغنيمةِ وغيرُها ، وكانوا لا يسألونَ في كلِّ عقدٍ ، وإنَّما السؤالُ نُقِلَ عنْ آحادِهِمْ
نادراً في بعضِ الأحوالِ، وهيَ محالُّ الرِّيبةِ في حقِّ ذلكَ الشخصِ المعيَّنِ، وكذلكَ
كانوا يأخذونَ الغنائمَ مِنَ الكفَّارِ الذين كانُوا قدْ قاتلوا المسلمينَ، وربَّما أخذوا
أموالَهُمْ، واحتملَ أنْ يكونَ في تلكَ المغانمِ شيءٌ ممَّا أخذوهُ مِنَ المسلمينَ ،
وذلكَ لا يحلُّ أخذُهُ مجَّاناً بالاتفاقِ ، بلْ يُردُّ على صاحبِهِ عندَ الشافعيِّ، وصاحبُهُ
أولى بهِ بالثمنِ عندَ أبي حنيفةً ، ولمْ ينقلْ قطُّ التفتيشُ عنْ هذا.
3
وكتبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إلى أَذْرَ بِيجانَ: ( إنَّكُمْ في بلادٍ تُذُبحُ فيها
الميتةُ، فانظروا ذكيَّهُ من ميتِهِ)(١) ، أَذِنَ في السؤالِ وأَمَرَ بِهِ ، ولمْ يأمرْ
(١) بنحوه رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٢٠/٩).
٤٦٣

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
بالسؤالِ عنِ الدراهمِ التي هيَ أثمانُها ؛ لأنَّ أكثرَ دراهِمِهِمْ لمْ تكنْ أثمانَ
الجلودِ ، وإنْ كانَتْ هيَ أيضاً تُباعُ ، وأكثرُ الجلودِ كانَ كذلكَ .
وكذلكَ قالَ ابنُ مسعودٍ : ( إنَّكُمْ في بلادٍ أكثرُ قصَّابيها المجوسُ ،
فانظروا الذكيَّ مِنَ الميتةِ ) ، فخصَّ بالأكثرِ الأمرَ بالسؤالِ .
ولا يتضحُ مقصودُ هذا البابِ إلا بذكرِ صورٍ وفرضٍ مسائلَ يكثرُ وقوعُها
في العاداتِ ، فلنفرضها .
مَثَالَّة
[فِيمَنْ مالُهُ مختلطٌ منَ الحلالِ والحرامِ]
شخصٌ معيَّنٌ خالطَ مالَهُ الحرامُ ، مثلَ أنْ يُباعَ على دكانِ بَيَّاعِ طعامٌ
مغصوبٌ أوْ مالٌ منهوبٌ ، ومثلَ أنْ يكونَ القاضي أوِ الرئيسُ أوِ العاملُ أوٍ
الفقيهُ الذي لهُ إدرارٌ مِنْ سلطانٍ ظالمٍ .. لهُ أيضاً مالٌ موروثٌ ودهقنةٌ أُوْ
تجارةٌ(١) ، أوْ رجلٌ تاجرٌ يعاملُ بمعاملاتٍ صحيحةٍ ويُربي أيضاً .
فإنْ كانَ الأكثرُ مِنْ مالِهِ حراماً . . فلا يجوزُ الأكلُ مِنْ ضيافِتِهِ ، ولا قبولُ
هديَّتِهِ وصدقتِهِ إلا بعدَ التفتيشِ ؛ فإنْ ظهرَ أنَّ المأخوذَ مِنْ وجهٍ حلالٍ ..
فذاكَ ، وإلا .. تُركَ .
من كن
وإنْ كانَ الحرامُ أقلَّ والمأخوذُ مشتبهٌ . . فهذا في محلِّ النظرِ ؛ لأنَّهُ على
(١) والدهقئة بالفارسية : الفلاحة والزراعة هنا .
٤٦٤

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
رتبةٍ بينَ الرتبتينِ ، إذْ قضينا بأنَّهُ لوِ اشتبهَ ذكيَّةٌ بعشْرِ ميتاتٍ مثلاً .. وجبَ
اجتنابُ الكلِّ ، وهذا يشبهُهُ مِنْ وجهٍ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ مالَ الرجلِ الواحدِ
كالمحصورِ ، لا سيما إذا لمْ يكنْ كثيرَ المالِ مثلَ السلطانِ ، ويخالفُهُ مِنْ
وجهٍ ؛ إذِ الميتةُ يُعلمُ وجودُها في الحالِ يقيناً، والحرامُ الذي خالطَ مالَهُ
يُحتملُ أنْ يكونَ قدْ خرِجَ مِنْ يدهِ وليسَ موجوداً في الحالِ .
وإنْ كانَ المالُ قليلاً وعُلِمَ قطعاً أنَّ الحرامَ موجودٌ في الحالِ .. فهوَ
ومسألةُ اختلاطِ الميتةِ واحدٌ ، وإنْ كثرَ المالُ واحتملَ أنْ يكونَ الحرامُ غيرَ
موجودٍ في الحالِ .. فهذا أخفُّ مِنْ ذلكَ ، ويشبهُ مِنْ وجهِ الاختلاطَ بغيرِ
محصورٍ ؛ كما في الأسواقِ والبلادٍ ، ولكنَّهُ أغلظُ منهُ ؛ لاختصاصِهِ بشخصٍٍ
واحدٍ ، ولا يُشَكُّ في أنَّ الهجومَ عليهِ بعيدٌ مِنَ الورع جداً ، ولكنَّ النظرَ في
كونِهِ فسقاً مناقضاً للعدالةِ ، وهذا مِنْ حيثُ المعنى غامضٌ ؛ لتجاذبِ
الأشباهِ ، ومِنْ حيثُ النقلُ أيضاً غامضٌ ؛ لأنَّ ما يُنقلُ فيهِ عنِ الصحابةِ مِنَ
الامتناع في مثلِ هذا وكذا عنِ السلفِ .. يمكنُ حملَهُ على الورع ،
و
ولا يصادفُ فيهِ نصٌّ على التحريمِ .
وال
وما يُنقلُ مِنْ إقدام مَنْ أقدمَ منهُمْ على الأكلِ ؛ كأكلِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ
عنهُ طعامَ معاويةً مثلاً إنْ قُدِّرَ في جملةِ ما في يدِهِ حرامٌ . . فذلكَ أيضاً يُحتملُ
أنْ يكونَ إقدامُهُ بعدَ التفتيشِ واستبانةِ أنَّ عينَ ما يأكلُهُ مِنْ وجهٍ مباحٍ (١) .
(١) بدلالة أن معاوية رضي الله عنه كان يحترز في مأكله كما هو اللائق بشأنه ، ورواية أنه كان =
٤٦٥
ـكن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
فالأفعالُ في هذا ضعيفةُ الدلالةِ ، ومذاهبُ العلماءِ المتأخرينَ
مختلفةٌ، حتَّى قالَ بعضُهُمْ: ( لوْ أعطاني السلطانُ شيئاً .. لأخذتُهُ)(١)،
وطردَ الإباحةَ فيما إذا كانَ الأكثرُ أيضاً حراماً ، مهما لمْ يعرفْ عينَ المأخوذِ
واحتملَ أنْ يكونَ حلالاً ، واستدلَّ بأخذِ بعضِ السلفِ جوائزَ السلاطينِ ؛
كما سيأتي في بابِ بيانِ أموالِ السلاطينِ .
.443
فإذا كانَ الحرامُ هوَ الأقلَّ واحتملَ ألا يكونَ موجوداً في الحالِ .. لمْ يكنِ
الأكلُ حراماً ، وإنْ تُحقِّقَ وجودُهُ في الحالِ ؛ كما في مسألةِ اشتباهِ الميتةِ
بالذكية .. فهذا ممَّا لا أدري ما أقولُ فيهِ! وهوَ مِنَ المتشابهاتِ التي يتحيَّرُ
المفتي فيها ؛ لأنَّها مترددةٌ بينَ مشابهةِ المحصورِ وغيرِ المحصورِ ،
والرضيعةُ إذا اشتبهَتْ في قريةٍ فيها عشرُ نسوةٍ .. وجبَ الاجتنابُ، وإنْ كانَ
ببلدةٍ فيها عشرةُ آلافٍ .. لمْ يجبْ، وبينَهُما أعدادٌ لوْ سئلتُ عنها .. لكنتُ
لا أدري ما أقولُ فيها .
ولقدْ توقَّفَ العلماءُ في مسائلَ هيَ أوضحُ مِنْ هذا ؛ إذْ سئلَ أحمدُ ابنُ حنبلِ
رحمهُ اللهُ عنْ رجلٍ رمى صيداً فوقعَ في ملكِ غيرِهِ : أيكونُ الصيدُ للرامي أوْ
لمالكِ الأرضِ ؟ فقالَ : لا أدري ، فروجعَ فيهِ مرَّاتٍ ، فقالَ: لا أدري(٢).
٤٠
يألف مائدة معاوية ويصلي خلف علي رضي الله عن الجميع .. فهي من الأقوال المحكية
=
التي لا يعرف لها سند. انظر ((الإتحاف)) (٨٤/٦ - ٨٥).
(١) قوت القلوب (٢٨٩/٢).
(٢) كذا في ((الورع)) (ص١٠٣)، والفتوى لعبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى.
٤
٤٦٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
ـدن
وكثيراً مِنْ ذلكَ حكيناهُ عنِ السلفِ في كتابِ العلمِ ، فليقطعِ المفتي
طمعَهُ عنْ درْكِ الحكمِ في جميعِ الصورِ .
وقدْ سألَ ابنَ المباركِ صاحبُهُ مِنَ البصرةِ عنْ معاملتِهِ قوماً يعاملونَ
السلاطينَ ، فقالَ : إنْ لمْ يعاملوا سوى السلطانِ .. فلا تعاملْهُمْ، وإنْ
عاملوا السلطانَ وغيرَهُ .. فعاملْهُمْ(١) .
وهذا يدلُّ على المسامحةِ في الأقلِّ، ويحتملُ المسامحةَ في الأكثرِ
أيضاً .
وبالجملةِ : فلمْ يُنقلْ عنِ الصحابةِ أنَّهُمْ كانوا يهجرونَ بالكليَّةِ معاملةً
القصابِ والخبازِ والتاجرِ لتعاطيهِ عقداً واحداً فاسداً ، أوْ لمعاملتِهِ السلطانَ
مرَّةٌ ، وتقديرُ ذلكَ فيهِ بعدٌ ، والمسألةُ مشكلةٌ في نفسِها .
فإنْ قيلَ : فقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ رخّصَ
فيهٍ، وقالَ : (خُذْ ما يعطيكَ السلطانُ فإنَّما يعطيكَ مِنَ الحلالِ ، وما يأخذُ
مِنَ الحلالِ أكثرُ مِنَ الحرامِ ) .
وسُئِلَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ في ذلكَ، فقالَ لهُ السائلُ : إنَّ لي جاراً
لا أعلمُهُ إلا خبيثاً، يدعونا، أو نحتاجُ فنستسلفُهُ، فقالَ: إذا دعاكَ ..
(١) قوت القلوب (٢٧٢/٢) بنحوه .
٤٦٧
ش

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
فأجبْهُ، وإذا احتجتَ .. فاستسلفْهُ ؛ فإنَّ لكَ المهنأَ وعليهِ المأثمَ(١).
وأفتى سلمانُ رضيَ اللهُ عنهُ بمثلِ ذلكَ(٢).
وقدْ علَّلَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ بالكثرةِ، وعلَّلَ ابنُ مسعودٍ بطريقِ الإشارةِ
بأنَّ عليهِ المأثمَ ؛ لأنَّهُ يعرفُهُ ، و( لكَ المهنأُ) أيْ : أنتَ لا تعرفُهُ.
ورُوِيّ أنَّهُ قَالَ رجلٌ لابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : إنَّ لي جاراً يأكلُ الربا ،
فيدعونا إلى طعامِهِ ، أفنأتيهِ ؟ فقالَ: نَعَمْ (٣).
ورُوِيّ ذلكَ عنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ برواياتٍ كثيرةٍ مختلفةٍ ، وأخذَ
الشافعيُّ ومالكٌ رضيَ اللهُ عنهُما جوائزَ الخلفاءِ والسلاطينِ ، معَ العلمِ بأنَّهُ
قدْ خالطَ مالَهُمُ الحرامُ ؟
قلنا : أمَّا ما رُوِيَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ .. فقدِ اشتهرَ مِنْ ورعِهِ ما يدلُّ
على خلافِ ذلكَ ؛ فإنَّهُ كانَ يمتنعُ مِنْ مالِ بيتِ المالِ ولا يأكلُ منهُ(٤) ، حتى
إِنَّهُ أمرَ ببيع سيفِهِ(٥) ، ولا يكونُ لهُ إلا قميصٌ واحدٌ في وقتِ الغسلِ لا يجدُ
(١) رواه الحميري في ((جزئه)) (١٣)، وسيأتي نحوه قريباً.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ( ١٤٦٧٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٦٧٥)، وهو عند البيهقي في (( السنن الكبرى))
(٣٣٥/٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) إذ روى أبو نعيم في « الحلية)) (٨٠/١) أنه أعطى جميع ما في بيت مال المسلمين وهو
يقول : ( يا صفراء ويا بيضاء ؛ غري غيري ، ها وها ، حتى ما بقي منه دينار
ولا درهم ، ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين ) .
(٥) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٣/١) عن يزيد بن محجن قال: كنت مع علي وهو بالرحبة،
فدعا بسيف فسلّه ، فقال : ( من يشتري سيفي هذا ؟ فوالله لو كان عندي ثمن إزار ما بعته).
ـبة
٤٦٨
1-

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
مطبوخ
غيرَهُ(١)، ولستُ أنكرُ أنَّ رخصتَهُ صريحٌ في الجوازِ ، وفعلَهُ محتملٌ
للورع، ولكنَّهُ إنْ صحَّ .. فمالُ السلطانِ لهُ حكمٌ آخرُ ؛ فإنَّهُ بحكمٍ كثرتِهِ
يكادُ يلتحقُ بما لا يُحصَرُ، وسيأتي بيانُ ذلكَ، وكذلكَ فعلُ الشافعيِّ
ومالكِ رضيَ اللهُ عنهُما متعلَّقٌ بمالِ السلطانِ ، وسيأتي حكمُهُ ، وإنَّما كلامُنا
في آحادِ الخلْقِ ، وأموالُهُمْ قريبةٌ مِنَ الحصْرِ .
وأمَّا قولُ ابن مسعودٍ .. فقيلَ: إنَّما نقلَهُ جوَّابٌ التيميُّ، وإنَّهُ ضعيفُ
الحفظ (٢)، والمشهورُ عنهُ ما يدلُّ على توقّ الشبهاتِ؛ إذْ قالَ: (لا
يقولنَّ أحدُكُمْ : أخافُ وأرجو ؛ فإنَّ الحلالَ بَيِّنٌ والحرامَ بِيِّنٌ ، وبينَ ذلكَ
أمورٌ مشتبهاتٌ، فدعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يرِيبُكَ)(٣)، وقالَ: ( اجتنبوا
الحَكَّاكاتِ، فإنَّ فيها الإثمَ ) (٤) .
فإنْ قيلَ : فِلِمَ قلتُمْ : ( إذا كانَ الأكثرُ حراماً .. لمْ يجزِ الأخذُ ) معَ أنَّ
المأخوذَ ليسَ فيهِ علامةٌ تدلُّ على تحريمِهِ على الخصوصِ ، واليدُ علامةٌ
(١) بنحوه عند أبي نعيم في ((الحلية)) (٨٢/١).
(٢) جوَّاب التيمي: بتثقيل الواو وآخره موحدة، صدوق رمي بالإرجاء ، صرَّح بتضعيفه ابن
نمير، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٦٤/٣)، وقال يعقوب بن سفيان : ثقة
يتشيع. انظر ((تهذيب التهذيب)) (٣١٩/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٤٣)،
و ((الإتحاف)) (٨٧/٦) .
(٣) رواه النسائي (٢٣٠/٨) بنحوه، وقد سبق بعضه في المرفوع .
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٥٦٧٩).
٤٦٩
بسعـ
سيسيسم

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
على الملكِ ، حتَّى إِنَّ مَنْ سرقَ مالَ مثلِ هذا الرجلِ قطعَتْ يدُهُ ، والكثرةُ
توجبُ ظنّاً مرسلاً لا يتعلَّقُ بالعينِ ، فليكنْ كغالبِ الظنِّ في طينِ الشوارعِ ،
وغالبِ الظنِّ في الاختلاطِ بغيرِ محصورٍ إذا كانَ الأكثرُ هوَ الحرامَ ،
ولا يجوزُ أنْ يُستدلَّ على هذا بعموم قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دعْ
ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُّكَ)) لأنَّهُ مخصوصٌ ببعضِ المواضع بالاتفاقِ ،
وهوَ أنْ يريبَهُ بعلامةٍ في عينِ الملكِ بدليلِ اختلاطِ القليلِ بغيرِ المحصورِ ؛
فإنَّ ذلكَ يوجبُ ريبةٌ ، ومعَ ذلكَ قطعتُمْ بأنَّهُ لا يحرمُ ؟!
فالجوابُ : أنَّ اليدَ دلالةٌ ضعيفةٌ ؛ كالاستصحابِ ، وإنَّما تؤثِّرُ إذا سلمَتْ
عنْ معارضٍ قويٍّ، فإذا تحقَّقْنا الاختلاطَ، وتحقَّقْنا أنَّ الحرامَ المخالطَ موجودٌ
في الحالِ ، والمالَ غيرُ خالٍ عنهُ، وتحقَّقْنا أنَّ الأكثرَ هوَ الحرامُ ، وذلكَ في
حقِّ شخصٍ معيَّنِ يقربُ مالُهُ مِنَ الحصرِ .. ظهرَ وجوبُ الإعراضِ عنْ مقتضى
اليدِ، وإنْ لمْ يُحملْ عليهِ قولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا
يريبُّكَ)) .. لا يبقى لهُ محملٌ؛ إذْ لا يمكنُ أنْ يُحملَ على اختلاطِ قليلٍ بحلالٍ
غيرِ محصورٍ ؛ إذْ كانَ ذلكَ موجوداً في زمانِهِ ، وكانَ لا يدعُهُ .
٩
فرح
وعلى أيِّ موضع حُملَ هذا .. كانَ هذا في معناهُ ، وحملُهُ على التنزيهِ
صرفٌ لهُ عنْ ظاهرِهِ بغيرِ قياسٍ(١) ، فإنَّ تحريمَ هذا غيرُ بعيدٍ عنْ قياس
(١) جواب السؤال مقدر: فلم لا يجوز أن يحمل ذلك على التنزيه ولا مانع من ذلك ؟ انظر
((الإتحاف)) (٦ / ٨٧ ) .
٤٧٠

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
°رچ
العلاماتِ والاستصحابِ ، وللكثرةِ تأثيرٌ في تحقيقِ الظنِّ ، وكذا للحصرِ ،
وقدِ اجتمعا ، حتَّى قالَ أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا يُجتهدُ في الأواني إلا
إذا كانَ الطاهرُ هوَ الأكثرَ )، فاشترطَ اجتماعَ الاستصحابِ والاجتهادِ بالعلامةِ
وقوَّةِ الكثرةِ .
ومَنْ قالَ : ( يأخذُ أيَّ آنيةٍ أرادَ مِنْ غيرِ اجتهادٍ ) بناءً على مجرَّدٍ
الاستصحابِ ؛ فجوَّزَ الشربَ أيضاً .. فيلزمُهُ التجويزُ ههنا بمجرَّدِ علامةِ
اليدِ ، ولا يجري ذلكَ في بولٍ اشتبهَ بماءٍ ؛ إذ لا استصحابَ فيهِ ، ولا نطردُهُ
أيضاً في ميتةٍ اشتبهَتْ بذكيّةٍ ؛ إذْ لا استصحابَ في الميتةِ ؛ إذِ اليدُ لا تدلُّ على
أنَّها غيرُ ميتةٍ ، وتدلُّ في الطعام المباح على أنَّهُ ملكٌ ، فههنا أربعُ متعلَّقَاتٍ :
استصحابٌ ، وقلةٌ في المخلوطِ أوْ كثرةٌ ، وانحصارٌ أوِ اتساعٌ في المخلوطِ
بهِ ، وعلامةٌ خاصَّةٌ في عينِ الشيءِ يتعلَّقُ بها الاجتهادُ ، فمَنْ يغْفُلُ عنْ مجموع
الأربعةِ .. ربّما يغلطُ، فيُشبَّهُ بعضَ المسائلِ بما لا يُشبهُهُ.
فحصلَ ممَّا ذكرناهُ أنَّ المختلطَ في ملكِ شخصٍ واحدٍ : إمّا أنْ يكونَ
الحرامُ أكثرَهُ أوْ أقلَّهُ ، وكلُّ واحدٍ إمّا أنْ يُعلمَ بيقينٍ أوْ بظنِّ عنْ علامةٍ أَوْ توهُّمٍ،
والسؤالُ يجبُّ في موضعينٍ ، وهوَ أنْ يكونَ الحرامُ أكثرَ يقيناً أوْ ظنّاً ؛ كما لوْ
رأى تركياً مجهولاً يُحتملُ أنْ يكونَ كلُّ مالِهِ مِنْ غنيمةٍ ، وأنْ يكونَ مالُهُ مِنْ غيرِ
غنيمةٍ يرتخصُهُ(١) ، وإنْ كانَ الأقلُّ معلوماً باليقينِ .. فهوَ محلُّ التوقُّفِ،
(١) وهذه الجملة زيادة من ( أ).
٢٦٠
٤٧١
حن
۵ے
حميد بيـ
ہہ

كتاب الحلال والحرام
ےی
ربع العادات
وتكادُ تشيرُ سيرُ أكثرِ السلفِ وضرورةُ الأحوالِ إلى الميلِ إلى الرخصةِ .
وأمَّا الأقسامُ الثلاثةُ الباقيةُ .. فالسؤالُ فيها غيرُ واجبٍ أصلاً .
مَثَالَّة
[فيمَنْ علمَ وجودَ حرامٍ في يدٍ، ثمَّ جهلَ: هل بقيَ منهُ شيءٌ أَمْ لا ؟]
إذا حضرَ طعامَ إنسانٍ علمَ أنَّهُ دخلَ في يدهِ حرامٌ مِنْ إدرارِ كانَ قدْ أَخذَهُ ،
أوْ مِنْ وجهٍ آخرَ ، ولا يدري أنَّهُ بقيَ إلى الآنَ أمْ لا .. فلهُ الأكلُ، ولا يلزمُهُ
التفتيشُ ، وإنما التفتيشُ فيهِ مِنَ الورعِ ، ولوْ علمَ أنَّهُ قدْ بقيَ منهُ شيءٌ ،
ولكنْ لمْ يدرِ أنَّهُ الأكثرُ أم الأقلُّ .. فلهُ أنْ يأخذَ بأنَّهُ الأقلُّ، وقدْ سبقَ أنَّ أمرَ
الأقلِّ مشكلٌ ، وهذا يقربُ منهُ .
مَنْألٌَّ
[إنْ كانَ عندَ متولِي الوقفِ مالانِ، وثَمَّ مَنْ يستحقُّ أحدَهُما لوجودِ صفتِهِ ،
فهلْ لهُ الأخذُ دونَ سؤالٍ ؟]
ـة
،ثن
إذا كانَ في يدِ المتولِّي لسبلِ الخيراتِ مِنَ الأوقافِ أوِ الوصايا مالانِ ،
يستحقُّ هوَ أحدَهُما ولا يستحقُّ الثانيَ ؛ لأنَّهُ غيرُ موصوفٍ بتلكَ الصفةِ ،
فهلْ لهُ أنْ يأخذَ ما يسلِّمُهُ إليهِ صاحبُ الوقفِ ؟
٩٠
٩٠
نُظِرَ ؛ فإنْ كانتْ تلكَ الصفةُ ظاهرةً يعرفُها المتولِّي، وكانَ المتولِّي
٤٧٢
ئن

ربع العادات
حز
كتاب الحلال والحرام
ظاهرَ العدالةِ .. فلهُ أنْ يأخذَ بغيرِ بحثٍ ؛ لأنَّ الظنَّ بالمتولِّي أنَّهُ لا يصرفُ
إليهِ ما يصرفُهُ إلا مِنَ المالِ الذي يستحقُّهُ .
وإنْ كانتِ الصفةُ خفيّةً ، أوْ كانَ المتولِّي ممَّنْ عُرِفَ حالُهُ أنَّهُ يخلطُ
ولا يبالي كيفَ يفعلُ .. فعليهِ السؤالُ؛ إذْ ليسَ ههنا يدٌ ولا استصحابٌ
يُعوَّلُ عليهِ ، وهوَ وِزانُ سؤالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الصدقةِ
والهديّةِ عندَ تردُّدِهِ فيهما (١) ؛ لأنَّ اليدَ لا تخصِّصُ الهديَّةَ عنِ الصدقةِ
ولا الاستصحابَ ، فلا ينجي منهُ إلا السؤالُ؛ فإنَّ السؤالَ حيثُ أسقطناهُ في
المجهولِ أسقطناهُ بعلامةِ اليدِ والإسلامِ ، حتَّى لَوْ لمْ يعلمْ أنَّهُ مسلمٌ ، وأرادَ
أَنْ يأخذَ مِنْ يدِهِ لحماً مِنْ ذبيحتِهِ ، واحتملَ أنْ يكونَ مجوسياً .. لمْ يجزْ لهُ
ما لمْ يعرفْ أنَّهُ مسلمٌ ؛ إذِ اليدُ لا تدلُّ على الميتةِ ، ولا الصورةُ تدُّ على
الإسلام إلا إذا كانَ أكثرُ هذا البلدِ مسلمينَ ، فيجوزُ أنْ يُظنَّ بالذي ليسَ عليهِ
علامةُ الكفرِ أنَّهُ مسلمٌ وإنْ كانَ الخطأُ ممكناً فيهِ ، فلا ينبغي أنْ تلتبسَ
المواضعُ التي تشهدُ فيها اليدُ والحالُ بالتي لا تشهدُ .
حن
6
مَثَالَّةٌ
[في بلدٍ فيهِ دورٌ مغصوبةٌ ، هلْ لهُ شراءُ دارٍ فيهِ ؟]
لهُ أنْ يشتريَ في البلدِ داراً وإنْ علمَ أنَّها تشتملُ على دورِ مغصوبةٍ ؛ لأنَّ
(١) رواه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم ( ١٠٧٧ ) .
٤٧٣
جن ح

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ذلكَ اختلاطُ بغيرِ محصورٍ ، ولكنَّ السؤالَ احتياطٌ وورعٌ .
وإنْ كانَ في سكَّةٍ عشرُ دورِ مثلاً، إحداها مغصوبةٌ أَوْ وقفٌ .. لمْ يجزِ
الشراءُ ما لمْ يتميزْ ، ويجبُ البحثُ عنهُ .
ومَنْ دخلَ بلدةً وفيها رباطاتٌ خُصِّصَ بوقفِها أربابُ المذاهبِ ، وهوَ
على مذهبٍ واحدٍ مِنْ جملةِ تلكَ المذاهبِ .. فليسَ لهُ أنْ يسكنَ أيَّها شاءَ ،
ويأكلَ مِنْ وقفِها بغيرِ سؤالٍ ؛ لأنَّ ذلكَ مِنْ بابِ اختلاطٍ في المحصورِ ، فلا
بدَّ مِنَ التمييزِ ، ولا يجوزُ الهجومُ معَ الإبهامِ ؛ لأنَّ الرباطاتِ والمدارسَ في
البلدِ لا بدّ وأنْ تكونَ محصورةٌ .
مَشْألَّة
[متى يمتنعُ السؤالُ ومتى يجبُ]
حيثُ جعلنا السؤالَ مِنَ الورع .. فليسَ لهُ أنْ يسألَ صاحبَ الطعام
والمالِ إذا لمْ يأمنْ غضبَةُ ، ولا يُؤْمنُ قطُّ غضبُهُ، وإنَّما أوجبْنا السؤالَ إذا
تحقَّقَ أنَّ أكثرَ مالِهِ حرامٌ ، وعندَ ذلكَ لا يُبالى بغضبٍ مثلِهِ ؛ إذْ يجبُ إيذاءُ
الظالمِ بأكثرَ مِنْ ذلكَ ، والغالبُ أنَّ مثلَ هذا لا يغضبُ مِنَ السؤالِ .
نعم، إنْ كانَ يأخذُ مِنْ يدِ وكيلِهِ أوْ غلامِهِ أوْ تلميذِهِ أوْ بعضِ أهلِهِ ممَّنْ
هوَ تحتَ رعايتِهِ .. فلهُ أنْ يسألَ مهما استرابَ ؛ لأنَّهُمْ لا يغضبونَ مِنْ
سؤالِهِ ، ولأنَّ عليهِ أنْ يسألَ ليعلِّمَهُمْ طريقَ الحلالِ ، ولذلكَ سألَ أبو بكرٍ
٢٥
٤٧٤

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
رضيَ اللهُ عنهُ غلامَهُ، وسألَ عمرُ مَنْ سقاهُ مِنْ إبلِ الصدقةِ (١)، وسألَ أبا
هريرةَ أيضاً لمَّا أنْ قدمَ عليهِ بمالٍ كثيرٍ ، فقالَ : ( ويحكَ ، أكلُّ هذا
طيِّبٌ ؟!) مِنْ حيثُ إنَّهُ تعجَّبَ مِنْ كثرتِهِ (٢) ، وكانَ هوَ مِنْ رعيَّهِ ، لا سيما
وقدْ رفقَ في صيغةِ السؤالِ .
وكذلكَ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ليسَ شيءٌ أحبَّ إلى اللهِ تعالىُ مِنْ
عدْلِ إمامٍ ورفقِهِ ، ولا شيءَ أبغضُ إليهِ مِنْ جورِهِ وخرقِهِ )(٣) .
مَثَالَّة
[في تركِ السؤالِ خوفاً منْ هتكِ السترِ وتحصيلِ البغضاءِ]
قالَ الحارثُ المحاسبيُّ رحمهُ اللهُ: ( لوْ كانَ لهُ صديقٌ أوْ أخٌ ، وهوَ يأمنُ
غضبَهُ لوْ سألَهُ .. فلا ينبغي أنْ يسألَهُ لأجلِ الورعِ؛ لأنَّهُ ربَّما يبدو لهُ ما كانَ
مستوراً عنهُ، فيكونُ قدْ حملَهُ على هتكِ السترِ ، ثمَّ يؤدي ذلك إلى البغضاءِ ) .
وما ذكرَهُ حسنٌ؛ لأنَّ السؤالَ إذا كانَ منَ الورعِ لا مِنَ الوجوبِ ..
فالورعُ في مثلِ هذهِ الأمورِ احترازاً عنْ هتكِ السترِ وإثارةِ البغضاءِ أهمُّ .
(١) أما سؤال أبي بكر رضي الله عنه .. فقد ورد في ((القوت)) (٢٨٧/٢)، ورواه البخاري
(٣٨٤٢)، وأما سؤال عمر رضي الله عنه .. فقد رواه مالك في ((الموطأ)»
(٢٦٩/١ ) .
:3
(٢) رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) (٣٢٣/١١).
(٣) رواه هناد في ((الزهد)) (١٢٨١) بنحوه، ولكن عن عمر رضي الله عنه.
٤٧٥

كتاب الحلال والحرام
209
ربع العادات
-تن
وزادَ على هذا فقالَ: (وإنْ رابَهُ شيءٌ منهُ أيضاً .. لمْ يسألُهُ، ويظنُّ بهِ
أنَّهُ يطعمُهُ مِنَ الطيِّب ويجنِبُهُ الخبيثَ ، فإنْ كانَ لا يطمئنُّ قلبُهُ إليهِ ..
فليحترِزْ متلطّفاً ، ولا يهتكُ سترَهُ بالسؤالِ ، قالَ : لأنِّي لَمْ أرَ أحداً منَ
العلماءِ فعلَهُ ) .
وت
فهذا منهُ معَ ما اشتُهرَ بهِ مِنَ الزهدِ يدلُّ على مسامحتِهِ فيما إذا خالطَ
المالَ الحرامُ القليلُ ، ولكنَّ ذلكَ عندَ التوهُّمِ لا عندَ التحقُّقِ ؛ لأنَّ لفظَ
الريبةِ يدلُّ على التوهُّم بدلالةٍ تدلُّ عليهِ ، ولا يوجبُ اليقينَ . فليراع هذهِ
الدقائقَ في السؤالِ .
مَثْألَّةٌ
[في احتمالِ كذبِ المسؤولِ وإخفائِهِ بيانَ أصلِ المالِ ]
ربَّما يقولُ القائلُ : أيُّ فائدةٍ في السؤالِ ممَّنْ بعضُ مالِهِ حرامٌ ، ومَنْ
يستحلُّ المالَ الحرامَ ربَّما يكذبُ ؟ فإنْ وثقَ بأمانتِهِ . . فليثقْ بديانتِهِ في
الحلالِ .
فأقولُ : مهما علمتَ بمخالطةِ الحرام لمالِ إنسانٍ ، وكانَ لهُ غرضٌ في
حضورِكَ ضيافتهُ ، أَوْ قبولِكَ هديَّتَهُ .. فلا تحصلُ الثقةُ بقولِهِ ، فلا فائدةَ في
السؤالِ منهُ ، فينبغي أنْ يسألَ مِنْ غيرِهِ ، وكذا إنْ كانَ بيَّاعاً وهوَ يُرغُّبُ في
البيعِ لطلبِ الربح ، فلا تحصلُ الثقةُ بقولِهِ : ( إِنَّهُ حلالٌ ) ، ولا فائدةَ في
ں۔
٤٧٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
السؤالِ منهُ، وإنَّما يسألُ منْ غيرِهِ، وإنَّما يسألُ مِنْ صاحبِ اليدِ إذا لمْ يكنْ
متَّهماً ؛ كما يسألُ المتولِّيَ على المالِ الذي يسلِّمُهُ أنَّهُ مِنْ أيِّ جهةٍ ، وكما
سألَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الهديَّةِ والصدقةِ (١) ؛ فإنَّ ذلكَ
لا يُؤذي ولا ◌ُتهمُ القائلُ فیهِ .
وكذلكَ إذا اتهمَهُ بأنَّهُ ليسَ يدري طريقَ الكسبِ الحلالِ ، فلا يُتهمُ في
قولِهِ إذا أخبرَ عنْ طريقٍ صحيح ، وكذلكَ يسألُ عبدَهُ وخادمَهُ ليعرفَ طريقَ
اكتسابِهِ ، فهلهنا يفيدُ السؤالُ .
حن
مپ
جہے
فإذا كانَ صاحبُ المالِ متهماً .. فليسألْ مِنْ غيرِهِ ، فإذا أُخبرَهُ عدْلٌ
واحدٌ .. قبلَهُ، وإنْ أخبرَهُ فاسقٌ يعلمُ مِنْ قرينةِ حالِهِ أنَّهُ لا يكذبُ حيثُ
لا غرضَ له فيهِ .. جازَ قبولُهُ؛ لأنَّ هذا أمرٌ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى ،
والمطلوبُ ثقةُ النفسِ ، وقدْ يحصلُ منَ الثقةِ بقولِ فاسقٍ ما لا يحصلُ بقولِ
عدْلٍ في بعضِ الأحوالِ ، وليسَ كلُّ مَنْ فسقَ يكذبُ ، ولا كلُّ مَنْ تُرى
العدالةُ في ظاهرِهِ يصدقُ ، وإنَّما نيطتِ الشهادةُ بالعدالةِ الظاهرةِ لضرورةٍ
الحكم ؛ فإنَّ البواطنَ لا يُطلعُ عليها، وقدْ قبلَ أبو حنيفةً رحمهُ اللهُ شهادةَ
الفاسقِ ، وكم مِنْ شخصٍ تعرفُهُ ، وتعرفُ أنَّهُ قدْ يقتحمُ المعاصيّ ، ثمَّ إذا
أخبرك بشيءٍ .. وثقتَ بهِ .
جو
(١) رواه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم ( ١٠٧٧ ).
٤٧٧
جن
عن
٩٠

كتاب الحلال والحرام
ـدر
ربع العادات
وكذلكَ إذا أخبرَ بهِ صبيٍّ مميٌِّ ممَّنْ عرفتَهُ بالتثبُّتِ ، فقدْ تحصلُ الثقةُ
بقولِهِ ، فيحلُّ الاعتمادُ عليهِ .
فأمَّا إذا أخبرَ بهِ مجهولٌ لا يُدرىُ مِنْ حالِهِ شيءٌ أصلاً .. فهذا ممَّنْ
جوزْنا الأكلَ مِنْ يدهِ ؛ لأنَّ يدَهُ دلالةٌ ظاهرةٌ على ملكِهِ ، وربَّما يقالُ:
إسلامُهُ دلالةٌ ظاهرةٌ على صدقِهِ ، وهذا فيهِ نظرٌ ، ولا يخلو قولُهُ عنْ أثرٍ
#
ما في النفسِ ، حتَّى لوِ اجتمعَ منهُمْ جماعةٌ .. لأفادَ اجتماعُهُمْ ظنّاً قويّاً، إلاَّ
أنَّ أثرَ الواحدِ فيهِ في غايةِ الضعفِ ، فليُنظرْ إلى حدٍّ تأثيرِهِ في القلبِ ؛ فإنَّ
المفتيَ هوَ القلبُ في مثلِ هذا الموضع ، وللقلبِ التفاتاتٌ إلى قرائنَ خفيّةٍ
يضيقُ عنها نطاقُ النطقِ ، فليُتأملْ فيهِ .
حدی
ويدلُّ على وجوبِ الالتفاتِ إليهِ ما رُوِيَ عنْ عقبةَ بنِ الحارثِ أنَّهُ جاءَ إلى
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : إِنِّي تزوَّجتُ امرأةٌ، فجاءَتْ أمّةٌ
سوداءُ ، فزعمَتْ أنَّها قدْ أرضعتْنا ، وهيَ كاذبةٌ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( دَعْها)) فقالَ: إنَّها سوداءُ - يصغِّرُ مِنْ شأنِها - فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ :
« فكيفَ وقدْ زعمَتْ أنَّها قدْ أرضعتَكُما؟! لا خيرَ لكَ فيها، دعْها عنكَ))،
وفي لفظٍ آخرَ: ((كيفَ وقدْ قيلَ؟!))(١)، ومهما لمْ يعلمْ كذبَ المجهولِ ،.
ولمْ تظهرْ أمارةُ غرضٍ لهُ فيهِ .. كانَ لهُ وقِعٌ في القلبِ لا محالةٌ ، فلذلكَ يتأكَّدُ
الأمرُ بالاحترازِ ، فإنِ اطمأنَّ إليهِ القلبُ .. كانَ الاحترازُ حتماً واجباً .
(١) الحديث رواه بألفاظ متقاربة البخاري (٥١٠٥)، وأحمد فى ((المسند)) (٧/٤).
4:
٤٧٨

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
مَثَلَّةٌ
[في تعارضٍ أقوالِ المخبرينَ]
حيثُ يجبُ السؤالُ ؛ فلوْ تعارضَ قولُ عدلين .. تساقطا ، وكذا قولُ
فاسقينٍ ، ويجوزُ أنْ يترجَّحَ في قلبهِ قولُ أحدِ العدلينِ أوْ أحدِ الفاسقينِ .
ويجوزُ أنْ يترجَّحَ أحدُ الجانبينِ بالكثرةِ أوْ بالاختصاصِ بالخبرةِ
والمعرفةِ ، وذلكَ ممَّا يتشغَّبُ تصويرُهُ .
مَنْأَلَّةٌ
[في نهبٍ متاعٍ ثمَّ وجودِهِ في يدٍ ، فهلْ يجوزُ ابتياعُهُ ؟]
لوْ نُهِبَ متاعٌ مخصوصٌ ، فصادفَ مِنْ ذلكَ النوع متاعاً في يدِ إنسانٍ ،
وأرادَ أنْ يشتريَهُ ، واحتملَ ألا يكونَ مِنَ المغصوبِ ؛ فإنْ كانَ ذلكَ الشخصُ
ممَّنْ عرفَهُ بالصلاح .. جازَ الشراءُ ، وكانَ تركُهُ مِنَ الورع ، وإنْ كانَ الرجلُ
مجهولاً لا يعرفُ منهُ شيئاً ؛ فإنْ كانَ يكثرُ نوعُ ذلكَ المتاعِ مِنْ غيرِ
المغصوب .. فلهُ أنْ يشتريَ ، وإنْ كانَ لا يوجدُ ذلكَ المتاعُ في تلكَ البقعةِ
إلا نادراً ، وإنَّما كثرَ بسببِ الغصبِ .. فليسَ يدلُّ على الحلِّ إلا اليدُ ، وقدْ
عارضَتْها علامةٌ خاصَّةٌ مِنْ شكلِ المتاع ونوعِهِ ؛ فالامتناعُ عنْ شرائِهِ مِنَ
الورع المهمِّ ، ولكنَّ الوجوبَ فيهِ نظرٌ ؛ فإنَّ العلامةَ متعارضةٌ ، ولستُ أقدرُ
على أنْ أحكمَ فيهِ بحكمٍ إلا أنْ أردَّهُ إلى قلْبِ المستفتي لينظرَ ما الأقوى في
بےے
٨٠٠
ـسـ
AU
٠ ٠٨
٤٧٩

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
نفسِهِ؟ فإنْ كانَ الأقوى أنَّهُ مغصوبٌ .. لزمَهُ تركُهُ، وإلا .. حلَّ لهُ شراؤُهُ.
وأكثرُ هذهِ الوقائع يلتبسُ الأمرُ فيها ، فهيَ مِنَ المتشابهاتِ التي
لا يعرفُها كثيرٌ مِنَ الناس، فمَنْ توقَّها .. فقدِ استبرأ لدينِهِ وعرضِهِ ، ومَنِ
اقتحمَها .. فقدْ حامَ حَولَ الحمى وخاطرَ بنفسِهِ .
مَثْ لَةٌ
[في عددِ الأصولِ التي يجبُ السؤالُ عنْها وضابطُ ذلكَ]
fo
لوْ قالَ قائلٌ: قدْ سألَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ لبنِ قُدِّمَ إليهِ ،
فَذُكِرَ أنَّهُ مِنْ شاةٍ ، فسألَ عنِ الشاةِ مِنْ أينَ هيَ ، فَذُكِرَ لهُ ، فسكتَ عنِ
السؤالِ(١) ، أفيجبُ السؤالُ عنْ أصلِ المالِ أم لا؟ وإنْ وجبَ .. فعنْ أصلٍ
واحدٍ أوِ اثنينٍ أوْ ثلاثةٍ ؟ وما الضبطَ فيهِ ؟
فأقولُ : لا ضبطَ فيهِ ولا تقديرَ ، بلْ ينظرُ إلى الريبةِ المقتضيةِ للسؤالِ ،
إمَّا وجوباً أوْ ورعاً، ولا غايةً للسؤالِ إلا حيثُ تنقطعُ الريبةُ المقتضيةُ لهُ ،
وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأحوالِ ، فإنْ كانَتِ التهمةُ مِنْ حيثُ لا يدري
صاحبُ اليدِ كيفَ طريقُ الكسبِ الحلالِ ؛ فإنْ قالَ : ( اشتريتُ ) .. انقطعَ
بسؤالٍ واحدٍ ، وإِنْ قالَ : ( مِنْ شاتي) .. وقعَ الشكُّ في الشاةِ ، فإذا قالَ :
( اشتريتُها ) .. انقطعَتِ الريبةُ، وإنْ كانَتِ الريبةُ مِنَ الظلم - وذلكَ فيما بينَ
حن حن عن
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٥/ ١٧٤) .
٤٨٠
من حن ضل
مكن كن