النص المفهرس
صفحات 441-460
ربع العادات كتاب الحلال والحرام ويعرِفُ ذلكَ بالتسامع ، كما يعرفُ أفضلَ أطباءِ البلدِ بالتسامع والقرائنِ وإنّ كانَ لا يحسنُ الطبَّ . وليسَ للمستفتي أنْ ينتقدَ مِنَ المذاهبِ أسهلَها عليهِ وأوسعَها(١) ، بلْ عليهِ أنْ يبحثَ حتَّى يغلب على ظنِّهِ الأفضلُ، ثمَّ يتبعُهُ فلا يخالفُهُ أصلاً . نعمْ ، إنْ أفتى لهُ إمامُهُ بشيءٍ ولإمامهِ فيهِ مخالفٌ ؛ فالفرارُ مِنَ الخلافِ إلى الإجماعِ منَ الورع المؤكَّدِ، وكذا المجتهدُ إذا تعارضَتْ عندَهُ الأدلَّةُ، ورجَّحَ جانبَ الحلِّ بحدْسٍ وتخمينٍ وظنٍّ .. فالورعُ لهُ الاجتنابُ ، فلقدْ كانَ المفتونَ يفتونَ بحلّ أشياءَ لا يقدمونَ عليها قطّ ؛ تورُّعاً منها ، وحذراً مِنَ الشبهةِ فيها . ولنقسمْ هذا أيضاً على ثلاثٍ مراتبَ : - الرتبةُ الأولى: ما يتأكَّدُ الاستحبابُ في التورُّع عنهُ: وهوَ ما يقوىُ فيهِ دليلُ المخالفِ ويدقُّ وجهُ ترجيحِ المذهبِ الآخرِ عليهِ . فمِنَ المهمَّاتِ التورُّعُ عنْ فريسةِ الكلبِ المعلَّمِ إذا أكلَ منها وإنْ أفتى المفتي بأنَّهُ حلالٌ ؛ لأنَّ الترجيحَ فيهِ غامضٌ ، وقدِ اخترنا أنَّ ذلكَ حرامٌ ، فهوَ أقيسُ قولي الشافعيِّ رحمهُ اللهُ، ومهما وُجدَ للشافعيِّ قولٌ جديدٌ موافقٌ لمذهبٍ أبي حنيفةَ رحمَهُ اللهُ أَوْ غيرِهِ مِنَ الأئمّةِ .. كانَ الورعُ فيه مهمّاً ، وإنْ أفتى المفتي بالقولِ الآخرِ . (١) ينتقد هنا: يختار وينتقي. ٤٤١ حن ترو كتاب الحلال والحرام ربع العادات ومنْ ذلكَ: الورعُ عنْ متروكِ التسميةِ وإنْ لمْ يختلفْ فيهِ قولُ الشافعيِّ(١)؛ لأنَّ الآيةَ ظاهرةٌ في إيجابِها ، والأخبارَ متواردةٌ فيها ؛ فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لكلِّ مَنْ سألَهُ عنِ الصيدِ : (( إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ اللهِ عليهِ .. فَكُلْ))(٢)، ونُقُلَ ذلكَ على التكرارِ، وقدْ شُهرَ الذبحُ بالتسميةِ(٣)، وكلُّ ذلكَ يقوِّي دليلَ الاشتراطِ ، ولكنْ لمَّا صحَّ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المؤمنُ يذبحُ على اسمِ اللهِ تعالىُ سمَّى أَوْ لمْ يسمِّ)) (٤) ؛ فاحتملَ أنْ يكونَ (١) إذ رأى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن التسمية سنة مستحبة، وقال في ((الأم)) (٥٩٣/٣): (لأن المسلم يذبح على اسم الله عز وجل وإن نسي) ، ويتجلى الورع في هذه المسألة فيما إذا تعمد الذابح ترك التسمية ؛ إذ الجمهور على حرمة أكل مثل هذه الذبيحة، والشافعية على الكراهة. انظر ((الإتحاف)) (٦٦/٦)، وتعليل المصنف الآتي هو بيان لمثار الشبهة في هذه المسألة . (٢) رواه البخاري ( ١٧٥)، ومسلم ( ١٩٢٩) . (٣) ومنه ما رواه البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨): (( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه .. فكلوه ليس النَّ والظُّفُرَ ... )) الحديث . (٤) وقد رواه أبو داوود في ((المراسيل)) (٣٦٩) عن الصلت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر))، وعند البيهقي في (( السنن الكبرى)» (٢٣٩/٩) : عن ابن عباس رضي الله عنهما فيمن ذبح ونسي التسمية قال : ( المسلم فيه اسم الله وإن لم يذكر التسمية )، وقال الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري )) (٦٣٦/٩): (الحديث الذي اعتمد عليه - أي: الإمام الغزالي - وحكم بصحته .. بالغ النووي في إنكاره فقال : هو مجمع على ضعفه ، قال : وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وقال : منكر لا يحتج به)، ثم ذكر حديث أبي داوود المرسل وقال : ( الصلت يقال له: السدوسي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وهو مرسل جيد)، وانظر ((الإتحاف)) (٦٧/٦). ٤٤٢ مهّزچ +،، ربع العادات كتاب الحلال والحرام کز هذا عامّاً موجِباً لصرفِ الآيةِ وسائرِ الأخبارِ عن ظواهرِها ، ويُحتملُ أنْ يُخصَّصَ هذا بالناسي وتُركَ الظواهرُ ولا تُؤْوَّلُ ، وكانَ حملُهُ على الناسي ممكناً ؛ تمهيداً لعذرِهِ في تركِ التسميةِ بالنسيانِ ، وكانَ تعميمُهُ وتأويلُ الآيةِ ممكناً إمكاناً أقربَ .. رجحْنا ذلكَ، ولا يُنكرُ رفعُ الاحتمالِ المقابلِ لهُ، فالورعُ عنْ مثلِ هذا مهمٌّ واقعٌ في الدرجةِ الأولى . 2 - الثانيةُ: وهيَ تزاحمُ درجةِ الوسواسِ : أنْ يتورَّعَ الإنسانُ عنْ أكل الجنينِ الذي يصادفُ في بطنِ الحيوانِ المذبوحِ ، وعنِ الضبِّ ، وقدْ صحّ في الصحاحِ مِنَ الأخبارِ حديثُ الجنينِ وأنَّ ذكاتَهُ ذكاةٌ أَمَّهِ صَّةً لا يتطرَّقُ احتمالٌ إلى متنِهِ ولا ضعفٌ إلى سندِهِ(١) ، وكذلكَ صحَّ أنَّهُ أُكِلَ الضبُّ على مائدةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقدْ نُقُلَ ذلكَ في ((الصحيحينِ))(٢). فالظُّ بأبي حنيفةَ أنَّهُ لمْ تبلغْهُ هذهِ الأحاديثُ ، ولوْ بلَغَتْهُ .. لقالَ بها إِنْ أنصفَ ، وإنْ لمْ ينصفْ منصفٌ فِيهِ .. كانَ خلافُهُ غلطاً لا يعتدُّ بهِ ولا يورثُ (١) رواه أبو داوود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩)، وقد أشار الحافظ ابن الملقن في (( البدر المنير)) (٤٠٠/٩)، والحافظ العراقي في ((تخريجه)» كما في نسخة الحافظ الزبيدي (٧٠/٦) إلى أن المصنف هنا تبع في حكمه على هذا الحديث شيخه إمام الحرمين الجويني في (( الأساليب))، وكلام المصنف في هذه الرتبة والتي قبلها صاغه الإمام النووي في ((المجموع)) (٣٢٦/٩) . (٢) رواه البخاري ( ٢٥٧٥)، ومسلم ( ١٩٤٧) . ٠٠٠ ٤٤٣ كتاب الحلال والحرام ربع العادات شبهةٌ(١)؛ كما لوْ لمْ يخالفْ، وعُلِمَ الشيءُ بخبرِ الواحدِ(٢). مـ (١) القول بالكراهة أو الحرمة في أكل الضب ليس هو قول أبي حنيفة وحده ، بل هو قول الكوفيين غيره ، كما حكاه ابن بطال ، وحكاه ابن المنذر عن علي ، وابن حزم عن جابر، وهو عند مسلم (١٩٦١). انظر ((الإتحاف)) (٧٢/٦). وقد روى أبو داوود (٣٧٩٦) عن عبد الرحمن بن شبل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب، وروى أحمد في ((المسند )» (١٠٥/٦)، وأبو يعلى في ((مسنده)) ( ٤٤٦١) واللفظ له ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضب ، فلم يأكل منه ، فقلت : يا رسول الله ؛ ألا أطعمه السؤال ؟ قال: ((لا أطعم السؤَّال إلا ما آكل منه)). قال الحافظ البدر العيني في ((عمدة القاري)» (١٣٤/١٣): ( وقال أصحابنا : الأحاديث التي وردت بإباحة أكل الضب منسوخة بأحاديثنا ) إلى آخر كلامه . وعليه: فحديث: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)» ليس كما قال المصنف من كونه لا يتطرق الاحتمال إلى متنه، وقد قال ابن الملقن في (( البدر المنير)) (٤٠١/٩) بعد أن نقل قول المصنف في الحكم على هذا المتن حجة من ذهب إلى ترك الاحتجاج به كابن حزم والإشبيلي : ( وهذا من العجب العجاب ، وخير الأمور أوسطها ) ، ثم لا تقف المسألة على صحة متنه ؛ فإن الاحتمال متطرق إلى فهمه ، وهذا ما لا حاجة فيه إلى الرد ، ثم قول الحنفية بالكراهة في أكل الضب له أصل ، أياً كان هذا الأصل ، بل إن الاقتداء بتركه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأكله تقذراً - وهو ما لا يخالف فيه أحد - لا يبعد فيه التسنن والتورع ؛ لوجود صورة القدوة به صلى الله عليه وسلم . ٢ ٤٠ إذاً؛ فأمثلة هذه الرتب تتفاوت بتفاوت أقوال المجتهدين ومقلديهم ، فما يكون مباحاً دون شبهة .. قد يكون حراماً أو فيه شبهة عند بعض المجتهدين المتبعين ، وللتوسع في هذا الموضوع يرجع إلى كتاب: ((أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء)» للعلامة الشيخ محمد عوامة نفع الله به فإنه نافع . ـحن حن (٢) وهو ما سيأتي الحديث عنه في الرتبة الثالثة الاتية . ٤٤٤ ٥ مكن ربع العادات كتاب الحلال والحرام - الرتبةُ الثالثةُ : ألا يشتهرَ في المسألةِ خلافٌ أصلاً، ولكنْ يكونُ الحلُّ معلوماً بخبرِ الواحدِ ، فيقولُ القائلُ : قدِ اختلفَ الناسُ في خبرِ الواحدِ ؛ فمنهُمْ مَنْ لا يقبلُهُ(١)، فأنا أتورَّعُ؛ فإنَّ النَّقَلَةَ وإن كانوا عدولاً .. فالغلطُ جائزٌ عليهمْ، والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهِمْ؛ فإنَّ العدلَ أيضاً قدْ يكذبُ ، والوهمُ جائزٌ عليهِمْ ؛ فإنَّهُ قَدْ يسبقُ إلى سمعِهِمْ خلافُ ما يقولُهُ القائلُ ، وكذا إلى فهمِهِمْ . فهذا ورعٌ لمْ يُنقِلْ مثلُهُ عنِ الصحابةِ فيما كانوا يسمعونَهُ مِنْ عدْلٍ تسكنُ نفوسُهُمْ إليهِ . 3 وأمَّا إذا تطرَّقتْ شبهةٌ بسببٍ خاصٍّ ودلالةٍ معيَّنةٍ في حقِّ الراوي .. فللتوقُّفِ وجهٌ ظاهرٌ وإنْ كانَ عدلاً ، وخلافُ مَنْ خالفَ في أخبارِ الآحادِ غيرُ معتدٍّ بهِ ، وهوَ كخلافِ النظّام في أصلِ الإجماع(٢)، وقولِهِ: (إنَّهُ ليسَ بحجَّةٍ ) ، ولوْ جازَ مثلُ هذا الورع .. لكانَ مِنَ الورع أنْ يمتنعَ الإنسانُ مِنْ أنْ يأخذَ ميراثَ الجدِّ أبي الأبِ ويقولَ: ( ليسَ في كتابِ اللهِ تعالى ذكرٌ إلا (١) وهم الشيعة وبعض المعتزلة، ومن المحدثين إبراهيم بن عُلَيَّة ، إلا أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال. انظر ((الإتحاف)) (٦/ ٧٢، ٧٣). 3 (٢) وإبراهيم النظّام هو مبتدع القول برد الإجماع، كما في ((البرهان)) (٦٧٠/١ _٦٧٥)، وتعرض له المصنف في (( الاقتصاد)) (ص٣٠٧) ورد على منكري القول بالإجماع ، ومع هذا فإن النظّام في مسألة خبر الواحد يثبت العلم به ولا يلتفت إلى العدد . انظر ((المنخول)) (ص٣٢٧) . ٤٤٥ كتاب الحلال والحرام ?ے. ربع العادات سع للبنينَ ، وإلحاقُ ابنِ الابنِ بالابنِ مِنْ إجماع الصحابةِ ، وهمْ غيرُ معصومينَ ، والغلطُ عليهِمْ جائزٌ ، وخالفَ النظَّامُ فيهِ ) . وهذا هوسٌ، ويتداعى إلى أنْ يتركَ ما علمَ بعموماتِ القرآنِ ، إذْ منَ المتكلمينَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ العموماتِ لا صيغةً لها ، وإنَّما يُحتجُّ بما فهمَهُ الصحابةُ منها بالقرائنِ والدلالاتِ ، وكلُّ ذلكَ وسواسٌ . فإذاً ؛ لا طرفَ مِنْ أطرافِ الشبهاتِ إلا وفيهِ غلوٌّ وإسرافٌ ، فليُفهمْ ذلكَ . ٠٠٥٠٤ ومهما أشكلَ أمرٌ مِنْ هذهِ الأمورِ .. فليستفتِ فيهِ القلبَ ، وليدعِ الوَرِعُ ما يريبُهُ إلى ما لا يريبُهُ ، وليتركْ حزازاتِ القلوبِ وما يحكُّ بالصدورِ ، وذلكَ يختلفُ بالأشخاصِ والوقائع ، ولكنْ ينبغي أنْ يحفظَ قلبَهُ عنْ دواعي الوسواسِ ؛ حتَّى لا يحكمَ إلا بالحقِّ ، ولا ينطويَ على حزازةٍ في مظانٌ الوسواسِ ، ولا يخلوَ عنِ الحزازةِ في مظانِّ الكراهةِ . ٦٠ وما أعزَّ مثلَ هذا القلبِ (١) ، ولذلكَ لمْ يردَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كلَّ أحدٍ إلى فتوى القلبِ، وإنَّما قالَ ذلكَ لوابصةَ لما كانَ قدْ عرفَهُ مِنْ حالِهِ (٢). (١) وهذا القلب أعز من الذهب في سائر المعادن ، وهو القلب الذي رد إليه صلى الله عليه وسلم في الحكم لما سئل عن البر والإثم فقال: ((البر ما اطمأن إليه القلب ، والإثم حواز القلوب))، وقال: ((الإثم ما حاك في صدرك)). ((إتحاف)) (٧٥/٦)، وأصله في ((القوت)) (٢٩٠/٢) . (٢) روى ذلك الخبر أحمد في ((مسنده)) (٢٢٨/٤). ٤٤٦ ربع العادات طار كتاب الحلال والحرام القسمُ الثاني : أنْ تتعارضَ العلاماتُ الدالَّةُ على الحلِّ والحرمةِ (١): فإنَّهُ قدْ يُنهبُ نوعٌ مِنَ المتاعِ في وقتٍ ، ويندرُ وقوعُ مثلِهِ مِنْ غیرِ النهبِ ، فيُرىُ مثلاً في يدِ رجلٍ مِنْ أهلِ الصلاحِ ، فيدلُّ صلاحُهُ على أنَّهُ حلالٌ ، ويدلُّ نوعُ المتاعِ وندورُهُ مِنْ غيرِ المنهوبِ على أنَّهُ حرامٌ ، فيتعارضُ الأمرانِ . وكذلكَ يخبرُ عدلٌ بأنَّهُ حرامٌ ، وآخرُ بأنَّهُ حلالٌ ، أوْ تتعارضُ شهادةٌ فاسقينٍ ، أوْ قولُ صبيٍّ وبالغٍ ! فإنْ ظهرَ ترجيحٌ .. حُكِمَ بهِ، والورعُ الاجتنابُ، وإنْ لمْ يظهرْ ترجيحٌ .. وجبَ التوقُُّ، وسيأتي تفصيلُهُ في بابِ التعرُّفِ بالبحثِ والسؤالِ . القسمُ الثالثُ : تعارضُ الأشباهِ في الصفاتِ التي تُناطُ بها الأحكامُ : مثالُهُ : أنْ يُوصى بمالٍ للفقهاءِ ، فيُعلمَ أنَّ الفاضلَ في الفقهِ داخلٌ فيهِ ، وأنَّ الذي ابتدأَ التعلُّمَ مِنْ يومٍ أوْ شهرٍ لا يدخلُ فيهِ ، وبينَهُما درجاتٌ لا تُحصى، يقعُ الشكُّ فيها، فالمفتي يفتي بحسَبِ الظنِّ ، والورعُ الاجتنابُ . (١) أي: تكون كل من العلامتين معارضة للأخرى؛ فإحداهما تدل على حلُّه، والأخرى على حرمته. («إتحاف)) ( ٦/ ٧٥) . ٤٤٧ ٥ جيد كن مكن :?? كتاب الحلال والحرام ربع العادات وهذا أغمضُ مثاراتِ الشبهةِ ، فإنَّ فيها صوراً يتحيَّرُ المفتي فيها تحيّراً لازماً لا حيلةً لهُ فيهِ ؛ إذْ يكونُ المتصفُ بصفةٍ في درجةٍ متوسطةٍ بينَ الدرجتين المتقابلتينِ ، لا يظهرُ لهُ ميلُهُ إلى أحدِهما . وكذلكَ الصدقاتُ المصروفةُ إلى المحتاجينَ ؛ فإنَّ مَنْ لا شيءَ لهُ معلومٌ أنَّهُ محتاجٌ ، ومَنْ لهُ مالٌ كثيرٌ معلومٌ أنَّهُ غنيٌّ ، ويتصدىُ بينَهما مسائلُ غامضةٌ ؛ كمَنْ لهُ دارٌ، وأثاثٌ، وثيابٌ، وكتبٌ ، فإنَّ قدْرَ الحاجةِ منهُ لا يمنعُ مِنَ الصرفِ إليهِ، والفاضلُ يمنعُ ، والحاجةُ ليسَت محدودةً ، وإنَّما تُدركُ بالتقريبِ ، ويتصدىُ منهُ النظرُ في مقدارِ سعةِ الدارِ وأبنيتِها ، ومقدار قيمتِها ؛ لكونِها في وسَطِ البلدِ ، ووقوع الاكتفاءِ بدارٍ دونَها ، وكذلكَ في نوع أثاثِ البيتِ إذا كانَ مِنَ الصفرياتِ لا مِنَ الخزفِ ، وكذلكَ في عددِها وكذلكَ في قيمتِها ، وكذلكَ فيما يحتاجُ إليهِ كلَّ يومٍ ، وما يحتاجُ إليهِ في كلُّ مو سنةٍ كآلاتِ الشتاءِ ، وما لا يحتاجُ إليهِ إلا في السنينَ، وشيءٌ مِنْ ذلكَ لا حدَّ لهُ . منْ ٢٠ والوجهُ في مثلِ هذا ما قالَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ؛ إذْ قالَ: (( دعْ ما يريبُّكَ إلى ما لا يريبُّكَ))(١) ، وكلُّ ذلكَ في محلِّ الريبِ . ٤٠ فإنْ توقَّفَ المفتي .. فلا وجهَ إلا التوقُّفُ، وإنْ أفتى المفتي بظنِّ وتخمينٍ .. فالورعُ التوقُّفُ، وهوَ أهمُّ مواضعِ الورعِ . (١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٢٠١). حن ٤٤٨ 0,04 ربع العادات ٥٠ ـدن كتاب الحلال والحرام وكذلكَ ما يجبُ بقدْرِ الكفايةِ مِنْ نفقةِ الأقاربِ وكسوةِ الزوجاتِ ، وكفايةِ الفقهاءِ والعلماءِ على بيتِ المالِ ؛ إذْ فيهِ طرفانٍ ؛ يُعلمُ أنَّ أحدَهُما قاصرٌ، وأنَّ الآخرَ زائدٌ، وبينَهُما أمورٌ متشابهةٌ تختلفُ باختلافِ الشخصِ والحالِ ، والمطلعُ على الحاجاتِ هوَ اللهُ تعالى ، وليسَ للبشرِ وقوفٌ على حدودِها ، فما دونَ الرَّطلِ المكيِّ في اليومِ قاصرٌ عنْ كفايةِ الرجلِ الضخمِ ، وما فوقَ ثلاثةِ أرطالٍ زائدٌ على الكفايةِ ، وما بينَهُما لا يُتحقَّقُ لهُ حدٌّ ، فليدع الوَرِعُ ما يريبُهُ إلى ما لا يرِيبُهُ . وهذا جارٍ في كلِّ حكم نيطَ بسببٍ، يُعرفُ ذلكَ السببُ بلفظٍ (١) ، إذ العربُ وسائرُ أهلِ اللغاتِ لمْ يقدِّروا متضمناتِ اللغاتِ بحدودٍ محدودةٍ تنقطعُ أطرافُها عنْ مقابلاتِها ؛ كلفظِ السنَّةِ ؛ فإنَّهُ لا يحتملُ ما دونَها وما فوقَها مِنَ الأعدادِ ، وسائرِ ألفاظِ الحسابِ (٢) والتقديراتِ ، فليستٍ الألفاظُ اللغويَّةُ كذلكَ ، ولا لفظَ في كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا ويتطرَّقُ الشكُّ إلى أوساطٍ في مقتضياتِها ، تدورُ بينَ أطرافٍ متقابلةٍ وتعظمُ الحاجةُ إلى هذا الفنِّ في الوصايا والأوقافِ . فالوقفُ على الصوفيّةِ مثلاً ممَّا يصحُّ ، ومَنِ الداخلُ تحتَ موجَبِ هذا اللفظ ؟ (١) أي: بلفظ خاص. ((إتحاف)) (٧٦/٦). (٢) في ( ب): ( التخمينات ) بدل ( الحساب) . ٤٤٩ من من حر كتاب الحلال والحرام ربع العادات 0 هذا مِنَ الغوامضِ ، وكذلكَ سائرُ الألفاظِ (١) ، وسنشيرُ إلى مقتضى لفظِ الصوفيّةِ على الخصوصِ ؛ ليُعلمَ بهِ طريقُ التصرُّفِ في الألفاظِ ، وإلا .. فلا مطمعَ في استيفائِها ، فهذهِ اشتباهاتٌ تثورُ مِنْ علاماتٍ متعارضةٍ ، تجذبُ إلى طرفينِ متقابلينٍ ، وكلُّ ذلكَ مِنَ الشبهاتِ التي يجبُ اجتنابُها إذا لمْ يترجَّحْ جانبُ الحلِّ بدلالةٍ تغلبُ على الظنِّ أَوْ باستصحابٍ ؛ بموجَبٍ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يرِيبُكَ))، وبموجَبٍ سائرِ الأدلَّةِ التي سبقَ ذكرُها . فهذهِ مثاراتُ الشبهاتِ ، وبعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ ، ولوْ تظاهرَتْ شبهاتٌ شتَّى على شيءٍ واحدٍ .. كانَ الأمرُ أغلظَ ؛ مثلَ أنْ يأخذَ طعاماً مختلفاً فِيهِ عوضاً عنْ عنبٍ باعَهُ مِنْ خمَّارٍ بعدَ النداءِ يومَ الجمعةِ، والبائعُ قدْ خالطَ مالَهُ حرامٌ ليسَ هوَ أكثرَ مالِهِ (٢)، ولكنَّهُ صارَ مشتبهاً بهِ، فقدْ يؤدِّي ترادفُ الشبهاتِ إلى أنْ يشتدَّ الأمرُ في اقتحامِها . فهذهِ مراتبُ عرفْنا طريقَ الوقوفِ عليها ، وليسَ في قوَّةِ البشرِ حصرُها ، فما اتضحَ مِنْ هذا الشرح .. أُخذَ بهِ، وما التبسَ .. فليُجتنبْ ؛ فإنَّ الإثمَ حَوَازُّ القلوبِ ، وحيثُ قضينا باستفتاءِ القلبِ .. أردنا بهِ حيثُ أباحَ المفتي ، أمَّا حيثُ حرَّمَ . . فيجبُ الامتناعُ . (١) كالفقهاء والعلماء والطلبة وغيرهم. ((إتحاف)) (٧٧/٦). (٢) فصارت الشُّبهُ أربعاً ، كل واحدة تدعو للورع . ٤٥٠ ربع العادات كتاب الحلال والحرام ثُمَّ لا يعوَّلُ على كلِّ قلبٍ ، فرَّ موسوِسٍ ينفرُ عنْ كلِّ شيءٍ ، وربَ شَرِهٍ متساهِلٍ يطمئنُّ إلى كلِّ شيءٍ ، ولا اعتبارَ بهذينِ القلبينِ ، وإنَّما الاعتبارُ بقلبِ العالمِ الموفَّقِ المراقبِ لدقائقِ الأحوالِ ، فهوَ المحكُّ الذي تُمتحنُ بهِ خفايا الأمورِ ، وما أعزَّ هذا القلبَ في القلوبِ ، فمَنْ لمْ يثقْ بقلبٍ نفسِهِ .. فليلتمسِ النورَ مِنْ قلبٍ بهذهِ الصفةِ ، وليعرضْ عليهِ واقعتَهُ . وجاءَ في الزبورِ : إنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : قُلْ لبني إسرائيلَ : إِنِّي لا أنظرُ إلى صلاتِكُمْ ولا صيامِكُمْ ، ولكنْ أنظرُ إلىْ مَنْ شكَّ في شيءٍ فتركَهُ لأجلي ، فذاكَ الذي أنظرُ إليهِ وأؤيِّدُهُ بنصري ، وأباهي بهِ ملائكتي (١) . ٥٠٠٠ (١) قوت القلوب (٢٩٢/٢). ٤٥١ تر 3 كتاب الحلال والحرام ربع العادات ذن البَابُ الثَّالِثُ في البحث والتؤال الهجوم والاجمال ومظانّما اعلمْ : أنَّ كلَّ مَنْ قدَّمَ إليكَ طعاماً أوْ هديةً ، أوْ أردتَ أنْ تشتريَ منهُ أوْ تَثَّهِبَ .. فليسَ لكَ أنْ تفتِّشَ عنهُ وتسألَ ، أَوْ تقولَ : هذا ممَّا لا أتحقَّقُ حلَّهُ ، فلا آخذُهُ ، بلْ أفتِّشُ عنهُ ، وليسَ لكَ أيضاً أنْ تتركَ البحثَ فتأخذَ كلَّ ما لا تتيقَّنُ تحريمَهُ ، بلِ السؤالُ واجبٌ مرَّةً ، وحرامٌ أخرى ، ومندوبٌ مرَّةٌ ومكروهٌ أخرى ، فلا بدَّ مِنْ تفصيلِهِ . والقولُ الشافي فيهِ : هوَ أَنَّ مَظِنَّةَ السؤالِ مواقعُ الريبةِ ، ومنشأُ الريبةِ ومثارُها : إمَّا أمرٌ يتعلَّقُ بالمالِ، أَوْ يتعلَّقُ بصاحبِ المالِ . المشار الأوّل : أحوال المالك ولهُ بالإضافةِ إلى معرفتِكَ ثلاثةُ أحوالٍ : إمّا أنْ يكونَ مجهولاً ، أوْ مشكوكاً فيهِ ، أوْ معلوماً بنوع ظنٍّ يستندُ إلى دلالةٍ . الحالةُ الأولى : أنْ يكونَ مجهولاً : والمجهولُ هوَ الذي ليسَ معهُ قرينةٌ تدلُّ على فسادِهِ وظلمِهِ ؛ كزيٍ ٤٥٢ مكس حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام الأجنادِ (١) ، ولا ما يدلُّ على صلاحِهِ ؛ كثيابِ أهلِ التصوُّفِ والتجارةِ والعلمِ وغيرِ ذلكَ مِنَ العلاماتِ(٢) . ٤٠ فإذا دخلتَ قريةً لا تعرفُها ، فرأيتَ رجلاً لا تعرفُ مِنْ حالِهِ شيئاً ، ولا عليهِ علامةٌ تنسبُهُ إلى أهلِ صلاحٍ أوْ أهلِ فسادٍ .. فهوَ مجهولٌ . وإذا دخلتَ بلدةً غريباً ، ودخلتَ سوقَها ، ووجدتَ رجلاً قصَّاباً أوْ خبَّزاً أوْ غيرَهُ، ولا علامَةَ تدلُّ على كونِهِ مريباً(٣) أوْ خائناً ، ولا ما يدلُّ على نفيهِ .. فهذا مجهولٌ لا تدري حالَهُ، ولا نقولُ: إنَّهُ مشكوكٌ فيهِ ؛ لأنَّ الشكَّ عبارةٌ عنِ اعتقادينِ متقابلينِ ، لهما سببانِ متقابلانِ ، وأكثرُ الفقهاءِ لا يدركونَ الفرقَ بينَ ما لا يُدرى وبينَ ما يُشكُّ فيهِ ، وقدْ عرفتَ بما سبقَ أنَّ الورعَ تركُ ما لا يُدرى (٤). قالَ يوسفُ بنُ أسباطٍ : ( منذُ ثلاثين سنةٌ ما حاكَ في قلبي شيءٌ إلا تركتُهُ )(٥). (١) كتطويل الشوارب والثياب. ((إتحاف)) (٧٨/٦). www (٢) فمن علامات الصوفية مدرعة وصوف أو مرقعة وتقصير الملابس ، والتجار من عمامة مدورة وغيرها ، والعلماء من فرجية وطيلسان وعمامة كبيرة . انظر (( الإتحاف )) (٧٨/٦)، والاعتبار بزي كل زمان . (٣) أي: محل الريب ، وفي (أ): ( مرابياً)، وفي (ب، ط ): ( مربياً) بدل ( مريباً ) . (٤) لا ترك ما يجهل. ((إتحاف)) (٧٨/٦) . (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٢٤٤). ٤٥٣ حن كتاب الحلال والحرام ربع العادات وتكلَّمَ جماعةٌ في أشدِّ الأعمالِ ، فقالوا : هوَ الورعُ، فقالَ لهُم حسّانُ بنُ أبي سنانٍ : ما شيءٌ أهونَ عندي مِنَ الورع ، إذا حاكَ في صدري شيءٌ .. تركتُهُ(١). فهذا شرطُ الورع ، وإنَّما نذكرُ الآنَ حكمَ الظاهرِ ، فنقولُ : حكمُ هذهِ الحالةِ : أنَّ المجهولَ إنْ قدَّمَ إليكَ طعاماً ، أوْ حملَ إليكَ هديَّةٌ، أوْ أردتَ أنْ تشتريَ مِنْ دَكَّانِهِ شيئاً .. فلا يلزمُكَ السؤالُ، بلْ يدُهُ وكونُهُ مسلماً دلالتانِ كافيتانِ في الهجوم على أخذِهِ ، وليسَ لكَ أنْ تقولَ : الفسادُ والظلمُ غالبٌ على الناسِ ، فهذهِ وسوسةٌ ، وسوءُ ظنَّ بهذا المسلم بعينهِ ، وإنَّ بعضَ الظنِّ إثمٌ، وهذا المسلمُ يستحقُّ بإسلامِهِ عليكَ ألا تسيءَ الظنَّ بهِ ، فإنْ أسأتَ الظنَّ بهِ في عينِهِ لأنَّكَ رأيتَ فساداً مِنْ غيرِهِ .. فقدْ جنيتَ عليهِ وأثمتَ بهِ في الحالِ نقداً مِنْ غيرِ شكِّ، ولوْ أخذتَ المالَ .. لكانَ كونُهُ حراماً مشکوکاً فیهِ . ويدلُّ عليهِ أنَّ نعلمُ أنَّ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُم في غزواتِهِمْ وأسفارِهِمْ كانوا ينزلونَ في القرى ولا يَردُّونَ القِرَى، ويدخلونَ البلادَ ولا يحترزونَ مِنَ الأسواقِ ، وكانَ الحرامُ أيضاً موجوداً في زمانِهِمْ، وما نُقِلَ عنهُمْ سؤالٌ إلا عنْ ريبةٍ ؛ إذْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يسألُ عنْ كلِّ ما يُحملُ إليهِ(٢) ، بلْ سألَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (٤٦، ٤٧). (٢) فقد روى أحمد في ((المسند)) (٣٥١/٣) عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله =. ٤٥٤ ـية ربع العادات كتاب الحلال والحرام في أوَّلٍ قدومِهِ إلى المدينةِ عمَّا يُحملُ إليهِ: أصدقةٌ أوْ هديَّةٌ (١) ، لأنَّ قرينةً الحالِ - وهوَ دخولُ المهاجرينَ المدينةَ وهمْ فقراءُ(٢) - يغلبُ على الظنِّ أنَّ ما يُحملُ إليهِمْ يُحملُ بطريقِ الصدقةِ ، ثمَّ إسلامُ المعطي ويدُهُ لا يدلان على أنَّهُ ليسَ بصدقةٍ ، وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يُدعى إلى الضيافاتِ فيجيبُ ، ولا يسألُ أصدقةٌ أم لا(٣) ؛ إِذِ العادةُ ما جرتْ بالتصدُّقِ بالضيافةِ ؛ ولذلكَ دعتْهُ أُمُّ سُليمٍ (٤)، ودعاهُ الخَيَّاطُ - فيما رواهُ أنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللهُ عنهُ - وقدَّمَ إليهِ طعاماً فيهِ قرعٌ(٥)، ودعاهُ الرجلُ الفارسيُّ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((أنا وعائشةُ؟ )) فقالَ: لا، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بامرأة ، فذبحت لهم شاة ... ، فأخذ النبي = صلى الله عليه وسلم لقمة ، فلم يستطع أن يسيغها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلها))، فقالت المرأة: يا نبي الله؛ إنا لا نحتشم من آل سعد بن معاذ ولا يحتشمون منا ، نأخذ منهم ويأخذون منا . (١) رواه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم ( ١٠٧٧ ) . زيت (٢) وكانوا قد خرجوا بأنفسهم متجردين عن أملاكهم فارين بدينهم. ((إتحاف)) (٧٩/٦ ) . (٣) وأمثلة ذلك كثيرة، منها ما رواه البخاري (٢٠٨١)، ومسلم (٢٠٣٦) من دعوة أبي شعيب له صلى الله عليه وسلم وبضع من أصحابه ، فأجاب ولم يسأل عن أصل الطعام . (٤) كما في (( البخاري)) (٣٥٧٨)، ومسلم (٢٠٤٠). (٥) كما في ((البخاري)) (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١)، إذ قدَّم إليه خبزاً ومرقاً فيه دُيَّاء وقديد ، قال أنس : ( فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة ، قال : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ ) . ٤٥٥ مطارع كتاب الحلال والحرام ربع العادات ((فلا ))، ثمَّ أجابَهُ بعدَ ذلكَ، فذهبَ هوَ وعائشةُ يتساوقانِ ، فقرَّبَ إليهما إهالةً(١) ، ولمْ يُنقَلِ السؤالُ في شيءٍ مِنْ ذلكَ. وسألَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ عبدَهُ عنْ كسبهِ لمَّا رابَهُ مِنْ أمرِهِ شيءٌ(٢)، وسألَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ الذي سقاهُ مِنْ لبنِ إبلِ الصدقةِ إذْ رابَهُ ، وكانَ أعجبَهُ طعمُهُ ولمْ يكنْ على ما كانَ يألفُهُ كلَّ ليلةٍ (٣)، وهذهِ أسبابُ الريبةِ. فكلُّ مَنْ وجدَ ضيافةً عندَ رجلٍ مجهولٍ .. لمْ يكنْ عاصياً بإجابتِهِ مِنْ غیرِ تفتيشٍ، بلْ لو رأى في دارِهِ تجمُّلاً ومالاً كثيراً .. فليسَ لهُ أنْ يقول : ( الحلالُ عزيزٌ وهذا كثيرٌ ، فمِنْ أينَ يجتمعُ هذا مِنَ الحلالِ ؟ ) بلْ هذا الشخصُ بعينِهِ إذا احتُمِلَ أنْ يكونَ وَرِثَ مالاً أوِ اكتسبَهُ .. فهوَ بعينِهِ يستحقُّ إحسانَ الظنِّ بهِ ، وأزيدُ على هذا وأقولُ : ليسَ لهُ أنْ يسألَهُ ، بلْ إنْ كانَ يتورَّعُ ولا يُدخِلُ جوفَهُ إلا ما يدري مِنْ أينَ هوَ .. فهوَ حسنٌ ، فليتلطَّفْ في الترْكِ، وإنْ كانَ لا بدَّ لهُ مِنْ أكلِهِ .. فليأكلْ بغيرِ سؤالٍ؛ إذِ السؤالُ إيذاءٌ وهتْكُ سترٍ وإيحاشٌ ، وهوَ حرامٌ بلا شكٌّ(٤). ٢٠ (١) رواه مسلم (٢٠٣٧)، والإهالة: الشحم والودك أو ما أذيب منهما أو الزيت وما يؤتدم به . (٢) انظر ((قوت القلوب)) (٢٨٧/٢)، وروى ذلك الأثر البخاري (٣٨٤٢). (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) (٢٦٩/١). (٤) إذ قد ورد الوعيد فيمن آذى أخاه، وفيمن هتك ستره. ((إتحاف)) (٨٠/٦). حن حن حن حن حن حن ٤٥٦ من من ربع العادات كتاب الحلال والحرام فإنْ قلتَ : لعلَّهُ لا يتأذَّى بالسؤالِ . فأقولُ: لعلَّهُ يتأذَّى، وأنتَ تسألُ حذراً مِنْ ( لعلَّ)، فإنْ قنعتَ بـ ( لعلَّ) .. فلعلَّ مالَهُ حلالٌ! وليسَ الإثمُ المحذورُ في إيذاءِ مسلمٍ بأقلَّ مِنَ الإثمِ في أكلِ الشبهةِ أوِ الحرامِ ، والغالبُ على الناسِ الاستيحاشُ بالتفتيشِ . دں بمحن ولا يجوزُ لهُ أنْ يسألَ مِنْ غيرِهِ مِنْ حيثُ يدري هوَ بهِ ؛ لأنَّ الإيذاءَ في ذلكَ أكثرُ ، وإنْ سألَ مِنْ حيثُ لا يدري هوَ . . ففيهِ إساءةُ ظنٍّ وهتكُ سترٍ ، وفيهِ تجسُّسٌ، وفيهِ تشبيبٌ بالغيبةِ(١) وإنْ لمْ يكنْ ذلكَ صريحاً ، وكلُّ ذلكَ منهيٌّ عنهُ في آيةٍ واحدةٍ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ أَجْتِبُواْ كَثِيرً مِّنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الغَِّنِّ إِنَّرُ وَلَا تَتَّسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. وكمْ مِنْ زاهدٍ جاهلٍ يوحشُ القلوبَ في التفتيشِ ويتكلّمُ بالكلامِ الخشنِ المؤذي ، وإنَّما يحسِّنُ الشيطانُ ذلكَ عندَهُ طلباً للشهرةِ بأكلِ الحلالِ ، ولوْ كانَ باعتُهُ محضَ الدينِ .. لكانَ خوفُهُ على قلبٍ مسلمٍ أنْ يتأذَّى أشدَّ مِنْ خوفِهِ على بطنِهِ أنْ يدخلَهُ ما لا يدري ، وهوَ غيرُ مؤاخذٍ بما لا يدري بهِ إنْ لمْ يكنْ ثَمَّ علامةٌ توجبُ الاجتنابَ . فليعلمْ أنَّ طريقَ الورع التركُ دونَ التجشُّسِ ، وإذا لمْ يكنْ بدٌّ منَ الأكلِ .. فالورعُ الأكلُ وإحسانُ الظنِّ ، هذا هوَ المألوفُ مِنَ الصحابةِ (١) في ( ب): ( تسبيب)، وفي (ج ) : ( تشبيه ) . ـرات. ٤٥٧ كتاب الحلال والحرام ربع العادات رضيَ اللهُ عنهُم ، ومَنْ زادَ عليهِمْ في الورع فهوَ ضالٌّ مبتدعٌ ، وليس بمتَبَع ؛ فلنْ يبلغَ أحدٌ مُدَّ أحدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ ولوْ أنفقَ ما في الأرضِ جميعاً(١) . كيفَ وقدْ أكلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طعامَ بريرةَ ، فقيلَ: إنَّهُ صدقةٌ، فقالَ: ((هوَ لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ))(٢) ، ولمْ يسألْ عنِ المتصدِّقِ عليها ، فكانَ المتصدِّقُ مجهولاً عندَهُ ، ولمْ يمتنعْ ؟! الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ مشكوكاً فيهِ بسببٍ دلالةٍ أورثَتْ ريبةٌ : فلنذكرْ صورةَ الريبةِ ثمَّ حكمَها . أمّا الصورةُ : فهوَ أنْ تدلَّ على تحريمِ ما في يدِهِ دلالةً إمَّا مِنْ خلقتِهِ ، أَوْ مِنْ زيَّهِ وثيابِهِ ، أَوْ مِنْ فعلِهِ وقولِهِ . - أمَّا الخلقةُ : فأنْ يكونَ على خلقةِ الأتراكِ والبوادي والمعروفينَ بالظلمِ وقطع الطريقِ ، وأنْ يكونَ طويلَ الشاربِ ، وأنْ يكونَ الشعرُ مفرقاً على رأسِهِ علىْ دأبِ أهلِ الفسادِ . - وأمَّا الثيابُ: فالقَباءُ والقلنسوةُ وزيُّ أهلِ الفسادِ والظلمِ مِنَ الأجنادِ .(٣) وغيرِهِمْ(٣). ـون ٩ (١) كما في ((البخاري)) (٣٦٧٣)، و((مسلم)) (٢٥٤٠). (٢) رواه البخاري (١٤٩٣)، ومسلم ( ١٠٧٤ ). (٣) وهذا الذي ذكره من هيئاتهم وملابسهم فباعتبار ما كان موجوداً في زمنه ، وأما بعده .. =. ٤٥٨ الشر قيه ربع العادات كتاب الحلال والحرام - وأمَّا الفعلُ والقولُ: فهوَ أنْ يُشاهدَ منهُ الإقدامُ على ما لا يحلُّ ؛ فإنَّ ذلكَ يدلُّ على أنَّهُ يتساهلُ أيضاً في المالِ ، ويأخذُ ما لا يحلُّ . فهذهِ مواضعُ الريبةِ . ؟ فإذا أرادَ أنْ يشتريَ مِنْ مثلِ هذا شيئاً ، أوْ يأخذَ منهُ هديَّةً ، أوْ يجيبَهُ إلى ضيافةٍ ، وهوَ غريبٌ مجهولٌ عندَهُ ، لمْ يظهرْ لهُ منهُ إلا هذهِ العلاماتُ .. فيُحتملُ أنْ يُقالَ: ( اليدُ تدلُّ على الملكِ، وهذهِ الدلالاتُ ضعيفةٌ ، فالإقدامُ جائزٌ، والتركُ مِنَ الورع)، ويُحتملُ أنْ يُقالَ: (إنَّ اليدَ دلالةٌ ضعيفةٌ، وقدْ قابلَها مثلُ هذهِ الدلالةِ ، فأورثَتْ ريبةً ، فالهجومُ غيرُ جائزٍ)، وهوَ الذي نختارُهُ ونفتي بهِ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دعْ ما يريبُّكَ إلى ما لا يريبُكَ))(١)، وظاهرُهُ أمرٌ وإنْ كانَ يحتملُ الاستحبابَ ، ولقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإثمُ حَوَازُّ القلوبِ))(٢) وهذا لهُ وقِعٌ في القلبِ لا يُنكرُ، ولأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سألَ: ((أصدقةٌ أَوْ فقد تغيرت أحوالهم في الهيئات والملابس على طرق شتى ، والاعتبار بزي كل زمان . = ((إتحاف)» (٦ /٨١). (١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٥٢٠١). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٩/٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٨٩٢)، وهو موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وحَوَازُّ القلوب - بتشديد الزاي - : جمع حازَّة ، وهي الأمور التي تحزُّ فيها ؛ أي : تؤثر كما يؤثر الحزُّ في الشيء ، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها . 13 ٤٥٩ كتاب الحلال والحرام ربع العادات هديَّةٌ؟))(١)، وسألَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ غلامَهُ، وسألَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ساقيَهُ ، وكلُّ ذلكَ كانَ في موضع الريبةِ ، وحملُهُ على الورع وإنْ كانَ ممكناً ولكنْ لا يُحملُ عليهِ إلا بقياسِ حكميٍّ ، والقياسُ ليسَ يشهدُ بتحليلِ هذا ؛ فإنَّ دلالةَ اليدِ والإسلام وقدْ عارضَتْها هذهِ الدلالاتُ أورثتْ ريبةً ، فإذا تقابلا .. فالاستحلالُ لا مستندَ لهُ، وإنَّما لا يُتركُ حكمُ اليدِ والاستصحابِ بشكِّ لا يستندُ إلى علامةٍ ؛ كما إذا وجدْنا الماءَ متغيِّراً واحتملَ أنْ يكونَ بطولِ المكثِ ، فإنْ رأينا ظبيةً بالَتْ فيهِ ، ثمَّ احتملَ التغيُّرُ بهِ وبغيرِهِ .. تركنا الاستصحابَ ، وهذا قريبٌ منهُ ، ولكنْ بينَ هذهِ الدلالاتِ تفاوتٌ ؛ فإنَّ طولَ الشاربِ ولبسَ القَباءِ وهيئةَ الأجنادِ يدلُّ على الظلم بالمالِ ، أمَّا القولُ والفعلُ المخالفُ للشرع إنْ تعلَّقَ بظلمِ المالِ .. فهوَ أيضاً دليلٌ ظاهرٌ ؛ كما لوْ سمعَهُ يأمرُ بالغصْبِ والظلم ، أوْ يعقدُ عقدَ الربا ، فأمَّا إذا رآهُ قَدْ شتمَ غيرَهُ في غضبِهِ ، أَوْ أتبعَ نظرَهُ امرأةً مرَّتْ بهِ .. فهذهِ الدلالةُ ضعيفةٌ ؛ فكمْ مِنْ إنسانٍ يتحرَّجُ في طلبِ المالِ ولا يكتسبُ إلا الحلالَ ومعَ ذلكَ فلا يملكُ نفسَهُ عندَ هيجانِ الغضبِ والشهوةِ . فليُنبّهْ لههذا التفاوتٍ ، ولا يمكنُ أنْ يضبطَ هذا بحدٌّ ، فليستفتِ العبدُ في مثلٍ ذلكَ قلبَهُ . وأقولُ: إنَّ هذا إنْ رآهُ مِنْ مجهولٍ .. فلهُ حكمٌ، وإنْ رآهُ ممَّنْ عرفَهُ ؟ (١) رواه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم ( ١٠٧٧ ) . ٤٦٠