النص المفهرس
صفحات 421-440
ربع العادات ٦)م. كتاب الحلال والحرام تصرُّفُهُ ، ولوْ سرقَهُ منهُ سارقٌ .. قُطْعَتْ يدُهُ، فكيفَ نفذَ تصرُّقُهُ في ملكِ الغيرِ ؟ ـحن ليسَ ذلكَ إلا لحكمِنا بأنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ ينتقلَ الملكُ إليهِ ويحلّ لهُ ، فقضينا بموجَبِ المصلحةِ . فإنْ قيلَ : ذلكَ يختصُّ بالتصرُّفِ فيهِ السلطانُ . فنقولُ : والسلطانُ لمْ يُجوَّزْ لهُ التصرُّفُ في ملكِ غيرِهِ بغيرِ إذْنِهِ ، ولا سببَ لهُ إلا المصلحةُ؛ وهوَ أنَّهُ لوْ تُرِكَ .. لضاعَ، فهوَ مردَّدٌ بينَ تضييعِهِ وبينَ صرفِهِ إلى مهمٌّ ، والصرفُ إلىٌ مهمٌّ أصلحُ مِنَ التضييع ، فرجعَ عليهِ ، والمصلحةُ فيما يُشكُّ فيهِ ولا يُعلمُ تحريمُهُ أنْ يُحكمَ فيهِ بدلالةِ اليدِ ، ويُتركَ على أربابِ الأيدي ؛ إذ انتزاعُهُ بالشكِّ وتكليفُهُمُ الاقتصارَ على الحاجةِ .. يؤدِّي إلى الضررِ الذي ذكرناهُ، وجهاتُ المصلحةِ تختلفُ ؛ فإنَّ السلطانَ تارةً يرىُ مِنَ المصلحةِ أنْ يبنيَ بذلكَ المالِ قنطرةٌ ، وتارةً أنْ يصرفَهُ إلى جندٍ الإسلام ، وتارةً إلى الفقراءِ ، ويدورُ معَ المصلحةِ كيفما دارَتْ ؛ فكذلكَ الفتوى في مثلِ هذا تدورُ على المصلحةِ . وقدْ خرجَ مِنْ هذا أنَّ الخلقَ غيرُ مأخوذينَ في أعيانِ الأموالِ بظنونٍ لا تستندُ إلى خصوصٍ دلالةٍ في ملكِ الأعيانِ ؛ كما لمْ يُؤْاخذِ السلطانُ والفقراءُ الآخذونَ منهُ بعلمِهِمْ أنَّ المالَ لهُ مالكٌ، حيثُ لمْ يتعلّقِ العلمُ بعينٍ ن* ٤٢١ حرص حر مدن كتاب الحلال والحرام ربع العادات ـجري مالكِ مشارِ إليهِ ، ولا فرقَ بينَ عينِ المالكِ وبينَ عينِ الأملاكِ في هذا المعنى . فههذا بيانُ شبهةِ الاختلاطِ ، ولمْ يبقَ إلا النظرُ في امتزاج المائعاتِ والدراهمِ والعروضِ في يدِ مالكٍ واحدٍ ، وسيأتي بيانُهُ في بابِ تفصيلٍ طريقٍ الخروجٍ مِنَ المظالمِ . 40 4 تر جَزْع ٤٢٢ ربع العادات كتاب الحلال والحرام المشار الثَّكث للشّبهة: أن تُصْل بالتّبب المحلّل معصية إمَّا في قرائنِهِ ، وإمَّا في لواحقِهِ ، وإمَّا في سوابقِهِ ، أَوْ في عوضِهِ ، وكانتْ مِنَ المعاصي التي لا توجبُ فسادَ العقدِ وإبطالَ السببِ المحلَّلِ . مثالُ المعصيةِ في القرائنِ : البيعُ في وقتِ النداءِ يومَ الجمعةِ ، والذبحُ بالسكينِ المغصوبةِ ، والاحتطابُ بالقَدُومِ المغصوبِ ، والبيعُ على بيعٍ الغيرِ ، والسومُ على سومِهِ ، وكلُّ نهي وردّ في العقودِ ولمْ یدلَّ على فسادِ العقدِ .. فإنَّ الامتناعَ مِنْ جميعِ ذلكَ ورعٌ ، وإنْ لمْ يكنِ المستفادُ بهذهِ الأسباب محكوماً بتحريمِهِ . حن كن حن وتسميةُ هذا النمطِ شبهةً فيهٍ تسامحٌ ؛ لأنَّ الشبهةَ في غالبِ الأمرِ تطلقُ لإرادةِ الاشتباهِ والجهلِ (١)، ولا اشتباهَ ههنا، بلِ العصيانُّ بالذبحِ بسكينٍ الغيرِ معلومٌ، وحلُّ الذبيحةِ أيضاً معلومٌ، ولكنْ قدْ تُشْتَقُّ الشبهةُ منَ المشابهةِ ، وتناولُ الحاصلِ مِنْ هذهِ الأمورِ مكروهٌ، والكراهةُ تشبهُ التحريمَ، فإنْ أريدَ بالشبهةِ هذا .. فتسميةُ هذا شبهةً لهُ وجهٌ، وإلا .. فينبغي أنْ يسمَّى هذا كراهةً لا شبهةً . (١) بأن يجهل حل الشيء من حرمته على الحقيقة، ولذا عبَّر عنها بعضهم بقوله: ما لم يتعين حلُّه ولا حرمتُهُ. ((إتحاف)) (٥٦/٦). ٤٢٣ در كتاب الحلال والحرام مجمــ ربع العادات ..-- وإذا عُرفَ المعنى .. فلا مشاحَّةَ في الأسامي ، فعادةُ الفقهاءِ التسامحُ في الإطلاقاتِ . ثُمَّ اعلمْ أنَّ هذهِ الكراهةَ لها ثلاثُ درجاتٍ : الأولىُ منها تقربُ مِنَ الحرام ، والورعُ عنهُ مهمٌّ، والأخيرةُ تنتهي إلى نوعٍ مِنَ المبالغةِ تكادُ تلتحقُ بورع الموسوسينَ . وبينهَما أوساطُ نازعةٌ إلى الطرفينِ . فالكراهةُ في صيدٍ كلبٍ مغصوبٍ أشدُّ منها في الذبيحةِ بسكينٍ مغصوبٍ أوِ المقتنصِ بسهم مغصوبٍ ؛ إذ الكلبُ لهُ اختيارٌ ، وقدِ اختلفَ في أنَّ الحاصلَ بهِ لمالكِ الكلبِ أوْ للصيّادِ (١)؟ ويليهِ البذرُ المزروعُ في أرضٍ مغصوبةٍ ؛ فإنَّ الزرعَ لمالكِ البذرِ ، ولكنْ فيهِ شبهةٌ ، ولوْ أثبتْنا حقَّ الحبْسِ لمالكِ الأرضِ في الزرع .. لكانَ كالثمنِ الحرامِ ، ولكنِ الأَقيسُ ألا يَثبتَ حقُّ حبسٍ ؛ كما لوْ طحنَ بطاحونةٍ مغصوبةٍ أَوِ اقتنصَ بشبكةٍ مغصوبةٍ ، إذْ لا يتعلَّقُ حقُّ صاحبِ الشبكةِ في منفعتِها بالصيدِ ، ويليهِ الاحتطابُ بالقَدُوم المغصوبِ ، ثمَّ ذبحُهُ ملكَ نفسِهِ بالسكينِ المغصوبِ ؛ إذْ لمْ يذهبْ أحدٌ إلى تحريمِ الذبيحةِ . حن حن چن (١) والصياد هو الغاصب، فمنهم من قال: (لمالك الكلب) نظراً إلى الأصل، فلا يحل للصياد أخذه، ومنهم من قال: (للصياد، وعليه وزر الغصب). ((إتحاف)) (٥٦/٦). ٤٢٤ حن جن حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام در ويليهِ البيعُ في وقتِ النداءِ ؛ فإنَّهُ ضعيفُ التعلَّقِ بمقصودِ العقدِ ، وإِنْ ذهبَ قومٌ إلى فسادِ العقدِ (١)؛ إذْ ليسَ فيهِ إلا أنَّهُ اشتغلَ بالبيع عنْ واجبٍ آخرَ كانَ عليهِ ، ولوْ أُفسِدَ البيعُ بمثلِهِ .. لأُفسِدَ بيعُ كلِّ مَنْ عليهِ زكاةُ درهمٍ أوْ صلاةٌ فائتةٌ وجوبُها على الفورِ ، أوْ في ذمَّتِهِ مظلمةُ دائقٍ ؛ فإنَّ الاشتغالَ بالبيعِ مانعٌ لَهُ عنِ القيام بالواجباتِ ، فليسَ للجمعةِ إلا الوجوبُ بعدَ النداءِ . وينجُّ ذلكَ إلى ألا يصحَّ نكاحُ أولادِ الظلمةِ وكلِّ مَنْ في ذمَّتِهِ درهمٌ ؛ لأنَّهُ اشتغلَ بقولِهِ عنِ الفعلِ الواجبِ عليهِ ، إلاَّ أنَّهُ مِنْ حيثُ وردَ في يوم الجمعةِ نهيٌّ على الخصوصِ .. ربَّما سبقَ إلى الأفهامِ خصوصٌ فيهِ ، فتكونُ الكراهةُ أشدَّ ، ولا بأسَ بالحذرِ منهُ ، ولكنْ قَدْ ينجرُّ إلى الوسواسِ ، حتَّى يتحرَّجَ عنْ نكاحٍ بناتِ أربابِ المظالمِ وسائرِ معاملاتِهِمْ . ٤ وقدْ حُكِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ اشترى شيئاً مِنْ رجلٍ ، فسمعَ أنَّهُ اشتراهُ يومَ الجمعة ، فردَّهُ؛ خيفةَ أنْ يكونَ ذلكَ ممَّا اشتراهُ وقتَ النداءِ ، وهذا غايةٌ المبالغةِ ؛ لأنَّهُ ردِّ بالشكِّ، ومثلُ هذا الوهمِ في تقديرِ المناهي أوٍ المفسداتِ لا ينقطعُ عنْ يومِ السبتِ وسائرِ الأيامِ ، والورعُ حسنٌ ، والمبالغةُ فيهِ أحسنُ ، ولكنْ إلى حدٍّ معلوم، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( هَلَكَ المتنطُّعونَ))(٢). (١) وهم أصحاب مالك وأحمد، فقالوا: إن البيع فيه باطل، والعقد فاسد. ((إتحاف)) (٦ /٥٧ ) . (٢) رواه مسلم ( ٢٦٧٠) . ٤٢٥ ش من كتاب الحلال والحرام 9 4 جوميـ 00. ربع العادات ـدن فليحذرْ مِنْ أمثالِ هذهِ المبالغاتِ ؛ فإنَّها وإنْ كانتْ لا تضرُّ صاحبَها .. ربَّما أوهمَتْ عندَ الغيرِ أنَّ مثلَ ذلكَ مهمٌّ، ثمَّ يعجزُ عمَّا هوَ أيسرُ منهُ ، فيتركُ أصلَ الورعِ ، وهوَ مستندُ أكثرِ الناسِ في زماننا هذا؛ إذْ ضُيِّقَ عليهِمُ الطريقُ، فأيسوا عنِ القيام بهِ ، فاطَّرَحُوهُ، فكما أنَّ الموسوِسَ في الطهارةِ قدْ يعجزُ عنِ الطهارةِ فيتركُها ، فكذا بعضُ الموسوسينَ في الحلالِ سبقَ إلى أوهامِهِمْ أنَّ مالَ الدنيا كلَّهُ حرامٌ ، فتوسَّعوا، وتركوا التمييزَ ، وهوَ عينُ الضلالِ . وأمَّا مثالُ اللواحقِ : فهوَ كلُّ تصرُّفٍ يفضي في سياقِهِ إلى معصيةٍ ، وأعلاهُ بيعُ العنبِ مِنَ الخمَّارِ ، وبيعُ الغلامِ مِنَ المعروفِ بالفجورِ بالغلمانِ ، وبيعُ السيفِ مِنْ قطّاع الطريقِ . وقدٍ اختلفَ العلماءُ في صحَّةِ ذلكَ ، وفي حلِّ الثمنِ المأخوذِ منهُ ، والأقيسُ: أنَّ ذلكَ صحيحٌ ، والمأخوذُ حلالٌ ، والرجلُ عاصٍ بعقدِهِ ، كما يعصي بالذبحِ بالسكينِ المغصوبِ والذبيحةُ حلالٌ ، فإنَّهُ يعصي عصيانَ الإعانة على المعصيةِ ؛ إذ لا يتعلَّقُ ذلكَ بعينِ العقدِ ، فالمأخوذُ مِنْ هـذا مكروهٌ كراهيةً شديدةٌ، وتركُهُ مِنَ الورعِ المهمِّ ، وليسَ بحرامٍ (١). ويليهِ في الرتبةِ بيعُ العنبِ ممَّنْ يشربُ الخمرَ ولمْ يكنْ خمَّاراً ، وبيعُ (١) وبه قال أبو حنيفة، وذهب أحمد إلى أنه باطل، وقال مالك: يفسخ البيع ما لم يفت، فإن فات .. تصدق بثمنه. ((إتحاف)) (٥٨/٦) . حن عن من عن حن ٤٢٦ شن ربع العادات كتاب الحلال والحرام السيفِ ممَّن يغزو ويظلمُ أيضاً ؛ لأنَّ الاحتمالَ قدْ تعارضَ، وقدْ كرهَ السلفُ بيعَ السيفِ في وقتِ الفتنةِ ؛ خيفةً مِنْ أنْ يشتريَهُ ظالمٌ ، فهذا ورعٌ فوقَ الأوَّلِ ، والكراهةُ فيهِ أخفُّ . ويليهِ ما هوَ مبالغةٌ ، ويكادُ يلتحقُ بالوسواس - وهوَ قولُ جماعةٍ - أنَّهُ لا تجوزُ معاملةُ الفِلاَّحينَ بآلاتِ الحرثِ ؛ لأنَّهُمْ يستعينونَ بها على الحراثةِ ويبيعونَ الطعامَ منَ الظلمةِ، فلا يُباعُ منهمُ البقرُ ولا الفذَّانُ وآلاتُ الحرثِ (١) ، وهذا ورعُ الوسوسةِ؛ إذْ ينجرُّ إلى ألا يُباعَ مِنَ الفلاحِ طعامٌ ؛ لأنَّهُ يتقوَّى بهِ على الحراثةِ ، ولا يُسقىُ مِنَ الماءِ العامِّ لذلكَ ، وينتهي هذا إلى حدِّ التنطُعِ المنهيِّ عنهُ، وكلُّ متوجِّهِ إلى شيءٍ على قصْدٍ خيرٍ لا بدَّ وأنْ يسرفَ إنْ لمْ يزمُّهُ العلمُ المحقَّقُ(٢) ، وربَّما يقدمُ على ما يكونُ بدعةٌ في الدينِ ليستضرَّ الناسُ بعدَهُ بها ، وهوَ يظنُّ أنَّهُ مشغولٌ بالخيرِ ، ولهذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدنىُ رجلٍ مِنْ أصحابي))(٣)، والمتنطُّعونَ همُ الذينَ يُخشىُ عليهِمْ أنْ يكونوا ممَّنْ قِيلَ فيهم: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. حن ب ـير ـجم (١) الفذَّان: آلة الحرث ، ويطلق على الثورين يحرث عليهما في قران . (٢) يزقُّه: يمنعه. («إتحاف)) (٥٨/٦)، وفي (ب): ( يلزمه ) . (٣) رواه الترمذي (٢٦٨٥) . ٤٢٧ ـكن كتاب الحلال والحرام ربع العادات ـكن وبالجملةِ : لا ينبغي أنْ يشتغلَ الإنسانُ بدقائقِ الورع إلا بحضرةِ عالمٍ متقنٍ ؛ فإنَّهُ إذا جاوزَ ما رُسِمَ لهُ ، وتصرَّفَ بذهنِهِ مِنْ غيرِ سماع .. كانَ ما يفسدُهُ أكثرَ ممَّا يصلحُهُ . وقدْ رُوِيَ عنْ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ أحرقَ كرمَهُ خوفاً مِنْ أنْ يُباعَ العنبُ ممَّنْ يتخذُّهُ خمراً، وهذا لا أعرفُ لهُ وجهاً(١) ، إنْ لمْ يعرفْ هوَ سبباً خاصاً يُوجبُ الإحراقَ؛ إِذْ ما أحرقَ نخيلَهُ وكرْمَهُ مَنْ كانَ أرفعَ قدراً منهُ منَ الصحابةِ ، ولو جازَ هذا .. لجازَ قطعُ الذكَرِ خيفةً مِنَ الزنا ، وقطعُ اللسانِ خيفةً منَ الكذبِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الإتلافاتِ . وأمَّا المقدماتُ : فلتطرُّقِ المعصيةِ إليها أيضاً ثلاثُ درجاتٍ : الدرجةُ العليا التي تشتدُّ الكراهةُ فيها : ما بقيَ أثرُهُ في المتناولِ ؛ كالأكلِ مِنْ شاةٍ عُلفَتْ بعلفِ مغصوبٍ ، أَوْ رعَتْ في مرعىّ حرام ؛ فإنَّ ذلكَ معصيةٌ، وقدْ كانَ سبباً لبقائِها(٢) ، وربَّما يكونُ الباقي مِنْ دِمِها ولحمِها وأجزائِها مِنْ ذلكَ العلفِ . C. وهذا الورعُ مهمٌّ وإنْ لمْ يكنْ واجباً ، ونُقِلَ ذلكَ عنْ جماعةٍ مِنَ (١) ولعل ذلك السبب الخاص أن الكرم المذكور كان قد تعود الخمار بأخذ عنبه في كل سنة، فرأى المصلحة فى إحراقه. ((إتحاف)) (٥٩/٦). (٢) أي: العلف المذكور. ((إتحاف)) (٥٩/٦). ـ: ق ٤٢٨ ربع العادات كتاب الحلال والحرام السلفِ، وكانَ لأبي عبدِ اللهِ الطوسيِّ الثُّرُّوغْبَذِيِّ (١) شاةٌ يحملُها على رقبتِهِ كلَّ يومٍ إلى الصحراءِ ، ويرعاها وهوَ يصلِّي ، وكانَ يأكلُ منْ لبنِها ، فغفلَ عنها ساعةً ، فتناولتْ مِنْ ورقِ كرمٍ على طرفِ بستانٍ ، فتركَها في البستانِ ، ولمْ يستحلَّ أخذَها . حن متن شن فإنْ قيلَ : فقدْ رُوِيَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ وعبيدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُما اشتريا إيلاً ، فبعثاها إلى الحمى (٢)، فرعتْ فيهِ إبلُّهُما حتَّى سمنَتْ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : أرعيتُماها في الحمى ؟ فقالا : نعمْ ، فشاطرَهُما ، وهذا يدلُّ على أنَّهُ رأى اللحمَ الحاصلَ مِنَ العلفِ لصاحبِ العلفِ ، فليُوجبْ هذا تحريماً . قلنا : ليسَ كذلكَ ، فإنَّ العلفَ يفسدُ بالأكلِ ، واللحمُ خلقٌ جديدٌ ، وليسَ هوَ عينَ العلفِ ، فلا شركةً لصاحبِ العلفِ شرعاً ، ولكنَّ عمرَ غرَّمَهُما قيمةَ الكلاِ، ورأى ذلكَ مثلَ شطرِ الإبلِ ، فأخذَ الشطرَ بالاجتهادِ ؛ كما شاطرَ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ مالَهُ لمَّا قدمَ منَ الكوفةِ ، وكذلكَ شاطرَ (١) عارف زاهد مشهور، نسبته إلى تُرُوغْبَذ؛ بضمتين ومعجمة ساكنة وفتح الموحدة وذال معجمة ، قرية من قرى طوس . (٢) أي : حمى النقيع بالنون والقاف، وهي الأرض التي كان حماها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لإبل الصدقة خاصة. ((إتحاف)) (٥٩/٦) . ٤٢٩ كتاب الحلال والحرام ربع العادات أبا هريرة رضيَ اللهُ عنهُ؛ إذْ رأى أنَّ كلَّ ذلكَ لا يستحقُّهُ العاملُ ، ورأى شطرَ ذلكَ كافياً على حقِّ عملِهِمْ ، وقدَّرَهُ بالشطرِ اجتهاداً . CG الرتبةُ الوسطى : ما نُقْلَ عنْ بشرِ بنِ الحارثِ مِنِ امتناعِهِ عنْ ماءِ يُساقُ في نهرٍ قدِ احتفرَهُ الظلمةُ ؛ لأنَّ النهرَ موصلٌ إليهِ ، وقدْ عُصيَ اللهُ بحفرِهِ ، وامتناعِ آخرَ عنْ عنبٍ کرْمٍ يُسقى بماءٍ يجري في نهرٍ حُفِرَ ظلماً ، وهوَ أرفعُ منهُ وأبلغُ في الورع ، وامتناعٍ آخرَ منَ الشربِ مِنْ مصانع السلاطينِ في الطرقِ ، وأعلىُ مِنْ ذلكَ امتناعُ ذي النونِ مِنْ طعام حلالٍ أَوصلَ إليهِ على يدِ سجَّانٍ وقولُهُ: إنَّهُ جاءَني على طبقِ ظالمٍ (١) ، ودرجاتُ هذهِ الرتبِ لا تنحصرُ. الرتبةُ الثالثةُ ، وهي قريبٌ مِنَ الوسواسِ والمبالغةِ : أنْ يمتنعَ مِنْ حلالٍ وصلَ على يدِ رجلٍ عصى اللهَ تعالى بالزنا أوِ القذفِ ، وليسَ هذا كما لوْ عصى بأكلِ الحرام ، فإنَّ الموصلَ قوَّتُهُ الحاصلةُ مِنَ الغذاءِ الحرام ، والزنا والقذفُ لا يوجبُ قوَّةً يُستعانُ بها على الحملِ ، بلِ الامتناعُ مِنْ أخذِ حلالٍ وصلَ على يدِ كافٍ وسواسٌ ، بخلافِ أكلِ الحرام ؛ إذِ الكفرُ لا يتعلَّقُ بحملٍ الطعام ، وينجزُّ هذا إلى ألا يؤخذُ مِنْ يدِ مَنْ عصى اللهَ ولوْ بغيبةٍ أَوْ كذْبةٍ ، وهوَ غايةُ التطُّعِ والإسرافِ . ـدة ـجبسـ حن حن C نن (١) قوت القلوب (١٩١/٢). .4 ٤٣٠ ١ -- - ربع العادات كتاب الحلال والحرام فليضبطْ ما عرفَ مِنْ ورع ذي النونِ وبشرٍ بالمعصيةِ في السببِ الموصلِ ؛ كالنهرِ وقوَّةِ اليدِ المستفادةِ بالغذاءِ الحرامِ . ولوِ امتنعَ عنِ الشربِ بالكوزِ لأنَّ الفَخَّارَ (١) الذي عملَ الكوزَ كانَ قَدْ عصى اللهَ يوماً بضرْبٍ إنسانٍ أوْ شتمِهِ .. لكانَ هذا وسواساً ، ولوِ امتنعَ مِنْ لحمٍ شاةٍ ساقَها آكلُ حرام .. فهذا أبعدُ مِنْ يدِ السجَّانِ؛ لأنَّ الطعامَ يسوقُهُ قوَّةُ السجَّانِ ، والشاةُ تمشي بنفسِها ، والسائقُ يمنعُها عنِ العدولِ في الطريقِ فقطْ ، فهذا قريبٌ منَ الوسواسِ . فانظرْ كيفَ تدرَّجنا في بيانِ ما تتداعى إليهِ هذهِ الأمورُ . واعلمْ : أنَّ كلَّ هذا خارجٌ عنْ فتوى علماءِ الظاهرِ ؛ فإنَّ فتوى الفقيهِ تختصُّ بالدرجةِ الأولى التي يمكنُ تكليفُ عامَّةِ الخلْقِ بها ، ولوِ اجتمعوا عليهِ .. لمْ يخربِ العالمُ ، دونَ ما عداهُ مِنْ ورع المتقينَ والصالحينَ(٢). والفتوى في هذا : ما قالَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لوابصةً ؛ إذْ قالَ لهُ : (( استفتِ قلبَكَ وإنْ أفتوكَ وأفتوكَ وأفتوكَ))(٣)، وعرَّفَ ذلكَ إذْ قالَ : (١) الفخَّار هنا : الذي يعمل الأواني من الطين، فهو كالحدَّاد والنَّحاس. (٢) إذ الاجتماع على ورع المتقين والصالحين يؤدي إلى خراب العالم كما سبق للمصنف بيانه . (٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٤ /٢٢٨). ٤٣١ ش ش ش ش ش ئن كتاب الحلال والحرام ربع العادات ((الإثمُ حَوَازُّ القلوبِ))(١)، وكلُّ ما حاكَ في صدرِ المريدِ مِنْ هذِهِ الأسبابِ فلوْ أقدمَ عليهِ معَ حزازةِ القلبِ .. استضرَّ بهِ ، وأظلمَ قلبُهُ بقدْرِ الحزازةِ التي يجدُها ، بلْ لوْ أقدمَ على حرامٍ في علْمِ اللهِ تعالى وهوَ يظنُّ أنَّهُ حلالٌ .. لمْ يؤثِّرُ ذلكَ في قساوةٍ قلبِهِ ، ولوْ أقدمَ على ما هوَ حلالٌ في فتوى علماءِ الظاهرِ ولكنَّهُ يجدُ حزازةً في قلبهِ .. فذلكَ يضرُهُ . ن* نت وإنَّما الذي ذكرناهُ في النهي عنِ المبالغةِ أردنا بهِ أنَّ القلبَ الصافيَ المعتدلَ هوَ الذي لا يجدُ حزازةً في مثلِ تلكَ الأمورِ ، فإنْ مالَ قلبُ موسوسٍ عنِ الاعتدالِ ، ووجدَ الحزازةَ ، فأقدمَ معَ ما يجدُ في قلبِهِ .. فذلكَ يضرُّهُ ؛ لأنَّهُ مأخوذٌ في حقِّ نفسِهِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى بفتوى قلبِهِ ؛ ولذلكَ نشدِّدُ على الموسوسِ في الطهارةِ ونيّةِ الصلاةِ ؛ فإنَّهُ إذا غلبَ على قلبهِ أنَّ الماءَ لمْ يصلْ إلى جميع أجزائِهِ بثلاثِ مرَّاتٍ لغلبةِ الوسوسةِ عليهِ .. فيجبُ عليهِ أنْ يستعملَ الرابعةَ، وصارَ ذلكَ حُكماً في حقِّهِ وإنْ كانَ مخطئاً في نفسِهِ . وأولئكَ قومٌ شدَّدوا فشدَّدَ اللهُ عليهِمْ، ولذلكَ شدَّدَ على قوم موسى (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٩/٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٨٩٢)، وهو موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وحوازُّ القلوب - بتشديد الزاي - : جمع حازَّة ، وهي الأمور التي تحثُّ فيها ؛ أي : تؤثر كما يؤثر الحزُّ في الشيء ، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها . ورواه شمر: (( الإثم حوَّاز القلوب » بتشديد الواو ؛ أي : يحوزها ويتملكها ويغلب عليها، ويروى: (( الإثم حزَّاز القلوب)» بزايين ، الأولى مشددة وهي فعّال من الحزّ . مئز) ٢٠ ٢ ٤٣٢ CU ربع العادات كتاب الحلال والحرام عليهِ السلامُ لمَّا استقصوا في السؤالِ عنِ البقرةِ، ولوْ أخذوا أوَّلاً بعموم لفظِ البقرةِ وكلِّ ما ينطلقُ عليهِ اسمُ البقرةِ .. لأجزأَهُمْ ذلكَ . فلا تغفُلْ عنْ هذهِ الدقائقِ التي رددناها نفياً وإثباتاً ؛ فإنَّ مَنْ لا يطَّلعُ على كنْهِ الكلام ولا يحيطُ بمجامعِهِ . . يوشكُ أنْ يزلَّ في درْكِ مقاصدِهِ . وأمَّا المعصيةُ في العوضِ .. فلها أيضاً درجاتٌ : الدرجةُ العليا : التي تشتدُّ الكراهةُ فيها : أنْ يشتريَ شيئاً في الذقَّةِ ويقضيَ ثمنَهُ مِنْ غصبٍ أوْ مالٍ حرام ، فيُنظرُ ؛ فإنْ سلَّمَ البائعُ إليهِ الطعامَ قبلَ قبضٍ الثمنِ بطيبٍ قلبِهِ ، فأكلَّهُ قبلَ قضاءِ الثمنِ .. فهوَ حلالٌ، وتركُهُ ليسَ بواجبٍ بالإجماع ؛ أعني : قبلَ قضاءِ الثمنِ ، ولا هوَ أيضاً مِنَ الورع المؤگَّدِ . فإنْ قضى الثمنَ بعدَ الأكلِ مِنَ الحرامِ .. فكأنَّهُ لمْ يقضِ الثمنَ ، ولَوْ لمْ يقضِهِ أصلاً .. لكانَ متقلِّداً للمظلمةِ بتركِ ذمَّتِهِ مرتهنةً بالدَّيْنِ ، ولا ينقلبُ ذلكَ حراماً . فإنْ قضى الثمنَ مِنَ الحرامِ، وأبرأَهُ البائعُ معَ العلمِ بأنَّهُ حرامٌ .. فقدْ برئَتْ ذمَّتُهُ، ولمْ يبقَ عليهِ إلا مظلمةُ تصرُّفِهِ في الدراهمِ الحرامِ بصرفِها إلى البائع ، وإنْ أبرأَهُ على ظنِّ أنَّ الثمنَ حلالٌ .. فلا تحصلُ البراءةُ؛ لأنَّهُ يبرتُهُ ممَّا أخذَهُ إبراءَ استيفاءٍ ، ولا يصلحُ ذلكَ للإيفاءِ . ٢٧٠ ٤٣٣ كتاب الحلال والحرام ربع العادات فهذا حكمُ المشترى والأكلِ منهُ وحكمُ الذمَّةِ . وإنْ لمْ يسلَّمْ إليهِ بطيبةٍ قلبٍ ولكنْ أخذَهُ .. فأكْلُهُ حرامٌ، سواءٌ أكلَهُ قبلَ توفية الثمنِ مِنَ الحرام أوْ بعدَهُ ؛ لأنَّ الذي نرى الفتوىُ بهِ ثبوتُ حقِّ الحبسِ للبائع حتَّى يتعيَّنَ ملكُهُ بإقباضِ النقدِ كما تعيَّنَ ملكُ المشتري ، وإنَّما يبطلُ حقُّ حبسِهِ إِمَّا بالإبراءِ ، أوِ الاستيفاءِ ، ولمْ يجرِ شيءٌ منهما، ولكنَّهُ أكلَ ملكَ نفسِهِ ، وهوَ عاصٍ بهِ عصيانَ الراهنِ للطعام إذا أكلَهُ بغيرِ إذنٍ المرتهنِ (١) ، وبينَهُ وبينَ أكلِ طعامِ الغيرِ فرقٌ ، ولكنْ أصلُ التحريمِ شاملٌ ، هذا كلُّهُ إذا قبضَ قبلَ توفيةِ الثمنِ ؛ إِمَّا بطيبةِ قلبِ البائعِ ، أَوْ مِنْ غيرِ طيبةٍ قلبهِ فأمَّا إذا وفَّى الثمنَ الحرامَ أوَّلاً ثمَّ قبضَ ؛ فإنْ كانَ البائعُ عالماً بأنَّ الثمنَ حرامٌ ومعَ هذا أقبضَ المبيعَ .. بطلَ حقُّ حبسِهِ وبقيَ لهُ الثمنُ في ذمَّتِهِ ؛ إذْ ما أخذَهُ ليسَ بثمنٍ ، ولا يصيرُ أكلُ المبيعِ حراماً بسببٍ بقاءِ الثمنِ . فأمَّا إذا لمْ يعلمْ أنَّهُ حرامٌ وكانَ بحيثُ لوْ علمَ لما رضيَ بهِ ولا أقبضَ المبيعَ .. فحقُّ حبسِهِ لا يبطلُ بهذا التلبيسِ، فأكلُهُ حرامٌ تحريمَ أكلِ المرهونِ إلى أنْ يبرِئَهُ أوْ يوفِّيَ مِنْ حلالٍ ، أَوْ يرضى هوَ بالحرامِ ويبرىءَ ، فيصُّ إبراؤُهُ ، ولا يصحُّ رضاهُ بالحرامِ . ؟ (١) إذ لو رهن الإنسان طعاماً عند غيره .. فلا يجوز لذلك الإنسان التصرف فيه بالأكل أو غيره إلا إن أذن له المرتهن. («إتحاف)» (٦١/٦ ). ں۔۔ ٤٣٤ حن ربع العادات من كتاب الحلال والحرام ـحنى فهذا مقتضى الفقهِ وبيانُ الحكم في الدرجةِ الأولى منّ الحلِّ والحرمةِ ، فأمَّا الامتناعُ عنهُ .. فمِنَ الورع المهمِّ؛ لأنَّ المعصيةَ إذا تمكَّنَتْ مِنَ السبب الموصلِ إلى الشيءٍ .. تشتدُّ الكراهيةُ فيهِ كما سبقَ ، وأقوى الأسبابِ الموصلةِ الثمنُ ، ولولا الثمنُ الحرامُ .. لما رضيَ البائعُ بتسليمِهِ إليهِ ، فرضاهُ لا يخرجُهُ عنْ كونِهِ مكروهاً كراهيةٌ شديدةً ، ولكنَّ العدالةَ لا تنخرمُ بهِ ، وتزولُ بهِ درجةُ التقوى والورعِ . ولوِ اشترى سلطانٌ مثلاً ثوباً أوْ أرضاً في الذمَّةِ وقبضَهُ برضا البائعِ قبلَ توفيةِ الثمنِ ، وسلَّمَهُ إلى فقيهٍ أوْ غيرِهِ صلةً أوْ خلعةً وهوَ شاكٌّ في أنَّهُ سيقضي ثمنَهُ مِنَ الحلالِ أوِ الحرام .. فهذا أخفُّ؛ إذْ وقعَ الشُّ في تطرّقٍ المعصيةِ إلى الثمنِ ، وتفاوتُ خفَّتِهِ بتفاوتِ كثرةِ الحرام وقلَّتِهِ في مالِ ذلكَ السلطانِ ، وما يغلبُ على الظنِّ فيهِ، وبعضُهُ أشدُّ مِنْ بعضٍ ، والرجوعُ فيهِ إلى ما ينقدحُ في القلبِ . الرتبةُ الوسطى : ألا يكونَ العوضُ غصباً ولا حراماً ، ولكنْ يتهيّأُ لمعصيةٍ ؛ كما لوْ سلَّمَ عوضاً عنِ الثمنِ عنباً والآخذُ شاربُ خمرٍ ، أوْ سيفاً وهوَ قاطعُ طريقٍ ، فهذا لا يوجبُ تحريماً في مبيع اشتراهُ في الذمَّةِ ، ولكنْ يقتضي فيهِ كراهيةً دونَ الكراهيةِ التي في الغصْبِ ، وتتفاوتُ درجاتُ هذهِ الرتبةِ أيضاً بتفاوتِ غلبةِ المعصيةِ على قابضٍ الثمنِ وندورِها . ٤٣٥ حني مدن ثن كتاب الحلال والحرام ربع العادات ومهما كانَ العوضُ عملاً حراماً .. فبذلُهُ حرامٌ، وإن احتُملَ تحريمُهُ ولكنْ أُبيِحَ بظنٍّ .. فبذلُهُ مكروهٌ، وعليهِ ينزَّلُ عندي النهيُ عنْ كسبِ الحجَّامِ وكراهتُهُ(١) ؛ إذْ نهى عليهِ الصلاةُ والسلامُ عنهُ مرَّاتٍ، ثمَّ أمرَ بأنْ يُعلفَ الناضحُ(٢)، وما سبقَ إلى الوهم مِنْ أَنَّ سببَهُ مباشرةُ النجاسةِ والقذرِ فهوَ فاسدٌ ؛ إذْ يجبُ طردُهُ في الدَّاغِ والكنَّاسِ ، ولا قائلَ بهِ . فإنْ قيلَ بهِ .. فلا يمكنُ طردُهُ في القصَّابِ ؛ إذْ كيفَ يكونُ كسبُهُ مكروهاً وهوَ بدلٌ عنِ اللحمٍ ، واللحمُ في نفسِهِ غيرُ مكروهٍ ، ومخامرةُ القصَّاب للنجاسةِ أكثرُ منهُ للحجَّام والفصَّادِ، فإنَّ الحجَّامَ يأخذُ الدمَ بالمِخجمةِ ويمسحُهُ بالقطنةِ . ولكنَّ السببَ أنَّ الحجامةَ والفصدَ جراحةٌ ، وهيَ تخريبٌ لبنيةِ الحيوانِ وإخراجٌ لدمِهِ وبهِ قوامُ حياتِهِ ، والأصلُ فيهِ التحريمُ ، وإنَّما يحلُّ لضرورةٍ ، وتُعلمُ الحاجةُ والضرورةُ بحدْسٍ واجتهادٍ ، وربَّما يُظْنُّ نافعاً ويكونُ ضارّاً ، فيكونُ حراماً عندَ اللهِ تعالى ، ولكنْ حُكِمَ بحلُّهِ بالظنِّ والحدْسِ ، ولذلكَ لا يجوزُ للفصَّادِ فصْدُ عبدٍ ولا صبيٍّ ولا معتوهٍ إلا بإذنِ وليِّهِ وقولِ طبيبٍ ، تن قى :٧ ٢ (١) إذ روى مسلم ( ١٥٦٨) مرفوعاً: (( ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث ، وكسب الحجام خبيث))، وعند النسائي (٧/ ٣١٠) وابن ماجه ( ٢١٦٥) صريح النهي عن كسب الحجام . (٢) فقد روى أبو داوود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦) عن مُحَيِّصة أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام ، فنهاه عنها ، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: ((اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك)». ٤٣٦ ربع العادات كتاب الحلال والحرام ولولا أنَّهُ حلالٌ في الظّاهرِ .. لما أعطىُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أجرةً الحجَّام(١)، ولولا أنَّهُ يحتملُ التحريمَ .. لما نهى عنهُ، فلا يمكنُ الجمعُ بینَ إعطائِهِ ونهِهِ إلا باستنباطِ هذا المعنى . وهُذا كانَ ينبغي أن نذكرَهُ في القرائنِ المقرونةِ بالسببِ ؛ فإنَّهُ أقربُ إليهِ . الرتبةُ السفلى : وهي درجةُ الوسواسِ: وذلكَ أنْ يحلفَ إنسانٌ على ألا يلبسَ مِنْ غزلِ أمِّهِ ، فباعَ غزلَها ، واشترى بثمنِهِ ثوباً ، فهذا لا كراهيةَ فيهِ ، والورعُ عنهُ وسوسةٌ . ورُوِيَ عنِ المغيرةِ أَنَّهُ قالَ في هذهِ الواقعةِ : لا يجوزُ، واستشهدَ بأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعنَ اليهودَ ؛ إذْ حُرِّمَتْ عليهمُ الخمورُ، فباعوها وأكلوا أثمانَها(٢)، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ بيعَ الخمورِ باطلٌ ؛ إذْ لمْ يبقَ للخمرِ منفعةٌ في الشرع ، وثمنُ البيع الباطلِ حرامٌ(٣). ٧٠٠٠ n3. (١) كما في ((البخاري)) (٢١٠٣)، و((مسلم)) (١٢٠٢) وفيه: ( ولو كان حراماً .. لم يعطه ) . (٢) ما رواه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم ( ١٥٨٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال : قاتل الله فلاناً ، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قاتل الله اليهود، حرِّمت عليهم الشحوم ، فجملوها، فباعوها))) ، ولفظ ( الشحوم ) وما يناسبه في السياق هو في ( ب )، وسيأتي الكلام عليه . (٣) سبق أن أصل الحديث جاء بلفظ ( الشحوم) لا ( الخمور ) ، ومع هذا فالشاهد لا يبطل ؛ إذ الشحوم حكمها عند اليهود حكم الخمر في إثبات الحرمة ، وبيع الخمر = ٤٣٧ كتاب الحلال والحرام ربع العادات وليسَ هذا مِنْ ذلكَ بلْ مثالُ هذا : أنْ يملكَ الرجلُ جاريةً هيَ أختُهُ مِنَ الرضاع ، فباعَها بجاريةٍ أجنبيةٍ ، فليسَ لأحدٍ أنْ يتورَّعَ عنهُ ، ويشبّهَ ذلكَ ببيعِ الخمرِ ، فهذا غايةُ السرفِ في هذا الطرفِ . وقدْ عرفنا جميعَ الدرجاتِ وكيفيةً التدريج فيها ، وإنْ كانَ تفاوتُ هذهِ الدرجاتِ لا ينحصرُ في ثلاثٍ أوْ أربع ولا في عددٍ ، ولكنِ المقصودُ مِنَ التعديدِ التقريبُ والتفهيمُ . 20 ـن؟ فإنْ قيلَ : فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنِ اشترى ثوباً بعشرة دراهمَ فيها درهمٌ حرامٌ .. لمْ يقبلِ اللهُ لهُ صلاةً ما كانَ عليهِ))، ثمَّ أدخلَ ابنُ عمرَ إصبعيهِ في أذنيه وقالَ : ( صُمَّتا إنْ لمْ أكنْ سمعتُهُ منهُ)(١) . مون والشحم عندهم باطل ، وثمنه حرام ، وهذا مستفاد من تشبيه سيدنا عمر الخمر = بالشحم، قال الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري)) (٤١٥/٤): ( ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراكُ في النهي عن تناول كل منهما ) ، وبالتعيين : النهي عن الانتفاع بهما ؛ وعليه يكون إثبات لفظ ( الشحوم ) ومشتقات هذا الجذر في السياق كما جاء في ( ب ) وعدم مخالفة المصنف لنص الحديث .. غيرَ بعيد . Ci. ـون وقال الحافظ الزبيدي : ( هذا إن ثبت أن المغيرة رضي الله عنه رفعت إليه هذه الحادثة بعينها من طريق صحيحة وأجاب بما تقدم ، فإني لم أر رواية المغيرة لهذا الحديث في مظانها، والله أعلم). ((إتحاف)) (٦٤/٦). من (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٨/٢). ٤٣٨ ٥٠٠٢ ربع العادات كتاب الحلال والحرام قلنا : ذلكَ محمولٌ على ما لوِ اشترى بعشرةٍ بعينِها لا في الذمَّةِ ، وإذا اشترى في الذمَّةِ .. فقدْ حكمْنا بالتحريمِ في أكثرِ الصورِ ، فليُحملْ عليها . ثمَّ كمْ مِنْ مِلْكِ يُتوعَّدُ عليهِ بمنع قبولِ الصلاةِ لمعصيةٍ تطرَّقَتْ إلى سببهِ ، وإنْ لمْ يدلَّ ذلكَ على فسادِ العقدِ ؛ كالمشترى في وقتِ النداءِ وغيرِهِ . حج حن حن حن بي .. ٤٣٩ من جن كتاب الحلال والحرام ربع العادات المشار الرّابع: الاختلاف في الأولّ فإِنَّ ذلكَ كالاختلافِ في السببِ ؛ لأنَّ السببَ سببٌ لحكم الحلِّ والحرمةِ ، والدليلَ سببٌّ لمعرفةِ الحلِّ والحرمةِ ، فهوَ سببٌّ في حقِّ المعرفةِ ، وما لمْ يثبتْ في معرفةِ العبدِ .. فلا فائدةَ في ثبوتِهِ في نفسِهِ وإِنْ جرى سبيُهُ في علمِ اللهِ . i وهوَ إمَّا أنْ يكونَ لتعارضِ أدلةِ الشرع ، أَوْ لتعارضِ العلاماتِ الدالَّةِ ، أوْ لتعارضِ المتشابِهِ . القسمُ الأوَّلُ : أنْ تتعارضَ أدلَّةُ الشرع : مثلُ تعارضِ عمومينِ مِنَ القرآنِ أوِ السنةِ ، أَوْ تعارضٍ قياسينِ ، أَوْ تعارضٍ قياسٍ وعمومٍ . وكلُّ ذلكَ يورثُ الشكَّ، ويُرجَعُ فيهِ إلى الاستصحابِ ، أوِ الأصلِ المعلومِ قبلَهُ إنْ لمْ يكنْ ترجيحٌ ، فإِنْ ظهرَ ترجيحٌ في جانبِ الحظْرِ .. وجبّ الأخذُ بهِ ، وإنْ ظهرَ في جانبِ الحلِّ .. جازَ الأخذُ بهِ ، ولكنَّ الورعَ تركُهُ . واتقاءُ مواضع الخلافِ مهمٌّ في الورع في حقِّ المفتي والمقلِّدِ ، وإنْ كانَ المقلِّدُ يجوزُ لهُ أنْ يأخذَ بما أفتى لهُ مقلَّدُهُ الذي يظنُّ أنَّهُ أفضلُ علماءِ بلدِهِ ، ٤٤٠ ص