النص المفهرس

صفحات 381-400

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
عنْ أنْ تترجَّحَ كفَّةُ سيئاتِهِ على كفَّةِ حسناتِهِ .
حن خن
وتتفاوتُ المنازلُ في الآخرةِ بحسَبِ تفاوتِ هذهِ الدرجاتِ في الورعِ ؛
كما تتفاوتُ دركاتُ النارِ في حقِّ الظلمةِ بحسَبِ تفاوتِ درجاتِ الحرام في
الخبثِ .
وإذا علمتَ حقيقةَ الأمرِ .. فإليكَ الخيرةُ؛ فإنْ شئتَ .. فاستكثرْ مِنَ
الاحتياطِ ، وإنْ شئتَ فترشَّصْ، فلنفسكَ تحتاطُ ، وعلى نفسِكَ تترشخّصُ ،
والسلامُ .
٢٨٠٠
٣٨١
-حسن حن حن كن
كن.

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
البَابُ الثَّاني
في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ ،
وبينَهُما أمورٌ مشتبهاتٌ، لا يعلمُها كثيرٌ مِنَ الناسِ ، فمَنِ اتقى الشبهاتِ ..
فقدِ استبرأَ لعرضِهِ ودينِهِ ، ومَنْ وقعَ في الشبهاتِ .. واقعَ الحرامَ ؛ كالراعي
حولَ الحمى، يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ))(١) .
فهذا الحديثُ نصٌّ في إثباتِ الأقسام الثلاثةِ ، والمشكلُ منها القسمُ
المتوسّطُ الذي لا يعرفُهُ كثيرٌ مِنَ الناسِ ، وهوَ الشبهةُ ، فلا بدَّ مِنْ بيانِها ،
وكشفِ الغطاءِ عنها ؛ فإنَّ ما لا يعرفُهُ الكثيرُ قدْ يعرفُهُ القليلُ، فنقولُ :
الحلالُ المطلقُ : هوَ الذي انحلَّ عنْ ذاتِهِ الصفاتُ الموجبةُ للتحريمِ في
عينِهِ ، وانحلَّ عنْ أسبابِهِ ما تطرَّقَ إليهِ تحريمٌ أوْ كراهيةٌ .
ومثالُهُ : الماءُ الذي يأخذُهُ الإنسانُ مِنَ المطرِ قبلَ أنْ يقعَ على ملكِ
أحدٍ ، ويكونُ واقفاً عندَ أخذِهِ وجمعِهِ مِنَ الهواءِ في ملكِ نفسِهِ أوْ في أرضٍ
مباحةٍ .
والحرامُ المحضُ: هوَ ما فيهِ صفةٌ محرِّمةٌ لا يُشكُّ فيها ؛ كالشدّةِ
حن حن عن حن تن حن كن أن جن جن حن
(١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم ( ١٥٩٩).
٣٨٢

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
المطربةِ في الخمرِ ، والنجاسةِ في البولِ ، أوْ حصلَ بسببٍ منهيٍّ عنهُ قطعاً ؛
كالمحصَّلِ بالظلمِ والربا ونظائرِهِ .
فهذانِ طرفانٍ ظاهرانِ .
حن
سكن
حن
ويلتحقُ بالطرفينِ ما تُحقِّقَ أمرُهُ ولكنِ احتُملَ تغيُّرُهُ ، ولمْ يكنْ لذلكَ
الاحتمالِ سببٌ يدلُّ عليهِ : فإنَّ صيدَ البرِّ والبحرِ حلالٌ، ومَنْ أخذَ ظبيةً
فيُحتملُ أنْ يكونَ قدْ ملكَها صيّادٌ ثمَّ أفلتَتْ منهُ، وكذلكَ السمكُ يحتملُ أنْ
يكونَ قدْ تزلَّقَ مِنَ الصَّادِ بعدَ وقوعِهِ في يدِهِ وخريطتِهِ (١)، فمثلُ هذا
الاحتمالِ لا يتطرَّقُ إلى ماءِ المطرِ المختطفِ مِنَ الهواءِ ، ولكنَّهُ في معنى ماءِ
المطرِ، والاحترازُ منهُ وسواسٌ ، فلنسمِّ هذا الفنَّ ورعَ الموسْوِسِينَ ؛ حتَّى
تلتحقَ بهِ أمثالُهُ، وذلكَ لأنَّ هذا وهمٌ مجرَّدٌ لا دلالةَ عليهِ .
نعمْ ، لوْ دلَّ عليهِ دليلٌ ، فإنْ كانَ قاطعاً ؛ كما لوْ وجدَ حلقةٌ في أُذنٍ
السمكِ، أوْ كانَ محتملاً؛ كما لو وجدَ على الظبيةِ جراحةٌ يُحتملُ أنْ يكونَ
كيّاً لا يقدرُ عليهِ إلا بعدَ الضبطِ، ويُحتملُ أنْ يكونَ جرحاً .. فهذا موضعُ
الورع ، وإذا انتفتِ الدلالةُ مِنْ كلِّ وجهٍ .. فالاحتمالُ المعدومُ دلالتُهُ
كالاحتمالِ المعدوم في نفسِهِ ، ومِنْ هذا الجنسِ مَنْ يستعيرُ داراً ، فيغيبُ
(١) وهي الكيس الذي يجمع فيه ما صاده. ((إتحاف)) (٣٣/٦)، وهي لفظة فارسية
أيضاً ، معناها القربة أو الحقيبة .
٣٨٣
ش جن جن
حن حن
@

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
عنهُ المعيرُ ، فيخرجُ ويقولُ: لعلَّهُ ماتَ وصارَ الحقُّ للوارثِ ، فهذا
وسواسٌ إذا لمْ يدلَّ على موتِهِ سببٌ قاطعٌ أوْ مشكِّكٌ ؛ إذِ الشبهةُ المحذورةُ
ما تنشأُ مِنَ الشكِّ .
والشكُّ : عبارةٌ عنِ اعتقادينٍ متقابلينٍ نشأ عنْ سببينٍ ، فما لا سببَ لهُ
لا يثبتُ عقدُهُ في النفسِ حتَّى يساويَ العقدَ المقابلَ لهُ، فيصيرَ شكّاً ،
ولهذا نقولُ : مَنْ شكَّ أنَّهُ صلَّى ثلاثاً أوْ أربعاً .. أخذَ بالثلاثِ؛ إذِ الأصلُ
عدمُ الزيادةِ ، ولوْ سُئِلَ إنسانٌ أنَّ صلاةَ الظهرِ التي أدَّاها قبلَ هذا بعشرِ سنينَ
كانتْ أربعاً أوْ ثلاثاً .. لمْ يتحقَّقْ قطعاً أنَّها أربعٌ، وإذا لمْ يقطعْ .. جُوَّزَ أنْ
تكونَ ثلاثاً ، وهذا التجويزُ لا يكونُ شَكّاً ؛ إذْ لمْ يحضرْهُ سببٌ أوجبَ
اعتقادَ كونِها ثلاثاً .
فلتفهَمْ حقيقةَ الشكِّ ؛ حتَّى لا يشتبهَ بالوهمِ والتجويزِ بغيرِ سببٍ ، فهذا
يلتحق بالحلالِ المطلقِ .
كن
ويلتحقُ بالحرام المحضِ ما تُحقِّقَ تحريمُهُ وإِنْ أمكنَ طريانُ محلِّلٍ ،
ولكنْ لمْ يدلَّ عليهِ سببٌ ؛ كمَنْ في يدِهِ طعامٌ لمورِّثِهِ الذي لا وارثَ لهُ سواهُ ،
فغابَ عنهُ ، فقالَ : يُحتملُ أنَّهُ ماتَ، وقدِ انتقلَ الملكُ إليَّ فَآكُلُهُ، فإقدامُهُ
عليهِ إقدامٌ على حرام محضٍٍ ؛ لأنَّهُ احتمالٌ لا مستندَ لهُ ، فلا ينبغي أنْ يُعذَّ هذا
النمطُ مِنْ أقسامِ الشبهاتِ ، وإنَّما الشبهةُ نعني بها: ما اشتبَهَ علينا أمرُهُ ؛ بأنْ
تعارضَ لنا فيهِ اعتقادانِ صدرا عنْ سببينِ مقتضيينِ للاعتقادينِ .
٣٨٤
تن
مدن محر كن .. كن

۔۔
ربع العادات
جير
كتاب الحلال والحرام
ومثاراتُ الشبهةِ أربعةٌ :
المشار الأوّل: الشكر في السّبب المحلّل والمحرّم
وذلكَ لا يخلو : إمّا أنْ يكونَ متعادلاً، أوْ غلبَ أحدُ الاحتمالينِ ؛ فإنْ
تعادلَ الاحتمالانِ .. كانَ الحكمُ لما عُرفَ قبلَهُ ، فيُستصحبُ ولا يُتركُ
بالشكِّ ، وإنْ غلبَ أحدُ الاحتمالينِ عليهِ فصدرَ عنْ دلالةٍ معتبرةٍ .. كانَ
الحكمُ للغالبِ .
ولا يُتبيَّنُ هذا إلا بالأمثالِ والشواهدِ، فلنقسّمْهُ إلى أقسام أربعةٍ :
القسمُ الأوَّلُ : أنْ يكونَ التحريمُ معلوماً مِنْ قبلُ ، ثمَّ يقعُ الشكُّ في
المحلِّلِ ، فهذهِ شبهةٌ يجبُ اجتنابُها ، ويحرمُ الإقدامُ عليها .
مثالُهُ : أنْ يرميَ إلى صيدٍ فيجرحَهُ ، ويقعَ في الماءِ ، فيصادفَهُ ميتاً ،
ولا يدري أنَّهُ ماتَ بالغرقِ أوْ بالجرحِ ؛ فهذا حرامٌ ؛ لأنَّ الأصلَ التحريمُ ،
إلا إذا ماتَ بطريقٍ معيَّنٍ ، وقدْ وقعَ الشكُّ في الطريقِ المعيَّنِ ، فلا يُتركُ
اليقينُ بالشكِّ ؛ كما في الأحداثِ والنجاساتِ وركعاتِ الصلاةِ وغيرِها .
وعلى هذا يُنَزَّلُ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعديٍّ بنِ حاتم: ((لا تأكلُّهُ ؛
فلعلَّهُ قتلَهُ غيرُ كلبكَ))(١) .
ولذلكَ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أُتِيَ بشيءٍ اشتبهَ عليهِ أنَّهُ صدقةٌ أوْ
(١) رواه البخاري (١٧٥)، ومسلم (٣/١٩٢٩).
G
٣٨٥
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ش
هديةٌ .. سألَ عنهُ حتَّى يعلمَ أيُّهُما هوَ(١).
ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أرقَ ليلةً، فقالَ لهُ بعضُ نسائِهِ : أرقتَ
يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «أجلْ، وجدتُ تمرةً، فخشيتُ أنْ تكونَ مِنَ
الصدقةِ))، وفي روايةٍ: ((فأكلتُها، فخشيتُ أنْ تكونَ منَ الصدقةِ))(٢).
ومِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ قالَ : كنَّا في سفرٍ معَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأصابنا الجوعُ ، فنزلنا منزلاً كثيرَ الضُّبابِ ، فبينا
القدورُ تغلي بها إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أمَّةٌ مُسخَتْ مِنْ
بني إسرائيلَ، فأخافُ أنْ تكونَ هذهِ))، فأكفأنا القدورَ(٣).
ثُمَّ أعلمَهُ اللهُ بعدَ ذلكَ أنَّهُ لمْ يمسخ اللهُ خلقاً فجعلَ لهُ نسلاً (٤) ، وكانَ
امتناعُهُ أوَّلاً لأنَّ الأصلَ عدمُ الحلِّ ، وشكَّ في كونِ الذبح محلّلاً .
القسمُ الثاني : أنْ يعرفَ الحلَّ ويشكَّ في المحرِّم ، فالأصلُ الحلُّ ، ولهُ
الحكمُ ؛ كما إذا نكحَ رجلانِ امرأتينٍ وطارَ طائرٌ ، فقالَ أحدُهما : إنْ كانَ
(١) رواه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم ( ١٠٧٧ ).
.5
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٨٣/٢، ١٩٣).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٩٦/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٢٦٦) وفيه :
( فأكفأنا وإنا لجياع )، وقريب منه عند أبي داوود (٣٧٩٥) وزاد مرفوعاً: (( وإني
لا أدري أيُّ الدواب هي؟)» .
ون كن خن
(٤) فقد روى مسلم (٢٦٦٣) مرفوعاً: ((إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً)).
ٹن
ن؟
٣٨٦

ربع العادات
يوميــ
حر
كتاب الحلال والحرام
هذا غراباً .. فامرأتي طالقٌ، وقالَ الآخرُ: إنْ لمْ يكنْ .. فامرأتي طالقٌ،
والتبسَ أمرُ الطائرِ ، فلا يُقضى بالتحريمِ في واحدةٍ منهما ، ولمْ يلزمْهُما
اجتنابُهُما ، ولكنَّ الورعَ اجتنابُهُما وتطليقُهُما حتَّى تحلَّّ لسائرِ الأزواجِ ،
وقدْ أمرَ مكحولٌ بالاجتنابِ في هذِهِ المسألةِ (١).
حن
وأفتى الشعبيُّ بالاجتنابِ في رجلينِ كانا قدْ تنازعا ، فقالَ أحدُهُما
للآخرِ : أنتَ حسودٌ، فقالَ الآخرُ : أحسدُنا زوجتُهُ طالقٌ ثلاثاً ، فقالَ
الآخرُ : نعمْ، وأشكلَ الأمرُ(٢).
وهذا إنْ أرادَ بهِ اجتنابَ الورعِ .. فصحيحٌ ، وإنْ أرادَ التحريمَ
المحقَّقَ .. فلا وجهَ لهُ ؛ إذْ ثبتَ في المياهِ والنجاساتِ والأحداثِ والصلواتِ
أنَّ اليقينَ لا يجبُّ تركُهُ بالشكِّ ، وهذا في معناهُ .
مدن
فإنْ قلتَ : وأيُّ مناسبةٍ بينَ هذا وبينَ ذلكَ ؟
فاعلمْ : أنَّهُ لا يحتاجُ إلى المناسبةِ ؛ فإنَّهُ لازمٌ مِنْ غيرِ ذلكَ في بعضٍ
الصور ؛ فإنَّهُ مهما تيقَّنَ طهارةَ الماءِ ثمَّ شكَّ في نجاستِهِ .. جازَ لهُ أنْ يتوضأَ
(١) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٣٩٥، ١٩٣٩٦) الاجتنابَ عن قتادة
والشعبي .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ١٩٣٩٣) وقال: (قد خبتما وخسرتما ، وبانت
منكما أمرأتاكما ) .
٣٨٧
من كن حن كن خن
مكن
مكن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
بهِ ، فكيفَ لا يجوزُ لهُ أنْ يشربَهُ ؟ وإذا جُوِّزَ الشربُ .. فقدْ سُلَّمَ أنَّ اليقينَ
لا يُزالُ بالشكِّ .
إلا أنَّ ههنا دقيقةً، وهوَ أنَّ وِزانَ الماءِ(١) : أنْ يشكَّ في أنَّهُ طلَّقَ زوجتَهُ
أمْ لا، فيُقالُ: الأصلُ أنَّهُ ما طلَّقَ (٢) ، ووِزانَ مسألةِ الطائرِ: أنْ يتحقَّقَ
نجاسةَ أحدِ الإناءينِ ويشتَبَهَ عينُهُ ، فلا يجوزُ أنْ يستعملَ أحدَهما بغيرِ
اجتهادٍ ؛ لأنَّهُ قابلَ يقينَ النجاسةِ بيقينِ الطهارةِ ، فبطلَ الاستصحابُ ،
فكذلكَ ههنا قدْ وقعَ الطلاقُ على إحدى الزوجتينِ قطعاً ، والتبسَ عينُ
المطلقةِ بغيرِ المطلقةِ .
فنقولُ : اختلفَ أصحابُ الشافعيِّ في الإناءينِ على ثلاثةِ أوجهٍ :
٢٠٠.
فقالَ قومٌ : يستصحبُ بغيرِ اجتهادٍ .
وقالَ قومٌ : بعدَ حصولِ يقينِ النجاسةِ في مقابلةِ يقينِ الطهارةِ يجبُ
الاجتنابُ ، ولا يغني الاجتهادُ .
وقالَ المقتصدونَ : يجتهدُ ، وهوَ الصحيحُ .
جن
ـدن
ولكنْ وِزانُهُ : أنْ تكونَ لهُ زوجتانٍ ، فيقولَ : (إنْ كانَ غراباً .. فزينبُ
طالقٌ ، وإنْ لمْ يكنْ .. فعمرةُ طالقٌ ) ، فلا جرمَ لا يجوزُ لهُ غشيانُهُما
بالاستصحابِ ، ولا يجوزُ الاجتهادُ ؛ إذْ لا علامةَ، ونحرمُهُما عليهِ ؛ لأنّهُ
(١) أي : مثيلة مسألة الماء .
(٢) فلا تأثير للشك هنا. ((إتحاف)) (٣٥/٦).
٣٨٨

ربع العادات
حر
كتاب الحلال والحرام
لوْ وطئَهُما .. كانَ مقتحماً للحرام قطعاً، وإنْ وطىءَ إحداهما وقالَ :
( أقتصرُ على هذهِ) .. كانَ متحكِّماً بتعيينِها مِنْ غيرِ ترجيحِ ، ففي هذا
افترقَ حكْمُ شخصٍ واحدٍ وشخصينٍ ؛ لأنَّ التحريمَ على شخصٍ واحدٍ
متحقَّقٌ ، بخلافِ الشخصينِ ؛ إذْ كلُّ واحدٍ شكٍّ في التحريمِ في حقِّ نفسِهِ .
فإِنْ قِيلَ : فلوْ كانَ الإناءانِ لشخصينٍ .. فينبغي أنْ يُستغنى عنِ الاجتهادِ
ويتوضَّأَ كلُّ واحدٍ بإنائِهِ ؛ لأنَّهُ تيقَّنَ طهارتَهُ ، وقدْ شكَّ الآنَ فِيهِ ؟
بين
حن
فنقولُ : هذا محتملٌ في الفقهِ ، والأرجحُ في الظنِّ المنعُ ، وأنَّ تعدُّدَ
الشخصِ ههنا كاتحادِهِ ؛ لأنَّ صحةَ الوضوءِ لا تستدعي مُلْكاً ، بلْ وضوءُ
الإنسانِ بماءِ غيرِهِ في رفع الحدثِ كوضوئِهِ مِنْ مائِهِ ، فلا يتبيَّنُ لاختلافِ
الملكِ واتحادِهِ أثرٌ ، بخلافِ الوطءِ لزوجةِ الغيرِ ؛ فإنَّهُ لا يحلُّ ، ولأنَّ
للعلاماتِ مدخلاً في النجاساتِ ، والاجتهادُ فيهِ ممكنٌ ، بخلافٍ
الطلاقِ (١) ، فوجبَ تقويةُ الاستصحابِ بعلامةٍ ليدفعَ بها قوَّةَ يقينِ النجاسةِ
المقابلةَ ليقينِ الطهارةِ .
وأبوابُ الاستصحابِ والترجيحاتِ مِنْ غوامضِ الفقهِ ودقائقِهِ ، وقد
استقصيناهُ في كتبِ الفقهِ ، ولسنا نقصدُ الآنَ إلا التنبيهَ على قواعدِها .
نيو
(١) فلا مدخل للأمارات فيه، ولا يفتقر إلى الاجتهاد. ((إتحاف)) (٣٧/٦).
٣٨٩
حن: جم
جة
جن

كتاب الحلال والحرام
ـــــيـه
ربع العادات
القسمُ الثالثُ : أنْ يكونَ الأصلُ التحريمَ ، ولكنْ طرأَ ما أوجبَ تحليلَهُ
بظنَّ غالبٍ ، فهوَ مشكوكٌ فِيهِ ، والغالبُ حلُّهُ .
تعـ
فهذا ينظرُ فيهِ ؛ فإنِ استندَ غلبةُ الظنِّ إلى سببٍ معتبرٍ شرعاً .. فالذي
نختارُ فيهِ : أنَّهُ يحلُّ ، وأنَّ اجتنابَهُ مِنَ الورعِ .
مثالُهُ : أنْ يرميَ إلى صيدٍ ، فيغيبَ ، ثمَّ يدركَهُ ميتاً وليسَ عليهِ أثرٌ سوى
سهمِهِ ، ولكنْ يُحتملُ أنَّهُ ماتَ بسقطةٍ أوْ سببٍ آخرَ ؛ فإنْ ظهرَ عليهِ أثرٌ
صدمةٍ أوْ جراحةٍ أخرى .. التحقَ بالقسم الأوَّلِ(١).
وقدِ اختلفَ قولُ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ في هذا القسم ، والمختارُ : أنَّهُ
حلالٌ ؛ لأنَّ الجرحَ سببٌ ظاهرٌ وقدْ تحقَّقَ ، والأصلُ أنَّهُ لمْ يطرأُ غيرُهُ
عليهِ ، فطريانُهُ مشكوٌ فيهِ ، فلا يُدفعُ اليقينُ بالشكِّ.
فإنْ قيلَ: فقدْ قالَ ابنُ عباس : (كُلْ ما أصميتَ ، ودعْ
ما أنميتَ )(٢)، وروتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ بأرنبٍ ، فقالَ : رميَتَي عرفتُ فيها سهمي، فقالَ: (( أصميتَ أوْ
أنميتَ؟)) فقالَ: بلْ أنميتُ، قالَ: ((إِنَّ الليلَ خلْقٌ مِنْ
(١) وهو أن يكون التحريم معلوماً من قبل ثم يقع الشك في المحلل ، وهو حرام ، والسياق
في ( ب): ( وإن لم يظهر عليه .. فقد اختلف قول الشافعي ... ) .
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤١/٩).
٣٩٠
دن
۔۔۔
كن جم حن حن حن حن عة
ئن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
خلقِ اللهِ لا يُقدِّرُ قدرَهُ إلا الذي خلقَهُ، لعلَّهُ أعانَ على قتلِهِ شيءٌ؟))(١).
وكذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعديٍّ بنِ حاتمٍ في كلبِهِ المعلّم: « وإنْ
أكلَ .. فلا تأكلْ ؛ فإنِّي أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمسكَ على نفسِهِ))(٢).
والغالبُ أنَّ الكلبَ المعلَّمَ لا ينسى خُلقَهُ ، ولا يمسكُ إلا على صاحبِهِ ،
ومعَ ذلكَ نهى عنهُ، وهذا التحقيقُ ؛ وهو أنَّ الحلَّ إنَّما يتحقَّقُ إذا تحقَّقَ
تمامُ السببِ ، وتمامُ السببِ بأنْ يفضيَ إلى الموتِ سليماً مِنْ طريانِ غيرِهِ
عليهِ ، وقدْ شُكَّ فيهِ ، فهوَ شكُّ في تمام السببِ، حتَّى اشتُبهَ أنَّ موتَهُ على
الحلِّ أوْ على الحرمةِ ، فلا يكونُ هذا في معنى ما تُحقِّقَ موتُهُ على الحلِّ في
ساعةٍ ، ثمَّ شُكَّ فيما يطرأُ عليهِ ؟
فالجوابُ : أنَّ نهيَ ابنِ عباسٍ ونهيَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
محمولٌ على الورعِ والتنزيهِ ؛ بدليلٍ ما رُويَ في بعضِ الرواياتِ أنَّهُ عليهِ
الصلاةُ والسلامُ قالَ: «كُلْ منهُ وإنْ غابَ عنكَ ما لمْ تجدْ فيهِ أثراً غيرٌ
سهمِكَ)) (٣)، وهذا تنبيهٌ على المعنى الذي ذكرناهُ، وهوَ أنَّهُ إنْ وجدَ أثراً
آخرَ .. فقدْ تعارضَ السببانِ فتعارضَ الظنُّ، وإنْ لمْ يجدْ سوى جرحِهِ ..
٨٠٨٠
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٠٠٣٣) بلفظ المصنف وزاد: ((انبذها))،
وبنحوه عند أبي داوود في ((المراسيل)» (٣٧٤)، وهو عندهما من حديث موسى بن
أبي عائشة عن أبي رزين مرسلاً ، لا من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها .
(٢) رواه البخاري (٥٤٨٧)، ومسلم (١٩٢٩)، وقد تقدم بعضه .
(٣) رواه البخاري (٥٤٨٥)، ومسلم ( ١٩٢٩) .
٣٩١
حن
عيـ

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
حصلَ غلبةُ الظنِّ، فیحکمُ بهِ علی الاستصحابِ؛ کما یحکمُ على الاستصحاب
بخبرِ الواحدِ ، والقياسِ المظنونِ والعموماتِ المظنونةِ وغيرِها .
وأمَّا قولُ القائلِ: إنَّهُ لمْ يُتحقَّقْ موتُهُ على الحلِّ في ساعةٍ ، فيكونَ شكّاً
في السببِ .. فليسَ كذلكَ ، بلِ السببُ قدْ تحقَّقَ ؛ إذِ الجرحُ سببُ
الموتِ ، وطريانُ الغیرِ شٌّ فیهِ .
ويدلُّ على صحَّةِ هذا الإجماعُ على أنَّ مَنْ جُرِحَ وغابَ ، فوُجدَ ميتاً ..
فيجبُ القصاصُ على جارحِهِ ، بلْ إنْ لمْ يغبْ .. يُحتملْ أنْ يكونَ موتُهُ
بهيجانِ خلطٍ في باطنِهِ ؛ كما يموتُ الإنسانُ فجأةً ، فينبغي ألا يجبَ
القصاصُ إلا بحزِّ الرقبةِ والجرح المدفِّفِ (١)؛ لأنَّ العللَ القاتلةَ في الباطنِ
لا تُؤْمنُ ، ولأجلِها يموتُ الصحيحُ فجأةً ، ولا قائلَ بذلكَ، معَ أنَّ
القصاصَ مبناهُ على الشبهةِ ، وكذلكَ جنينُ المذكَّى حلالٌ ، ولعلَّه ماتَ قبلَ
ذبحِ الأصلِ ، لا بسببٍ ذبحِهِ ، أو لمْ يُنفخْ فيهِ الروحُ ، وغرَّةُ الجنينِ
تجبُّ ، ولعلَّ الروحَ لمْ يُنفخْ فيهِ ، أَوْ كانَ قَدْ ماتَ قبلَ الجنايةِ بسببٍ آخرَ ،
ولكنْ يُبنى على الأسبابِ الظاهرةِ؛ فإنَّ الاحتمالَ الآخرَ إذا لمْ يستندْ إلى دلالةٍ
تدلُّ عليهِ . . التحقَ بالوهمِ والوسواسِ كما ذكرناهُ ، فكذلكَ هذا .
حن
C ...
وأمَّا قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمسكَ على
نفسِهِ)) .. فللشافعيِّ رحمهُ اللهُ في هذهِ الصورةِ قولانِ ، والذي نختارُهُ
(١) دَقَّفَ - وكذا ذفَّف بالمعجمة -: أجهز على الجريح فقتله ؛ أي : الإسراع في موته .
٣٩٢

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
الحكمُ بالتحريم؛ لأنَّ السببَ قدْ تعارضَ ؛ إذِ الكلبُ المعلَّمُ كالآلةِ
والوكيلِ ، يمسكُ على صاحبِهِ فيحلُّ ، ولوٍ استرسلَ المعلّمُ بنفسِهِ ،
فأخذَ .. لمْ يحلَّ؛ لأنَّهُ يُتصوَّرُ منهُ أنْ يصطادَ لنفسِهِ ، ومهما انبعثَ بإشارتِهِ
ثُمَّ أكلَ .. دلَّ ابتداءُ انبعاثِهِ على أنَّهُ نازلٌ منزلةَ آلِهِ ، وأنَّهُ يسعى في وكالتِهِ
ونيابتِهِ ، ودلّ أكلُّهُ آخراً على أنَّهُ أمسكَ لنفسِهِ لا لصاحبهِ ، فقدْ تعارضَ
السببُ الدالُّ، فيتعارضُ الاحتمالُ، والأصلُ التحريمُ ؛ فيستصحبُ ،
ولا يزالُ بالشكِّ .
وهوَ كما لو وكَّلَ رجلاً بأنْ يشتريَ لهُ جاريةً ، فاشترى جاريةً ، وماتَ
قبلَ أنْ يبيِّنَ أنَّهُ اشتراها لنفسِهِ أوْ لموكِّلِهِ .. لمْ يحلَّ للموكِّلِ وطؤُها ؛ لأنَّ
للوكيلِ قدرةً على الشراءِ لنفسِهِ ولموكِّلِهِ جميعاً ، ولا دليلَ يرجِّحُ ، والأصلُ
التحريمُ ، فهذا يلتحقُ بالقسمِ الأوَّلِ ، لا بالقسمِ الثالثِ .
القسمُ الرابعُ: أنْ يكونَ الحلُّ معلوماً، ولكنْ يغلبُ على الظنِّ طريانُ محرِّم
بسببٍ معتبرٍ في غلبة الظنِّ شرعاً؛ فيُرفعُ الاستصحابُ، ويُقضى بالتحريمِ؛ إذ
بانَ لنا أنَّ الاستصحابَ ضعيفٌ، ولا يبقى لهُ حكمٌّ معَ غالبِ الظنِّ.
ومثالُهُ : أَنْ يؤدِّيَ اجتهادُهُ إلى نجاسةِ أحدِ الإناءينِ بالاعتمادِ على علامةٍ
معيَّنَةٍ توجبُ غلبةَ الظنِّ ، فتوجبُ تحريمَ شرِبِهِ ؛ كما أوجبَتْ منعَ الوضوءِ
بهِ .
٣٩٣
حن

كتاب الحلال والحرام
٤
ربع العادات
حن
وكذا إذا قالَ : ( إنْ قتلَ زيدٌ عمراً ، أوْ قتلَ زيدٌ صيداً منفرداً بقتلِهِ ..
فامرأتي طالقٌ ) ، فجرحَهُ وغابَ عنهُ، فوُجدَ ميتاً .. حرمَتْ زوجتُهُ؛ لأنَّ
الظاهرَ أنَّهُ منفردٌ بقتلِهِ كما سبقَ .
وقد نص الشافعيُّ رحمهُ اللهُ أَنَّ مَنْ وجدَ في الغدرانِ ماءً متغيراً احتملَ أنْ
يكونَ تغيُّرُهُ بطولِ المَكْثِ أوْ بالنجاسةِ .. فيستعملُهُ، ولوْ رأى ظبيةٌ بالَتْ
فيهِ ، ثمَّ وجدَهُ متغيِّراً، واحتملَ أنْ يكونَ بالبولِ أوْ بطولِ المكثِ .. لمْ يجزِ
استعمالُهُ؛ إذْ صارَ البولُ المشاهدُ دلالةً مغلِبَةً لاحتمالِ النجاسةِ(١).
وهوَ مثالُ ما ذكرناهُ ، وهذا في غلبةِ ظنِّ استندَ إلى علامةٍ متعلقةٍ بعينٍ
الشيءٍ .
فأمَّا غلبةُ الظنِّ لا مِنْ جهةِ علامةٍ تتعلَّقُ بعينِ الشيءِ .. فقدِ اختلفَ قولُ
الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ في أنَّ أصلَ الحلِّ : هلْ يزالُ بهِ ؟ إذِ اختلفَ قولُهُ في
التوضُّؤِ مِنْ أواني المشركينَ ومدمني الخمرِ ، والصلاةِ في المقابرِ
المنبوشةِ ، والصلاةِ معَ طينِ الشوارع ؛ أعني : المقدارَ الزائدَ على ما يتعذَّرُ
الاحترازُ عنهُ .
ثن
وعبَّرَ الأصحابُ عنهُ بأنَّهُ إذا تعارضَ الأصلُ والغالبُ فأيُّهُما يُعتبَرُ ؟ وهذا
جارٍ في حلِّ الشربِ مِنْ أواني مدمني الخمرِ والمشركينَ ؛ لأنَّ النجسَ
لا يحلُّ شربُهُ ، فإذاً مأخذُ النجاسةِ والحلُّ واحدٌ ، فالتردُّدُ في أحدِهِما
جن تن كن عن حن
(١) الأم (٣٣/١) .
ء
٣٩٤

ربع العادات
٩٠
كتاب الحلال والحرام
حن
حن كن
يوجبُ التردُّدَ في الآخرِ ، والذي أختارُهُ : أَنَّ الأصلَ هوَ المعتبرُ ، وأنَّ
العلامةَ إذا لمْ تتعلّقْ بعينِ المتناولِ .. لمْ توجبْ رفعَ الأصلِ ، وسيأتي بيانٌ
ذلكَ وبرهانُهُ في المثارِ الثاني للشبهةِ ، وهيَ شبهةُ الخلطِ .
فقدِ اتضحَ مِنْ هذا : حكْمُ حلالٍ شكَّ في طريانِ محرِّم عليهِ أوْ ظنَّ ،
وحكْمُ حرامٍ شكَّ في طريانِ محلِّلٍ عليهِ أوْ ظنَّ ، وبانَ فرقٌ بينَ ظنٍّ يستندُ
إلى علامةٍ في عينِ الشيءٍ ، وبينَ ما لا يستندُ إليهِ .
وكلُّ ما حكمْنا في هذهِ الأقسام الأربعةِ بحلّهِ .. فهوَ حلالٌ في الدرجةِ
الأولى، والاحتياطُ تركُهُ، فالمقدِمُ عليهِ لا يكونُ مِنْ زمرةِ المتقينَ
والصالحينَ ، بلْ مِنْ زمرةِ العدولِ الذينَ لا يُقضىُ في فتوى الشرعِ بفسقِهِمْ
وعصيانِهِمْ واستحقاقِهِمُ العقوبةَ، إلا ما ألحقناهُ برتبةِ الوسواسِ ؛ فإنّ
الاحترازَ عنهُ ليسَ مِنَ الورع أصلاً .
2
2
٣٩٥
عن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ـحن
المشار اللّفي للشّبهة: شَكُ منشوه الاختلاط
وذلكَ بأنْ يختلطَ الحلالُ بالحرام ، ويشتبهَ الأمرُ فلا يتميَّزَ .
والخلطُ لا يخلو : إمّا أنْ يقعَ بعددٍ لا يُحصرُ مِنَ الجانبينِ أَوْ مِنْ
أحدِهما ، أَوْ بعددٍ محصورٍ .
فإنِ اختلطَ بمحصور .. فلا يخلوُ: إمَّا أنْ يكونَ اختلاطَ امتزاج ؛ بحيثُ
لا يتميَُّ بالإشارةِ ؛ كاختلاطِ المائعاتِ ، أَوْ يكونَ اختلاطَ استبهامٍ معَ تمُّرِ
الأعيانِ ؛ كاختلاطِ الأعبدِ والدورِ والأفراسِ .
والذي يختلطُ بالاستبهام فلا يخلو : أنْ يكونَ ممَّا يُقصدُ عينُهُ ؛
كالعروضِ، أَوْ لا يُقصدُ؛ كالنقودِ، فيخرجُ مِنْ هذا التقسيمِ ثلاثةُ أقسام(١).
القسمُ الأوَّلُ : أنْ تستبهمَ العينُ بعددٍ محصورٍ : كما لوِ اختلطتِ الميتةُ
بذكيّةٍ أَوْ بعشرٍ ذكيَّاتٍ ، أَوْ تختلطَ رضيعةٌ بعشرٍ نسوةٍ ، أَوْ يتزوَّجُ إحدى
الأختينِ ثمَّ تلتبسُ ، فهذهِ شبهةٌ يجبُ اجتنابُها بالإجماع ؛ لأنَّهُ لا مجالَ
للاجتهادِ والعلاماتِ في هذا .
وإذا اختلطَ بعددٍ محصورِ .. صارتِ الجملةُ كالشيءِ الواحدِ(٢) ، وتقابلَ
م
(١) كذا في (ق)، وفي (ب): ( ... من هذا القسم أقسامٌ)، وفي باقي النسخ :
( ... سبعةُ أقسام)، ولعل المثبت هو الصواب ، والله أعلم .
(٢) أي: للكل حكم الواحد. ((إتحاف)) (٤١/٦).
٣٩٦
ثں

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فيهِ يقينُ التحريمِ والتحليلِ ، ولا فرقَ في هذا بينَ أنْ يثبتَ حلٌّ فيطرأَ اختلاطٌ
بمحرِّم ؛ كما لوْ وقعَ الطلاقُ على إحدى زوجتيهِ في مسألةِ الطائرِ ، أوْ يختلطَ
قبلَ الاستحلالِ ؛ كما لوٍ اختلطَتْ رضيعةٌ بأجنبيةٍ ، فأرادَ استحلالَ واحدةٍ .
حت
ـكن
وهذا قدْ يُشكلُ في طريانِ التحريمِ ؛ كطلاقِ إحدى الزوجتينِ لما سبقَ
مِنَ الاستصحابِ ، وقدْ نبهنا على وجهِ الجوابِ ، وهوَ أنَّ يقينَ التحريمِ قابلَ
يقينَ الحلِّ ، فضعفَ الاستصحابُ ، وجانبُ الخطرِ أغلبُ في نظرِ الشرعِ ؛
فلذلكَ ترجَّحَ .
وهذا إذا اختلطَ حلالٌ محصورٌ بحرام محصور ، فإنِ اختلطَ حلالٌ
محصورٌ بحرام غيرِ محصور .. فلا يخفى أنَّ وجوبَ الاجتنابِ أولى .
القسمُ الثاني : حرامٌ محصورٌ بحلالٍ غيرِ محصورٍ : كما لوِ اختلطتْ
رضيعةٌ أَوْ عشرُ رضائعَ بنسوةِ بلدٍ كبيرٍ ، فلا يلزمُ بهذا اجتنابُ نكاح نساءِ
أهلِ البلدِ ، بلْ لهُ أنْ ينكحَ مَنْ شاءَ منهنَّ، وهذا لا يجوزُ أنْ يعلَّلَ بكثرةِ
الحلالِ ؛ إذْ يلزمُ عليهِ أنْ يجوزَ النكاحُ إذا اختلطتْ واحدةٌ حرامٌ بتسع
حلالٍ ، ولا قائلَ بهِ ، بل العلَّةُ الغلبةُ والحاجةُ جميعاً ؛ إذْ كلُّ مَنْ ضاعَ لهُ
رضيعٌ أوْ قريبٌ أَوْ محرمٌ بمصاهرةٍ أوْ بسببٍ مِنَ الأسبابِ .. فلا يمكنُ أنْ
يُسدَّ عليهِ بابُ النكاحِ .
وكذلكَ مَنْ علمَ أنَّ مالَ الدنيا خالطَهُ حرامٌ قطعاً .. لا يلزمُهُ تركُ الشراءِ
٣٩٧
حن
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
والأكلِ ؛ فإنَّ ذلكَ حرجٌ ، وما في الدينِ مِنْ حرجٍ .
ويُعلمُ هذا بأنَّهُ لما سُرقَ في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
مِجَنٌّ، وغلَّ واحدٌ في الغنيمةِ عباءةٌ (١) .. لمْ يمتنعْ أحدٌ مِنْ شراءِ المجنِّ
والعباءةِ في الدنيا ، وكذلكَ كلُّ ما سُرِقَ .
وكذلكَ كانَ يُعرفُ أنَّ في الناسِ منْ يُربي في الدراهمِ والدنانيرِ ،
وما تركَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا الناسُ الدراهمَ والدنانيرَ
بالكليَّةِ .
.G.
وبالجملةِ : إنَّما تنفكُ الدنيا عنِ الحرام إذا عُصِمَ الخلقُ كلُّهُمْ عنِ
المعاصي ، وهوَ محالٌ ، وإذا لمْ يُشترطْ هذا في الدنيا .. لمْ يُشترطْ أيضاً
في بلدٍ ، إلا إذا وقعَ بينَ جماعةٍ محصورينَ ، بلِ اجتنابُ هذا ورعُ
الموسوسينَ ؛ إذْ لمْ يُنقلْ ذلكَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا عنْ
أحدٍ منَ الصحابةِ ، ولا يُتصوَّرُ الوفاءُ بهِ في ملَّةٍ مِنَ المللِ ، ولا في عصرٍ مِنَ
الأعصار .
ثن شن جن جن جن حن
فإنْ قلتَ : فكلُّ عددٍ محصورٌ في علم اللهِ سبحانَهُ ، فما حدُّ المحصور؟
ولوْ أرادَ الإنسانُ أنْ يحصرَ أهلَ بلدٍ .. لقدرَ عليهِ أيضاً إنْ مُكِّنَ منهُ .
(١) سرقة المجن في زمنه صلى الله عليه وسلم عند البخاري ( ٦٧٩٥)، ومسلم
(١٦٨٦)، وحديث غل العباءة عند البخاري (٣٠٧٤).
حن حن حن ان
٣٩٨
تاق

ربع العادات
26 يوم
كتاب الحلال والحرام
فاعلمْ : أنَّ تحديدَ أمثالِ هذهِ الأمورِ غيرُ ممكنٍ ، وإنما يُضبطَ
بالتقريب .
فنقولُ : كلُّ عددٍ لوِ اجتمعَ على صعيدٍ واحدٍ .. لعسرَ على الناظرِ عُّهُمْ
بمجرَّدِ النظرِ ؛ كالألفِ والألفينِ .. فهوَ غيرُ محصورٍ ، وما سهلَ ؛ كالعشرةِ
والعشرينٍ .. فهوَ محصورٌ، وبينَ الطرفينِ أوساطٌ متشابهةٌ تلحقُ بأحدٍ
الطرفينِ بالظنِّ ، وما وقعَ الشكُّ فيهِ استفتيَ فيهِ القلبُ ؛ فإنَّ الإثمَ حَوَازٌ
القلوبِ ، وفي مثلِ هذا المقام قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لوابصةَ: ((استفتِ قلبَكَ وإنْ أفتَوْكَ وأفتَوْكَ وأفتَوْكَ)) (١) .
وكذلكَ الأقسامُ الأربعةُ التي ذكرناها في المثارِ الأوَّلِ يقعُ فيها أطرافٌ
متقابلةٌ واضحةٌ في النفي والإثباتِ ، وأوساطُ متشابهةٌ ، فالمفتي يفتي
بالظنِّ ، وعلى المستفتي أنْ يستفتيَ قلبَهُ ، فإنْ حاكَ في صدرِهِ شيءٌ .. فهوَ
الآثمُ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالىُ ، فلا ينجيهِ في الآخرةِ فتوى المفتي ؛ فإنَّهُ يفتي
بالظاهرِ ، واللهُ يتولَّى السرائرَ .
حن
القسمُ الثالثُ : أنْ يختلطَ حرامٌ لا يُحصرُ بحلالٍ لا يُحصرُ ؛ كحكمٍ
الأموالِ في زمانِنا هذا ، فالذي يأخذُ الأحكامَ مِنَ الصورِ قدْ يظنُّ أنْ نسبةً
غيرِ المحصورِ إلى غيرِ المحصورِ كنسبةِ المحصورِ إلى المحصورِ ، وقدْ
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٨/٤) .
٣٩٩
حن من

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
حكمْنا ثَمَّ بالتحريمِ ، فلنحكمْ ههُنا بهِ ! والذي نختارُهُ خلافُ ذلكَ ، وهوَ
أنَّهُ لا يحرمُ بهذا الاختلاطِ أنْ يتناولَ شيئاً بعينِهِ احتُملَ أنَّهُ حرامٌ وأنَّهُ حلالٌ إلا
أنْ يقترنَ بتلكَ العينِ علامةٌ تدلُّ على أنَّهُ مِنَ الحرام، فإنْ لمْ يكنْ في العينِ
علامةٌ تدلُّ على أنَّهُ مِنَ الحرامِ .. فتركُهُ ورعٌ ، وأخذُهُ حلالٌ لا يفسقُ بهِ آكلُهُ .
ومِنَ العلاماتِ أنْ يأخذَهُ مِنْ يدِ سلطانٍ ظالمٍ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ
العلاماتِ التي سيأتي ذكرُها .
ويدلُّ عليهِ الأثرُ والقياسُ :
فأمَّا الأثرُ : فما علمَ في زمنِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والخلفاءِ
الراشدينَ بعدَهُ ، إذْ كانَتْ أثمانُ الخمورِ ودراهمُ الربا مِنْ أيدي أهلِ الذمَّةِ
مختلطةً بالأموالِ ، وكذا غلولُ الغنيمةِ .
ـحر
ومِنَ الوقتِ الذي نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن الربا إِذْ قالَ :
((أوَّلُ رباً أضعُهُ ربا العباس))(١) ما تركَ الناسُ الربا بأجمعِهِمْ، كما لمْ يتركوا
شرب الخمورِ وسائرَ المعاصي ، حتَّى رُوِيّ أنَّ بعضَ أصحابِ النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ باعَ الخمرَ ، فقالَ عمرُ رَضيَ اللهُ عنهُ: ( لعنَ اللهُ
فلاناً ، هوَ أوَّلُ مَنْ سنَّ بيعَ الخمرِ ) (٢) ، إذْ لمْ يكنْ قدْ فهمَ أنَّ تحريم الخمرِ
تحريمٌ لثمنِها .
حن
حن حن جن حة
(١) رواه مسلم (١٢١٨).
(٢) رواه الشافعي في ((الأم)) ( ٧ /٤٤٤).
٤٠٠
لكن حن من
3