النص المفهرس
صفحات 361-380
ربع العادات كتاب الحلال والحرام حر الاستقذار ، فيُكرَهُ أكلُهُ؛ كما لوْ جمعَ المخاطَ وشربَهُ .. كُرهَ ذلكَ . ت وليستِ الكراهةُ لنجاستِها ؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّها لا تنجسُ بالموتِ ، إذْ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنْ يمقلَ الذبابُ في الطعام إذا وقعَ فيهِ (١)، وربَّما يكونُ حارّاً ، ويكونُ ذلكَ سببَ موتِهِ . ولوْ تهرَّتْ نملةٌ أوْ ذبابةٌ في قدْرٍ .. لمْ يجبْ إراقتُها ؛ إذِ المستقذرُ جرمُهُ إذا بقيَ لهُ جرٌ ، ولمْ ينجسْ حتَّى يحرمَ بالنجاسةِ ، وهذا يدلُّ على أنَّ تحريمَهُ للاستقذارِ ، ولذلكَ نقولُ: لوْ وقعَ جزءٌ مِنْ آدميٌّ مَيِّتٍ في قدْرٍ ولوْ قَدْرَ دائقٍ .. حرمَ الكلُّ، لا لنجاستِهِ ؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّ الآدميَ لا ينجسُ بالموتِ ، ولكنْ لأنَّ أكلَهُ محرَّمٌ احتراماً لا استقذاراً . وأمَّا الحيواناتُ المأكولةُ إذا ذُبحَتْ بشرطِ الشرع .. فلا تحلُّ جميعُ أجزائِها ، بلْ يحرمُ منها الدمُ والفرْتُ وكلُّ ما يُقضى بنجاستِهِ منها ، بلْ تناولُ النجاسةِ مطلقاً محرَّمٌ، وليسَ في الأعيانِ شيءٌ محرَّمٌ نجسٌ إلا مِنَ الحيواناتِ ، وأمَّا مِنَ النباتِ .. فالمسكراتُ فقطْ دونَ ما يزيلُ العقلَ ولا يسكِرُ ؛ كالْبَنْج، فإنَّ نجاسةً المسكرِ تغليظٌ للزجرِ عنهُ ؛ لكونِهِ في مَظِنَّةِ التشوُّفِ . ومهما وقعَتْ قطرةٌ مِنَ النجاسةِ أوْ جزءٌ مِنْ نجاسةٍ جامدةٍ في مرقةٍ أَوْ (١) كما روى البخاري (٣٣٢٠) مرفوعاً: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم .. فليغمسه ، ثم لينزعه ؛ فإن في إحدى جناحيه داءً والأخرى شفاء))، وهو بلفظ : ( فليمقله) عند النسائي (١٧٨/٧)، والمقل : الغمس. ٣٦١ حن. حن شن كر كتاب الحلال والحرام ربع العادات طعامٍ أوْ دهنٍ .. حَرُمَ أكلُ جميعِهِ ، ولا يحرمُ الانتفاعُ بهِ لغيرِ الأكلِ ، فيجوزُ الاستصباحُ بالدهْنِ النجسِ ، وكذا طلاءُ السفنِ والحيواناتِ وغيرِها . فهذهِ مجامعُ ما يحرمُ لصفةٍ في ذاتِهِ . القسمُ الثاني : ما يحرمُ لخللِ في جهةٍ إثباتِ اليدِ عليهِ ، وفيهِ يتسعُ النظرُ ، فنقولُ : أخذُ المالِ : إمّا أنْ يكونَ باختيارِ المتملُّكِ ، أوْ بغيرِ اختيارِهِ ، فالذي يكونُ بغيرِ اختيارِهِ ؛ كالإرثِ ، والذي يكونُ باختيارِهِ : إمَّا ألا يكونَ مِنْ مالكِ ؛ كنيلِ المعادنِ ، أَوْ يكونَ مِنْ مالكٍ ، والذي يُؤخذُ مِنْ مالكِ : فإمَّا أنْ يُؤخذَ قهراً ، أوْ يُؤخذَ تراضياً ، والمأخوذُ قهراً: إمّا أنْ يكونَ لسقوطِ عصمةِ المالكِ ؛ كالغنائم ، أوْ لاستحقاقِ الأخذِ ؛ كزكاةِ الممتنعينَ والنفقاتِ الواجبةِ عليهِمْ، والمأخوذُ تراضياً : إمَّا أنْ يُؤخذَ بعوضٍٍ ؛ كالمبيع والصداقِ والأجرةِ ، وإمَّا أنْ يُؤخذَ بغيرِ عوضٍ ؛ كالهبةِ والوصيةِ ، فيحصلُ مِنْ هذا السياقِ ستةُ أقسامٍ : عن ٥٠ن حن ٢٠ الأوَّلُّ : ما لا يُؤخذ من مالكٍ : كنيلِ المعادنِ ، وإحياءِ المَواتِ ، والاصطيادِ ، والاحتطابِ ، والاستقاءِ مِنَ الأنهارِ ، والاحتشاشِ ، فهذا حلالٌ ؛ بشرطِ ألا يكونَ المأخوذُ مختصّاً بذي حرمةٍ مِنَ الآدميينَ ، فإذا ٣٦٢ تن حن ثر® ربع العادات كتاب الحلال والحرام حر انفكّتْ عنِ الاختصاصاتِ .. ملكَها آخذُها ، وتفصيلُ ذلكَ في كتابٍ إحياءِ المواتِ . ن؟ الثاني : المأخوذُ قهراً ممَّنْ لا حرمةَ لَهُ: وهوَ الفيءُ والغنيمةُ ، وسائرُ أموالِ الكفارِ المحاربينَ ، وذلكَ حلالٌ للمسلمينَ ؛ إذا أخرجوا منها الخمسَ ، وقسمُوها بينَ المستحقينَ بالعدلِ ، ولمْ يأخذوها مِنْ كافرٍ لُهُ حرمةٌ وأمانٌ أَوْ عهدٌ ، وتفصيلُ هذهِ الشروطِ في كتابِ السِّيَرِ ، وكتابٍ الفيءِ والغنيمةِ ، وكتابِ الجزيةِ . الثالثُ : ما يُؤخذُ قهراً باستحقاقٍ عندَ امتناع مَنْ وجبَ عليهِ : فَيُؤخذُ دونَ رضاهُ ، وذلكَ حلالٌ ؛ إذا تمَّ سببُ الاستحقاقِ، وتمَّ وصْفُ المستحقِّ الذي بهِ استحقاقُهُ، واقتصرَ على القدْرِ المستحَقِّ ، واستوفاهُ مَنْ يملكُ الاستيفاءَ ؛ مِنْ قاضٍ أوْ سلطانٍ أَوْ مستحِقٌّ ، وتفصيلُ ذلكَ في كتابٍ تفريقٍ الصدقاتِ ، وكتابٍ الوقْفِ ، وكتابِ النفقاتِ ؛ إذْ فيها النظرُ في صفةٍ المستحقُّينَ للزكاةِ والوقْفِ والنفقةِ وغيرِها مِنَ الحقوقِ ، فإذا استُوفِيَتْ شرائطُها .. كانَ المأخوذُ حلالاً . الرابعُ: ما يُؤخذُ تراضياً بمعاوضةٍ : وذلكَ حلالٌ ؛ إذا رُوعيَ شرطٌ قـ ٣٦٣ ٧٠٠ كتاب الحلال والحرام كن ربع العادات العوضين ، وشرطُ العاقدينِ ، وشرطُ اللفظينِ ؛ أعني : الإيجابَ والقبولَ ، معَ ما تعبَّدَ الشرعُ بهِ مِنِ اجتنابِ الشروطِ المفسدةِ ، وبيانُ ذلكَ في كتابِ البيعِ ، والسلم ، والإجارةِ ، والحوالةِ ، والضمانِ ، والقراضٍ ، والشركةِ ، والمساقاةِ ، والشفعةِ ، والصلحِ، والخلْعِ ، والكتابةِ ، والصداقِ ، وسائرِ المعاوضاتِ . الخامسُ : ما يُؤخذُ عنْ رضاً مِنْ غيرِ عوضٍ : وهوَ حلالٌ إذا رُوعِيَ فيهِ شرطُ المعقودِ عليهِ ، وشرطُ العاقدينِ ، وشرطُ العقْدِ ، ولمْ يؤدِّ إلى ضررٍ بوارثٍ أوْ غيرِهِ ، وذلكَ مذكورٌ في كتاب الهباتِ ، والوصايا ، والصدقاتِ . ٥٠٠٨٠ السادسُ : ما يحصلُ بغيرِ اختيارٍ ؛ كالميراثِ : وهوَ حلالٌ إذا كانَ المورِّثُ قدِ اكتسبَ المالَ مِنْ بعضِ الجهاتِ الخمسِ على وجْهٍ حلالٍ ، ثمَّ كانَ ذلكَ بعدَ قضاءِ الدينِ ، وتنفيذِ الوصايا ، وتعديلِ القسمةِ بينَ الورثةِ ، وإخراجِ الزكاةِ والحجِّ والكفارةِ إنْ كانَتْ واجبةً، وذلكَ مذكورٌ في كتابِ الوصايا والفرائضِ . فهذهِ مجامعُ مداخلِ الحلالِ والحرام ، أومأنا إلى جملتِها ؛ ليعلمَ المريدُ أنَّهُ إنْ كانَتْ طُعْمتُهُ متفرقةً لا مِنْ جهةٍ معيَّنةٍ .. فلا يستغني عنْ علمٍ بجر حن ق ٣٦٤ حن دن ـحن ربع العادات حر كتاب الحلال والحرام هذهِ الأمورِ ، فكلُّ ما يأكلُهُ مِنْ جهةٍ مِنْ هذهِ الجهاتِ ينبغي أنْ يستفتيَ فيهِ أهلَ العلم ، ولا يقدمَ عليهِ بالجهلِ ؛ فإنَّهُ كما يُقالُ للعالمِ : لِمَ خالفتَ علمَكَ يُقالُ أيضاً للجاهلِ : لِمَ لازمتَ جهَلَكَ ولمْ تتعلَّمْ بعدَ أنْ قيلَ لكَ : ((طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم))؟!(١). بيسيك ـ حر ئن 1 (١) رواه ابن ماجه (٢٢٤) . ٣٦٥ كتاب الحلال والحرام ربع العادات درجات الحلال والحرام اعلمْ : أنَّ الحرامَ كلَّهُ خبيثٌ، ولكنَّ بعضَهُ أخبثُ مِنْ بعضٍ ، والحلالَ كلَّهُ طيِّبٌ، ولكنَّ بعضَهُ أطيبُ مِنْ بعضٍ وأصفى ، وكما أنَّ الطبيبَ يحكمُ على كلِّ حلوٍ بالحرارةِ ولكنْ يقولُ : بعضُها حارٌّ في الدرجةِ الأولى ؛ كالشّكَّرِ(١)، وبعضها حارٌّ في الثانيةِ؛ كالفانيذِ (٢)، وبعضُها حارٍّ في الثالثةِ؛ كالدِّبْسِ(٣)، وبعضُها حارٌّ في الرابعةِ؛ كالعسلِ .. فكذلكَ الحرامُ ؛ بعضُهُ خبيثٌ في الدرجةِ الأولىُ ، وبعضُهُ في الثانيةِ أوِ الثالثةِ أَوِ الرابعةِ ، وكذا الحلالُ تتفاوتُ درجاتُ صفائِهِ وطيبِهِ . فلنقتدِ بأهلِ الطبِّ في الاصطلاحِ على أربع درجاتٍ تقريباً وإنْ كانَ التحقيقُ لا يوجبُ هذا الحصرَ ؛ إذْ يتطرَّقُ إلى كلِّ درجةٍ مِنَ الدرجاتِ أيضاً تفاوتٌ لا ينحصرُ ؛ فكمْ من سُكَّرٍ أشدُّ حرارةٌ مِنْ سكَّرٍ ، وكذا غيرُهُ . فلذلكَ نقولُ : الورعُ عنِ الحرامِ على أربعٍ درجاتٍ : ورعُ العدولِ : وهوَ الذي يجبُ الفسقُ باقتحامِهِ ، وتسقطُ العدالةُ بِهِ ، ويثبتُ اسمُ العصيانِ والتعرُّضُ للنارِ بسببهِ ، وهوَ الورعُ عنْ كلِّ ما تحرِّمُهُ فتاوى الفقهاءِ . (١) والمقصود به: السكَّرُ الطَّبَرْزَد؛ المعتصر من قصب الشُّكَّر. (٢) الفانيذ : ضرب من الحلواء، وهي لفظة فارسية يطلق على السكَّر المصفَّى. (٣) وهو عصارة الرطب . 26 ٢٥ ٣٦٦ معاى من كن مكن --- ربع العادات كتاب الحلال والحرام الثانيةُ : ورعُ الصالحينَ : وهوَ الامتناعُ عمَّا يتطرَّقُ إليهِ احتمالُ التحريم ، ولكنَّ المفتيَ يرخِّصُ في التناولِ بناءً على الظاهرِ ، فهوَ مِنْ مواقعٍ الشبهاتِ على الجملةِ ، فلنسمِّ التحرُّجَ عنْ ذلكَ ورعَ الصالحينَ ، وهوَ في الدرجة الثانيةِ . حن الثالثةُ: ما لا تحرِّمُهُ الفتوى ولا شبهةَ في حلُّهِ ، ولكنْ يُخافُ منهُ أداؤُهُ إلى محرَّم : وهوَ تركُ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ممَّا بهِ بأسٌ ، وهذا ورعُ المتقينَ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يبلغُ العبدُ درجةَ المتقينَ حتَّى يدعٌ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ما بهِ بأسٌ))(١) . حن الرابعةُ : ما لا بأسَ بهِ أصلاً ولا يُخافُ منهُ أنْ يؤدي إلى ما بهِ بأسٌ ، ولكنَّهُ يُتناولُ لغيرِ اللهِ : لا علىُ نيَّةِ التقوِّي بهِ على عبادةِ اللهِ ، أَوْ تتطرّقَ إلى أسبابِهِ المسهلةِ لهُ كراهيةٌ أَوْ معصيةٌ ، والامتناعُ منهُ ورعُ الصدِّيقينَ. فهذهِ درجاتُ الحلالِ جملةٌ إلى أنْ نفصِّلَها بالأمثلةِ والشواهدِ . وأمَّا الحرامُ الذي ذكرناهُ في الدرجةِ الأولى وهوَ الذي يُشترطُ التورُّعُ عنهُ في العدالةِ واطّراح سمةِ الفسقِ .. فهوَ أيضاً على درجاتٍ في الخبثِ ، فالمأخوذُ بعقدٍ فاسدٍ - كالمعاطاةِ مثلاً فيما لا يجوزُ فيهِ المعاطاةُ - حرامٌ ، ولكنْ ليسَ في درجةِ المغصوبِ على سبيلِ القهرِ ، بلِ المغصوبُ أغلظُ ؛ إذْ (١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه ( ٤٢١٥). ٣٦٧ كتاب الحلال والحرام ربع العادات فيهِ تركُ طريقِ الشرع في الاكتسابِ وإيذاءُ الغيرِ ، وليسَ في المعاطاةِ إيذاءٌ ، وإنَّما فيها تركُ طريقِ التعبُّدِ فقط، ثمَّ تركُ طريقِ التعبُّدِ بالمعاطاةِ أهونُ مِنْ ترکِهِ بالربا . وهذا التفاوتُ يُدركُ بتشديدِ الشرع ووعيدِهِ وتأكيدهِ في بعضٍ المناهي ، على ما سيأتي في كتابِ التوبةِ ، عندَ ذكرِ الفرقِ بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ ، بلٍ المأخوذُ ظلماً مِنْ فقيرٍ أوْ صالح أوْ يتيمٍ أخبثُ وأغلظُ مِنَ المأخوذِ مِنْ قويٌّ أوْ غنيٌّ أَوْ فاسقٍ ؛ لأنَّ درجاتِ الإيذاءِ تختلف باختلافِ درجاتِ المُؤْذَى . فهذهِ دقائقُ في تفاصيلِ الخبائثِ لا ينبغي أنْ يُذهلَ عنها ، فلولا اختلافُ درجاتِ العصاةِ .. لما اختلفَتْ دركاتُ النارِ . وإذا عرفتَ مثاراتِ التغليظِ .. فلا حاجةَ إلى حصرِها في ثلاثِ درجاتٍ أو أربع ؛ فإنَّ ذلكَ جارٍ مَجرى التحكّمِ والتشهِّي ، وهوَ طلبُ حصرٍ فيما لا حاصرَ لهُ، ويدلَّكَ على اختلافِ درجاتِ الحرام في الخبثِ ما سيأتي في تعارضِ المحذوراتِ وترجيحِ بعضِهَا على بعضٍ ، حتَّى إذا اضطرَّ إلى أكلِ ميئةٍ ، أَوْ أكلٍ طعامِ الغيرِ ، أَوْ أكلٍ صيدِ الحَرَمِ .. فإنَّا نقدِّمُ بعضَ هذهِ على بعضٍ . ـة ـحرة ٣٦٨ حن ربع العادات مــ كتاب الحلال والحرام أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها أمَّا الدرجةُ الأولىُ - وهيَ ورعُ العدولِ -: فكلُّ ما اقتضى الفتوى تحريمَهُ، ممَّا يدخلُ في المداخلِ السنةِ التي ذكرناها مِنْ مداخلِ الحرامِ ، لفقدٍ شرطٍ مِنَ الشروطِ .. فهوَ الحرامُ المطلقُ الذي يُنسبُ مقتحمُهُ إلى الفسقِ والمعصيةِ ، وهوَ الذي نريدُهُ بالحرام المطلقِ ، فلا يحتاجُ إلى أمثلةٍ وشواهدَ . جر ٨٠٠ وأمَّا الدرجةُ الثانيةُ : فأمثلتُها كلُّ شبهةٍ لا نوجبُ اجتنابَها ، ولكنْ يُستحبُّ اجتنابُها كما سيأتي في بابِ الشبهاتِ ؛ إذْ مِنَ الشبهاتِ ما يجبُ اجتنابُها فتلتحقُ بالحرامِ . ومنها ما يُكرهُ اجتنابُها والورعُ عنها ورِعُ الموسوسينَ ؛ كمَنْ يمتنعُ عنِ الاصطيادِ خوفاً مِنْ أنْ يكونَ الصيدُ قدْ أفلتَ مِنْ إنسانٍ أخذَهُ وملكَهُ، وهذا وسواسٌ . ومنها ما يُستحبُّ اجتنابُها ولا يجبُ ، وهوَ الذي يُنزلُ عليهِ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ))(١)، ونحملُهُ على نهي التنزيهِ، وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كُلْ ما أصميتَ، ودعْ مجـ (١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧). ٣٦٩ حں حن حن 1 كتاب الحلال والحرام 25. ربع العادات ما أنميتَ))(١)، والإنماءُ: أنْ يجرحَ الصيدَ فيغيبَ عنهُ، ثمَّ يدركَهُ ميتاً؛ إذْ يُحتملُ أنَّهُ ماتَ بسقطةٍ أوْ بسببٍ آخرَ . والذي نختارُهُ - كما سيأتي - أنَّ هذا ليسَ بحرامٍ ، ولكنْ تركُهُ مِنْ ورعِ الصالحينَ، وقولُهُ: ((دعْ)) أمرُ تنزيهٍ؛ إذْ وردَ في بعضٍ الرواياتِ: «كُلْ منهُ وإنْ غابَ عنكَ ما لمْ تجدْ فيهِ أثراً غيرَ سهمِكَ))(٢) ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعديٍّ بنِ حاتمٍ في الكلبِ المعلِّمِ: (( وإنْ أكلَ .. فلا تأكلْ ؛ فإنِّي أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمسكَ على نفسِهِ ))(٣) على سبيلِ التنزيهِ لأجلِ الخوفِ ؛ إذْ قالَ لأبي ثعلبةَ الخشنيّ : «كُلْ منْهُ » فقالَ: وإنْ أكلَ ؟ فقالَ: ((وإنْ أكلَ))(٤)، وذلكَ لأنَّ حالَ أبي ثعلبةً وهوَ فقيرٌ مكتسبٌ لا تحتملُ هذا الورعَ ، وحالَ عديٍّ كانتْ تحتملُهُ . يُحكى عنِ ابنِ سيرينَ أنَّهُ تركَ لشريكٍ لهُ أربعةَ آلافٍ درهم لأنَّهُ حاكَ في قلبِهِ شيءٌ، معَ اتفاقِ العلماءِ على أنَّهُ لا بأسَ بهِ (٥) . حن فأمثلةُ هذهِ الدرجةِ نذكرُها عندَ التعرُّضِ لدرجاتِ الشبهةِ ، فكلُّ (١) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٢/١٢) مرفوعاً، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤١/٩) موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) رواه البخاري ( ٥٤٨٥)، ومسلم ( ١٩٢٩). (٣) رواه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩) واللفظ له . (٤) رواه أبو داوود ( ٢٨٥٢). (٥) بنحوه روى أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٦٦/٢). ٣٧٠ حن ئن حز مدن حن ربع العادات ما هو شبهةٌ لا يجبُ اجتنابُهُ .. فهوَ مثالُ هذهِ الدرجةِ . وأمَّا الدرجةُ الثالثةُ : وهيَ ورعُ المتقينَ ، فيشهدُ لها قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يبلغُ العبدُ درجةَ المتقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ما بهِ بأسرٌ))(١) . حن ۔۔۔ وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كنَّا ندعُ تسعةَ أعشارِ الحلالِ مخافةَ أنْ نقعَ في الحرام )(٢)، وقيلَ: إِنَّ هذا عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما. وقالَ أبو الدرداءِ : ( إنَّ مِنْ تمام التقوى أنْ يتقيَ العبدُ في مثقالِ ذرَّةٍ ، حتَّى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّهُ حلالٌ خشيةَ أنْ يكونَ حراماً ، فيكونَ حجاباً بينَهُ وبينَ النارِ )(٣). ولهذا كانَ لبعضِهِمْ مئةُ درهم على إنسانٍ ، فحملَها إليهِ ، فأخذَ تسعةً وتسعينَ وتوزَّعَ عنِ استيفاءِ الكلِّ خيفةَ الزيادةِ(٤) . وكانَ بعضُهُمْ يتَّجرُ وكلُّ ما يستوفيهِ يأخذُهُ بنقصانِ حبةٍ ، وما يعطيهِ يوفِّهِ بزيادةِ حبَّةٍ ؛ ليكونَ ذلكَ حاجزاً مِنَ النّارِ (٥). (١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٥٢/٨)، وفيه: (مخافة الربا). (٣) رواه ابن المبارك فى ((الزهد)) (٧٩) من زيادات نعيم بن حماد . (٤) قوت القلوب (٢٩٦/٢) بنحوه . (٥) قوت القلوب (٢٦٨/٢). ٣٧١ حز حن صف ٠ - كتاب الحلال والحرام : كتاب الحلال والحرام ربع العادات ومِنْ هذهِ الدرجةِ الاحترازُ عمَّا يتسامحُ الناسُ بهِ : فإنَّ ذلكَ حلالٌ في الفتوى ، ولكنْ يُخافُ مِنْ فتحِ بابهِ أنْ ينجزَّ إلى غيرِهِ ، وتألفَ النفسُ الاسترسالَ ، فتتركَ الورعَ . فمنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ عليٍّ بْنِ معبدٍ أنَّهُ قالَ : كنتُ ساكناً في بيتٍ بكراءٍ ، فكتبتُ كتاباً ، وأردتُ أنْ آخذَ مِنْ ترابِ الحائطِ لأترِّبَهُ وأجفَّفَهُ ، ثمّ قلتُ : الحائطُ ليسَ لي ، فقالَتْ لي نفسي : وما قدْرُ ترابٍ مِنْ حائطِ ؟ فأخذتُ مِنَ الترابِ حاجتي ، فلما نمتُ .. فإذا أنا بشخصٍ واقفٍ يقولُ: يا عليُّ؛ ستعلمُ غداً الذي يقولُ: وما قدْرُ ترابٍ مِنْ حائطٍ(١). ولعلَّ معنى ذلكَ أنَّهُ يرى كيفَ تُحطُّ منزلتُهُ؛ فإنَّ للتقوى منزلةٌ تفوتُ بفواتِ ورع المتقينَ ، فليسَ المرادُ بهِ أنْ يستحقَّ عقوبةٌ على فعلِهِ . ومِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وصلَهُ مسكٌ مِنَ البحرينِ ، فقالَ : وددتُ لوْ أنَّ امرأةٌ وزنَتْ حتَّى أقسمَهُ بينَ المسلمينَ ، فقالتِ امرأتُهُ عاتكةُ: أنا أجيدُ الوزنَ ، فسكتَ عنها ، ثمَّ أعادَ القولَ فأعادتِ الجوابَ ، فقالَ : لا ، أحببتِ أنْ تضعيهِ بكفَّةٍ ، ثمَّ تقولينَ: فيها أثرُ الغبارِ، فتمسحينَ بها عنقَكِ، فأصيبُ بذلكَ فضلاً على المسلمينَ(٢). ـدن ؟ وكانَ يُوزنُ بينَ يدي عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ مسكٌ للمسلمينَ ، فأخذَ بأنِفِهِ (١) قوت القلوب (١٦٣/٢) بنحوه . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ٦٢٣). ٣٧٢ كن خن حن . حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام حتَّى لا تصيبَهُ الرائحةُ وقالَ : وهلْ يُنتفعُ منهُ إلا بريحِهِ؟ لمَّا استُبعدَ ذلكَ منهُ(١). وأخذَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما تمرةً مِنْ تمرِ الصدقةِ وكانَ صغيراً ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كِخْ كِخْ، ألقِها))(٢). ومِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ كانَ عندَ محتضرٍ ، فماتَ ليلاً ، فقالَ : أطفئوا السراجَ ؛ فقدْ حدثَ للورثةِ حقٌّ في الدهنِ(٣). وروى سليمانُ التيميُّ عنْ نعيم عنِ العطَّرةِ قالَتْ : كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يدفعُ إلى امرأتِهِ طيباً مِنْ طيبِ المسلمينَ فتبيعُهُ ، فباعتْني طيباً ، فجعلَتْ تقومُ وتزيدُ وتنقصُ وتكسرُ بأسنانِها ، فيعلقُ بإصبعِها شيءٌ منهُ، فقالَتْ بهِ هكذا بإصبعِها ثمَّ مسحَتْ بهِ خمارَها ، فدخلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : ما هذهِ الرائحةُ ؟ فأخبرتُهُ ، فقالَ : طيبُ المسلمينَ تأخذينَهُ ؟! فانتزعَ الخمارَ مِنْ رأسِها وأخذَ جرَّةً مِنْ مَاءٍ فجعلَ يصبُّ على الخمارِ ثمَّ يدلكُهُ في الترابِ ، ثمَّ يشُّهُ، ثمَّ يصبُّ الماءَ، ثمَّ يدلكُهُ في الترابِ ويشمُّهُ، حتَّى لَمْ يبقَ لهُ ريحٌ ، قالتْ: ثمَّ أتيتُها مرَّةً أخرى ، فلما وزنَتْ .. علقَ بإصبعِها منهُ ٠٢٨٥٠٠ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٦/٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٤/٢٨). (٢) رواه البخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩)، والطيالسي في ((مسنده)) ( ٢٤٨٢)، وكلمة ( كخ ) : كلمة ردع للصغير عن تناول شيء ، وفيها ست لغات ، وفي الخبر : تجنيب الطفل عن الحرام لينشأ عليه ويتمرن. انظر ((الإتحاف)) (٢٧/٦). (٣) روى خبراً بنحوه أبو طالب المكي في ((القوت)) (٢٨١/٢). ٣٧٣ حنحن مئن كتاب الحلال والحرام ربع العادات شيءٌ ، فأدخلَتْ إصبعَها في فيها ثمَّ مسحَتْ بها الترابَ(١). فهذا مِنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ورعُ التقوى ؛ لخوفِ أداءِ ذلكَ إلى غيرِهِ ، وإلا .. فغسلُ الخمارِ ما كانَ يعيدُ الطيبَ إلى المسلمينَ ، ولكنْ أتلفَهُ عليها زجراً وردْعاً واتقاءً مِنْ أنْ يتعذّى الأمرُ إلى الآخرينَ . ومِنْ ذلكَ : ما سُئلَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رحمهُ اللهُ عنْ رجلٍ يكونُ في المسجدِ يحملُ مِجْمَرَةً لبعضِ السلاطينِ ويبخِّرُ المسجدَ بالعودِ ، فقالَ : ينبغي أنْ يخرِجَ مِنَ المسجدِ ؛ فإنَّهُ لا يُنتفعُ مِنَ العودِ إلا برائحتِهِ (٢). وهذا قدْ يقاربُ الحرامَ ؛ فإنَّ القدْرَ الذي يعبقُ بثوبِهِ مِنْ رائحةِ الطيبِ قدْ يُقصدُ ، وقدْ يُخلُ بهِ ، فلا يدري أنَّهُ يُتسامحُ بهِ أم لا . وسئلَ أحمدُ ابنُ حنبلِ عمَّنْ سقطَتْ منهُ ورقةٌ فيها أحاديثَ ، فهلْ لمَنْ وجدَها أنْ يكتبَ منها ثمَّ يردَّها؟ فقالَ: لا ، بلْ يستأذنُ ثمَّ يكتبُ(٣). وهذا أيضاً قدْ يُشكّ في أنَّ صاحبَها هلْ يرضى بهِ أمْ لا ، فما هوَ في محلِّ الشكِّ والأصلُ تحريمُهُ .. فهوَ حرامٌ ، وتركُهُ مِنَ الدرجةِ الأولىُ . ومِنْ ذلكَ التوزُّعُ عنِ الزينةِ : لأنَّهُ يُخافُّ منها أنْ تدعوَ إلى غيرِها ، وإنْ كانتِ الزينةُ مباحةً في نفسِها . ـكن (١) كذا في ((القوت)) (٢٨١/٢)، ورواه كذلك أحمد في ((الورع)) (ص٣٧). (٢) كذا في ((الورع)) (ص٣٧) له. (٣) قوت القلوب (٢٨٥/٢) . ٣٧٤ ٤ ربع العادات كن كتاب الحلال والحرام وقدْ سئلَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ عنِ النعالِ السنديةِ (١)، فقالَ: أَمَّا أنا .. فلا أستعملُها ، ولكنْ إنْ كانَ للطينِ .. فأرجو، وأمَّا مَنْ أرادَ الزينةَ .. فلا . ومِنْ ذلكَ : أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا وليَ الخلافةَ .. كانتْ لهُ زوجةٌ يحبُّها ، فطلَّقَها ؛ خيفةَ أنْ تشيرَ عليهِ بشفاعةٍ في باطلٍ ، فيطيعَها ويطلبَ رضاها ، وهذا مِنْ تركِ ما لا بأسَ بهِ مخافةٌ مِمَّا بهِ بأسٌ ؛ أي : مخافةً منْ أنْ يفضي إليهِ . وأكثرُ المباحاتِ داعيةٌ إلى المحظوراتِ ، حتَّى استكثارُ الأكلِ ، واستعمالُ الطيبِ للمتعزبِ ؛ فإنَّهُ يحرِّكُ الشهوةَ ، ثمَّ الشهوةُ تدعو إلى الفكرِ ، والفكرُ يدعو إلى النظرِ ، والنظرُ يدعو إلى غيرِهِ (٢). بھے ٠٥٨ وكذلكَ النظرُ إلى دورِ الأغنياءِ وتجمُّلِهِمْ مباحٌ في نفسِهِ ، ولكنْ يهِّجُ الحرصَ ، ويدعو إلى طلبٍ مثلِهِ، ويلزمُ منهُ ارتكابُ ما لا يحلُّ في تحصيلِهِ . وهكذا المباحاتُ كلُّها إذا لمْ تُؤخذْ بقدْرِ الحاجةِ وفي وقتِ الحاجةِ ، معَ التحرُّزِ مِنْ غوائِلِها ؛ بالمعرفةِ أوَّلاً ، ثمَّ بالحذرِ ثانياً .. فقلَّما تخلو عاقبتُها (١) كذا في ((الورع)) (ص١٧٢) له، وفي (ط): ( السبتية). (٢) من المفاسد، وفي هذا يقولون: من أدار ناظره .. أتعب خاطره. ((إتحاف)) (٢٨/٦ ) . ٣٧٥ حن ثں ڑان قة XX كتاب الحلال والحرام ہے ربع العادات عنْ خطرٍ ، وكذا كلُّ ما أُخذَ بالشَّرَّهِ فقلَّما يخلو عن خطرٍ . حتَّى كره أحمدُ ابنُ حنبلِ تجصيصَ الحيطانِ وقالَ : ( أمَّا تجصيصُ الأرضِ .. فيمنعُ الترابَ، وأمَّا تجصيصُ الحيطانِ .. فزينةٌ لا فائدةَ فیهِ)(١) . حتَّى أنكرَ تخصيصَ المساجدِ وتزيينَها ، واستدلَّ بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سُئِلَ أنْ يَكحلَ المسجدَ، فقالَ: (( لا ، عريشٌ كعريشٍ موسى))(٢)، وإنَّما هوَ شيءٌ مثلُ الكحلِ يُطلى بهِ، فلمْ يرخِّصْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ(٣) . وكرهَ السلفُ الثوبَ الرقيقَ، وقالوا : ( مَنْ رقَّ ثويُهُ .. رقَّ دينُهُ )(٤) وكلُّ ذلكَ خوفاً مِنْ سريانِ اتباع الشهواتِ في المباحاتِ إلى غيرِها ، فإنَّ المحظورَ والمباحَ تشتهيهِما النفسُ بشهوةٍ واحدةٍ ، فإذا عوِّدتِ الشهوةُ المسامحةَ .. استرسلَتْ، فاقتضى خوفُ التقوى الورعَ عنْ هذا كلِّهِ ، فكلُّ (١) كذا في ((الورع)) ( ص١٨٢ ) له . (٢) قال الحافظ العراقي: (رواه الدار قطني في (( الأفراد)) من حديث أبي الدرداء وقال : غريب). ((إتحاف)) (٢٨/٦)، وأما لفظ: ((عريش كعريش موسى)) دون ذكر الكحل .. فقد رواه الدارمي في (( سننه)) (٣٨) أي: لو رفع يده .. بلغ السقف. (٣) كذا في (( الورع)) (١٨٤ ) له . (٤) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١)، ورواه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (٨٠/٢) عن أبي الغدير المليكي . ـحن. ٣٧٦ ربع العادات ے كتاب الحلال والحرام حلالٍ انفكّ عنْ مثل هذهِ المخافةِ .. فهوَ الحلالُ الطيِّبُ في الدرجةِ الثالثةِ ، وهوَ كلُّ ما لا يُخافُ أداؤُهُ إلى معصيةٍ ألبتةَ . ـحة أمّا الدرجةُ الرابعةُ: وهوَ ورعُ الصديقينَ ، فالحلالُ المطلقُ عندَهُمْ : كلُّ ما لا تتقدَّمُ في أسبابِهِ معصيةٌ ، ولا يُستعانُ بهِ على معصيةٍ ، ولا يُقصدُ منهُ في الحالِ والمآلِ قضاءُ وطرٍ ، بلْ يُتناولُ اللهِ تعالى فقط ، وللتقوِّي على عبادتِهِ ، واستبقاءِ الحياةِ لأجلِهِ . شزة وهؤلاءِ هُمُ الذينَ يرؤْنَ كلَّ ما ليسَ للهِ حراماً ؛ امتثالاً لقولِهِ تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وهذهِ رتبةُ الموحدينَ المتجرِّدينَ عنْ حظوظِ أنفسِهِمْ ، المتفرِّدينَ للهِ تعالى بالقصدِ ، ولا شكّ في أنَّ مَنْ يتورَّعُ عمَّا يُوصلُ إليهِ بمعصيةٍ أوْ يُستعانُ بهِ على معصيةٍ .. فيتورَّعُ عمَّا يقترنُ بسببٍ اكتسابِهِ معصيةٌ أو كراهيةٌ . فمِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ يحيى بنِ يحيىُ أنَّهُ شربَ الدواءَ ، فقالتْ لهُ امرأتُهُ: لوْ مشيتَ في الدارِ قليلاً حتَّى يعملَ الدواءُ ، فقالَ : هذهِ مشيةٌ لا أعرفُها، وأنا أحاسبُ نفسي منذُ ثلاثينَ سنةً(١). فكأنَّهُ لمْ تحضرُهُ نِيَّةٌ في هذهِ المشيةِ تتعلَّقُ بالدينِ ، فلمْ يُجوِّزِ الإقدامَ عليها . CG eG (١) كذا في ((القوت)) (٢٨١/٢)، وهو في ((الورع)) (ص١٢٢) وفيهما: (أربعين سنة). ٣٧٧ كتاب الحلال والحرام بےہ ربع العادات كبسـ وعنْ سريٍّ رحمهُ اللهُ أنَّهُ قالَ : انتهيتُ إلى حشيشٍ في جبلٍ وماءٌ يخرجُ منهُ ، فتناولتُ مِنَ الحشيشِ وشربتُ مِنَ الماءِ ، وقلتُ في نفسي : إنْ كنتُ قدْ أكلتُ يوماً حلالاً طيِّاً .. فهوَ هذا اليومُ، فهتفَ بي هاتفٌ: إنَّ القوَّةَ التي أوصلتْكَ إلى هذا الموضع مِنْ أينَ هيَ ؟ فرجعتُ وندمتُ(١). ومِنْ هذا : ما رُوِيَ عنْ ذي النونِ المصريِّ أنَّهُ كانَ جائعاً محبوساً ، فبعثَتْ لهُ امرأةٌ صالحةٌ طعاماً على يدِ السجَّانِ، فلمْ يأكلْ(٢)، ثمَّ اعتذرَ وقالَ : جاءني على يدِ ظالمٍ (٣) . يعني : أنَّ القوَّةَ التي أوصلتِ الطعامَ إليَّ لمْ تكنْ طيِّةً، وهذهِ الغايةُ القصوى في الورعِ . ومِنْ ذلكَ : أَنَّ بشراً كانَ لا يشربُ الماءَ مِنَ الأنهارِ التي حفرَها الأمراءُ (٤) ؛ فإنَّ النهرَ سببٌ لجريانِ الماءِ ووصولِهِ إليهِ، وإنْ كانَ الماءُ مباحاً في نفسِهِ ، فيكونُ كالمنتفع بالنهرِ المحفورِ بأعمالِ الأُجَراءِ ، وقدْ أُعطيَتْ أجرتُهُمْ منَ الحرامِ . -حن حن ولذلكَ امتنعَ بعضُهُمْ مِنَ العنبِ الحلالِ مِنْ كرمِ حلالٍ ، وقالَ لصاحبِهِ : (١) قوت القلوب (٢٩٥/٢) . ٤٠ (٢) حتى لقيته العجوز، فعاتبته على رد الطعام، وأخبرته أنه من عمل يدها حلال خالص. (٣) قوت القلوب (١٩١/٢). (٤) قوت القلوب (٢٩٦/٢). ٣٧٨ حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام أفسدتَهُ إذْ سقيتَهُ مِنْ ماءٍ يجري في النهرِ الذي حفرتُهُ الظلمةُ(١)، وهذا أبعدُ عنِ الظلمِ مِنْ شربِ نفسِ الماءِ ؛ لأنَّهُ احترازٌ مِنِ استمدادِ العنبِ مِنْ ذلكَ الماءِ . وكانَ بعضُهُمْ إذا مرَّ في طريقِ الحِجِّ .. لمْ يشربْ مِنَ المصانع التي عملتْها الظلمةُ معَ أنَّ الماءَ مباحٌ ، ولكنَّهُ بقيَ محفوظاً بالمصنعِ ، والمصنعُ عُمِلَ بهِ بمالٍ حرامٍ ، فكأنَّهُ انتفاعٌ بهِ (٢). وامتناعُ ذي النونِ مِنْ تناولِ الطعامِ مِنْ يدِ السجَّانِ أعظمُ مِنْ هذا كلِّهِ ؛ لأنَّ يدَ السجَّانِ لا تُوصفُ بأنَّها حرامٌ ، بخلافِ الطبقِ المغصوبِ إذا حُملَ عليهِ، ولكنْ لمَّا وصلَ إليهِ بقوَّةٍ اكتُسبَتْ بالغذاءِ الحرامِ ... امتنعَ منهُ . جح. ولذلكَ تقيََّ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ اللبنِ ؛ خيفةً مِنْ أَنْ يُحدثَ الحرامُ فيهِ قوَّةٌ، معَ أنَّهُ شربَهُ على جهلِ(٣)، وكانَ لا يجبُّ إخراجُهُ ، ولكنْ (١) والخبر في ((القوت)) (٢٩٦/٢)، قال: ( وحدثت أن امرأة أهدت بشر بن الحارث سلة عنب ، فقالت : هذه من صنيعة أبي ، فردَّها بشر عليها ، فقالت : سبحان الله ! تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه ، وشهادتي مكتوبة في كتاب الشراء ؟ فقال : صدقت ، ملك أبيك ، ولكنك أفسدت الكرم ، قالت : بماذا ؟ قال : سقيته من نهر طاهر ؛ يعني: طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر ، صاحب المأمون ) . (٢) قوت القلوب (٢٩٦/٢) عن طاووس ووهب بن منبه اليمانيين . (٣) قوت القلوب (٢٨٧/٢)، ورواه البخاري (٣٨٤٢). ٣٧٩ حن كتاب الحلال والحرام ربع العادات تخليةُ الباطنِ عنِ الخبيثِ مِنْ ورع الصدِّيقينَ . ومِنْ ذلكَ : التورُّعُ مِنْ كسبٍ حلالٍ اكتسبَهُ خيَّاطٌ يخيطَ في المسجدِ ، ء فإنَّ أحمدَ رحمَهُ اللهُ كرهَ جلوسَ الخَيَّاطِ في المسجدِ (١)، وسُئِلَ عنِ المغازليِّ يجلسُ في قبَّةٍ في المقابرِ في وقتٍ يخافُ مِنَ المطرِ ، فقالَ: المقابرُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ أمرِ الآخرةِ ، وكرهَ جلوسَهُ فيها لذلكَ (٢). وأطفأ بعضُهُمْ سراجاً أسرجَهُ غلامُهُ مِنْ قومٍ يُكرهُ مالُهُمْ (٣)، وامتنعَ منْ تسجيرِ تُنُّورِ للخبزِ وقدْ بقي فيهِ جمرٌ مِنْ حطبٍ مكروهٍ(٤) ، وامتنعَ بعضُهُمْ مِنْ أنْ يحكِمَ شسعَ نعلِهِ في مشعلةِ سلطانٍ(٥) . C فهذهِ دقائقُ الورعِ عندَ سالكي طريقِ الآخرةِ . والتحقيقُ فيهِ : أنَّ الورعَ لهُ أوَّلٌ؛ وهوَ الامتناعُ عمَّا حرَّمَتْهُ الفتوى ، وهوَ ورعُ العدولِ ، ولهُ غايةٌ؛ وهوَ ورعُ الصدِّيقينَ ، وذلكَ هوَ الامتناعُ مِنْ كلٍّ ما ليسَ اللهِ، ممَّا أُخذَ بشهوةٍ ، أَوْ توصِّلَ إليهِ بمكروهٍ ، أوِ اتصلَ بسبِهِ مكروهٌ ، وبينَهُما درجاتٌ في الاحتياطِ ، فكلَّما كانَ العبدُ أشدَّ تشديداً على نفسِهِ .. كانَ أخفَّ ظهراً يومَ القيامةِ، وأسرعَ جوازاً على الصراطِ ، وأبعدَ (١) كذا في (( الورع)) (ص٥٩) له . (٢) كذا في (( الورع)) (ص٦١ ) له . (٣) وهو عثمان بن زائدة. انظر ((الورع)) (ص١٠٤). (٤) كذا في ((الورع)) (١٠٤). (٥) قوت القلوب (٢٩١/٢) بنحوه . ٣٨٠ حنة.