النص المفهرس

صفحات 341-360

محنسخة
1
كِتَابُ
الجَالصَّ الَامِ
وهو الكتاب الرابع من ربع العادات
من كتب إحياء علوم الدين
6
ي
والك. وان- حاحا.
من حن حن
٣٤١

ربع العادات
جومـــ
يم
كتاب الحلال والحرام
كتاب الحلال والحمسه
بِسِْاللهِ الرَّحْمنِالرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإِنسانَ مِنْ طينٍ لازبٍ وصلصالٍ ، ثمَّ ركَّبَ صورتَهُ
في أحسن تقويمٍ وأتمّ اعتدالٍ ، ثمَّ غذاهُ في أوَّلِ نشوئِهِ بلبنِ استصفاهُ مِنْ بينِ
فرْثٍ ودمٍ سائغاً كالماءِ الزلالِ ، ثمَّ حماهُ بما آتاهُ مِنْ طيِّبَاتِ الرزقِ عنْ
دواعي الضعفِ والانحلالِ، ثمَّ قِيَّدَ شهوتهُ المعاديةَ لهُ عنِ السطوةِ
والصِّيالِ، وقهرَها بما افترضَهُ عليهِ مِنْ طلبِ القوتِ الحلالِ ، وهزمَ بكسرِها
جندَ الشيطانِ المتشمِّرِ للإضلالِ ، فلقدْ كانَ يجري مِن ابنِ آدمَ مَجرى الدم
السيَّالِ، فضيَّقَ عليهِ عزَّةُ الحلالِ المجرى والمجالَ، إذ كانَ لا يُذْرِقُهُ إلى
أعماقِ العروقِ إلا الشهواتُ المائلةُ إلى الغلبةِ والاسترسالِ (١)، فبقيَ لمَّا
زُمَّتْ بزمامِ الحلالِ خائباً خاسراً ما لهُ مِنْ ناصرٍ ولا والٍ (٢).
والصلاةُ على محمدٍ الهادي مِنَ الضلالِ ، وعلى آلهِ خيرِ آلٍ وسلَّمَ
تسليماً كثيراً .
(١) لا يبذرقه : لا يوصله ، وأصل البذرقة الخفارة ، وهي لفظة فارسية .
(٢) والمراد من هذا التمثيل البديع: تبيينُ أن الشيطان منفور منه في الظاهر ، متبوع في
الباطن. مفاد من ((الإتحاف)) (٤/٦).
--------...
٣٤٣
ش كن مئن
1
سففا سو.

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
أما بعد:
فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( طلبُ الحلالِ فريضةٌ على كلِّ
مسلمٍ ))، رواهُ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ(١) ، وهذهِ الفريضةُ مِنْ بينِ سائرٍ
الفرائض أعصاها على العقولِ فهماً ، وأثقلُها على الجوارح فعلاً ، ولذلكَ
اندرسَ بالكلِّيَّةِ عملاً وعلماً، وصارَ غموضُ علمِهِ سبباً لاندراسِ عمِلِهِ ؛ إذْ
ظنَّ الجھَّالُ أنَّ الحلالَ مفقودٌ، وأنَّ السبيلَ دونَ الوصولِ إليهِ مسدودٌ ، وأنَّهُ
لمْ يبقَ مِنَ الطيِّاتِ إلا الماءُ الفراتُ، والحشيشُ النابتُ في المَواتِ ،
وما عداهُ فقدْ أخبثَتْهُ الأيدي العاديةُ ، وأفسدَتْهُ المعاملاتُ الفاسدةُ .
وإذْ تعذرَتِ القناعةُ بالحشيشِ مِنَ النباتِ(٢) .. لمْ يبقَ وجهٌ سوى الاتساع
في المحرَّماتِ ، فرفضوا هذا القطبَ مِنَ الدينِ أصلاً ، ولمْ يدركوا بينَ
الأموالِ فرقاً وفصلاً .
وهيهات هيهاتَ ؛ فالحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ ، وبينَهُما أمورٌ متشابهاتٌ ،
ولا تزالُ هذهِ الثلاثةُ مقترناتٍ كيفَما تقلبتِ الحالاتُ .
ولمَّا كانَتْ هذهِ بدعةً عمَّ في الدينِ ضررُها ، واستطارَ في الخلْقِ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٧٤/١٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٢٨/٦)
دون زيادة: (( على كل مسلم))، وهي عند الطبراني في (( الأوسط)) (٨٦٠٥) عن أنس
مرفوعاً، وسياق المصنف في ((القوت)) (٢٨٦/٢).
دن
(٢) الحشيش: هو اليابس من الكلأ، وهو قول أئمة اللغة ، ومراد المصنف هنا هو
الرطب، أطلقه عليه تجوزاً، وهذه لغة الفقهاء فيه. مفاد من ((الإتحاف)) (٥/٦).
٣٤٤
حر

قات
ربع العادات
ے
كتاب الحلال والحرام
شرَرُها .. وجبَ كشفُ الغطاءِ عنْ فسادِها، بالإرشادِ إلى مُدْرَكِ الفرقِ بينَ
الحلالِ والحرام والشبهةِ على وجهٍ في التحقيقِ والبيانِ لا يخرجُهُ التضييقُ
عنْ حيِّزِ الإمكانِ ، ونحنُ نوضِّحُ ذلكَ في سبعةٍ أبوابٍ :
دں
البابُ الأوَّلُ : في فضيلةِ طلبِ الحلالِ ومذمَّةِ الحرام ، ودرجاتٍ
الحلالِ والحرامِ .
البابُ الثاني : في مراتبِ الشبهاتِ ، ومثاراتِها ، وتمييزِها عنِ الحلالِ
والحرام .
البابُ الثالثُ : في البحثِ والسؤالِ ، والهجوم والإهمالِ ، ومظانِّها في
الحلالِ والحرامِ .
البابُ الرابعُ : في كيفيةِ خروجِ التائبِ عنِ المظالمِ المالية .
البابُ الخامسُ : في إدراراتِ السلاطينِ وصِلاتِهِمْ، وما يحلُّ منها
وما يحرمُ .
البابُ السادسُ : في الدخولِ على السلاطينِ ومخالطَتِهِمْ .
البابُ السابعُ : في مسائلَ متفرقةٍ .
كن حن حن حى من
.من
٣٤٥
1

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
البَابُ الأَوَّلُ
في الحلال والحرام
وفيد فضيلة الحلال ومدقة الحرام وبيان أصناف حلال وورجائه
وأصنا ف الحرام ودرجات الورع فيه
فضيلة الحلال ومذمة الحرام
قالَ اللهُ تعالى: ﴿كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَيِحًا﴾، أمرَ بالأكلِ مِنَ
الطيّاتِ قبلَ العملِ، وقيلَ : إنَّ المرادَ بهِ الحلالُ(١).
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى ◌ُلْمًا ... ) الآية.
ـحن
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْاْ إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ﴾، ثمّ قالَ: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثمَّ قالَ:
﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾، ثمّ قالَ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾، جعلَ آكلَ الربا أوَّلَ الأمرِ مؤذناً بمحاربةِ اللهِ
تعالى ، وفي آخرِهِ متعرِّضاً للنارِ .
ثن شن جن حن حن ون
(١) كما في ((تفسير الطبري)) (٣٧/١٨/١٠)، و((القوت)) (٢٨٨/٢).
٣٤٦

ربع العادات
ہے.
كتاب الحلال والحرام
والآياتُ الواردةُ في الحلالِ والحرامِ لا تُحصى .
مثن
..---
وروى ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ
قالَ : ((طلبُ الحلالِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ))، ولمَّا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ))(١) .. قالَ بعضُ العلماءِ:
أرادَ بهِ طلبَ علمِ الحلالِ والحرامِ ، وجعلَ المرادَ بالحديثينِ واحداً(٢) .
به
2
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ سعىُ على عيالِهِ مِنْ حلِّهِ .. فهوَ
كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ ، ومَنْ طلبَ الدنيا حلالاً في عفافٍ .. كانَ في درجةٍ
الشهداءِ))(٣).
٥٠٢
G
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ أكلَ الحلالَ أربعينَ يوماً .. نوَّرَ اللهُ
قلبَهُ ، وأجرى ينابيعَ الحكمةِ مِنْ قلِهِ على لسانِهِ))، وفي روايةٍ :
((زهَّدَهُ اللهُ في الدنيا)) (٤).
(١) رواه ابن ماجه (٢٢٤).
(٢) قوت القلوب (٢٨٧/٢).
(٣) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٦/٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٥/٩)
مرفوعاً: (( ومن سعى على عياله .. ففي سبيل الله))، وروى الخطيب في (( تاريخ
بغداد)) (١٦٤/٨) مرفوعاً: ((من طلب مكسبة من باب الحلال يكف بها وجهه عن
مسألة الناس وولده وعياله .. جاء يوم القيامة مع النبيين والصديقين هكذا)) وأشار
بإصبعه السبابة والوسطى .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٨٧/٢)، وثمَّ حديث يشبهه من حيث السياق وليس هو هذا =
٣٤٧
حن

كتاب الحلال والحرام
جه
ربع العادات
ورُوِي أَنَّ سعداً سألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يسألَ اللهَ تعالى
أنْ يجعلَهُ مجابَ الدعوةِ، فقالَ لهُ: (( أطبْ طعمتَكَ .. تُستجَبْ
دعوتُكَ))(١) .
ولمَّا ذكرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الحريصَ على الدنيا .. قالَ: ((رَّ
أشعثَ أغبرَ مشرَّدٍ في الأسفارِ ، مطعمُهُ حرامٌ ، وملبسُهُ حرامٌ ، وغُذِيَ
بالحرام، يرفعُ يديهِ فيقولُ: يا ربُ، يا ربُّ؛ فأَنَّى يُستجابُ لذلكَ؟!))(٢).
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ للهِ ملكاً
على بيتِ المقدسِ ينادي كلَّ ليلةٍ: مَنْ أكلَ حراماً .. لمْ يُقبَلْ منهُ صرفٌ
ولا عدلٌ))، فقيلَ : الصرفُ: النافلةُ، والعدلُ: الفريضةُ (٣).
الحديث كما نبه عليه الحافظ الزبيدي (٧/٦)، وهو ما رواه ابن المبارك في ((الزهد)»
=
(١٠١٤) عن مكحول مرسلاً، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٩/٥) عنه عن أبي أيوب
مرفوعاً قال : (( من أخلص لله تعالى أربعين يوماً .. ظهرت ينابيع الحكمة على
لسانه))، وتأمل تمام الحديث الآتي .
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٤٩١) وتمامه: (( والذي نفس محمد بيده؛ إن
العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه .. ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً ، وأيما عبد نبت
لحمه من السحت والربا .. فالنار أولى به)) .
٩٠
(٢) رواه مسلم ( ١٠١٥ ).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٨٨/٢) عن ابن عباس مرفوعاً ، ومعناه في الحديث قبله ، وفي
معناه كذلك ما رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٥٨٥٣): (( من أكل لقمة من
حرام .. لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، ولم يستجب له دعوة أربعين صباحاً ... ))
الحديث .
٣٤٨
حن حنة

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنِ اشترى ثوباً بعشرة دراهمَ وفي ثمنِهِ
درهمٌ حرامٌ .. لمْ يقبلِ اللهُ صلاتَهُ ما دامَ عليهِ منهُ شيٌ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ لحمٍ نبتَ مِنْ حرامِ .. فالنارُ أولى
بهِ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ لمْ يبالِ مِنْ أينَ اكتسبَ المالَ .. لمْ
يبالِ اللهُ مِنْ أينَ أدخلَهُ النارَ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العبادةُ عشرةُ أجزاءٍ ، فتسعةٌ منها في
طلبِ الحلالِ))، رُوِيَ هذا مرفوعاً وموقوفاً على بعضٍ الصحابةِ أيضاً(٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أمسىُ وانياً مِنْ طلبِ الحلالِ .. باتَ
مغفوراً لهُ، وأصبحَ واللهُ عنهُ راضٍ))(٥).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٨/٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٧٠٧).
(٢) رواه الترمذي (٦١٤) ولفظه: ((إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى
به))، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٣٧٦) بلفظ: (( أيما لحم نبت من حرام .. فالنار
أولى به )) .
(٣) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٣٩٩/١) موقوفاً على عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما .
٠٫٠
(٤) ولفظ صاحب ((القوت)) (٢٨٨/٢): (وقال جماعة من السلف : الجهاد عشرة
أجزاء، تسعة في طلب الحلال). وعند الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٤٢٢٢):
((العبادة عشرة أجزاء، تسعة في الصمت، والعاشرة في كسب اليد من الحلال)).
(٥) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٥١٦) بلفظ: (( من أمسى كالاً من عمل يديه .. أمسى
مغفوراً له )).
٣٤٩
جن جن حن حن
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أصابَ مالاً مِنْ مأئمِ ، فوصلَ بهِ
رحماً، أوْ تصدَّقَ بهِ ، أَوْ أنفقَهُ في سبيلِ اللهِ .. جمعَ اللهُ ذلكَ جميعاً ثمَّ
قذفَهُ في النارِ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((خيرُ دِينِكُمُ الورعُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ لقيَ اللهَ ورعاً .. أعطاهُ اللهُ ثوابَ
الإسلام كلِّهِ )»(٣) .
ويُروىُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ: ((وأمَّا الورعونَ .. فأنا أستحي أنْ
أحاسبَهُمْ)) (٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( درهمٌ مِن رباً أشدُّ عندَ اللهِ مِنْ ثلاثينَ زنيةً
في الإسلام)»(٥) .
٠٠٨٥٠٠ ١
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)» (٦٢٥)، وأبو داوود في ((المراسيل)) (١٢٤) عن
القاسم بن المخيمرة مرسلاً ، ورواه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ابنُّ عساكر في
((تاريخ دمشق)) ( ٣٢٧/٥٣).
حن
(٢) هو شطر حديث رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٩٢/١ - ٩٣)، والطبراني في
((الأوسط)) (٣٩٧٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٥٧٨).
(٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (٩/٦).
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٠/١٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
( ٦١ /١١٣ ).
ون
(٥) كذا في ((القوت)) (٢٨٦/٢)، ورواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٥/٥) ولفظه : ( من
ستة وثلاثين ) .
٣٥٠
حن دن

"G
ربع العادات
مــ
كتاب الحلال والحرام
وفي حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: (( المعدةُ حوضُ البدنِ ،
والعروقُ إليها واردةٌ ، فإذا صحَّتِ المعدةُ .. صدرَتِ العروقُ بالصحَّةِ ،
وإذا سقمَتْ .. صدرَتْ بالسقْمِ ))(١) ، ومثلُ الطعمةِ مِنَ الدينِ مثلُ الأساسِ
مِنَ البنيانِ ، فإذا ثبتَ الأساسُ وقويَ .. استقامَ البناءُ وارتفعَ ، وإذا ضعفَ
الأساسُ واعوجَّ .. انهارَ البنيانُ ووقعَ(٢)، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ
أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ ... ﴾ الآيَةَ.
وفي الحديثِ: (( مَنِ اكتسبّ مالاً مِنْ حرام ؛ فإنْ تصدَّقَ بهِ .. لمْ يُقبلْ
منهُ، وإنْ تركَهُ وراءَهُ .. كانَ زادَهُ إلى النارِ))(٣).
وقدْ ذكرنا جملةً مِنَ الأخبارِ في كتابِ آدابِ الكسبِ تكشفُ عنْ فضيلةِ
كسبِ الحلالِ .
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ رُوِيَ أنَّ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ شربَ لبناً مِنْ كسبِ عبدِهِ ، ثمَّ سألَ
عبدَهُ عنهُ ، فقالَ : تكهنتُ لقوم فأعطوني ، فأدخلَ إصبعَهُ في فيهِ وجعلَ
مے
ح2
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٣٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٤١٤)، وقال
الدارقطني في ((العلل)) (٤٢/٨) عنه: ( لا يصح ولا يعرف هذا من كلام النبي
صلى الله عليه وسلم ، إنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن أبجر ) .
(٢) قوت القلوب (٢٨٨/٢).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨٧/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤/٢).
٣٥١
2

كتاب الحلال والحرام
حن
ربع العادات
يقيءُ، قالَ : حتَّى ظننتُ أنَّ نفسَهُ ستخرجُ، ثمَّ قالَ : اللهمَّ ؛ إنِّي أعتذرُ
إليكَ ممَّا حملتِ العروقُ وخالطَ الأمعاءَ (١) .
وفي بعضٍ الأخبارِ : أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أُخبرَ بذلكَ ، فقالَ :
((أوَما علمتُمْ أنَّ الصدِّيقَ لا يُدخِلُ جوفَهُ إلا طيّباً))(٢).
وكذلكَ شربَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ منْ لبنِ إبلِ الصدقةِ غلطاً ، فأدخلَ
إصبعَهُ وتقيَّا (٣).
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( إنَّكُمْ لتغفلونَ عنْ أفضلِ العبادةِ ؛
الورعُ) (٤) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما: ( لوْ صلَّيْتُمْ حتَّى تكونوا
كالحنايا، وصمتُمْ حتَّى تكونوا كالأوتارِ .. ما يُقبلُ ذلكَ منكُمْ إلا بورع
حاجزٍ )(٥) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٨٧/٢)، وقد رواه البخاري (٣٨٤٢) بنحوه .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٨٨/٢)، قال الحافظ العراقي: (لم أجده). («إتحاف))
(١٠/٦ ) .
٤٠
(٣) رواه مالك في «الموطأ)) (٢٦٩/١).
(٤) الذي رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٧٩٨): ( تغفلون عن أفضل العبادة ؛
التواضع)، وروى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٩٥/٥) مرفوعاً: ((الورع سيد
العمل )) .
(٥) عزاه الحافظ الزبيدي إلى صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١١/٦).
حن حن حق
٤٠
قاعد
٣٥٢

ربع العادات
.4002.
جــ
كتاب الحلال والحرام
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ: ( لمْ يدرِكْ مَنْ أدركَ إلا مَنْ كانَ يعقلُ
ما يدخلُ جوفَهُ )(١) .
وقالَ الفضيلُ : ( مَنْ عرفَ ما يدخلُ جوفَهُ .. كتبَهُ اللهُ صدِّيقاً ، فانظرْ
عندَ مَنْ تفطرُ يا مسكينٌ )(٢) .
ـدن
وقيلَ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ رحمهُ اللهُ: لِمَ لا تشربُ مِنْ ماءِ زمزمَ ؟ فقالَ :
لوْ كانَ لي دلوٌ .. لشربتُ(٣).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ أنفقَ مِنَ الحرامِ في
طاعةِ اللهِ .. كانَ كمَنْ طَّرَ الثوبَ النجسَ بالبولِ ، والثوبُ النجسُ لا يطهِّرُهُ
إلا الماءُ ، والذنبُ لا يكفِّرُهُ إلا الحلالُ).
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( الطاعةُ خزانةٌ مِنْ خزائنِ اللهِ تعالى ، ومفتاحُها
الدعاءُ ، وأسنانُهُ اللقمةُ الحلالُ ).
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( لا يقبلُ اللهُ صلاةَ امرئٍ في جوفِهِ
حرامٌ) (٤) .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٩/٧) ولفظه: ( يا شقيقُ؛ لم ينبل عندنا من نبل
بالحج ولا بالجهاد ، وإنما نبل عندنا من نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه ؛ يعني
الرغيفين من حله ) .
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٩٣/٤٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١٥٤).
(٤) كذا حكى روايته ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (٢٦٢/١)، وبنحوه في
((الرعاية)) (ص ٤٦٦ ) .
قته
فات
٣٥٣
جن جن جن جن حن

كتاب الحلال والحرام
حرة
ربع العادات
وقالَ سهلٌ التستريُّ : ( لا يبلغُ العبدُ حقيقةً الإيمانِ حتَّى يكونَ فیهِ أربعُ
خصالٍ : أداءُ الفرائضِ بالسنَّةِ ، وأكلُ الحلالِ بالورع ، واجتنابُ النهي مِنَ
الظاهرِ والباطنِ ، والصبرُ على ذلكَ إلى الموتِ)(١) .
وقالَ : ( مَنْ أحبَّ أنْ يُكاشفَ بآياتِ الصدِّيقينَ .. فلا يأكلْ إلا حلالاً ،
ولا يعملْ إلا في سنَّةٍ أوْ ضرورةٍ )(٢) .
ويُقالُ : ( مَنْ أكلَ الشبهةَ أربعينَ يوماً .. أظلمَ قلبُهُ) ، وهوَ تأويلُ قولِهِ
تعالى: ﴿كَلَّابَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾(٣).
وقالَ ابنُ المباركِ : ( ردُّ درهمٍ مِنْ شبهةٍ أحبُّ إليَّ مِنْ أن أتصدَّقَ بمئةٍ
ألفِ درهمٍ ، ومئةٍ ألفٍ ، ومئةِ ألفٍ حتَّى بلغَ إلى ستِّ مئة ألفٍ )(٤) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( إنَّ العبدَ يأكلُ أكلةً فيتقلبُ قلبُهُ ، فينغَلُ كما ينغَلُ
الأديمُ ، فلا يعودُ إلى حالِهِ أبداً )(٥).
وقالَ سهلٌ : ( مَنْ أكلَ الحرامَ .. عصَتْ جوارحُهُ شاءَ أمْ أبىُ ، علمَ أَوْ
(١) قوت القلوب (٢٨٧/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢٨٧/٢).
(٣)
قوت القلوب (١ / ٨٧ ).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (٢٠٤).
(٥) قوت القلوب (٢٨٨/٢)، والنَّغَل: الفساد، ونَغِلَ قلبه: ضَغِن، والنية فسدت،
وقد روى نحوه ابن أبي الدنيا في «الورع» ( ٦٥) في حقٌّ نظرة السوء .
٣٥٤
جن جن جن ضن ش ضن من

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
لمْ يعلمْ، ومَنْ كانَتْ طُعْمتُهُ حلالاً .. أطاعَتْ جوارحُهُ ، ووفقَتْ
للخيراتِ )(١) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( إنَّ أوَّلَ لقمةٍ يأكلُها العبدُ مِنْ حلالٍ يُغفرُ لهُ بها
ما سلفَ مِنْ ذنوِهِ ، ومنْ أقامَ نفسَهُ مقامَ ذلِّ في طلبِ الحلالِ .. تساقطَتْ
عنهُ ذنوبُهُ كما تساقطُ ورقُ الشجرِ)(٢) .
بطن
ـحن
ورُوِيَ في آثارِ السلفِ أنَّ الواعظَ كانَ إذا جلسَ للناس .. قالَ العلماءُ :
تفقدوا منهُ ثلاثاً ، فإنْ كانَ معتقداً لبدعةٍ .. فلا تجالسوهُ؛ فإنَّهُ عنْ لسانٍ
الشيطانِ ينطقُ ، وإنْ كانَ سِّىءَ الطُّعْمةِ .. فعنِ الهوى ينطقُ ، وإنْ لمْ يكنْ
مكينَ العقلِ .. فإِنَّهُ يفسدُ بكلامِهِ أكثرَ ممَّا يصلحُ ، فلا تجالسوهُ(٣) .
وفي الأخبارِ المشهورةِ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ وغيرِهِ : ( إنَّ الدنيا حلالُها
حسابٌ وحرامُها عذابٌ)(٤)، وزادَ آخرونَ: (وشبهتُها عتابٌ)(٥).
ورُوي أنَّ بعضَ السائحينَ دفعَ طعاماً إلى بعضِ الأبدالِ ، فلمْ يأكلْهُ ،
فسألَهُ عنِ السببِ في امتناعِهِ ، فقالَ : نحنُ لا نأكلُ إلا حلالاً ، فلذلكَ
تستقيمُ قلوبنا ، ويدومُ حالُنا ، ونكاشفُ بالملكوتِ، ونشاهدُ الآخرةَ ، ولوْ
(١) عزاه الحافظ الزبيدي إلى ((القوت)). ((إتحاف)) (١٢/٦).
(٢) قوت القلوب (٢٨٧/٢).
(٣) قوت القلوب (٢٨٨/٢).
(٤) رواه أبو داوود في ((الزهد)) (١١٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٣٨).
(٥) الزيادة ليوسف ووكيع بن الجراح، كما في ((القوت)) (٢٩٤/٢).
٣٥٥
حن حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
أكلْنا ممَّا تأكلونَ ثلاثةَ أيام .. لما رجعْنا إلى شيءٍ مِنْ علم اليقينِ ، ولذهبَ
الخوفُ والمشاهدةُ مِنْ قلوبِنا ، فقالَ لهُ الرجلُ : فإنِّي أصومُ الدهرَ وأختمُ
القرآنَ في كلٌّ شهرٍ ثلاثينَ ختمةً ! فقالَ لهُ البدلُ : هذهِ الشربةُ من لبني التي
رأيتَي شربتُها أحبُّ إليَّ مِنْ ثلاثينَ ختمةً في ثلاثِ مئةِ ركعةٍ مِنْ أعمالِكَ ،
وكانتْ شربةً لبنٍ من ظبيةٍ وحشيَّةٍ (١) .
وقدْ كانَ بينَ أحمدَ ابنِ حنبلٍ ويحيى بنِ معينٍ صحبةٌ طويلةٌ ، فهجرَهُ
أحمدُ إذْ سمعَهُ يقولُ : إنِّي لا أسألُ أحداً شيئاً ، ولوْ أعطاني الشيطانُ
شيئاً .. لأكلتُهُ، حتَّى اعتذرَ يحيىُ وقالَ: كنتُ أمزحُ، فقالَ : تمزحُ
بالدينِ ؟! أما علمتَ أنَّ الأكلَ مِنَ الدين، قدَّمَهُ اللهُ تعالى على العملِ
الصالحِ فقالَ: ﴿كُوْ مِنَ الََِّّتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾؟! (٢).
وفي الخبرِ : أنَّهُ مكتوبٌ في التوراةِ : ( مَنْ لمْ يبالِ مِنْ أينَ مطعمُهُ .. لمْ
يبالِ اللهُ مِنْ أَيِّ أبوابِ النارِ أدخلَهُ )(٣).
وعنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ لمْ يأكلْ بعدَ قتلٍ عثمانَ ونهبِ الدارِ طعاماً
إلا مختوماً ؛ حذراً مِنَ الشبهةِ (٤).
حن.
(١) قوت القلوب (٢٨٩/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٨٩/٢)، وفي (ب، ج): ( السلطان ) بدل ( الشيطان ) .
(٣) رواه أبو نعيم في (( تاريخ أصيهان)) (٣٩٩/١) موقوفاً على عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما .
(٤) قوت القلوب (٢٩٤/٢)، وذكر أنه رضي الله عنه دعا يوماً بطينة مختومة ، قال
عامله : فظننت أن فيها جوهراً أو تبراً ، ففض ختامها ، فإذا فيها سويق شعير ، فنثره بين =
قصته ..
٣٥٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
واجتمعَ الفضيلُ بنُ عياضٍ وابنُ عيينةَ وابنُ المباركِ عندَ وهيبٍ بنِ الوردِ
بمكّةَ ، فذكروا الرطبَ ، فقالَ وهيبٌ : هوَ مِنْ أحبُّ الطعام إليَّ، إلا أنّي
لا آكلُهُ لاختلاطِ رطبٍ مَّةَ ببساتينِ زبيدةَ وغيرِها(١) ، فقالَ لهُ ابنُ المباركِ:
إنْ نظرتَ في مثلِ هذا .. ضاقَ عليكَ الخبزُ ، قَالَ: وما سببُهُ ؟ قالَ : إنَّ
أصولَ الضياع قدِ اختلطتِ بالصوافي (٢)، فغُشيَ على وهيبِ ، فقالَ
سفيانُ : قتلتَ الرجلَ ، فقالَ ابنُ المباركِ : ما أردتُ إلا أنْ أهوِّنَ عليهِ ،
فلمَّا أفاقَ .. قالَ: للهِ عليَّ ألاَّ آكلَ خبزاً أبداً حتَّى ألقاهُ(٣).
فكانَ يشربُ اللبنَ ، فأتتْهُ أَقُّهُ بلبنٍ ، فسألَها ، فقالَتْ : هوَ مِنْ شاةٍ بني
فلانٍ ، فسألَ عنْ ثمنِها وأنَّهُ مِنْ أينَ لهُمْ؟ فذكرَتْ، فلمَّا أدناهُ مِنْ فيهِ ..
قالَ : بقيَ أنَّها مِنْ أينَ كانتْ ترعى ، فسكتَتْ ، فلمْ يشربْ ؛ لأنَّها كانتْ
ترعىُ مِنْ موضع للمسلمينَ فيهِ حقٌّ(٤)، فقالَتْ لهُ أمُّهُ : اشربْ؛ فإنَّ اللهَ
يدي وقال : كل من طعامنا ، فقلت : أتختم عليه يا أمير المؤمنين ؟! قال : نعم ، هذا
شيء اصطفيته لنفسي وأخاف أن يختلط فيه ما ليس منه .
(١) وكانت زبيدة - زوج الرشيد - قد اشترت عدة بساتين بمكة وأوقفتها في سبيل الله تعالى.
(«إتحاف)) (٦ /١٣ ).
(٢) الصوافي : الضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته ، وأيضاً التي لا وارث لها .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٣/٨) وقال: (فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات
هزلاً) .
(٤) فقد كانت ترعى مع غنم لابن عبد الصمد الهاشمي أمير مكة في الحي. انظر ((الإتحاف))
(١٣/٦) .
٣٥٧
حن
حن
ئن
%
جن
:

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
تعالى يغفرُ لكَ، فقالَ : ما أحبُّ أنْ يغفرَ لي وقدْ شربتُهُ، فأنالَ مغفرتَهُ
بمعصيتِهِ (١) .
وكانَ بشرٌ الحافي رحمهُ اللهُ مِنَ الورعينَ ، فقيلَ لهُ : مِنْ أينَ تأكلُ ؟
فقالَ : مِنْ حيثُ تأكلونَ ، ولكنْ ليسَ مَنْ يأكلُ وهوَ يبكي كمَنْ يأكلُ وهوَ
يضحكُ، وقالَ : يَدٌ أقصرُ مِنْ يدٍ، ولقمةٌ أصغرُ مِنْ لقمةٍ (٢).
وهكذا كانوا يحترزونَ عنِ الشبهاتِ .
حن جن ش حن حن تن حن جن جن حن
(١) قوت القلوب (٢٩٥/٢)، وقد رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥١/٨).
(٢) قوت القلوب (٢٩٥/٢) .
٣٥٨
حن
مدن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
أصناف الحلال والحرام ومداخله
اعلمْ : أنَّ تفصيلَ الحلالِ والحرام إنَّما يتولى بيانَهُ كتبُ الفقهِ ، ويستغني
المريدُ عنْ تطويلِهِ بأنْ يكونَ لهُ طُعْمَةٌ معيَّنةٌ يعرفُ بالفتوىُ حلَّها ، ولا يأكلُ
غيرَها ، فأمَّا مَنْ يتوسَّعُ في الأكلِ مِنْ وجوهٍ متفرّقةٍ .. فيفتقرُ إلى علمِ الحلالِ
والحرامِ كلِّهِ كما فضَّلْناهُ في كتبِ الفقهِ .
ونحنُ الآنَ نشيرُ إلى مجامعِهِ في سياقٍ تقسيمٍ ، وهوَ أنَّ المالَ إنَّما يحرمُ
إمَّا لمعنىّ في عينِهِ ، أَوْ لخللٍ في جهةِ اكتسابِهِ .
ـحن
القسمُ الأوَّلُ : الحرامُ لصفةٍ في عينِهِ :
كالخمرِ والخنزيرِ وغيرِهِما .
وتفصيلُهُ : أنَّ الأعيانَ المأكولةَ على وجهِ الأرضِ لا تعدو ثلاثةَ أقسام :
فإِنَّها إمّا أنْ تكونَ مِنَ المعادنِ كالملح والطينِ وغيرِهما ، أَوْ مِنَ النباتِ ، أوْ
مِنَ الحيوانِ .
فأمَّا المعادنُ - وهيَ أجزاءُ الأرضِ وجميعُ ما يخرجُ منها - : فلا يحرمُ
أكلُهُ إلا مِنْ حيثُ إنَّهُ يضرُّ بالآكلِ ، وفي بعضِها ما يجري مَجرى الُّمِّ ،
والخبزُ لوْ كانَ مضرّاً .. لحَرُمَ أكلُهُ ، والطينُ الذي يُعتادُ أكلُّهُ لا يحرمُ إلا مِنْ
حيثُ الضررُ ، وفائدةُ قولِنا : ( إنَّها لا تحرمُ) معَ أنَّها لا تؤكلُ: أنَّهُ لوْ وقعَ
٣٥٩
حن حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
....... ...-
٠٠٠٠
شيءٌ منها في مرقةٍ أوْ طعامٍ مائعٍ .. لمْ يصرْ بهِ محرَّماً .
وأمَّا النباتُ : فلا يحرمُ منهُ إلا ما يزيلُ العقلَ، أَوْ يزيلُ الحياةَ ، أوِ
الصحّةَ ، فمزيلُ العقلِ : البَنْجُ والخمرُ وسائرُ المسكراتِ ، ومزيلُ الحياةِ :
السمومُ ، ومزيل الصَّةِ : الأدويةُ في غيرِ وقتِها .
وكأنَّ مجموعَ هذا يرجعُ إلى الضررِ إلا الخمرَ والمسكراتِ ، فإنَّ
الذي لا يسكرُ منها أيضاً حرامٌ معَ قلَّتِهِ ؛ لعينِهِ وصفتِهِ ، وهيَ الشدَّةُ
المطربةُ .
وأمَّا السَّمُّ إذا خرجَ عنْ كونِهِ مضرّاً لقلَّتِهِ أَوْ لعجنِهِ بغيرِهِ .. فلا يحرمُ.
وأمَّا الحيواناتُ: فتنقسمُ إلى ما يُؤْكلُ وإلى ما لا يُؤْكلُ ، وتفصيلُهُ في كتاب
الأطعمةِ، والنظرُ يطولُ في تفصيلِها، لا سيما في الطيورِ الغريبةِ وحيواناتِ البرِّ
والبحرِ ، وما يحلُّ أكلُهُ منها فإنَّما يحلُّ إذا ذُبحَ ذبحاً شرعياً ، رُوعيَ فيهِ شروطٌ
الذابحِ والآلةِ والمذبح، وذلكَ مذكورٌ في كتابِ الصيدِ والذبائحِ.
وما لمْ يُذبحْ ذبحاً شرعياً، أوْ ماتَ .. فهوَ حرامٌ ، ولا يحلُّ إلا ميتتانِ ؛
السمكُ والجرادُ ، وفي معناهما ما يستحيلُ مِنَ الأطعمةِ ؛ كدودِ التفاحِ والخلِّ
والجبن ؛ فإنَّ الاحترازَ منهما غيرُ ممكنٍ ، فأمَّا إذا أُفردتْ وأُكلتْ .. فحكمُها
حكمُ الذبابِ والخنفساءِ والعقربِ وكلِّ ما ليسَ لهُ نفسٌ سائلةٌ ، ولا سببَ في
تحريمِها إلا الاستقذارُ، ولوْ لمْ يكنْ .. لكانَ لا يُكرِهُ، وإنْ وُجدَ شخصٌ
لا يستقذرُهُ .. لمْ يُلتَفَتْ إلى خصوصٍ طبعِهِ؛ فإنَّهُ التحقَ بالخبائثِ لعموم
٣٦٠
كن
حر