النص المفهرس

صفحات 281-300

G
ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
العقد التاوس: الشركة
وهيَ أربعةُ أنواعٍ ، ثلاثةٌ منها باطلةٌ .
الأوّلُ : شركةُ المفاوضةِ :
وهوَ أنْ يقولا : ( تفاوضْنا لنشتركَ في كلِّ ما لنا وما علينا ) ومالاهما
ممتازانٍ(١) ، وهيَ باطلٌ .
حن . ون
ےہ.
الثاني : شركةُ الأبدانِ :
وهوَ أنْ يتشارطا الاشتراكَ في أجرةِ العملِ ، وهيَ باطلةٌ .
الثالثُ : شركةُ الوجوهِ :
وهوَ أنْ يكونَ لأحدِهما حشمةٌ وقولٌ مقبولٌ ، فيكونَ مِنْ جهتِهِ التنفيذُ ،
ومِنْ جهةٍ غيرِهِ العملُ ، فهيَ أيضاً باطلةٌ .
وإنَّما الصحيحُ الشركةُ الرابعةُ المسماةُ شركةَ العِنانِ :
وهوَ أنْ يختلطَ مالاهما بحيثُ يتعذَّرُ التمييز إلا بقسمةٍ ، ويأذنَ كلُّ
(١) أي: غير مختلطين، وفي هذه الشركة قال الإمام الشافعي في ((الأم)) (٤٨٧/٤):
( شركة المفاوضة باطل ، ولا أعرف شيئاً من الدنيا يكون باطلاً إن لم تكن شركة
المفاوضة باطلاً ) .
٢٨١
,-آن
حن
:

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
واحدٍ منهما لصاحبهِ في التصرُّفِ .
ثمَّ حكمُهُما توزيعُ الربحِ والخسرانِ على قدْرِ المالينِ ، ولا يجوزُ أنْ
يُغيَّرَ ذلكَ بالشرطِ ، ثمَّ بالعزلِ يمتنعُ التصرُّفُ على المعزولِ ، وبالقسمةِ
ينفصلُ الملكُ عنِ الملكِ(١).
والصحيحُ : أنَّهُ يجوزُ عقدُ الشركةِ على العروضِ المشتركةِ(٢)،
ولا يُشترطُ النقدُ ، بخلافِ القِراضِ .
فهذا القدْرُ مِنْ علم الفقهِ يجبُ تعلُّمُهُ على كلِّ مكتسبٍ ، وإلاَّ .. اقتحمَ
الحرامَ مِنْ حيثُ لا يدري .
وأمَّا معاملةُ القصَّابِ والخبَّازِ والبقَّالِ .. فلا يستغني عنها المكتسبُ وغيرُ
المكتسب ، والخللُ فيها مِنْ ثلاثةِ وجوهٍ : مِنْ إهمالِ شروطِ البيع ، أوْ
إهمالِ شروطِ السَّلَمِ ، أوِ الاقتصارِ على المعاطاةِ ؛ إذِ العاداتُ جاريةٌ بَكِتْبةٍ
الخطوطِ على هؤلاءِ بحاجاتِ كلِّ يوم(٣)، ثمَّ المحاسبةِ في كلِّ مدَّةٍ ، ثمَّ
التقويمِ بحسَبٍ ما يقعُ عليهِ التراضي .
ـسـ
(١) أي : ينفصل مِلك الشريك عن ملك شريكه.
(٢) وفي (( الإتحاف)) للحافظ الزبيدي: ( المشتراة ) وزاد : أو الموروثة ؛ لشيوع الملك
فيها ، وذلك أبلغ من الخلط ، بل الخلط إنما اكتفي به لإفادة الشيوع ، فإذا انضمّ إليه
الإذن في التصرف .. تمَّ العقد. ((إتحاف)) (٤٧٥/٥).
ء
معسامع
(٣) بنحو إعداد ما يسمَّى بدفتر الحسابات، فيشتري الناس من عندهم دون عقد صحيح ،
بل يحال هذا إلى التسجيل على هذا الدفتر ، ومال المصنف إلى التسامح في هذا ،
والكتبة والكتابة بمعنىّ .
٢٨٢
47.

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
تر
حن
وذلكَ ممَّا نرى القضاءَ بإباحتِهِ للحاجةِ ، ويُحملُ تسليمُهُمْ على
إباحةِ التناولِ معَ انتظارِ العوضِ، فيحلُّ أكلُّهُ، ولكنْ يجبُ الضمانُ
بأكلِهِ ، وتلزمُ قيمتُهُ يومَ الإتلافِ ، فتجتمعُ في الذمَّةِ تلكَ القيمُ ، فإذا
وقعَ التراضي على مقدارٍ ما .. فينبغي أنْ يُلتمسَ منهُمُ الإبراءُ المطلقُ؛ حتَّى
لا تبقىُ عليهِ عهدةٌ إِنْ تطرَّقَ إليهِ تفاوتٌ في التقويمِ .
فهذا ما تجبُ القناعةُ بهِ ؛ فإنَّ تكليفَ وزْنِ الثمنِ لكلِّ واحدةٍ مِنَ
الحوائجِ في كلِّ يوم وكلِّ ساعةٍ .. تكليفٌ شططٍ، وكذا تكليفُ الإيجابِ
والقبولِ ، وتقديرُ ثمنِ كلٌّ قدْرٍ يسيرٍ منهُ فيهِ عسرٌ، وإذا كثرَ كلُّ نوعٍ .. سهلَ
تقويمُهُ ، واللهُ الموفُّقُ .
جح.
٢٨٣
گرچ

فاء
كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
الْبَابُ الثَّالِثُ
في بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة
اعلمْ : أنَّ المعاملةَ قدْ تجري على وجهٍ يحكمُ المفتي بصحّتِها
وانعقادِها ، ولكنَّها تشتملُ على ظلم يتعرَّضُ بهِ المعاملُ لسخطِ اللهِ تعالى ؛
إذْ ليسَ كلُّ نهي مقتضياً فسادَ العقدِ ، وهذا الظلْمُ نعني به ما يستضؤُّ بهِ
الغيرُ ، وهوَ منقسمٌ إلى ما يعمُّ ضررُهُ ، وإلى ما يخصُّ المعاملَ .
ے
القسم الأول: فيما يحمّ ضرره
وهو أنواع
النوعُ الأوّلُ : الاحتكارُ :
فبائعُ الطعام يدَّخرُ الطعامَ ينتظرُ بهِ غلاءَ الأسعارِ ، وهوَ ظلمٌ عاٌّ ،
وصاحبُهُ مذمومٌ في الشرع، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنِ
احتكرَ الطعامَ أربعينَ يوماً ثمَّ تصدَّقَ بهِ .. لمْ تكنْ صدقتُهُ كفارةً
الاحتكارِهِ)) (١) .
٤٠
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٩/٣)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٧٨/٨)،
وقد رواه موقوفاً على عمر رضي الله عنه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٠٧٦٤).
٢٨٤
كن
متن
حن

غاث
ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
وروى ابنُ عمرَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَنِ احتكرَ الطعامَ
أربعينَ يوماً .. فقدْ برىءَ منَ اللهِ وبرىءَ اللهُ منهُ))(١)، وقيلَ: (( فكأنَّما قتلَ
نفساً)) (٢).
وعنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنِ احتكرَ الطعامَ أربعينَ يوماً .. قسا
قلبُهُ )(٣) .
%
وعنهُ أيضاً : ( أَنَّهُ أحرقَ طعامَ محتكرٍ بالنارِ ) (٤) .
ورُوِيَ في فضْلِ تركِ الاحتكارِ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ جلبَ
طعاماً فباعَهُ بسعرِ يومِهِ .. فكأنَّما تصدَّقَ بهِ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((فكأنَّما
أعتقَ رقبةٌ»(٥).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٣/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٦/٢)، وقد روى مسلم (١٦٠٥) في ذم الاحتكار مرفوعاً:
((من احتكر .. فهو خاطىء)).
(٣) قوت القلوب (٢٦٦/٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٢٠٧٦٥، ٢٠٧٦٦)، وإنما فعل ذلك لينزجر
بذلك غيره .
(٥) كذا في ((القوت)) (٢٦٦/٢)، وقد روى نحوه الحاكم في ((المستدرك)) (١٢/٢)
عن اليسع بن المغيرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل بالسوق يبيع طعاماً
بسعر هو أرخص من سعر السوق، فقال: (( تبيع في سوقنا بسعر هو أرخص من
سعرنا؟)) قال: نعم، قال: ((صيراً واحتساباً؟)) قال: نعم، قال: ((أبشرْ؛ فإن
الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله ، والمحتكر في سوقنا كالملحد في
كتاب الله )) .
٢٨٥
حن
حن
حن

كتاب الكسب والمعاش
0.5%.
ربع العادات
تن
وقيلَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمِ﴾: إنَّ الاحتكارَ مِنَ الظلمِ وداخلٌ تحتَهُ في الوعيدِ(١).
وعنْ بعضٍ السلفِ أنَّهُ كانَ بواسطٍ ، فجهّزَ سفينةَ حنطةٍ إلى البصرةِ ،
وكتبَ إلى وكيلِهِ: بعْ هذا الطعامَ يومَ يدخلُ البصرةَ ولا تؤخِّرْهُ إلى غدٍ ،
فوافقَ سعةً في السعرِ ، فقالَ لهُ التجَّارُ : إنْ أخَّرتَهُ جمعةٌ .. ربحتَ فيهِ
أضعافَهُ ، فأخَّرَهُ جمعةً ، فربحَ فيهِ أمثالَهُ ، وكتبَ إلى صاحبهِ بذلكَ ، فكتبَ
إليهِ صاحبُ الطعام : يا هذا ؛ إنَّا كنَّا قنعْنا بربح يسيرٍ معَ سلامةِ دِينِنا ،
وإنَّكَ قدْ خالفتَ ، وما نحبُّ أنْ نريحَ أضعافَهُ بذهابِ شيءٍ مِنَ الدينِ ، فقدْ
جنيتَ علينا جنايةً ، فإذا أتاكَ كتابي هذا .. فخذِ المالَ كلَّهُ فتصدَّقْ بهِ على
فقراءِ البصرةِ ، وليتني أنجو مِنْ إثمِ الاحتكارِ كفافاً، لا عليَّ ولا لي(٢).
واعلمْ : أنَّ النهيَ مطلقٌ ، ويتعلَّقُ النظرُ بهِ في الوقتِ والجنسِ .
أمَّا الجنسُ : فيطردُ النهيُّ في أجناسِ الأقواتِ ، أَمَّا ما ليسَ بقوتٍ
ولا هوَ معينٌ على القوتِ ؛ كالأدوية والعقاقيرِ والزعفرانِ وأمثالِهِ .. فلا
يتعدَّى النهيُ إليهِ وإنْ كانَ مطعوماً ، وأمَّا ما يعينُ على القوتِ ؛ كاللحمِ
والفواكهِ وما يسدُّ مسداً يغني عنِ القوتِ في بعضِ الأحوالِ وإنْ كانَ لا يمكنُ
جر
جن
ـون
(١) قوت القلوب (٢٦٦/٢)، وقد رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٧٩/١٧/١٠) عن
حبيب بن أبي ثابت .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٦/٢)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١٦٦).
٢٨٦

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
المداومةُ عليهِ .. فهذا في محلِّ النظرِ ، فمِنَ العلماءِ مَنْ طردَ التحريمَ في
السمْنِ والعسلِ والشَّيْرَجِ والجبنِ والزيتِ وما يجري مجراهُ .
وأمَّا الوقتُ : فيُحتملُ أيضاً طردُ النهي في جميع الأوقاتِ ، وعليهِ تدلُّ
الحكايةُ التي ذكرناها في الطعام الذي صادفَ بالبصرةِ سعةً في السعرِ ،
ويحتملُ أنْ يُخصَّصَ بوقتٍ قَلَّةِ الأطعمةِ وحاجةِ الناسِ إليهِ ، حتَّى يكونَ في
تأخيرٍ بيعِهِ ضررٌ ما ، فأمَّا إذا اتسعتِ الأطعمةُ وكثرَتْ ، واستغنى الناسُ
عنها ، ولم يرغبوا فيها إلا بقيمةٍ قليلةٍ ، فانتظرَ صاحبُ الطعام ذلكَ ، ولمْ
ينتظرْ قحْطاً .. فليسَ في هذا إضرارٌ .
وإذا كانَ الزمانُ زمانَ قحْطٍ .. كانَ في ادخارِ العسلِ والسمنِ والشَّيْرَجِ
وأمثالِها إضرارٌ ، فينبغي أنْ يُقضى بتحريمِهِ ، ويعوَّلُ في نفي التحريمِ وإثباتِهِ
على الضرارِ ؛ فإنَّهُ مفهومٌ قطعاً مِنْ تخصيصِ الطعامِ .
وإذا لمْ يكنْ ضرارٌ .. فلا يخلو احتكارُ الأقواتِ عنْ كراهيةٍ ؛ لأنَّهُ ينتظرُ
مبادىءَ الضرارِ ، وهوَ ارتفاعُ الأسعارِ ، وانتظارُ مبادىءِ الضرارِ محذورٌ ؛
كانتظارِ عينِ الضرارِ ، ولكنَّهُ دونَهُ ، وانتظارُ عينِ الضرارِ أيضاً هوَ دونَ
الإضرارِ ، فبقدْرِ درجاتِ الإضرارِ تتفاوتُ درجاتُ الكراهية والتحريمِ .
وبالجملةِ : التجارةُ في الأقواتِ ممَّا لا يُستحبُ ؛ لأنَّهُ طلبُ ربحٍ ،
والأقواتُ أصولٌ خلقَتْ قَواماً ، والربحُ مِنَ المزايا ، فينبغي أنْ يُطلبَ الربحُ
فيما خُلِقَ مِنْ جملةِ المزايا التي لا ضرورةَ للخلقِ إليها ، ولذلكَ أوصى
٢٨٧
3
٢٦٠٣

كتاب الكسب والمعاش
جوجو جوم
ربع العادات
بعضُ التابعين رجلاً وقالَ : لا تسلمْ ولدَكَ في بيعتينِ ، ولا في صنعتينِ :
بيعُ الطعام وبيعُ الأكفانِ ؛ فإنَّهُ يتمنى الغلاءَ وموتَ الناس ، والصنعتانِ : أنْ
يكونَ جزَّاراً ، فإنَّها صنعةٌ تقسي القلبَ، أوْ صوَّاغاً ؛ فإنَّهُ يزخرفُ الدنيا
بالذهب والفضةِ(١).
النوعُ الثاني : ترويجُ الزيفِ مِنَ الدراهم في أثناءِ النقدِ (٢):
ـكن
ـكن
فهوَ ظلمٌ؛ إذْ يستضرُّ بهِ المعاملُ إنْ لمْ يعرفْ ، وإنْ عرفَ .. فسيروِّجُهُ
على غيرِهِ ، وكذلكَ الثالثُ والرابعُ ، ولا يزالُ يتردّدُ في الأيدي ، ويعمُّ
الضررُ، ويشيعُ الفسادُ ، ويكونُ وزْرُ الكلِّ ووبالُهُ راجعاً إليهِ ؛ فإنَّهُ هوَ الذي
فتحَ ذلكَ البابَ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سنَّ سنَّةً سيئةً
فعمِلَ بها مَنْ بعدَهُ .. كانَ عليهِ وزرُها ومثلُ وزرِ مَنْ عملَ بها ، لا ينقصُ مِنْ
أوزارِهِمْ شيئاً))(٣).
وقالَ بعضُهُمْ : ( إنفاقُ درهمٍ زيفٍ أشدُ مِنْ سرقةِ مئةِ درهمٍ ؛ لأنَّ
السرقةَ معصيةٌ واحدةٌ وقدْ تمَّتْ وانقطعَتْ ، وإنفاقُ الزيفِ بدعةٌ أظهرَها في
الدينِ ، وسنةٌ سيئةٌ يعملُ بها مَنْ بَعدَهُ، فيكونُ عليهِ وزرُها بعدَ موتِهِ إلى مئةِ
سنةٍ ، أو مئتي سنةٍ إلى أنْ يفنىُ ذلكَ الدرهمُ ، ويكونُ عليهِ ما فسدَ ونقصَ
(١) قوت القلوب (٢٦٦/٢).
(٢) ما يسمى اليوم بالعملة المزورة ، والنقد المغشوش.
(٣) رواه مسلم ( ١٠١٧).
٢٨٨
جم جن حة
12
----
ـه

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
مِنْ أموالِ الناسِ بسببهِ ، فطوبى لمَنْ إذا ماتَ .. ماتَتْ معهُ ذنوبُهُ، والويلُ
الطويلُ لمَنْ يموتُ وتبقى ذنوبُهُ مئةً سنةٍ ومئتي سنةٍ أوْ أكثرَ يعذَّبُ بها في
قبرِهِ، ويُسألُ عنها إلى آخرِ انقراضِها)(١)، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا
قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ ﴾ أي: نكتبُ أيضاً ما أخَّروهُ مِنْ آثارِ أعمالِهِمْ كما نكتبُ
ما قدَّموه، وفي مثلِهِ قولُهُ تعالى: ﴿ يُّوْا ◌ْإِنَّنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ﴾، وإنَّما أخَّرَ
آثارَ أعمالِهِ مِنْ سنَّةِ سيئةٍ عملَ بها غيرُهُ .
مـ
وليُعلمْ أنَّ في الزيفِ خمسةَ أمورٍ :
الأوَّلُ : أَنَّهُ إذا رُدَّ عليهِ شيءٌ منهُ .. فينبغي أنْ يطرحَهُ في بئرٍ ، بحيثُ
لا تمتدُّ إليه اليدُ، وإِيَّاهُ أَنْ يروِّجَهُ في بيع آخرَ ، وإنْ أفسدَهُ بحيثُ لا يمكنُ
التعاملُ بهِ .. جازَ (٢) .
الثاني : أنَّهُ يجبُ على التاجرِ تعلُّمُ النقدِ ، لا ليستقصيَ لنفسِهِ ، ولكنْ
لئلاّ يسلِّمَ إلى مسلمٍ زيفاً وهوَ لا يدري ، فيكونَ آثماً بتقصيرِهِ في تعلمِ ذلكَ
العلمِ ، فلكلِّ عملٍ علمٌ بهِ يتمُّ نصحُ المسلمينَ فيجبُ تحصيلُهُ ، ولمثلٍ هـذا
كانَ السلفُ يتعلَّمونَ علاماتِ النقدِ ؛ نظراً لدينِهِمْ لا لدنياهُمْ .
(١) قوت القلوب (٢٦٩/٢).
(٢) كحرق العملات المزورة اليوم أو إتلافها بأي وجه كان ، قال الحافظ الزبيدي : ( فينبغي
أن يقبله - أي : عند ردِّه عليه - على بصيرة وعن سماحة ، ويحتسب بذلك الثواب
من الله تعالى ). ((إتحاف)) (٤٨١/٥).
%G
٢٨٩
حن ثن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
الثالثُ : أَنَّهُ إِنْ سلَّمَ وعرفَ المعاملُ أنَّهُ زيفٌ .. لمْ يخرجْ عنِ الإثمِ ؛
لأَنَّهُ ليسَ يأخذُهُ إلَّ ليروِّجَهُ على غيرِهِ ولا يخبرَهُ ، ولوْ لمْ يعزمْ على ذلكَ ..
لكانَ لا يرغبُ في أخذِهِ أصلاً، فإنَّما يتخلَّصُ مِنْ إثمِ الضررِ الذي يخصُّ
معاملَهُ فقطْ .
40 %
الرابعُ : أَنَّهُ إنْ أخذَ الزيفَ ليعملَ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( رحمَ اللهُ امرأً سهلَ البيع، سهلَ الشراءِ، سهلَ القضاءِ ، سهلَ
الاقتضاءِ))(١) .. فهوَ داخلٌ في بركةِ هذا الدعاءِ إنْ عزمَ على طرحِهِ في بئرٍ ،
وإنْ كانَ عازماً على أنْ يروِّجَهُ في معاملةٍ .. فهذا شرٌّ روَّجَهُ الشيطانُ عليهِ في
معرضِ الخيرِ ، فلا يدخلُ تحتَ مَنْ تساهلَ في الاقتضاءِ .
الخامسُ: أَنَّ الزيفَ نعني بهِ ما لا نقرةَ فيهِ أصلاً، بلْ هوَ ممؤَّةٌ ، أَوْ
ما لا ذهبَ فيهِ ؛ أعني في الدنانيرِ ، أمَّا ما فيهِ نُقُرةٌ .. فإنْ كانَ مخلوطاً
بالنحاسِ وهوَ نقدُ البلدِ .. فقدِ اختلفَ العلماءُ في المعاملةِ عليهِ ، وقدْ رأینا
الرخصةَ فيهِ إذا كانَ ذلكَ نقدَ البلدِ ، سواءٌ علمَ مقدارَ النُّقرةِ أَوْ لمْ يعلمْ ،
وإنْ لمْ يكنْ هوَ نقدَ البلدِ .. لمْ يجزْ إلا إذا علمَ قدْرَ النُّقْرةِ ، فإنْ كانَ في مالِهِ
قطعةٌ نُقُرتُها ناقصةٌ عنْ نقدِ البلدِ .. فعليهِ أنْ يخبرَ بهِ معاملَهُ ، وألاَّ يعاملَ بهِ
إلا مَنْ لا يستحلُّ الترويجَ في جملةِ النقدِ بطريقِ التلبيسِ ، فأمَّا مَنْ يستحلُّ
دن
(١) رواه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: ((سمحاً إذا باع ... ))، وهو عند الترمذي (١٣٢٠)
بلفظ: ((غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع ، سهلاً إذا اشترى ، سهلاً إذا
اقتضى)) .
٢٩٠

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
ذلكَ .. فتسليمُهُ إليهِ تسليطْ لهُ على الفسادِ ، فهوَ كبيع العنبِ ممَّنْ يعلمُ أنَّهُ
يتخذُ منهُ الخمرَ ، وذلكَ محظورٌ ، وإعانةٌ على الشرِّ ومشاركةٌ فيهِ .
وسلوكُ طريقِ الحقِّ بأمثالِ هذا في التجارةِ أشدُّ مِنَ المواظبةِ على نوافلٍ
العباداتِ والتخلّي لها ، ولذلكَ قالَ بعضُهُم : ( التاجرُ الصدوقُ أفضلُ
عندَ اللهِ مِنَ المتعبِّدِ )(١) .
وقدْ كانَ السلفُ يحتاطونَ في مثلِ ذلكَ ، حتى رُوِيَ عنْ بعضِ الغزاةِ في
سبيلِ اللهِ أنَّهُ قالَ : حملتُ على فرسي لأقتلَ عِلجاً فقصَّرَ بي فرسي ، فرجعتُ ،
ثمَّ دنا مني العلجُ، فحملتُ ثانيةً ، فقصَّر فرسي فرجعتُ، ثمَّ حملتُ الثالثةَ ،
فنفرَ مِنِّي فرسي ، وكنتُ لا أعتادُ ذلكَ منهُ، فرجعتُ حزيناً ، وجلستُ منَّسَ
الرَّأسِ منكسرَ القلبِ ؛ لما فاتَنِي مِنَ العلجِ ، وما ظهرَ لي مِنْ خُلُقِ الفرسِ ،
فوضعتُ رأسي على عمودِ الفسطاطِ وفرسي قائمٌ ونمتُ ، فرأيتُ في النوم كأنَّ
الفرسَ يخاطبُني ويقولُ لي : باللهِ عليكَ ؛ أردتَ أنْ تأخذَ عليَّ العلجَ ثلاثَ مرَّاتٍ
وأنتَ بالأمسِ اشتريتَ لي علفاً ودفعتَ في ثمنِهِ درهماً زائفاً ؟! لا يكونُ هذا
أبداً ، قالَ : فانتبهتُ فزعاً ، فذهبتُ إلى العلَّفِ وأبدلتُ ذلكَ الدرهمَ (٢).
فهذا مثالُ ما يعمُّ ضررُهُ ، وليُقَسْ عليهِ أمثالُهُ .
(١) قوت القلوب (٢٦٢/٢) عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى.
(٢) قوت القلوب (٢٦٨/٢).
٢٩١
2
ـمة

نت
كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
ـون
القسم الثاني: ما يخض ضرره المعامل
فكلُّ ما يستضرُّ بهِ المعاملُ فهوَ ظلمٌ، وإنَّما العدْلُ ألاَّ يضرَّ بأخيهِ المسلمِ.
والضابطُ الكلِّيُّ فيهِ : ألاَّ يحبَّ لأخيهِ إلا ما يحبُّ لنفسِهِ ، فكلُّ ما لوْ
عوملَ بهِ لشَقَّ عليهِ وثقلَ على قلبِهِ .. فينبغي ألاَّ يعاملَ غيرَهُ بهِ ، بلْ ينبغي أنْ
يستويّ عندَهُ درهمُهُ ودرهمُ غيرِهِ ، قالَ بعضُهُمْ: ( مَنْ باعَ أخاه شيئاً بدرهم
وليسَ يصلحُ لهُ لوِ اشتراهُ لنفسِهِ إلا بخمسةِ دوانيقَ(١) .. فإنَّهُ قَدْ تركَ النصحَ
المأمورَ بهِ في المعاملةِ، ولمْ يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِهِ )(٢)، هذهِ
جملتُهُ .
فأمَّا تفصيلُهُ ففي أربعةِ أمورٍ : ألاَّ يثنيَ على السلعةِ بما ليسَ فيها ، وألاَّ
يكتمَ مِنْ عيوبِها وخفايا صفاتِها شيئاً أصلاً ، وألاَّ يكتمَ في وزنِها ومقدارها
شيئاً ، وألاَّ يكتمَ مِنْ سعرِها ما لوْ عرفَهُ المعاملُ .. لامتنعَ عنهُ.
ـحة
أَمَّا الأوّلُ .. فهوَ ترْكُ الثناءِ :
فإنَّ وصفَهُ للسلعةِ إنْ كانَ بما ليسَ فيها .. فهوَ كذبٌ، فإنْ قبلَ المشتري
ذلكَ .. فهوَ تلبيسٌ وظلْمٌ معَ كونِهِ كذباً ، وإنْ لمْ يقبلْ .. فهوَ كذبٌ وإسقاطُ
٢٠
ـكن
كن
(١) والدانق سدس الدرهم .
(٢) قوت القلوب (٢٦٣/٢).
٢٩٢

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
ـستـ
مروءةٍ ؛ إذِ الكذبُ الذي يروِّجُ قدْ يقدحُ في ظاهرِ المروءةِ (١) ، وإنْ أثنى على
السلعةِ بما فيها .. فهوَ هذيانٌ وتكلُّمٌ بكلام لا يعنيهِ ، وهوَ محاسبٌ على كلِّ
كلمةٍ تصدرُ منهُ أنَّهُ لِمَ تكلّمَ بها ؟ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عِيدٌ﴾، إلا أنْ يثنيَ على السلعةِ بما فيها، ممَّا لا يعرفُهُ المشتري ما لمْ
يذكرهُ؛ كما يصفُّهُ مِنْ خفيٍّ أخلاقِ العبيدِ والجواري والدوابِّ ، فلا بأسَ
بذكْرِ القدْرِ الموجودِ منهُ مِنْ غيرِ مبالغةٍ وإطنابٍ ، وليكنْ قصدُهُ منهُ أنْ يعرِفَهُ
أخوهُ المسلمُ فيرغبَ فيهِ وتنقضيَ بسببهِ حاجتُهُ .
جن جم حن حن
ولا ينبغي أنْ يحلفَ عليهِ ألبتةً ؛ فإنَّهُ إنْ كانَ كاذباً .. فقدْ جاءَ باليمينِ
الغموسِ، وهيَ مِنَ الكبائرِ التي تذرُ الديارَ بلاقع(٢)، وإنْ كانَ صادقاً ..
فقدْ جعلَ اللهَ تعالى عرضةً لأيمانِهِ ، وقدْ أساءَ فيهِ ؛ إذِ الدنيا أخسُّ مِنْ أنْ
يُقصدَ ترويجُها بذكرِ اسمِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ غيرِ ضرورةٍ .
وفي الخبرِ : ( ويلٌ للتاجرِ مِنْ بلى واللهِ ، ولا واللهِ ، وويلٌ للصانع مِنْ
غدٍ وبعدٍ غدٍ )(٣) .
وفي الخبرِ: ((اليمينُ الكاذبةُ منفقةٌ للسلعةِ، ممحقَةٌ للبركةِ)) (٤)
(١) كذا في (ب، هـ، ط )، وفي غيرها : ( قد لا يقدح) .
(٢) كما روى ذلك البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٥/١٠) عن مكحول مرسلاً،
والبلاقع : التي لا شيء فيها .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٧٢/٢) دون أن يذكر الرفع، وانظر ((ميزان الاعتدال)) (٣١٦/١).
(٤) رواه البخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
( ٥ /٢٦٥ ) .
٢٩٣
ـحن
حن
حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
« ثلاثةٌ لا ينظرُ اللهُ إليهمْ يومَ القيامةِ: عائلٌ مستكبرُ (١)، ومنَّنٌ بعطيتِهِ،
ومنفقُ سلعتِهِ بیمینِهِ»(٢) .
فإذا كانَ الثناءُ على السلعةِ معَ الصدقِ مكروهاً مِنْ حيثُ إنَّهُ فضولٌ
لا يزيدُ في الرزقِ .. فلا يخفى التغليظُ في أمرِ اليمينِ .
وقدْ رُوِيَ عنْ يونسَ بنِ عبيدٍ وكانَ خزَّازاً أنَّهُ طُلِبَ منهُ خزٍّ للشراءِ ،
فأخرجَ غلامُهُ سَفَطَ الخزِّ ونشرَهُ ونظرَ إليهِ وقالَ : اللهمَّ ؛ ارزقْنا الجنَّةَ ،
فقالَ لغلامِهِ : ردَّهُ إلى موضعِهِ، ولمْ يبعْهُ، وخافَ أنْ يكونَ ذلكَ تعريضاً
بالثناءِ على السلعةِ(٣).
فمثلُ هؤلاءِ هُمُ الذينَ اتجروا في الدنيا ، ولمْ يضيِّعوا دينَهُمْ في
تجارتِهِمْ، بل علموا أنَّ ربحَ الآخرةِ أولى بالطلبِ مِنْ ربحِ الدنيا .
ـصنع
(١) في غير (ب): (عتلّ) بدل (عائل)، وقد نبّه في ((الإتحاف)) (٤٨٤/٥) على أنها
ربما تكون مصحّفة من ( عيِّل ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٧٢/٢)، وقد رواه بلفظ المصنف الديلمي في ((مسند
الفردوس)) (٢٥٢٣)، وروى مسلم (١٠٦) بنحوه مرفوعاً، وعدَّهم: (( المسبل ،
والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب))، وعنده كذلك (١٠٧) وعدَّهم: (( شيخ
زانٍ ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر )" .
ون
مثزة
ـحة
ئن
(٣) قوت القلوب (٢٦٧/٢)، وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/٣).
٢٩٤

ربع العادات
٠قية
كتاب الكسب والمعاش
الثاني : أنْ يُظهرَ جميعَ عيوبِ المبيع ، خفيَّها وجليَّها ، ولا يكتمَ منها
شيئاً :
فذلكَ واجبٌ ، فإنْ أخفاهُ .. كانَ ظالماً غاشّاً، والغشُّ حرامٌ ، وكانَ
تاركاً للنصح في المعاملةِ ، والنصحُ واجبٌ .
ومهما أظهرَ أحسنَ وجهي الثوبِ وأخفى الثانيَ .. كانَ غاشّاً ، وكذلكَ
إذا عرضَ الثيابَ في المواضع المظلمةِ ، وكذلكَ إذا عرضَ أحسنَ فردي
الخفِّ والنعلِ وأمثالِهِ .
ويدلُّ على تحريم الغشِّ ما رُوِيَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مرَّ برجلٍ يبيعُ
طعاماً، فأعجبَهُ، فأدخلَ يدَهُ فيهِ، فرأى بللاً، فقالَ: (( ما هذا؟ ))
فقالَ: أصابتْهُ السماءُ، فقالَ: ((فهلاَ جعلتَهُ فوقَ الطعام حتَّى يراهُ
الناسُ؟! مَنْ غشَّنا .. فليسَ منَّا))(١).
ويدلُّ على وجوبِ النصحِ بإظهارِ العيوبِ ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ لمَّا بايعَ جَرِيراً على الإسلام .. ذهبَ لينصرفَ ، فجذبَ ثوبَهُ ،
واشترطَ عليهِ النصحَ لكلِّ مسلمٍ ، فكانَ جريرٌ إذا قامَ إلى السلعةِ يبيعُها بصَّرَ
عيوبَها ، ثمَّ خِيَّرَ وقالَ: إِنْ شئتَ .. فخذْ، وإنْ شئتَ .. فاتركْ، فقيلَ
لهُ: إنَّكَ إذا فعلتَ مثلَ هذا .. لمْ ينفذْ لكَ بيعٌ، فقالَ: إنَّا بايعْنا رسولَ اللهِ
(١) رواه مسلم (١٠٢)، وفيه: ((من غشَّ .. فليس مني)).
٢٩٥

کتاب الکسب والمعاش
ربع العادات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على النصحِ لكلِّ مسلمٍ (١) .
وكانَ واثلةُ بنُ الأسقع واقفاً ، فباعَ رجلٌ ناقةٌ لهُ بثلاثِ مئةِ درهمٍ ، فغفلَ
واثلةُ وقدْ ذهبَ الرجلُ بالناقةِ ، فسعى وراءَهُ وجعلَ يصيحُ بهِ : يا هذا ؛
اشتريتَها للحمِ أوْ للظهْرِ ؟ فقالَ : بلْ للظهرِ ، فقالَ : إنَّ بخفِّها نقْباً قدْ
رأيتُهُ، وإنَّها لا تتابعُ السيرَ ، فعادَ فردَّها، فنقصَهُ البائعُ مئةَ درهمٍ ، وقالَ
لواثلةَ : رحمَكَ اللهُ، أفسدتَ عليَّ بيعي! فقالَ: إنَّا بايعنا رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على النصح لكلِّ مسلمٍ ، وقالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( لا يحلُّ لأحدٍ يبيعُ بيعاً ألاَّ يبيِّنَ ما فيهِ ،
ولا يحلُّ لمَنْ يعلَمُ ذلكَ أَلَّ يبِيِّنَهُ))(٢).
فقدْ فهموا منَ النصح ألاَّ يرضى لأخيهِ إلا ما يرضاهُ لنفسِهِ ، ولمْ يعتقدوا
أنَّ ذلكَ مِنَ الفضائلِ وزيادةِ المقاماتِ ، بلِ اعتقدوا أنها مِنْ شروطِ الإسلامِ
الداخلةِ تحتَ بيعتِهِمْ ، وهذا أمرٌ يشقُّ على أكثرِ الخلقِ ، فلذلكَ يختارونَ
التخلِّيَ للعبادةِ والاعتزالَ عنِ الناسِ ؛ لأنَّ القيامَ بحقوقِ اللهِ تعالىُ معَ
المخالطةِ والمعاملةِ مجاهدةٌ لا يقومُ بها إلا الصدِّيقونَ .
ولنْ يتيسَّرَ ذلكَ على العبدِ إلا بأنْ يعتقدَ أمرينِ :
أحدُهما : أنَّ تلبيسَهُ العيوبَ وترويجَهُ السلعَ لا يزيدُ في رزقِهِ ، بلْ
(١) رواه البخاري (٢٧١٤)، ومسلم (٥٦).
(٢) روى القصة مع الحديث أحمد في ((المسند)) (٤٩١/٣)، والبيهقي في ((السنن
الكبرى)" ( ٣٢٠/٥) .
ق
٢٩٦
بحن

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
يمحقُهُ ويذهبُ بيركتِهِ ، وما يجمعُهُ مِنْ مفرَّقاتِ التلبيساتِ يهلكُهُ اللهُ دفعةٌ
واحدةً ، فقدْ حُكِيَ أنَّ واحداً كانَ لهُ بقرةٌ يحلبُها ويخلطُ الماءَ بلبنِها ويبيعُهُ ،
فجاءَ سيلٌ فغرَّقَ البقرةَ ، فقالَ بعضُ أولادِهِ : إنَّ تلكَ المياهَ المتفرقةَ التي
صبيناها في اللبنِ اجتمعتْ دفعةٌ واحدةٌ وأخذتِ البقرةَ .
٩٠
ـسيب
كيفَ وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((البيِّعانِ إذا صدَقا ونصحا ..
بُوركَ لهما في بيعِهِما، وإذا كذبا وكتما .. نُزِعَتْ بركةُ بيعِهما))؟!(١).
وفي الحديثِ: « يدُ اللهِ على الشريكينِ ما لمْ يتخاونا ، فإذا تخاونا ..
رفعَ يدَهُ عنهما))(٢) .
فإذاً ؛ لا يزيدُ مالٌ مِنْ خيانةٍ ؛ كما لا ينقصُ مِنْ صدقةٍ ، ومَنْ لا يعرفُ
الزيادةَ والنقصانَ إلا بالميزانِ .. لمْ يصدِّقْ بهذا الحديثِ، ومَنْ عرفَ أنَّ
الدرهمَ الواحدَ قدْ يُباركُ فيهِ حتَّى يكونَ سبباً لسعادةِ الإنسانِ في الدين
والدنيا ، والآلافُ المؤلفةُ قدْ ينزعُ اللهُ البركةَ منها حتَّى تَكونَ سبباً لهلاكِ
مالكِها ، بحيثُ يتمنَّى الإفلاسَ منها ، ويراهُ أصلحَ لهُ في بعضِ أحوالِهِ ..
فيعرفُ معنى قولنا : إنَّ الخيانةَ لا تزيدُ في المالِ ، والصدقةَ لا تنقصُ منهُ .
والمعنى الثاني الذي لا بدَّ مِنِ اعتقادِهِ ليتمَّ لهُ النصحُ ويتيسَّرَ عليهِ : أنْ
(١) رواه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم ( ١٥٣٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٧١/٢)، ورواه الدارقطني في ((السنن)) (٣٥/٣)، وهو عند
أبي داوود (٣٣٨٣) بلفظ: (( إن الله يقول : أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما
صاحبه ، فإذا خانه .. خرجت من بينهما)).
٢٩٧
حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
حرة
يعلمَ أنَّ ربحَ الآخرةِ وغناها خيرٌ مِنْ ربح الدنيا ؛ وأنَّ فوائدَ أموالِ الدنيا
تنقضي بانقضاءِ العمرِ ، وتبقى مظالمُها وأوزارُها ، فكيفَ يستجيزُ العاقلُ أنْ
يستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هوَ خيرٌ ، والخيرُ كلَّهُ في سلامةِ الدينِ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تزالُ لا إلهَ إلا اللهُ تدفعُ عنِ
الخلْقِ سخطَ اللهِ ما لمْ يُؤثروا صفقةَ دنياهُمْ على آخرِتِهِمْ))، وفي لفظٍ
آخرَ : « ما لمْ يبالوا ما نقصَ مِنْ دنياهم بسلامةِ دينِهِمْ ، فإذا فعلوا ذلكَ
وقالوا: لا إله إلا اللهُ .. قالَ اللهُ تعالى: كذبتُمْ، لستُمْ بها صادقينَ))(١).
وفي حديثٍ آخرَ : « مَنْ قالَ : لا إلهَ إلا اللهُ مخلصاً .. دخلَ الجنَّةَ))،
قيلَ: وما إخلاصُها؟ قالَ: ((أَنْ تَحرزَهُ عمَّا حرَّمَ اللهُ تعالى))(٢).
وقال أيضاً: (( ما آمنَ بالقرآنِ مَنِ استحلَّ محارمَهُ)) (٣).
ومَنْ علمَ أنَّ هذهِ الأمورَ قادحةٌ في إيمانِهِ ، وأنَّ إيمانَهُ رأسُ مالِه في
تجارةِ الآخرةِ .. لمْ يضيِّعْ رأسَ مالِهِ المعدّ لعمرٍ لا آخرَ لهُ بسببٍ ربحٍ ينتفعُ بهِ
أياماً معدودةً .
٩
وعنْ بعضٍ التابعينَ أنَّهُ قالَ : ( لوْ دخلتُ الجامعَ وهوَ غاصٌّ بأهلِهِ وقيلَ
لي : مَنْ خيرُ هؤلاءِ؟ .. لقلتُ: مَنْ أنصحُهُمْ لهُمْ؟ فإذا قالوا : هذا ..
(١) كذا في ((القوت)) (٢٧١/٢)، ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٠٣٤)، وابن عدي
في ((الكامل)) (٢١٤/٢)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٠١٥).
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ١٢٥٧).
(٣) رواه الترمذي ( ٢٩١٨) .
٢٩٨

ربع العادات
٢٠٠٠٠
كتاب الكسب والمعاش
ـتي
اشرح
قلتُ : هوّ خيرُهُمْ، ولوْ قالوا : مَنْ شرُّهُمْ؟ .. قلتُ: مَنْ أغشُّهُمْ لَهُمْ؟
فإذا قيلَ : هذا .. قلتُ: هوَ شرُّهُمْ)(١).
۔۔
والغِشُّ حرامٌ في البيوع والصنائع جميعاً ، فلا ينبغي أنْ يتهاونَ الصانعُ
بعملِهِ على وجهٍ لوْ عاملَهُ بهِ غيرُهُ .. لما ارتضاهُ لنفسِهِ ، بلْ ينبغي أنْ يحسنَ
الصنعةَ ويحكمَها ، ثمَّ يبينَ عيبَها إنْ كانَ فيها عيبٌ ، فبذلكَ يتخلَّصُ .
وسألَ رجلٌ حذَّاءٌ ابنَ سالمٍ فقالَ : كيفَ لي أنْ أسلمَ في بيع النعالِ ؟
فقالَ : اجعلِ الوجهينِ سواءً ، ولا تفضّلِ اليمنى على اليسرى ، وجوِّدِ
الحشوَ ، وليكنْ شيئاً واحداً تاماً ، وقاربْ بينَ الخرزِ ، ولا تطبَّقْ إحدى
النعلين على الأخرى(٢).
سبب
ومِن هذا الفنِّ ما سئلَ عنهُ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رحمهُ اللهُ مِنَ الرفْوِ بحيثُ
لا يبينُ ، قالَ: لا يجوزُ لمَنْ يبيعُهُ أنْ يخفيَهُ ، وإنَّما يحلُّ للرفَّاءِ إذا علمَ أنَّهُ
يظهرُهُ أوْ أنَّهُ لا يريدُهُ للبيعِ(٣) .
(١) رواه الدينوري مختصراً في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٨٣) ، والطبراني بتمامه
في (( مكارم الأخلاق)) ( ص ٦٨) عن بكر بن عبد الله المزني .
(٢) قوت القلوب (٢٧١/٢) ، وابن سالم هو أبو الحسن علي بن سالم شيخ أبي طالب
المكي .
(٣) والرفو : لأم خرق الثوب ونحوه ، والرفاء صاحب صنعته .
فئ
٢٩٩
كن
ـد.
جيد

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
فإنْ قلتَ : فلا تتمُّ المعاملةُ مهما وجبَ على الإنسانِ أن يذكرَ عيوبَ
المبيع !
فأقولُ : ليسَ كذلكَ إذْ شرطُ التاجرِ ألاَّ يشتريَ للبيع إلا الجيِّدَ الذي
يرتضيهِ لنفسِهِ لو أمسكَهُ ، ثمَّ يقنعُ في بيعِهِ بربح يسيرٍ ، فيباركُ اللهُ لهُ فيهِ ،
ولا يحتاجُ إلى تلبيسٍ، وإنَّما تعذَّرَ هذا لأنَّهُمْ لا يقنعونَ بالربحِ اليسيرِ ،
وليسَ يسلمُ الكثيرُ إلا بتلبيسٍ، فمَنْ تعوَّدَ هذا .. لمْ يشترِ المعيبَ ، فإنّ
وقعَ في يدِهِ معيبٌ نادراً .. فليذكرُهُ ، وليقنعْ بقيمتِهِ .
باعَ ابنُ سيرينَ شاةً ، فقالَ للمشتري : أبرأُ إليكَ مِنْ عيبٍ فيها أنَّها تقلبُ
العلفَ برجلِها(١).
وباعَ الحسنُ بنُ صالح جاريةً ، فقالَ للمشتري : إنَّها تنخَّمَتْ مرَّةً عندَنا
دما(٢) .
فهكذا كانتْ سيرةُ أهلِ الدينِ ، فمَنْ لا يقدرُ عليهِ .. فليتركِ المعاملةَ ،
أوْ ليوطنْ نفسَهُ على عذابِ الآخرةِ .
؟
(١) كذا في ((القوت)) (٢٧١/٢)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/٣) عن يونس بن
عبيد .
(٢) قوت القلوب (٢٧١/٢).
٣٠٠