النص المفهرس
صفحات 201-220
ربع العادات كتاب آداب النكاح تحريماً مِنْ إتيانِ الحائضِ، وقولُهُ تعالى: ﴿فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ﴾ أيْ: أَيَّ وقتٍ شئتُمْ . ـحن ـكن ولهُ أنْ يستمنيَ بيدِها ، وأنْ يستمتعَ بما تحتَ الإزارِ بما يشتهي سوى الوقاع ، وينبغي أنْ تتزرَ المرأةُ بإزارِ مِنْ حقوِها إلى فوقِ الركبةِ في حالةٍ الحيضِ ، فهذا مِنَ الأدبِ . ولهُ أنْ يؤاكلَ الحائضَ ، ويخالطَها في المضاجعةِ وغيرِها ، وليسَ علیهِ اجتنابُها . % % فإنْ أرادَ أنْ يجامعَ ثانياً بعدَ أخرى .. فليغسلْ فرجَهُ أوَّلاً ، وإن احتلمَ .. فلا يجامعْ حتَّى يغسلَ فرجَهُ أوْ يبولَ(١) . ويُكرهُ الجماعُ في أَوَّلِ الليلِ ؛ حتَّى لا ينامَ على غيرِ طهارةٍ ، فإنْ أرادَ النومَ أوِ الأكلَ .. فليتوضَّأَ أوَّلاً وضوءَهُ للصلاةِ، فهوَ سنَّةٌ ، قالَ عمرُ : قلتُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أينامُ أحدُنا وهوَ جنبٌ؟ قالَ: (( نعمْ، إذا توضَّأَ ))(٢). ولكنْ قدْ وردتْ فيهِ رخصةٌ ؛ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( كانَ علیهِ الصلاةُ والسلامُ ينامُ جنباً لمْ يمسَّ ماءً)(٣). (١) قوت القلوب (٢٥٧/٢) وسياق المصنف عنده . (٢) رواه البخاري ( ٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وفي غير ( ب) الرواية عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو راوٍ عن أبيه . (٣) رواه أبو داوود (٢٢٨)، والترمذي ( ١١٨)، وابن ماجه ( ٥٨١ ). ـجو ٢٠١ كتاب آداب النكاح ربع العادات ومهما عادَ إلى فراشِهِ .. فليمسحْ وجهَ فراشِهِ أَوْ لينفضّهُ ؛ فإنّهُ لا يدري ما حدثَ عليهِ بعدَهُ . ولا ينبغي أنْ يحلقَ أوْ يقلمَ أوْ يستحدَّ أَوْ يخرجَ الدمَ أوْ يبينَ مِنْ نفسِهِ جزءاً وهوَ جنبٌ ؛ إذْ تردُ إليهِ سائرُ أجزائِهِ في الآخرةِ فيعودُ جنباً ، ويُقالُ : إنَّ كلَّ شعرةٍ تطالبُهُ بجنابتِها(١) . ومِنَ الآدابِ : ألَّ يعزلَ ، بلْ يسرحُ الماءَ إلى محلِّ الحرثِ ، وهوَ الرحمُ ، فما مِنْ نسمةٍ قدَّرَ اللهُ كونَها إلا وهيَ كائنةٌ ، هكذا قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢). فإِنْ عزلَ .. فقدِ اختلفَ العلماءُ في إباحتِهِ وكراهتِهِ على أربعةِ مذاهبَ : فِمِنْ مبيحِ مطلقاً بكلِّ حالٍ ، ومِنْ محرِّمِ بكلِّ حالٍ ، ومِنْ قائلٍ : يحلُّ برضاها ولا يحلُّ دونَ رضاها ، وكأنَّ هذا القائلَ يحرِّمُ الإيذاءَ دونَ العزلِ ، ومِنْ قائلٍ : يُباحُ في المملوكةِ دونَ الحرَّةِ . حن حن والصحيحُ عندَنا : أنَّ ذلكَ مباحٌ، وأمَّا الكراهيةُ .. فإنَّها تطلقُ لنهي التحريمِ ، ولنهي التنزيهِ ، ولتركِ الفضيلةِ ، فهوَ مكروهٌ بالمعنى الثالثِ ؛ أيْ : فيهِ تركُ فضيلةٍ ، كما يُقالُ: يُكرِهُ للقاعدِ في المسجدِ أنْ يقعدَ فارغاً لا يشتغلُ بذكرٍ أوْ صلاةٍ ، ويُكرهُ للحاضرِ في مكَّةَ مقيماً بها ألاَّ يحَّ كلَّ حن حن جن جن ٩٠ (١) قوت القلوب (٢٥٧/٢) . (٢) رواه البخاري (٢٥٤٢)، ومسلم (١٤٣٨). ٢٠٢ ربع العادات كتاب آداب النكاح حن حن سنةٍ ، والمرادُ بههذهِ الكراهيةِ : تركُ الأَولىُ والفضيلةِ فقطْ، وهذا ثابتٌ لما بينَّاهُ مِنَ الفضيلةِ بالولدٍ ، ولما رُويَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ الرجلَ ليجامعُ أهلَهُ فيُكتبُ لهُ بجماعِهِ أجرُ ولدٍ ذكرٍ قاتلَ في سبيلِ اللهِ فقتلَ))(١)، وإنَّما قالَ ذلكَ لأنَّهُ لوْ وُلِدَ لهُ مثلُ هذا الولدِ .. لكانَ لهُ أجرُ التسبُّبِ إليهِ معَ أنَّ اللهَ تعالى خالقُهُ ومحييهِ ومقوِّيهِ على الجهادِ ، والذي إليهِ مِنَ التسبُّبِ فقدْ فعلَهُ ، وهوَ الوقاعُ ، وذلكَ عندَ الإمناءِ في الرحمِ(٢). وإنَّما قلنا : لا كراهةَ بمعنى التحريمِ والتنزيهِ .. لأنَّ إثباتَ النهي إنَّما يمكنُ بنصِّ أَوْ قياسٍ على منصوصٍ ، ولا نصَّ ، ولا أصلَ يُقاسُ عليهِ ، بلْ هلهنا أصلٌ يُقاسُ عليهِ ، وهوَ تركُ النكاح أصلاً، أوْ تركُ الجماع بعدَ النكاح ، أوْ تركُ الإنزالِ بعدَ الإيلاج ، فكلُّ ذلكَ تركٌ للأفضلِ وليسَ بارتكابٍ نهي ، ولا فرقَ ؛ إذِ الولدُ يتكوَّنُ بوقوع النطفةِ في الرحمِ ، ولها أربعةُ أسبابٍ : النكاحُ ، ثمَّ الوقاعُ، ثمَّ الصبرُ إلى الإنزالِ بعدَ الجماع، ثمَّ الوقوفُ لينصبَّ المنيُّ في الرحمِ ، وبعضُ هذهِ الأسبابِ أقربُ مِنْ بعضٍ ، (١) كذا لفظه في ((القوت)) (٢٥٦/٢)، ورواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٩٧٨)، وهو كذلك عند أحمد في ((المسند)) (١٦٨/٥) عن أبي ذر قال : كيف يكون لي الأجر في شهوتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أرأيت لو كان لك ولد ، فأدرك ورجوت خيره، ثم مات، أكنت تحتسبه؟)) قال: نعم، قال: ((فأنت خلقته ؟)) قال: بل الله خلقه، قال: ((فأنت هديته؟)) قال: بل الله هداه، قال: ((فأنت كنت ترزقه؟)) قال: بل الله رزقه، قال: (( كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامَه، فإن شاء الله .. أحياه، وإن شاء .. أماته، ولك أجر))، وسيبين ذلك المصنف. (٢) ومعناه في قوله سبحانه: ﴿أَفَرََّيْتُمُ مَّا تُمْنُونَ نَا: ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾. ٢٠٣ حن حة كتاب آداب النكاح ربع العادات فالامتناعُ عنِ الرابع كالامتناع عنِ الثالثِ ، وكذا الثالثُ كالثاني ، والثاني كالأوَّلِ، وليسَ هذا كالإجهاضِ والوَأْدِ ؛ لأنَّ ذلكَ جنايةٌ على موجودٍ حاصلٍ ، ولهُ أيضاً مراتبُ ، وأوَّلُ مراتبِ الوجودِ أنْ تقعَ النطفةُ في الرحمِ ، وتختلط بماءِ المرأةِ وتستعدَّ لقبولِ الحياةِ، وإفسادُ ذلكَ جنايةٌ ، فإنْ صارَتْ مضغةً وعلقةً .. كانتِ الجنايةُ أفحشَ ، وإنْ نفخَ فيهِ الروحُ واستوتِ الخلقةُ .. ازدادتِ الجنايةُ تفاحشاً ، ومنتهى التفاحشِ في الجنايةِ بعدَ الانفصالِ حيّاً . وإنَّما قلنا : مبدأُ سببٍ الوجودِ مِنْ حيثُ وقوعُ المنيِّ في الرحمِ ، لا منْ حيثُ الخروجُ مِنَ الإحليلِ ؛ لأنَّ الولدَ لا يُخلقُ مِنْ منيٌّ الرجلِ وحدَهُ ، بلْ مِنَ الزوجينِ جميعاً ، إمَّا مِنْ مائِهِ ومائِها ، أوْ مِنْ مائِهِ ودم الحيضِ . وقالَ بعضُ أهلِ التشريحِ : إِنَّ المضغةَ تُخلقُ بتقديرِ اللهِ تعالىُ مِنْ دمِ الحيضِ ، وإنَّ الدمَ منها كاللبنِ مِنَ الرائبِ ، والنطفةُ منَ الرجلِ شرطٌ في خثورةِ دم الحيضِ وانعقادِهِ كالإنفحةِ للبنِ ؛ إذْ بها ينعقدُ الرائبُ ، وكيفما كانَ .. فماءُ المرأةِ ركنٌ في الانعقادِ ، فيجري الماءانِ مجرى الإيجابِ والقبولِ في الوجودِ الحكميِّ في العقودِ، فَمَنْ أوجبَ ثمَّ رجعَ قبلَ القبولِ .. لا يكونُ جانياً على العقدِ بالنقضِ والفسخ ، ومهما اجتمعَ الإيجابُ والقبولُ .. كانَ الرجوعُ بعدَهُ رفعاً وفسخاً وقطعاً ، وكما أنَّ النطفةَ في الفقارِ لا يتخلَّقُ منها الولدُ ؛ فكذا بعدَ الخروجِ مِنَ الإحليلِ ما لمْ يمتزجْ بماءِ المرأةِ أوْ دمِها ، فهذا هوَ القياسُ الجليُّ . ـحن ؟ ٤ G ٢٠٤ حرة حن ربع العادات كتاب آداب النكاح شں فإنْ قلتَ : فإنْ لمْ يكنِ العزلُ مكروهاً مِنْ حيثُ إنَّهُ دفعٌ لوجودِ الولدِ . . فلا يبعدُ أنْ يكرهَ لأجلِ النِيَّةِ الباعثةِ عليهِ ، إذْ لا يبعثُ عليهِ إلا نيَّةٌ فاسدةٌ فيها شيءٌ مِنْ شوائبِ الشّرْكِ الخفيِّ . فأقولُ : النّيَّاتُ الباعثةُ على العزلِ خمسٌ : - الأولىُ : في السراري(١) : وهوَ حفظَ الملكِ عنِ الهلاكِ باستحقاقِ العتاقِ ، وقصدُ استبقاءِ الملكِ بتركِ الإعتاقِ ودفع أسبابِهِ ليسَ بمنهيٍّ عنهُ . - الثانيةُ: استبقاءُ جمالِ المرأةِ وسمنِها لدوام التمتُّع ، واستبقاءُ حياتِها خوفاً مِنْ خطرِ الطلْقِ ، وهذا أيضاً ليسَ منهيّاً عنهُ . حن حن ث - الثالثةُ : الخوفُ مِنْ كثرةِ الخرجِ بسببٍ كثرةِ الأولادِ ، والاحترازُ مِنَ الحاجةِ إلى التعبِ في الكسبِ ودخولِ مداخلِ السوءِ ، وهذا أيضاً غيرُ منهيٍّ عنهُ؛ فإنَّ قلَّةَ الخرْجِ معينٌ على الدينِ . نعمْ ؛ الكمالُ والفضلُ في التوكُّلِ والثقةِ بضمانِ اللهِ تعالى حيثُ قالَ : ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِيِ اُلْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فلا جرمَ فيهِ سقوطٌ عنْ ذروةِ الكمالِ وتركُ الأفضلِ ، ولكنَّ النظرَ في العواقبِ وحفظِ المالِ وادخارِهِ معَ كونِهِ مناقضاً للتوكُّلِ لا نقولُ: إنَّهُ منهيٌّ عنهُ . سسسـ - الرابعةُ : الخوفُ مِنَ الأولادِ الإناثِ ، لما يعتقدُ في تزويجِهِنَّ مِنَ (١) في النسخ: ( السرايا)، وفي (ب): (التسري)، والمثبت من (ق) . ٢٠٥ كتاب آداب النكاح ربع العادات المعرَّةِ كما كانَتْ مِنْ عادةِ العربِ في قتلِهِمُ الإناثَ ، فهذهِ نِيَّةٌ فاسدةٌ لو تركَ بسببها أصلَ النكاحِ أوْ أصلَ الوقاعِ .. أَثمَ بها لا بتركِ النكاح والوطءِ ، فكذا في العزلِ ، والفسادُ في اعتقادِ المعرّةِ في سنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أشدُّ ، وينزلُ منزلةً امرأةٍ تركتِ النكاحَ استنكافاً مِنْ أَنْ يعلوَها رجلٌ فكانتْ تتشبّهُ بالرجالِ ، فلا ترجعُ الكراهةُ إلى عينِ ترْكِ النكاحِ ، إنما ترجعُ إلى النيّةِ . - الخامسةُ : أنْ تمتنعَ المرأةُ لتعزُّزِها ومبالغتِها في النظافةِ ، فتحترزَ مِنَ الطلْقِ والنفاسِ والرضاع ، وكانَ ذلكَ عادةُ نساءِ الخوارج ؛ لمبالغتِهِنَّ في استعمالِ المياهِ ، حتَّىُ كُنَّ يقضينَ صلواتٍ أيامِ الحيضِ ، ولا يدخلنَ الخلاءَ إلا عراةً ، فهذهِ بدعةٌ تخالفُ السنَّةَ، فهيَ نيةٌ فاسدةٌ ، واستأذَنتْ واحدةٌ منهُنَّ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها لمَّا قدمتِ البصرةَ، فلمْ تأذنْ لهَا(١) ، فيكونُ القصدُ هوَ الفاسدَ دونَ منع الولادةِ . حر ٢ فإِنْ قلتَ : فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تركَ النكاحَ مخافةً العيالِ .. فليسَ منَّا))(٢). (١) قوت القلوب (٢٥٧/٢). (٢) قوت القلوب (٢٤٢/٢)، وروى عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٨/٦)، وأبو داوود في ((المراسيل)) (١٩٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٦٦/٢٢) عن = شرح ء ٢٠٦ ربع العادات كتاب آداب النكاح قلنا : فالعزلُ كتركِ النكاح ، وقولُهُ : ليسَ منَّا ؛ أيْ : ليسَ موافقاً لنا على سنَّتِنا وطريقتِنا، وسنتنا فعلُ الأفضلِ(١). - حن ـحن فإنْ قلتَ: فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في العزلِ: ((ذلكَ الوأدُ الخفيُّ))، وقرأَ: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُرِدَةُ سُئِلَتْ﴾، وهوَ في الصحيحِ؟(٢). قلنا : وفي الصحيح أيضاً أخبارٌ صريحةٌ في الإباحةِ(٣)، وقولُهُ: ((الوأْدُ الخفيُّ)) كقولِهِ: ((الشرْكُ الخفيُّ)»(٤) ، وذلكَ يوجبُ كراهةٌ لا تحريماً. 2 فإنْ قلتَ : فقدْ قالَ ابنُ عباسِ رضيَ اللهُ عنهُما : ( العزلُ هوَ الوأْدُ الأصغرُ) وإنَّ الممنوعَ وجودُهُ بهِ هوَ الموءودةُ الصغرى . قلنا : هذا قياسٌ منهُ لدفع الوجودِ على قطعِهِ، وهوَ قياسٌ ضعيفٌ ، ولذلكَ أنكرَهُ عليهِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا سمعَهُ وقَالَ : لا تكونُ موءودةٌ إلا بعدَ = أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان موسراً لأن ينكح ثم لم ينكح .. فليس مني)). (١) أو يحمل هذا على النية الثالثة من النيات المتقدمة، فهو يخشى العيلة . (٢) رواه مسلم ( ١٤٤٢). (٣) سيسوق المصنف رحمه الله تعالى بعضها قريباً . (٤) رواه ابن ماجه (٤٢٠٤) . ٢٠٧ ٠ےز» ـن عـ كتاب آداب النكاح ربع العادات ـحة سبع - أيْ : بعدَ سبعةِ أطوارٍ - وتلا الآيةَ الواردةَ في أطوارِ الخلقةِ، وهيَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ إلى قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾ أيْ: نفخنا فيهِ الروحَ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى في الآيةِ: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ﴾(١). وإذا نظرتَ إلى ما قدمناهُ في طريقِ القياسِ والاعتبارِ .. ظهرَ لكَ تفاوتُ منصبٍ عليٍّ وابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في الغوصِ على المعاني ودرْكِ العلوم . كيفَ وفي المتفقِ عليهِ في ((الصحيحينِ)) عنْ جابرِ أنَّهُ قالَ: ( كنَّا نعزلُ على عهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والقرآنُ ينزلُ )، وفي لفظٍ آخرَ : ( كنَّا نعزلُ، فبلغَ ذلكَ نبيَّ اللهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فلمْ ينهَنا)(٢). ٩٠ حن وفيهِ أيضاً عنْ جابرِ أنَّهُ قالَ : ( إنَّ رجلاً أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : إنَّ لي جاريةً هيَ خادمتًا وساقيتنا في النخلِ ، وأنا أطوفُ عليها ، وأكرهُ أنْ تحملَ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : اعزلْ عنها إنْ شئتَ ، فإنَّهُ سيأتيها ما قُدِّرَ لها))، فلبثَ الرجلُ ما شاءَ اللهُ ثمَّ أتاهُ فقالَ: إنَّ (١) كذا في ((القوت)) (٢٥٧/٢)، ونحوه من قول علي رضي الله عنه لابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٤٨/٣)، وقد رُوِيّ التعليل بالآية عن ابن عباس رضي الله عنهما كذلك، رواه عبد الرزاق في (( المصنف» ( ١٤٥/٧). (٢) رواه البخاري (٥٢٠٩)، ومسلم ( ١٤٤٠) واللفظان عنده . ٢٠٨ گن ربع العادات كتاب آداب النكاح حز جر الجاريةَ قدْ حملَتْ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « قدْ أخبرتُكُمْ أنَّهُ سيأتيها ما قُدِّرَ لها))(١)، كلُّ ذلكَ في (( الصحيحينِ)). حن الحادي عشرَ : في آدابِ الولادةِ : وهيَ خمسةٌ : الأوَّلُ: ألَّ يكثرَ فرحَهُ بالذكرِ وحزنَهُ بالأنثى ؛ فإنَّهُ لا يدري أنَّ الخيرةَ لهُ في أيِّهِما ، فكَمْ مِنْ صاحبِ ابنِ يتمنَّى ألَّ يكونَ لهُ أوْ يكونَ بنتاً ، بلِ السلامةُ منهُنَّ أكثرُ، والثوابُ فيهِنَّ أجزلُ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَ لهُ ابنةٌ ، فأذَّبَها ، وأحسنَ تأديبَها ، وغذَّاها فأحسنَ غذاءَها ، وأسبغَ عليها مِنَ النعمةِ التي أسبغَ اللهُ عليهِ .. كانتْ لهُ ميمنةً وميسرةً مِنَ النارِ إلى الجنَّةِ))(٢). وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ أحدٍ يدركُ ابنتينِ، فيحسنُ إليهما ما صحبتاهُ .. إلا أدخلتاهُ الجنَّةَ))(٣). وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ كانتْ لهُ ابنتانِ أوْ أختانٍ، فأحسنَ إليهما ما صحبتاهُ .. كنتُ أنا وهوَ في الجنَّةِ كهاتينِ)) (٤). (١) رواه مسلم (١٤٣٩). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٩٧/١٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (١١١/٤). (٣) رواه ابن ماجه (٣٦٧٠)، وهو عند البخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٧٧). (٤) رواه هناد في ((الزهد)) (١٠٢١)، وهو عند مسلم (٢٦٣١) بلفظ: (( من عال جاريتين حتى تبلغا .. جاء يوم القيامة أنا وهو )) وضمَّ أصابعه . tYy ٢٠٩ كتاب آداب النكاح ربع العادات وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ خرجَ إلى سوقٍ مِنْ أسواقِ المسلمينَ ، فاشترى شيئاً ، فحملَهُ إلى بيتِهِ ، فخصَّ بهِ الإناثَ دونَ الذكورِ .. نظرَ اللهُ إليهِ، ومَنْ نظرَ اللهُ إليهِ .. لمْ يعذبْهُ))(١) . مـ وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حملَ طرفةً مِنَ السوقِ إلى عيالِهِ .. فكأنَّما حملَ إليهمْ صدقةٌ حتَّى يضعَها فيهمْ ، وليبدأ بالإناثِ قبلَ الذكورِ ؛ فإنَّهُ مَنْ فَرَّحَ أنثى .. فكأنَّما بكىُ مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى، ومَنْ بكىُ مِنْ خشيتِهِ .. حرَّمَ اللهُ تعالى بدنَهُ على النارِ))(٢). وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَتْ لهُ ثلاثُ بناتٍ أوْ أخواتٍ ، فصبرَ على لأَوائِهِنَّ وضرَّائِهِنَّ وسرَّائِهِنَّ .. أدخلَهُ اللهُ الجنَّةَ بفضْلٍ رحمتِهِ إِيَّاهُنَّ))، فقالَ رجلٌ: وثنتانِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((وثنتانِ)) فقالَ رجلٌ: أوْ واحدةٌ؟ فقالَ: (( أوْ واحدةٌ))(٣). ـنت (١) قال الحافظ العراقي: (رواه الخرائطي بسند ضعيف). ((إتحاف)) (٣٨٦/٥). (٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٤٠/٤)، وقال الحافظ العراقي: (رواه الخرائطي بسند ضعيف جداً، وابن عدي في (( الكامل))، وقال ابن الجوزي : حديث موضوع ). ((إتحاف)) (٣٨٦/٥) . ٢٠ (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٣٥/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٧٦/٤). ٢١٠ درے ٤٫٠٠ زن ربع العادات كتاب آداب النكاح الأدبُ الثاني : أنْ يؤذِّنَ في أذنِ المولودِ : روىُ رافعٌ عنْ أبيهِ قالَ : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أذَّنَ في أذنِ الحسنِ حينَ ولدَتْهُ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها(١). ورُوِيَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: « مَنْ وُلدَ لهُ مولودٌ ، فأذَّنَ في أذنِهِ اليمنى، وأقامَ في أذنِهِ اليسرى .. دُفعَتْ عنهُ أَمُ الصبيانِ))(٢). ويُستحبُّ أنْ يلقُنوهُ أوَّلَ انطلاقِ لسانِهِ ( لا إلهَ إلا اللهُ) ؛ ليكونَ ذلكَ أُوَّلَ حدیثِهِ . ش دهبـ والختانُ في اليومِ السابع وردَ بهِ خبرٌ (٣) . الأدبُ الثالثُ : أنْ يسمَِّهُ باسم حسنِ ، فذلكَ مِنْ حقِّ الولدِ ، وقدْ قالَ ـيه (١) رواه أبو داوود (٥١٠٥)، والترمذي (١٥١٤) ولكن عن أبي رافع رضي الله عنه مرفوعاً ، قال الحافظ الزبيدي : ( هكذا في نسخ الكتاب : رافع عن أبيه ، وهو غلط ، ولم أجد لرافع ذكراً في الكتب الستة ، وإنما هو من رواية عبد الله بن أبي رافع عن أبيه ، وعبد الله له صحبة أيضاً). («إتحاف)) (٣٨٦/٥). (٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٧٨٠)، وابن السني في (( عمل اليوم والليلة)) (٦٢٣). انظر ((الإتحاف)) (٣٨٦/٥). وأم الصبيان: هي التابعة من الجن ، أو الريح التي تعرض لهم وتكون حادة عليهم . (٣) وهو ما رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٧٠٤)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٣٢٤/٨) عن جابر: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام ) . ٢١١ كتاب آداب النكاح ربع العادات عمالة صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا سمَّيْتُمْ .. فعبِّدوا))(١)، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أحبُّ الأسماءِ إلى اللهِ تعالى: عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ))(٢)، ء وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((سُّوا باسمي ولا تَكَنَّوا بكنيتي))(٣)، قالَ العلماءُ : كانَ ذلكَ في عصرِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ كانَ يُنادى : يا أبا القاسمِ ، وأمَّا الآنَ .. فلا بأسَ . نعمْ، لاَ يجمعُ بينَ اسمهِ وكنيتهِ ؛ فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تجمعوا بينَ اسمي وكنيتي)) (٤) ، وقيلَ: إن هذا أيضاً كانَ في حياتِهِ . وتسمَّى رجلٌ أبا عيسى، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إِنَّ عيسى لا أبَ لهُ))(٥) ، فكرةَ ذلكَ . والسِّقْطُ ينبغي أنْ يُسمَّى ، قالَ عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ معاويةً : بلغَني (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٩/٢٠)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة)) (١٢٢٩/٣)، ومعناه في الحديث الآتي . (٢) رواه مسلم ( ٢١٣٢) . (٣) رواه البخاري (٢١٢٠)، ومسلم ( ٢١٣١) . (٤) رواه أحمد في (( المسند)) (٣٦٣/٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٨١٤). (٥) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو عمر النوقاتي في كتاب (( معاشرة الأهلين )) من حديث ابن عمر بسند ضعيف ، ولأبي داوود [٤٩٦٣]: أن عمر ضرب ابناً له تكنَّى أبا عيسى ، وأنكر على المغيرة بن شعبة تكنيته بأبي عيسى ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنَّاني، وإسناده صحيح) ((إتحاف)) (٣٨٨/٥). ٢١٢ -تزوج كن - - ربع العادات كتاب آداب النكاح أنَّ السَّقْطَ يصرخُ يومَ القيامةِ وراءَ أبيهِ ، فيقولُ: أنتَ ضيَّعتَنَي وتركتَي لا اسمَ لي، فقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : كيفَ وقدْ لا يدري أنَّهُ غلامٌ أُوْ جاريةٌ ؟! فقالَ عبدُ الرحمنِ : منَ الأسماءِ ما يجمعُهُما ؛ كحمزةَ ، وعمارةَ ، وطلحةَ ، وعتبةً(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّكُمْ تُدعونَ يومَ القيامةِ بأسمائِكُمْ وأسماءِ آبائِكُمْ، فأحسنوا أسماءَكُمْ))(٢). ومَنْ لهُ اسمٌ يُكرهُ .. يُستحبُّ تبديلُهُ ، بدَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اسمَ العاصِ بعبدِ اللهِ(٣). وقالَ أبو هريرةً : كانَ اسمُ زينبَ بِرَّةَ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( تزكِّي نفسَها)) فسمَّاها زينبَ (٤). وكذلكَ وردَ نهيٌّ في اسمٍ أفلحَ ويسارٍ ونافع وبركةَ ؛ لأنَّهُ يُقالُ : أثمّ بركةُ ؟ فيقولُ : لا(٥) . (١) وقد روى الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٣٩٢): (( سموا السقط .. يثقل الله به ميزانكم ، فإنه يأتي يوم القيامة فيقول: يا رب؛ أضاعوني فلم يسموني)). (٢) رواه أبو داوود ( ٤٩٤٨). (٣) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٤٨/٣١)، وكانوا ثلاثة، فبدَّل صلى الله عليه وسلم اسمهم إلى عبد الله . 22 :55 (٤) رواه البخاري ( ٦١٩٢)، ومسلم (٢١٤١) . (٥) كما روى مسلم (٢١٣٦) مرفوعاً: ((لا تسمّ غلامك رباحاً ولا يساراً ولا أفلح = ٢١٣ ئن كتاب آداب النكاح ١٦٠٠ ربع العادات الأدبُ الرابعُ : العقيقةُ عنِ الذكرِ بشاتينٍ ، وعنِ الأنثى بشاةٍ ، ولا بأسَ بالشاةِ ذكراً كانَ أَوْ أنثى . روتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَ في الغلامِ بشاتينٍ مكافئتينِ ، وفي الجاريةِ بشاةٍ (١). ورُوِي أنَّهُ عقَّ عنِ الحسنِ بشاةٍ، وهذا رخصةٌ في الاقتصارِ على واحدةٍ(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((معَ الغلام عقيقةٌ، فأهريقوا عنهُ دماً، وأميطوا عنهُ الأذى))(٣). ٥٠٠٠ ومِنَ السنَّةِ : أنْ يتصدَّقَ بوزنِ شعرِهِ ذهباً أوْ فضةً ؛ فقدْ وردَ فيهِ خبرٌ ؛ رُوِيَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أمرَ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها يومَ سابع حسينٍ أنْ تحلقَ شعرَهُ، وتتصدَّقَ بزنةِ شعرِهِ فضةً (٤) . ولا نافعاً))، وعنده كذلك (٢١٣٧) وفيه: ((ولا نجيحاً، فإنك تقول : أثمَّ هو ؟ فيقول: لا ... )) الحديث، وعنده أيضاً (٢١٣٨) أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينهى عن أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك ... الحديث . (١) رواه الترمذي (١٥١٣)، والمكافئتان: المتساويتان سنّاً وحسناً. (٢) رواه أبو داوود (٢٨٤١) بلفظ: ( عقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً)، وأورده الترمذي في ذيل (١٥١٤) وقال : ( وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث ) ذاكراً الرخصة . (٣) رواه البخاري ( ٥٤٧١ ) . (٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٣٧/٤)، وهو عند الترمذي (١٥١٩) عن الحسن بدل الحسين رضي الله عنهما . ٢١٤ عان ربع العادات کتاب آداب النكاح قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( لا يُكسرُ للعقيقةِ عظمٌ)(١). الأدبُ الخامسُ : أَنْ يحنّكَهُ بتمرةٍ أوْ حلاوةٍ ، رُوِيَ عنْ أسماءَ بنتٍ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّها قالتْ : ( ولدتُ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ بقُباءٍ ، ثمّ أتيتُ بهِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فوضعتُهُ في حجرِهِ ، ثمَّ دعا بتمرةٍ ، فمضغَها ، ثمَّ تفلَ في فيهِ ، فكانَ أوَّلَ شيءٍ دخلَ جوفَهُ ريقُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثمَّ حنَّكَهُ بتمرةٍ ، ثمَّ دعا لهُ وبرَّكَ عليهِ ، وكانَ أوَّلَ مولودٍ ولدَ في الإسلام ، ففرحوا بهِ فرحاً شديداً ؛ لأنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ اليهودَ قدْ سحَرَتْكُمْ فلا يولدُ لكُمْ)(٢). الثانيَ عشرَ(٣) : في الطلاقِ : وليعلمْ أنَّهُ مباحٌ، ولكنَّهُ أبغضُ المباحاتِ إلى اللهِ تعالى(٤)، وإنَّما يكونُ (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف)) (٢٤٧٤٦). (٢) رواه البخاري (٥٤٦٩)، ومسلم (٢١٤٦)، ومعنى كونه أول مولود في الإسلام: أي بالمدينة من قريش . (٣) من الآداب التي على الزوج مراعاتها مع زوجته . (٤) وهذا مبني على قول: إن المباح يشمل المكروه والمندوب؛ إذ يفسر بما يجوز الإقدام عليه، قال الإمام القرافي في (( شرح تنقيح الفصول)) (ص٧١): (وتفسيرها - أي : الإباحة - باستواء الطرفين هو اصطلاح المتأخرين ، فإذا أندرج فيها المكروه ويكون الطلاق من أشد المكروهات .. فيفهم الحديث حينئذ، وإلا .. يتعذر فهمه) . = ٢١٥ دں كتاب آداب النكاح ربع العادات مباحاً إذا لمْ يكنْ فيهِ إيذاءً بالباطلِ ، ومهما طلَّقها .. فقدْ آذاها ، ولا يُياحُ إيذاءُ الغيرِ إلا بجنايةٍ مِنْ جانبها ، أوْ بضرورةٍ مِنْ جانبهِ ، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا تطلبوا حيلةٌ للفراقِ. وإنْ كرهَها أبوهُ .. فليطلقْها، قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : كانَ تحتي امرأةٌ أحبُّها ، وكانَ أبي يكرهُها ويأمرُني بطلاقِها ، فراجعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( يا بنَ عمرَ ؛ طلِّقِ امرأتَكَ))(١)، فهذا يدلُّ على أنَّ حقَّ الوالدِ مقدَّمٌ، ولكنْ والدٌ يكرهُها لا لغرضٍ فاسدٍ مثلُ عمرَ . مج ومهما آذتْ زوجَها، وبَذَتْ على أهلِهِ .. فهيَ جانيةٌ، وكذلكَ مهما كانتْ سيئةَ الخلقِ ، أوْ فاسدةَ الدينِ ، قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِِّنَّةٍ﴾: ( مهما بَذَتْ على أهلِهِ وآذتْ زوجَها .. فهوَ فاحشةٌ)(٢)، وهذا أريدَ والحديث هو ما رواه أبو داوود (٢١٧٨)، وابن ماجه ( ٢٠١٨) مرفوعاً: (( أبغض = ٢٠ الحلال إلى الله تعالى الطلاق))، وقال الحافظ الزبيدي: (وإنما كان كذلك من حيث أداؤه إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي إلى التناسل الذي به تكثير هذه الأمة ، لا من حقيقته في نفسه ؛ فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة ، بل تجري فيه الأحكام الخمسة). ((إتحاف)) (٣٩١/٥). (١) رواه أبو داوود (٥١٣٨)، والترمذي (١١٨٩)، وابن ماجه ( ٢٠٨٨). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٤/٢)، وقد رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٢٣/٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٣١/٧) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ونقل ابن عبد البر في «التمهيد)» (١٤٩/١٩) القول عنهما ، وبذت : تكلمت بالبذاء ، وهو الفحش من القول . من حن عن حن حين حن حن كن ون ٢١٦ ربع العادات كتاب آداب النكاح بهِ فِي العِدَّةِ ، ولكنَّهُ تنبيهٌ على المقصودِ . وإنْ كانَ الأذىُ مِنَ الزوج .. فلها أنْ تفتديَ ببذْلِ مالٍ ، ويُكرهُ للرجلِ أنْ يأخذَ منها أكثرَ ممَّا أعطى ؛ فإنَّ ذلكَ إجحافٌ بها وتحاملٌ عليها ، وتجارةٌ على البضْع ، قال تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْتَدَتْ بِهِ﴾، فردُّ ما أخذتُهُ فما دونَهُ لائقٌ بالفداءِ . فإنْ سألتِ الطلاقَ بغيرِ ما بأسٍ .. فهيَ آثمةٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أيُّما امرأةٍ سألتْ زوجَها طلاقَها مِنْ غيرِ ما بأسٍ .. لمْ تَرِحْ رائحةً الجنَّةِ ))، وفي لفظِ: ((فالجنَّةُ عليها حرامٌ)) (١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((المختلعاتُ هُنَّ المنافقاتُ))(٢) ثمَّ ليراعِ الزوجُ في الطلاقِ أربعةَ أمورٍ : الأوَّلُ : أَنْ يطلُّقَها في طهرٍ لمْ يجامعْها فيهِ : فإنَّ الطلاقَ في الحيضِ أوِ الطهرِ الذي جامعَ فيهِ بدعيّ حرامٌ وإنْ كانَ واقعاً ؛ لما فيهِ مِنْ تطويلِ العِدَّةِ عليها . فإنْ فعلَ ذلكَ .. فليراجعْها ، طلَّقَ ابنُ عمرَ امرأتَهُ في الحيضِ ، فقالَ (١) رواه أبو داوود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥). (٢) رواه الترمذي (١١٨٦)، والنسائي (١٦٨/٦). ٢١٧ ش شن كتاب آداب النكاح ربع العادات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمرَ: (( مرْهُ فليراجعْها حتَّى تطهرَ، ثمَّ تحيضَ ، ثمَّ تطهرَ، ثمَّ إنْ شاءَ .. طلقَها، وإنْ شاءَ .. أمسكَها، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ تعالى أنْ يطلَّقَ لها النساءُ))(١)، وإنَّما أمرَهُ بالصبرِ بعدَ الرجعةِ طهرينٍ لئلا يكونَ مقصودُ الرجعةِ الطلاقَ فقطْ . الثاني : أنْ يقتصرَ على طلقةٍ واحدةٍ : فلا يجمعَ بينَ الثلاثِ ؛ لأنَّ الطلقةَ الواحدةَ بعدَ العِدَّةِ تفيدُ المقصودَ ، ويستفيدُ بها الرجعةَ إنْ ندمَ في العِدَّةِ، وتجديدَ النكاح إنْ أرادَ بعدَ العِذَّةِ (٢). وإذا طلَّقَ ثلاثاً .. ربّما ندمَ، فيحتاجُ إلى أنْ يُزوَّجَها محلّلاً وإلى الصبرِ مدةٌ، وعقدُ المحلِّل منهيٌّ عنهُ(٣) ، ويكونُ هوَ الساعيَ فيهِ ، ثُمَّ يكونُ قلبُهُ معلّقاً بزوجةِ الغيرِ وتطليقِهِ ؛ أعني : زوجةَ المحلِّلِ بعدَ أنْ زوَّجَ منهُ ، ثمّ يورثُ ذلكَ تنفيراً مِنَ الزوجةِ ، وكلُّ ذلكَ ثمرةُ الجمع ، وفي الواحدةِ كفايةٌ في المقصودِ مِنْ غيرِ محذورٍ ، ولستُ أقولُ : الجمعُ حرامٌ ، ولكنَّهُ مكروهٌ بهذهِ المعاني ، وأعني بالكراهةِ : تركَهُ النظرّ لنفسِهِ . ان (١) رواه البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم ( ١٤٧١). (٢) قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وهو الندم الذي يحمل على الرجعة . (٣) كما روى ذلك أبو داوود (٢٠٧٦)، والترمذي (١١١٩)، والنسائي (١٤٩/٦)، وابن ماجه (١٩٣٤) من لعن المحلِّلِ والمحلَّلِ له . ں۔۔ ٢١٨ ربع العادات كتاب آداب النكاح الثالثُ : أنْ يتلطَّفَ في التعلُّلِ بتطليقِها مِنْ غيرِ تعنيفٍ واستخفافٍ : ويطيِّبَ قلبَها بهديةٍ على سبيلِ الإمتاعِ والجبرِ لما فجعَها بهِ مِنْ أذى الفراقِ ، قال تعالى: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ﴾، وذلكَ واجبٌ مهما لمْ يُسمَّ لها مهرٌ في أصلِ (١) النكاح(١) . شر حن كانَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما مطلاقاً منكاحاً ، ووجَّهَ ذاتَ يوم بعضَ أصحابِهِ بطلاقِ امرأتينِ منْ نسائِهِ وقالَ: قلْ لهما : اعتذًا، وأمرَهُ أنْ يدفعَ إلى كلِّ واحدةٍ عشرةَ آلافِ درهمٍ ، ففعلَ ، فلمَّا رجعَ إليهِ .. قالَ : ماذا فعلتا ؟ فقالَ: أمَّا إحداهما .. فنكسَتْ رأسَها وسكتَتْ، وأمَّا الأخرى .. فبكتْ وانتحبتْ ، فسمعتُها تقولُ : متاعٌ قليلٌ مِنْ حبيبٍ مفارقٍ، فأطرقَ الحسنُ ، ورحمَ لها وقال : لوْ كنتُ مراجعاً امرأةً بعدَما أفارقُها .. لراجعتُها (٢). ودخلَ الحسنُ ذاتَ يومٍ على عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ فقيهِ المدينةِ ورئيسِها ، ولمْ يكنْ لهُ بالمدينةِ نظيرٌ ، وبهِ ضربتِ المثلَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها حيثُ قالتْ: ( لوْ لمْ أسرْ مسيري ذلكَ .. لكانَ أحبّ إليَّ مِنْ أنْ يكونَ لي ستةَ عشرَ ذكراً مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلُ عبدِ سب ١٦٠٠٠ (١) في النسخ: ( لم يسلّم)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم. (٢) تقدم الحديث عن ذلك، والخبر رواه السراج القاري في ((مصارع العشاق)) (١٩٨/٢)، وهو في ((القوت)) (٢٤٦/٢). ٢١٩ كتاب آداب النكاح ربع العادات ٥ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ)(١)، فدخلَ عليهِ في بيتِهِ ، فعظَّمَهُ عبدُ الرحمانِ وأجلسَهُ في مجلسِهِ وقالَ : ألا أرسلتَ إليَّ فكنتُ أجيتُكَ ؟! فقالَ : الحاجةُ لنا ، فقالَ : وما هيَ ؟ قالَ : جئتُكَ خاطباً ابنتَكَ ، فأطرقَ عبدُ الرحمنِ ثُمَّ رفعَ رأسَهُ وقالَ: واللهِ ؛ ما على وجهِ الأرضِ أحدٌ يمشي عليها أعزَّ عليَّ منكَ، ولكنَّكَ تعلمُ أنَّ ابنتي بضعةٌ مِنِّي، يسوءُني ما ساءَها ، ويسرُّني ما سرَّها ، وأنتَ مطلاقٌ، فأخافُ أنْ تطلِّقَها ، وإنْ فعلتَ .. خشيتُ أنْ يتغيَّرَ قلبي في محبِّكَ، وأكرهُ أنْ يتغيَّرَ قلبي عليكَ ؛ فإنَّكَ بضعةٌ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنْ شرطتَ ألَّ تطلِّقَها .. زوجتُكَ، فسكتَ الحسنُ وقامَ وخرجَ ، وقالَ بعضُ أهلِ بيتِهِ : سمعتُهُ وهوَ يمشي يقولُ : ما أرادَ عبدُ الرحمنِ إلا أنْ يجعلَ ابنتَهُ طوقاً في عنقي (٢). وكانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يضجرُ منْ كثرةِ تطليقِهِ ، فكانَ يعتذرُ منهُ على المنبرِ ويقولُ في خطبتِهِ : إنَّ حسناً مطلاقٌ، فلا تُنْكحوهُ، حتَّى قَامَ رجلٌ منْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المتمنين)) (٦٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٣٥/٦٢)، وتقصد ترك سيرها يوم الجمل رضي الله عنها. (٢) قوت القلوب (٢٤٦/٢)، وهذا الرجل مع جلالة قدره ونبله لم يوفق إلى أن يغلّب حبه الاختياري على حبه الاضطراري ، مع كثرة بناته ، فصرف ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إجابة ، وتعلل بما لا يفيده ، هلا فعل مثل بني همدان كما سيذكره المصنف . ((إتحاف)) ( ٤٠٠/٥) . ئن 48 % ٢٢٠ حن حق جن حن كن " --