النص المفهرس

صفحات 121-140

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وهذهِ بليّةٌ غالبةٌ ، إذا هاجتْ .. لا يقاومُها عقلٌ ولا دينٌ، وهيَ معَ أنَّها
صالحةٌ لأنْ تكونَ باعثةً على الحياتينِ كما سبقَ ، فهيَ أقوى آلةِ الشيطانِ على
بني آدمَ ، وإليهِ أشارَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بقولِهِ: (( ما رأيتُ مِنْ ناقصاتِ
عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذوي الألبابِ منكنَّ))(١)، وإنَّما ذلكَ لهيجانِ الشهوةِ (٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: ((اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ شرِّ
سمعي وبصري وقلبي وشرٍّ منِّي)) (٣)، وقالَ: «أسألُكَ أنْ تطهِّرَ قلبي،
وتحفظُ فرجي))(٤)، فما يستعيذُ منهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ
يجوزُ التساهلُ فيهِ لغيرِهِ ؟!(٥) .
وكانَ بعضُ الصالحينَ يكثرُ النكاحَ ، حتَّى كانَ لا يكادُ يخلو مِنِ اثنتينِ
وثلاثٍ ، فأنكرَ عليهِ بعضُ الصوفيةِ ، فقالَ: هلْ يعرفُ أحدٌ منكُمْ أنَّهُ جلسَ
بينَ يدي اللهِ تعالى جلسةً ، أوْ وقفَ بينَ يديهِ موقفاً في معاملةٍ ، فخطرَ على
قلبهِ خاطرُ شهوةٍ ؟ فقالوا : يصيبُنا مِنْ ذلكَ كثيرٌ ، فقالَ : لوْ رضيتُ في
(١) رواه البخاري (٣٠٤)، ومسلم ( ٢٦١٣).
(٢) أي: فيهن. ((إتحاف)) (٣٠٣/٥).
(٣) رواه أبو داوود (١٥٥١)، والترمذي (٣٤٩٢)، والنسائي (٨/ ٢٥٥).
(٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٢١٤)، والبيهقي في (( الدعوات الكبير)) (٢٥٦،
٢٥٧) .
(٥) أي : وإن كانت استعاذته منه استعاذة تعليم وتربية ؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم منزه من
تسلُّط الشهوة الغالبة عليه ، ولكن استعاذته دالة على خطر المستعاذ منه .
١٢١

كتاب آداب النكاح
بكر
ربع العادات
ٹن
عمري كلِّه بمثلِ حالِكُم في وقتٍ واحدٍ .. لما تزوَّجْتُ ، لكنِّي ما خطرَ على
قلبي خاطرٌ يشغلُني عنْ حالي إلا نفذتُهُ؛ لأستريحَ منهُ، وأرجعَ إلى
شغلي ، ومنذُ أربعينَ سنةً ما خطرَ على قلبي معصيةٌ (١).
وأنكرَ بعضُ الناسِ حالَ الصوفيةِ ، فقالَ لهُ بعضُ ذوي الدينِ : ما الذي
تنكرُ منهُمْ ؟ قالَ : يأكلونَ كثيراً ، قالَ : وأنتَ أيضاً لوْ جعتَ كما
يجوعونَ .. لأكلتَ كما يأكلونَ، قالَ: ينكحونَ كثيراً، قالَ: وأنتَ أيضاً
لوْ حفظتَ عينيكَ وفرجَكَ كما يحفظونَ .. لنكحتَ كما ينكحونَ(٢).
وكانَ الجنيدُ يقولُ : ( أحتاجُ إلى الجماع كما أحتاجُ إلى القوتِ)(٣).
فالزوجةُ على التحقيقِ قوتٌ وسببٌ لطهارةِ القلبِ ، ولذلكَ أمرَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كلَّ مَنْ وقعَ بصرُهُ على امرأةٍ فتاقتْ إليها نفسُهُ
أنْ يجامعَ أهلَهُ ؛ لأنَّ ذلكَ يدفعُ الوسواسَ عنِ النفسِ (٤) .
(١) قوت القلوب (٢٤٠/٢)، حيث قال في أوله : ( وحدثنا بعض علماء خراسان ، عن
شيخ له من الصالحين ، كان يصحب عبدان صاحب ابن المبارك ... ) .
دن
(٢)
قوت القلوب ( ٢٤٠/٢) .
(٣)
قوت القلوب ( ٢٤١/٢) .
(٤) هذا الأمر مستفاد من الحديث الآتي؛ حيث قال: ((فليأت أهله))، وروى أحمد في
((المسند)) (٢٣١/٤)، والطبراني في «الكبير)) (٣٣٨/٢٢) عن أبي كبشة الأنماري
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في أصحابه ، فدخل ثم خرج وقد
اغتسل ، فقلنا: يا رسول الله ؛ قد كان شيء؟ قال: (( أجل ، مرت بي فلانة ، فوقع
في قلبي شهوة النساء ، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها ، فكذلك فافعلوا ، فإنه من أماثل
أعمالكم إتيان الحلال )).
ـدن
٩٠
١٢٢

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وروى جابرٌ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأى امرأةٌ ، فدخلَ على
زينبَ فقضى حاجتَهُ وخرجَ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المرأةَ إذا
أقبلتْ .. أقبلتْ بصورةٍ شيطانٍ، فإذا رأى أحدُكُمْ امرأةً فأعجبتْهُ .. فليأتِ
أهلَهُ؛ فإنَّ معَها مثلَ الذي معَها))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا تدخلوا على المُغِيباتِ - أيٍ : التي
غابَ زوجُها عنها - فإنَّ الشيطانَ يجري مِنْ أحدِكُمْ مجرى الدم)» قلنا :
ومنكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((ومِنِّي، ولكنَّ اللهَ أعانَي عليهِ فأسلمٌ))(٢).
قالَ سفيانُ بنُ عيينةَ: ( فأسلمُ ؛ يعني : فأسلمُ أنا منهُ ، هذا معناهُ ؛
فإِنَّ الشيطان لا يُسْلِمُ)(٣).
(١) رواه مسلم (١٤٠٣)، والترمذي (١١٥٨) واللفظ له، ومعنى: ((أقبلت بصورة
شيطان)) : في صفته ، شبه المرأة الجميلة به في صفة الوسوسة والإضلال ، يعني أن
رؤيتها تثير الشهوة وتقيم الهمة ، فنسبها للشيطان لكون الشهوة من جنده وأسبابه ،
والعقل من جند الملائكة. ((إتحاف)) (٣٠٤/٥) .
(٢) رواه الترمذي (١١٧٢)، وعند مسلم (٢١٧٣) مرفوعاً: (( لا يدخلن رجل بعد يومي
هذا على مُغِيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)).
٢٦٠٠
(٣) الخبر مع تفسير سفيان له رواه أبو الحسين الطيوري في ((الطيوريات)) (٩٣٢)، وهو
على رواية الرفع والهمزة في أوله همزة المتكلم ، وقد روي بالنصب كذلك ، ونقل
الروايتين القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢١٨/٢)، و((إكمال المعلم))
(٣٥٠/٨) وقال: رويناه بالضبطين من الرفع والفتح، فمن رفع .. تأولها : فأسلم أنا
منه، وهي التي صحح الخطابي ورجح، ومن فتح .. جعله صفة للقرين ، من
الإسلام، وهي عندي أظهر ؛ بدليل قوله: (( فلا يأمرني إلا بخير)))، وسيأتي
للمصنف قريباً ما يؤيد أن شيطانه صلى الله عليه وسلم دخل في الإسلام حقيقة .
١٢٣

کتاب آداب النكاح
ے
ربع العادات
ولذلكَ يُحكى عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما وكانَ مِنْ زُهَّادِ الصحابةِ
وعلمائِهِمْ أنَّهُ كانَ يفطرُ مِنَ الصومِ على الجماع قبلَ الأكلِ ، وربما جامعَ قبلَ
أن يصلِّيَ المغربَ ، ثمَّ يغتسلُ ويصلِّي ؛ وذلكَ لتفريغ القلبِ لعبادةِ اللهِ عزَّ
وجلَّ، وإخراج عدَّةِ الشيطانِ منهُ(١) .
ورُوِيَ أنَّهُ جامعَ ثلاثاً مِنْ جواريهِ في شهرِ رمضانَ قبلَ العشاءِ
الآخرةِ(٢).
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( خيرُ هذهِ الأمةِ أكثرُها
نساءٌ)(٣).
ولمَّا كانتِ الشهوةُ أغلبَ على مزاج العربِ .. كانَ استكثارُ الصالحينَ
منهُمْ للنكاحِ أشدَّ ، ولأجلِ فراغ القلبِ أبيحَ نكاحُ الأمةِ عندَ خوفِ العنتِ معَ
أنَّ فيهِ إرقاقاً للولدِ ، وهوَ نوعُ إهلاكٍ، وهوَ محرَّمٌ على كلِّ مَنْ قدرَ على
(١) قوت القلوب (٢٤١/٢)، وفي (ب): (غرة) بدل ( عدة ) أي : ما يوسوس بسببه
في القلب. ((إتحاف)) (٣٠٥/٥) .
(٢) قوت القلوب (٢٤١/٢)، وفيه: ( أربعاً) بدل ( ثلاثاً).
(٣) رواه البخاري (٥٠٦٩)، إذ قال ابن عباس رضي الله عنهما لسعيد بن جبير: هل
تزوجت ؟ فقال : لا ، قال : فتزوج ؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً . قال الحافظ
ابن حجر في (( فتح الباري)) (١١٤/٩): ( والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير
النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالأمة أخصاء أصحابه ، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج
مرجوح ) .
حن جن حن حن حم خخ خخ خخ خخ خخ خخ
١٢٤

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
حن
حرَّةٍ ، ولكنَّ إرقاقَ الولِدِ أهونُ مِنْ إهلاكِ الدينِ ، وليسَ فيهِ إلا تنغيصُ
الحياةِ على الولدِ مدَّةٌ ، وفي اقتحام الفاحشةِ تفويتُ الحياةِ الأخرويَّةِ التي
تُتحقرُ الأعمارُ الطويلةُ بالإضافةِ إلى يومٍ مِنْ أيامِها .
ورُويَ أنَّهُ انصرفَ الناسُ ذاتَ يومٍ مِنْ مجلسِ ابنِ عباسٍ ، وبقيَ شابٌ لِمْ
يبرحْ ، فقالَ لهُ ابنُ عباسِ : هلْ لكَ مِنْ حاجةٍ ؟ قالَ : نعمْ ، أردتُ أنْ أسألَ
مسألةً فاستحييتُ مِنَ الناسِ ، وأنا الآنَ أهابُكَ وأجلُّكَ ، فقالَ ابنُ عباسِ :
إنَّ العالمَ بمنزلةِ الوالدِ ، فما أفضيتَ بهِ إلى أبيكَ .. فأفضٍ إليَّ بهِ ، فقالَ :
إنِّي شابٌ لا زوجةً لي ، وربَّما خشيتُ العنتَ على نفسي ، فربَّما استمنيتُ
بيدي ، فهلْ في ذلكَ معصيةٌ ، فأعرضَ عنهُ ابنُ عباس ثمّ قال : أُفٍّ وتُفُكِّ !
نكاحُ الأمةِ خيرٌ منهُ، وهوَ خيرٌ مِنَ الزنا(١).
وهذا تنبيه على أنَّ العزبَ المغتلمَ مردَّدٌ بينَ ثلاثةِ شرورٍ ، أدناها نكاحُ
الأمةِ وفيهِ إرقاقُ الولدِ ، وأشدُّ منهُ الاستمناءُ باليدِ ، وأفحشُهُ الزنا ، ولمْ
يطلقِ ابنُ عباسِ الإباحةَ في شيءٍ منهُ ؛ لأنَّهُما محذورانِ ، يُفزعُ إليهما حذراً
مِنَ الوقوع في محذورِ أشدّ منهُ ؛ كما يُفزعُ إلى تناولِ الميتةِ حذراً مِنْ هلاك
النفسِ .
فليسَ ترجيحُ أهونِ الشرَّينِ في معنى الإباحةِ المطلقةِ ، ولا في معنى
(١) كذا في ((القوت)) (٢٣٩/٢)، وقد رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٩٠/٧)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٩/٧).
١٢٥

كتاب آداب النكاح
20:
ربع العادات
الخيرِ المطلقِ ، وليسَ قطعُ اليدِ المتآكلةِ مِنَ الخيراتِ ، وإنْ كانَ يُؤْذَنُ فیهِ
عندَ إشرافِ النفسِ على الهلاكِ .
فإذاً ؛ في النكاح فضلٌ مِنْ هذا الوجهِ ، لكنْ هذا لا يعمُّ الكلَّ بلِ
الأكثرَ ، فربّ شخصٍ فترَتْ شهوتُهُ لكبرِ سنٍّ أوْ مرضٍ أوْ غيرِهِ ، فينعدمُ هذا
الباعثُ في حقِّهِ ، ويبقى ما سبقَ مِنْ أمرِ الولدِ ، فإنَّ ذلكَ عامّ إلا
للممسوحِ ، وهوَ نادرٌ .
ومِنَ الطباع ما تغلبُ عليها الشهوةُ ؛ بحيثُ لا يحصِّنُها المرأةُ الواحدةُ ،
فيُستحبُّ لصاحبها الزيادةُ على الواحدةِ إلى الأربع ، فإنْ يسَّرَ اللهُ لهُ موذَّةً
ورحمةً واطمأنَّ قلبُهُ بهنَّ، وإلا .. فيُستحبُّ لهُ الاستبدالُ، فقدْ نكحَ عليٍّ
رضيَ اللهُ عنهُ بعدَ وفاةٍ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها بسبعٍ ليالٍ .
ويقالُ : إنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما كانَ منكاحاً، حتَّى نكحَ
زيادةً على مثتي امرأةٍ ، وكانَ ربَّما عقدَ على أربع في وقتٍ واحدٍ ، وربَّما
طلَّقَ أربعاً في وقتٍ واحدٍ واستبدلَ بهنَّ (١) ، وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ
(١) وروى البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٢٧٧/٣): (أحصن الحسن بن علي تسعين
امرأة ، فقال علي : لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يجني بذلك علينا عداوة
أقوام)، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٥٣٨) عن علي رضي الله عنه قال :
( يا أهل العراق ، أو : يا أهل الكوفة ؛ لا تزوجوا حسناً ، فإنه رجل مطلاق ) ، وسياق
المصنف من ((القوت)) (٢٤٦/٢) حيث قال: ( وتزوج الحسن بن علي رضي الله
عنهما مئتين وخمسين امرأة ، وقيل : ثلاث مئة ... ) .
ـتن
ـدره
45
١٢٦

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
للحسنِ: ((أشبهتَ خلْقي وخُلُقِي))(١)، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:
((حسنٌّ منِّي وحسينٌ مِنْ عليٍّ))(٢) ، فقيلَ: إنَّ كثرةَ نكاحِهِ أحدُ ما أشبَهَ بهِ
خُلُقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
وتزوَّجَ المغيرةُ بنُ شعبةَ بثمانينَ امرأةً (٣) ، وكانَ في الصحابةِ مَنْ لهُ
الثلاثُ والأربِعُ، ومَنْ كانَ لهُ اثنتانِ لا يحصى ، ومهما كانَ الباعثُ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٤٦/٢)، وهذا قد قاله صلى الله عليه وسلم لابن عمِّه جعفر بن
أبي طالب رضي الله عنه، كما في ((البخاري)) ( ٢٧٠٠)، وروى البخاري (٣٧٥٢)
عن أنس رضي الله عنه قال : ( لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من
الحسن بن علي)، وكان الصديق رضي الله عنه كما روى أحمد في ((المسند)) (٨/١)
قد مرّ بغلمان وفيهم الحسن ، فاحتمله على رقبته وهو يقول :
وا بأبي شبه النبي
ليس شبيهاً بعلي
قال : وعلي يضحك .
(٢) رواه أبو داوود (٤١٣١)، وأحمد في (( المسند)) (١٣٢/٤)، وروى كذلك أحمد
في ((المسند)) (١٧٢/٤) والبخاري في (( الأدب المفرد)) (٣٦٤) والترمذي
(٣٧٧٥)، وابن ماجه (١٤٤) مرفوعاً: ((حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من
أحب حسيناً ، سبط من الأسباط)) .
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٥/٦٠) عن ليث بن أبي سليم قال : قال
المغيرة بن شعبة : ( أحصنت ثمانين امرأة ، فأنا أعلمكم بالنساء ، كنت أحبس المرأة
لجمالها ، وأحبس المرأة لولدها ، وأحبس المرأة لقومها ، وأحبس المرأة لمالها ،
فوجدت صاحب الواحدة إن زارت .. زار ، وإن حاضت .. حاض، وإن نَفِسَت ..
نَفِس، وإن اعتلَّت .. اعتلَّ معها بانتظاره لها، ووجدت صاحب الثنتين في حرب هما
ناران تشتعلان ، ووجدت صاحب الثلاث في نعيم ، وإذا كنَّ أربعاً .. كان في نعيم
لا يعدله شيء ... ) الخبر .
جرا
١٢٧
حن
شن
من كن
٨٠٠٨٠٠
09-

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
معلوماً .. فينبغي أنْ يكونَ العلاجُ بقدْرِ العلةِ ، فالمرادُ تسكينُ النفسِ ،
فليُنظر إليهِ في الكثرةِ والقلَّةِ .
الفائدةُ الثالثةُ : ترويحُ النفسِ وإيناسُها بالمجالسةِ والنظرِ والملاعبةِ ؛ إراحةٌ
للقلبٍ وتقويةً لهُ على العبادةِ :
فإنَّ النفسَ ملولٌ، وهيَ عنِ الحقِّ نفورٌ ؛ لأنَّهُ على خلافِ طبعِها ، فلوْ
كُلِّفْتِ المداومةَ بالإكراهِ على ما يخالفُها .. جمحَتْ وتأبَتْ، وإذا رُوِّحَتْ
باللذَّاتِ في بعض الأوقاتِ .. قويَتْ ونشطَتْ ، وفي الاستئناسِ بالنساءِ مِنَ
الاستراحةِ ما يزيلُ الكربَ ويروِّحُ القلبَ .
وينبغي أنْ يكونَ لنفوسِ المتقينَ استراحاتٌ إلى المباحاتِ ، ولذلكَ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : (روِّحوا القلوبَ ساعةً؛ فإنَّها إذا أُكْرهَتْ ..
عميَتْ)(١) .
(١) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) (٧١٩)، والخطيب في (( الجامع لأخلاق
الراوي وآداب السامع)) (١٨٣/٢) ولفظه عنه: (روحوا القلوب، وابتغوا لها طُرَف
الحكمة ؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان ) ، وفي حديث حنظلة رضي الله عنه عند مسلم
(٢٧٥٠): (( والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ..
لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) ثلاث
مرات .
حن ون جن جن حج حن
١٢٨

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وفي الخبرِ: (( على العاقلِ أنْ يكونَ لهُ ثلاثُ ساعاتٍ : ساعةٌ يناجي فيها
ربَّهُ ، وساعةٌ يحاسبُ فيها نفسَهُ ، وساعةٌ يخلو فيها بمطعمِهِ ومشربِهِ ؛ فإنَّ
في هذهِ الساعةِ عوناً على تلكَ الساعاتِ))(١).
ومثلُهُ بلفظٍ آخرَ : (( لا يكونُ العاقلُ ظاعناً إلا في ثلاثٍ : تزوَّدٌ لمعادٍ ،
أوْ مَرَمَّةٌ لمعاشٍ، أوْ لذَّةٌ في غيرِ محرَّمٍ))(٢) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لكلِّ عاملٍ شِرَّةٌ ، ولكلِّ شِرَّةٍ فترَةٌ ، فمَنْ
كانتْ فترتُهُ إلى سنَّتي .. فقدِ اهتدىُ))(٣)، والشِّرَّةُ: الجدُّ والمكابدةُ بحدّةٍ
وقوَّةٍ ، وذلكَ في ابتداءِ الإرادةِ ، والفترةُ : الوقوفُ للاستراحةِ .
وكانَ أبو الدرداءِ يقولُ : ( إنِّي لأستجمُّ نفسي بشيءٍ مِنَ اللهوِ ؛ لأتقوَّىُ
بذلكَ فيما بعدُ على الحقِّ )(٤).
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣١٣)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٢/١١) عن
وهب بن منبه من حكمة آل داوود ، ورواه مرفوعاً ابن حبان في (صحيحه)) ( ٣٦١)
ضمن خبر طويل، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٨/١، ١٦٧)، وعند الجميع عد
الساعات أربع ، فزادوا : ( وساعة يفضي فيها إلى إخوانه يصدقونه عيوبه وينصحونه في
نفسه) عن وهب ، وفي المرفوع: ((وساعة يتفكر فيها في صنع الله)).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٦١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٧/١) وهو
قطعة من الحديث المتقدم ، ومرمة الشيء : إصلاحه ، وهي كذلك اسم لمتاع البيت .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٨/٢) من حديث عبد الله بن عمرو المشهور والذي فيه
ذكر عبادته وتبتله ، وهو عند الترمذي ( ٢٤٥٣) من حديث أبي هريرة بنحوه ، والشرة
أيضاً : الحرص والرغبة والنشاط .
(٤) قوت القلوب (٢٤٧/٢) .
١٢٩
كن حن
حن حنة

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وفي بعضٍ الأخبارِ ، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
(( شكوتُ إلى جبريلَ عليهِ السلامُ ضعفي عنِ الوقاع، فدلَّني على
الهريسةِ))(١)، فهذا إنْ صحَّ .. لا محملَ لهُ إلا الاستعدادُ للاستراحةِ،
ولا يمكنُ تعليلُهُ بدفع الشهوةِ ؛ لأنَّهُ استثارةٌ للشهوةِ ، ومَنْ عَدِمَ الشهوةَ ..
عَدِمَ الأكثرَ مِنْ هذا الأنسِ .
وقال عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( حُبِّبَ إليَّ مِنْ دنياكم ثلاثٌ : الطيبُ ،
والنساءُ، وقرَّةُ عيني في الصلاةِ))(٢).
فهذهِ أيضاً فائدةٌ لا ينكرُها مَنْ جرَّبَ إتعابَ نفسِهِ في الأفكارِ والأذكار
وصنوفِ الأعمالِ ، وهيَ خارجةٌ عنِ الفائدتينِ السابقتينِ، حتَّى إنَّها لتُطرَدُ
(١) سيشير المؤلف إلى الاختلاف في ثبوت هذا الحديث، وقد رواه الطبراني في (( الأوسط ))
(٦٥٩٢)، وابن عدي في الكامل)) (١٤٤/٦)، وتمام في ((فوائده)) (٩٨٨)، وقد قال
العجلوني في (( كشف الخفاء)) (١٧٥/١): ( ألف الحافظ ابن ناصر الدين فيه جزءاً
سماه: ((رفع الدسيسة عن أخبار الهريسة)))، وانظر ((الإتحاف)) (٣٠٩/٥).
ci
ـحن
(٢) رواه النسائي (٦١/٧)، وهو عند أحمد في ((المسند)) (١٢٨/٣) كذلك، دون
زيادة كلمة ( ثلاث)، والمصنف تبع في ذكرها صاحب ((القوت)) (٢٤٩/٢)،
وقد نقل الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٣١١/٥) نقولاً عن الحفاظ تفيد خطأ
زيادتها رواية ومعنى ؛ إذ الصلاة ليست من الدنيا إلا على تأول شديد ، وإنما جاء
الحديث بلفظ: ((حُبِّبَ)) مبنياً للمجهول دلالة على أن ذلك لم يكن من جبلته وطبعه
صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان على ذلك الحب رحمةً للعباد ورفقاً بهم ، كما أفاده
الشارح نقلاً عن الطيبي .
١٣٠
شن من
حي

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
شر
١٩٠
ـ
في حقِّ الممسوح ومَنْ لا شهوةَ لهُ ، إلا أنَّ هذهِ الفائدةَ تجعلُ النكاحَ فضيلةً
بالإضافةِ إلى هَذِهِ النيّةِ ، وقلَّ مَنْ يقصدُ بالنكاح ذلكَ، وأمَّا قصدُ الولدِ
وقصدُ دفع الشهوةِ وأمثالُها .. فممّا يكثرُ .
ثمَّ ربَ شخصٍ يستأنسُ بالنظرِ إلى الماءِ الجاري والخضرةِ وأمثالها
ولا يحتاجُ إلى ترويح النفسِ بمحادثةِ النساءِ وملاعبتِهِنَّ، فيختلفُ هذا
باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ ، فليُّنبَّهْ لهُ .
الفائدةُ الرابعةُ : تفريغُ القلبِ عنْ تدبيرِ المنزلِ :
والتكفُّلِ بشغلِ الطبخِ والكنْسِ والفرشِ وتنظيفِ الأواني وتهيئةِ أسبابِ
المعيشةِ ؛ فإنَّ الإنسانَ لوْ لمْ يكنْ لهُ شهوةُ الوقاعِ .. لتعذَّرَ عليهِ العيشُ في
منزلِهِ وحدَهُ ، إذْ لوْ تكفَّلَ بجميع أشغالِ المنزلِ .. لضاعَتْ أكثرُ أوقاتِه ،
ولمْ يتفرَّعْ للعلمِ والعملِ ، فالمرأةُ الصالحةُ المصلحةُ للمنزلِ عونٌ على
الدينِ بهذهِ الطريقِ ، واختلالُ هذهِ الأسبابِ شواغلُ ومشوشاتٌ للقلبِ
ومنعِّصاتٌ للعيشِ ، ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ: (الزوجةُ
الصالحةُ ليسَتْ مِنَ الدنيا، فإنَّها تفرّغُكَ للآخرةِ)(١) ، وإنَّما تفريغُها بتدبيرٍ
المنزلِ وبقضاءِ الشهوةِ جميعاً .
(١) قوت القلوب (٢٤٤/٢) عن عمر رضي الله عنه .
١٣١

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
ـكن
وقالَ محمدُ بنُ كعبِ القرظيُّ في معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿ رَبِّنَآ ءَاتِنَا فِى
الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قالَ: المرأةُ الصالحةُ (١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ليتخذْ أحدُكُمْ قلباً شاكراً، ولساناً
ذاكراً، وزوجةً مؤمنةً تعينُهُ على آخرِهِ))(٢)، فانظرْ كيفَ جمعَ بينَها وبينَ
الذكرِ والشكرِ .
وفي بعضٍ التفاسيرِ في قولهِ تعالى: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ قالَ:
الزوجةُ الصالحةُ(٣) .
وكانَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( ما أُعطيَ عبدٌ بعدَ إيمانٍ
باللهِ خيراً مِنِ امرأةٍ صالحةٍ ، وإنَّ منهنَّ غُنْماً لا يُحذى منهُ ، ومنهنَّ غلاً
لا يُقدى منهُ) (٤)، وقولُهُ: (لا يُحذى ) أيْ: لا يُعتاض عنهُ بعطاءٍ .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((فضلتُ على آدمَ بخصلتينِ : كانتْ زوجتُهُ
عوناً لهُ على المعصيةِ، وأزواجي أعوانٌ لي على الطاعةِ، وكانَ شيطانُهُ كافراً ،
وشيطاني مسلمٌ لا يأمرُ إلا بخيرِ))(٥)، فعدَّ معاونتَها على الطاعةِ فضيلةً .
(١) رواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره)) ( ١٨٨٢).
(٢) رواه الترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦) واللفظ له .
(٣) قوت القلوب (٢٤٤/٢) .
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٧٤٢٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٨٢/٧).
(٥) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠١/٤)، وهو في ((القوت)) (٢٤٣/٢)، قال =
حن
١٣٢
حن حن حن حن حن
٠٠٠٦

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
حر
فهذهِ أيضاً مِنَ الفوائدِ التي يقصدُها الصالحونَ ، إلا أنَّها تخصُّ بعضَ
الأشخاصِ الذينَ لا كافلَ لهُمْ ولا مدبِّرَ .
ـة
Q
ولا تدعو إلى امرأتينٍ ، بلِ الجمعُ ربَّما ينغُّصُ المعيشةَ ، وتضطربُ بهِ
أمورُ المنزلِ .
ويدخلُ في هذهِ الفائدةِ قصدُ الاستكثار بعشيرتِها ، وما يحصلُ مِنَ القوَّةِ
بسببٍ تداخلِ العشائرِ ، فإنَّ ذلكَ ممَّا يُحتاجُ إليهِ في دفع الشرورِ وطلبٍ
السلامةِ ، ولذلكَ قيلَ: ( ذلَّ مَنْ لا ناصرَ لهُ)، ومَنْ وجدَ مَنْ يدفعُ عنهُ
الشرورَ .. سلمَ حالُهُ ، وفُرِّغَ قلبُهُ للعبادةِ ؛ فإنَّ الذلَّ مشوِّشٌ للقلبِ ، والعزّ
بالكثرةِ دافعٌ للذلِّ .
الفائدةُ الخامسةُ : مجاهدةُ النفس ورياضتُها بالرعايةِ والولايةِ ، والقيام
بحقوقِ الأهلِ ، والصبرِ على أخلاقِهِنَّ، واحتمالِ الأذى منهنَّ ، والسعي في
إصلاحِهِنَّ وإرشادِهِنَّ إلى طريقِ الدينِ ، والاجتهادِ في كسبِ الحلالِ
لأجلِهِنَّ ، والقيام بتربيةِ الأولادِ :
فكلُّ هذهِ أعمالٌ عظيمةُ الفضل ؛ فإنَّها رعايةٌ وولايةٌ ، والأهلُ والولدُ
رَعِيَّةٌ ، وفضلُ الرعايةِ عظيمٌ ، وإنَّما يحترزُ منها مَنْ يحترزُ خيفةً مِنَ القصورِ
الحافظ الزبيدي في «إتحافه)): ( والصحيح أن الحديث ضعيف لضعف محمد بن
=
الوليد ، ولا يدخل في حيز الموضوع ) .
١٣٣
ـن

كتاب آداب النكاح
٥٫٫٥٠
ربع العادات
عنِ القيام بحقِّها ، وإلا .. فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يومٌ
مِنْ والٍ عادلٍ أفضلُ مِنْ عبادةِ سبعينَ سنةً))(١)، ثمَّ قالَ: ((ألا كلُّكُمْ راع
وكلُّكُمْ مسؤولٌ عنْ رعيَّهِ))(٢) .
وليسَ مَنِ اشتغلَ بإصلاحِ نفسِهِ وغيرِهِ كمَنِ اشتغلَ بإصلاحِ نفسِهِ فقطْ ،
ولا مَنْ صبرَ على الأذىْ كمَنْ رفَّهَ نفسَهُ وأراحَها ، فمقاساةُ الأهلِ والولدِ
بمنزلةِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ ، ولذلكَ قالَ بشرٌ : ( فضلَ عليَّ أحمدُ ابنُ حنبلٍ
بثلاثٍ: إحداها : أنَّهُ يطلبُ الحلالَ لنفسِهِ ولغيرِهِ )(٣) .
وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ما أنفقَ الرجلُ على أهلِهِ .. فهوَ
صدقةٌ، وإنَّ الرجلَ ليُؤجرُ في اللقمةِ يرفعُها إلى في امرأتِهِ)) (٤).
وقالَ بعضُهُمْ لبعضِ العلماءِ : مِنْ كلِّ عملٍ قدْ أعطاني اللهُ نصيباً ، حتَّى
ذكرَ الحجَّ والجهادَ وغيرَهُما ، فقالَ لهُ : أينَ أنتَ مِنْ عملِ الأبدالِ ؟ قالَ :
وما هوَ ؟ قالَ : كسبُ الحلالِ ، والنفقةُ على العيالِ(٥).
ـرة
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٣٧/١١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٢/٨)
وبلفظ : ( ستين سنة ) .
(٢) رواه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩).
٤٠
(٣) قوت القلوب (٢٤١/٢).
(٤) رواه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٦٢٨) ولفظه: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها
وجه الله .. إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك ... )) الحديث .
(٥) قوت القلوب (٢٤٨/٢) .
١٣٤

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وقالَ ابنُ المباركِ وهوَ معَ إخوانِهِ في الغزوِ : تعلمونَ عملاً أفضلَ ممَّا
نحنُ فيهِ ؟ قالوا : ما نعلمُ ذلكَ ، قالَ : أَنَا أعلمُ ، قالوا : فما هوَ ؟ قالَ :
رجلٌ متعفِّفٌ ذو عيلةٍ ، قامَ مِنَ الليلِ ، فنظرَ إلى صبيانِهِ نياماً متكشِّفينَ ،
فسترَهُمْ وغطّاهُمْ بثوبِهِ ، فعملُهُ أفضلُ ممَّا نحنُ فيهِ (١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حسنتْ صلاتُهُ، وكثرَ عيالُهُ، وقلَّ
مالُهُ ، ولمْ يغتبِ المسلمينَ .. كانَ معي في الجنَّةِ كهاتينِ)) (٢).
وفي حديثٍ آخرَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ الفقيرَ المتعفِّفَ أبا العيالِ))(٣).
وفي الحديثِ : ((إذا كثرَتْ ذنوبُ العبدِ .. ابتلاهُ اللهُ بِهَمَّ ليكفِّرَها)) (٤).
وقالَ بعضُ السلفِ: (مِنَ الذنوبِ ذنوبٌ لا يكفِّرُها إلا الغمُّ بالعيالِ)(٥)،
وفيهِ أثرٌ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((مِنَ الذنوبِ ذنوبٌ
لا يكفِّرُها إلا الهمُّ بطلبِ المعيشةِ))(٦) .
(١) قوت القلوب (٢٤٨/٢) .
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٩٩٠)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٥٧/١١).
(٣) رواه ابن ماجه ( ٤١٢١).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)» (١٥٧/٦)، وفيه: ( بالحزن) بدل (بهمَّ ) ، ولفظ
المصنف في ((القوت)) (٢٤٨/٢).
(٥) قوت القلوب (٢٤٨/٢) وسياق المصنف عنده .
(٦) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٠٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٣٥/٦)، وابن
عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٠٠/٥٤) .
١٣٥

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَ لهُ ثلاثُ بناتٍ ، فأنفقَ عليهنَّ ،
وأحسنَ إليهنَّ حتَّى يغنيَهُنَّ اللهُ عنهُ .. أوجبَ اللهُ تعالى لهُ الجنَّةَ ألبتةَ، إلا أنْ
يعملَ عملاً لا يُغفرُ لهُ))(١)، كانَ ابنُ عباس إذا حدَّثَ بهذا .. قالَ: هُوَ
وَاللهِ مِنْ غَرائبِ الحديثِ وغررِهِ(٢) .
ورُوِيَ أنَّ بعضَ المتعبدينَ كانَ يحسنُ القيامَ على زوجتِهِ إلى أنْ ماتَتْ ،
فِعُرِضَ عليهِ التزويجُ ، فامتنعَ وقالَ : الوحدةُ أروحُ لقلبي ، وأجمعُ لهمِّي ،
قالَ : فرأيتُ في المنام بعدَ جمعةٍ مِنْ وفاتِها كأنَّ أبوابَ السماءِ فُتَحَتْ ،
وكأنَّ رجالاً ينزلونَ ويسيرونَ في الهواءِ يتبعُ بعضُهُمْ بعضاً، فكلَّما نزلَ
واحدٌ .. نظرَ إليَّ وقالَ لمَنْ وراءَهُ: هذا هوَ المشؤومُ، فيقولُ الآخرُ :
نعمْ ، ويقولُ الثالثُ كذلكَ، فيقولُ الرابعُ : نعمْ ، وخفتُ أنْ أسألَهُمْ هيبةً
مِنْ ذلكَ ، إلى أنْ مرَّ بي آخرُهُمْ وكانَ غلاماً ، فقلتُ لهُ: يا هذا؛ مَنْ هذا
المشؤومُ الذي تومئونَ إليهِ ؟ قالَ : أنتَ ، فقلتُ : ولِمَ ذلِكَ ؟ قالَ : كنَّا
ترفعُ عملَكَ في أعمالِ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ ، فمنذُ جمعةٍ أُمرْنا أنْ نضعَ
عملَكَ معَ الخالفينَ ، فلا ندري ما أحدثتَ ، فقالَ لإخوانِهِ : زوِّجوني
زوِّجوني ، فلمْ يكنْ تفارقُهُ زوجتانِ أوْ ثلاثٌ(٣).
ـه
حن
(١) رواه عبد بن حميد في (( مسنده)) ( ٦١٥) بنحوه ، وقريب منه ما رواه أبو داوود
(٥١٤٧)، والترمذي (١٩١٢)، وابن ماجه ( ٣٦٦٩).
(٢) كذا بزيادة هذا القول لابن عباس رضي الله عنهما رواه الخطيب في (( الجامع لأخلاق
الراوي وآداب السامع)» ( ١٧٨/٢ ).
(٣) قوت القلوب (٢٤٩/٢).
١٣٦
حن
محن:
ـيور.

ربع العادات
ـوعــ
كتاب آداب النكاح
ـحـ
وفي أخبارِ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ : أنَّ قوماً دخلوا على يونسَ النبيِّ عليهِ
السلامُ ، فأضافَهُمْ ، فكانَ يدخلُ ويخرجُ إلى منزِلِهِ ، فتؤذيهِ امرأتُهُ وتستطيلُ
عليهِ وهوَ ساكتُ، فتعجَّبوا مِنْ ذلكَ، فقالَ : لا تعجبوا ، فإنِّي سألتُ اللهَ
تعالى وقلتُ : ما أنتَ معاقبٌ لي بهِ في الآخرةِ فعجِّلْهُ لِي في الدنيا ، فقالَ :
إِنَّ عقوبتَكَ بنتُ فلانٍ تتزوَّجُ بها ، فتزوَّجْتُ بها ، وأنا صابرٌ على ما ترونَ
منها (١).
وفي الصبرِ على ذلكَ رياضةُ النفسِ ، وكسرُ الغضبِ ، وتحسينُ
الخُلُقِ ؛ فإنَّ المنفردَ بنفسِهِ ، أوِ المشاركَ لمَنْ حَسُنَ خلقُهُ .. لا تترشَّحُ منهُ
خبائتُ النفسِ الباطنةِ ، ولا تنكشفُ بواطنُ عيوبِهِ ، فحقٌّ على سالكِ طريقٍ
الآخرةِ أنْ يجرِّبَ نفسَهُ بالتعرُّضِ لأمثالِ هذهِ المحرِّكاتِ ، واعتيادِ الصبرِ
عليها ؛ لتعتدلَ أخلاقُهُ، وترتاضَ نفسُهُ، ويصفوَ عنِ الصفاتِ الذميمةِ
باطنُهُ .
كيم:
والصبرُ على العيالِ معَ أنَّهُ رياضةٌ ومجاهدةٌ تكفُّلٌ لهمْ ، وقيامٌ بهمْ ،
وعبادةٌ في نفسِها .
فهذهِ أيضاً مِنَ الفوائدِ ، ولكنَّهُ لا ينتفعُ بها إلا أحدُ رجلينِ :
إمَّا رجلٌ قصدَ المجاهدةَ والرياضةً وتهذيب الأخلاقِ لكونِهِ في بدايةٍ
الطريقِ ، فلا يبعدُ أنْ يرى هذا طريقاً في المجاهدةِ وترتاضُ بهِ نفسُهُ .
(١) قوت القلوب (٢٣٩/٢).
ـت
١٣٧
.من . حن
مکر

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
مبه جا بي
وإمَّا رجلٌ مِنَ العابدينَ ليسَ لهُ سيرٌ بالباطنِ وحركةٌ بالفكرِ والقلبِ ،
وإنَّما عملُهُ عملُ الجوارحِ ؛ بصلاةٍ أوْ حجٌّ أَوْ غيرِهِ ، فعملُهُ لأهلِهِ وأولادِهِ
بكسبِ الحلالِ لهُمْ والقيامِ بتربيتِهِمْ أفضلُ لهُ مِنَ العباداتِ اللازمةِ لبدنِهِ التي
لا يتعدَّى خيرُها إلى غيرِهِ .
فأمَّا الرجلُ المهذَّبُ الأخلاقِ إمَّا بكفايةٍ في أصلِ الخلقةِ ، أوْ بمجاهدةٍ
سابقةٍ إذا كانَ لهُ سيرٌ في الباطنِ وحركةٌ بفكرِ القلبِ في العلومِ
والمكاشفاتِ .. فلا ينبغي أنْ يتزوَّجَ لهذا الغرضِ ؛ فإنَّ الرياضةَ هوَ مكفيٍّ
فيها . وأمَّا العبادةُ بالعملِ في الكسبِ لهُمْ .. فالعلمُ أفضلُ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّهُ
أيضاً عملٌ، وفائدتُهُ أعمُّ وأشملُ لسائرِ الخلقِ مِنْ فائدةِ الكسبِ على
العيالِ .
فهذهِ فوائدُ النكاحِ في الدينِ التي بها يُحكمُ له بالفضيلةِ .
حن
١٣٨
حرب جن

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
آفات الشِكاح(١)
أمَّا آفاتُ النكاح .. فثلاثٌ :
الأولىُ - وهيَ أقواها - : العجزُ عنْ طلبِ الحلالِ:
فإنَّ ذلكَ لا يتيسَّرُ لكلِّ أحدٍ ، لا سيما في هذهِ الأوقاتِ معَ اضطرابٍ
المعايشِ ، فيكونُ النكاحُ سبباً للتوسع في الطلبِ والإطعامِ مِنَ الحرامِ ،
وفيهِ هلاكُهُ وهلاكُ أهلِهِ ، والمتعزبُ في أمنٍ مِنْ ذلكَ ، وأمَّا المتزوِّجُ ..
ففي الأكثرِ يدخلُ في مداخلِ السوءِ ويتبعُ هوى زوجتِهِ ، ويبيعُ آخرتَهُ بدنياهُ .
وفي الخبرِ : ( إنَّ العبدَ ليُوقفُ عندَ الميزانِ ولُهُ مِنَ الحسناتِ أمثالُ
الجبالِ ، فيُسألُ عنْ رعايةِ عيالِهِ والقيام بِهِمْ، وعنْ مالِهِ مِنْ أينَ اكتسبَهُ وفيمَ
أنفقَهُ حتَّى تُستغرقَ بتلكَ المطالباتِ كلُّ أعمالِهِ ، فلا تبقى لهُ حسنةٌ ، فينادي
الملائكةُ : هذا الذي أكلَ عيالُهُ حسناتِهِ في الدنيا ، وارتُهنَ اليومَ
بأعمالِهِ)(٢).
ويُقالُ : إِنَّ أوَّلَ ما يتعلَّقُ بالرجلِ في القيامةِ أهلُهُ وولدُهُ ، فيوقفونَهُ بينَ
يدي اللهِ سبحانَهُ ويقولونَ: يا ربَّنا ؛ خُذْ لنا بحقِّنا منهُ، فإنَّهُ ما علَّمنا
(١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية .
(٢) رواه مختصراً ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (٤٥١)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٨١/٧) من قول سفيان الثوري رحمه الله تعالى، وانظر في ((القوت)) (٢٥١/٢).
.
١٣٩

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
ما نجهلُ، وكانَ يطعمُنا الحرامَ ونحنُ لا نعلمُ، فيقتصُّ لهُمْ منهُ(١).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ شرّاً .. سلَّطَ عليهِ في الدنيا أنياباً
تنهشُهُ)(٢) ؛ يعني العيالَ.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا يلقى اللهَ سبحانَهُ أحدٌ بذنبِ أعظمَ مِنْ
جهالةِ أهلِهِ ))(٣) .
فهذهِ آفةٌ عامَّةٌ ، قلَّ مَنْ يتخلَّصُ منها ، إلا مَنْ لهُ مالٌ موروثٌ أوْ
مكتسبٌ مِنْ حلالٍ يفي بهِ وبأهلِهِ ، وكانَ لهُ مِنَ القناعةِ ما يمنعُهُ مِنَ الزيادةِ ،
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥١/٢)، ومعناه في الخبر قبله ، وروى ابن أبي حاتم في
(تفسيره )) ( ١٧١٨٦) عن أبي أمامة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل
به، ثم قال: (( إياكم والظلم ؛ فإن الله تبارك وتعالى يقسم يوم القيامة فيقول :
وعزتي ؛ لا يجوزني اليوم ظلم ، ثم ينادي مناد فيقول : أين فلان بن فلان ؟ فيأتي تتبعه
من الحسنات أمثال الجبال ، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله
الرحمن عز وجل ، ثم يأمر المنادي فينادي : من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن
فلان .. فهلمَّ ، فيُقْبِلون ، حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن ، فيقول الرحمن :
اقضوا عن عبدي ، فيقولون : كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم : خذوا لهم من حسناته ،
فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة ... ، ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم
بهذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيَحْمِلُكَ أَثْقَاهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَثْقَالِمٌ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَكْمَةِ عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ... ))) الحديث، وسيأتي بمعناه حديث المفلس، والعيال أصحاب حق إن
قصر الراعي فيما استرعي .
جن حن جن +ج
(٢) قوت القلوب (٢٥١/٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥١/٢)، وقال الحافظ العراقي : ( ذكره صاحب (( الفردوس))
من حديث أبي سعيد، ولم يجده ولده أبو منصور في ((مسنده))). ((إتحاف))
(٣١٧/٥) .
ـكن
١٤٠
حن
حن حن