النص المفهرس
صفحات 101-120
ربع العادات ھیہ كتاب آداب النكاح أبلغْ منازلَ المتأهِّلينَ ، وفي روايةٍ : قالَ لي : ما كنتُ أحبُّ أنْ تلقاني عزباً ، قالَ : فقلنا لهُ : ما فعلَ أبو نصرٍ التمَّارُ ؟ فقالَ : رُفعَ فوقي بسبعينَ درجةٌ، قلنا : بماذا؟ فقدْ كنّا نراكَ فوقَهُ! قالَ : بصبرِهِ على بنيَّاتِهِ والعيالِ(١). وقالَ سفيانُ بنُ عيينةَ : ( كثرةُ النساءِ ليستْ مِنَ الدنيا ؛ لأنَّ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ كانَ أزهدَ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وكانَ لهُ أربعُ نسوةٍ وسبعَ عشرةَ سُرِّيةً ، فالنكاحُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وخُلُقٌ مِنْ أخلاقِ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ)(٢). وقالَ رجلٌ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ رحمَهُ اللهُ : طوبى لكَ ، فقدْ تفرغتَ للعبادةِ بالعزوبةِ ، فقالَ : لروعةٌ منكَ بسببِ العيالِ أفضلُ مِنْ جميعِ ما أنا فيهِ ، قالَ : فما الذي يمنعُكَ مِنَ النكاحِ ؟ قالَ : ما لي حاجةٌ في امرأةٍ ، وما أريدُ أنْ أغرَّ امرأةٌ بنفسي(٣) . وقدْ قيلَ : ( فضلُ المتأهِّلِ على العزبِ كفضْلِ المجاهدِ على القاعدِ ، وركعةٌ مِنْ متأهِّلٍ أفضلُ مِنْ سبعينَ ركعةً مِنْ عزبٍ )(٤) . (١) قوت القلوب (٢٤١/٢) . (٢) قوت القلوب (٢٤١/٢) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١/٨). (٤) قوت القلوب (٢٤٣/٢) . ١٠١ حن حنحن خن/ حن كتاب آداب النكاح ربع العادات التَّغيب عن النكاح وأمَّا ما جاءَ في الترغيبِ عنِ النكاح : فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُ الناسِ بعدَ المئتينِ الخفيفُ الحاذِ الذي لا أهلَ لهُ ولا ولدَ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يأتي على الناسِ زمانٌ يكونُ هلاكُ الرجلِ على يدِ زوجتِهِ وأبويهِ وولدِهِ، يعيِّرونَهُ بالفقرِ ، ويكلِّفونَهُ ما لا يطيقُ ، فيدخلُ المداخلَ التي يذهبُ فيها دينُهُ، فيهِلِكُ))(٣). وفي الخبرِ : ( قلَّةُ العيالِ أحدُ اليسارينِ، وكثرتُهُمْ أحدُ الفقرينِ ) (٤) وسُئِلَ أبو سليمان الدارانيُّ عنِ النكاح فقالَ: ( الصبرُ عنهُنَّ خيرٌ مِنَ حن (١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية. (٢) رواه الخطابي في ((العزلة)) (ص ٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٨٦٧)، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٥٠/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٢٩١/٥). (٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (ص١٠)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٤٣٩)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٨٦٩٧). (٤) كذا في ((القوت)) (٢٣٨/٢)، لم يجعله حديثاً، وكذا المصنف هنا، قال: ( وقال بعض السلف ) ثم حكاه ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب ، رواه عنه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٣٦/٧)، وابن أبي الدنيا في ((العيال)) (١٠٣) بالجملة الأولى منه ، والثانية مستفادة منها، وقد روي مرفوعاً كذلك، رواه الشهاب في ((مسنده)) (٣٢)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٤٢١). ١٠٢ ش.رم رء ربع العادات كتاب آداب النكاح الصبرِ عليهِنَّ، والصبرُ عليهِنَّ خيرٌ مِنَ الصبرِ على النارِ)(١) . وقال أيضاً : ( الوحيدُ يجدُ مِنْ حلاوةِ العملِ وفراغ القلبِ ما لا يجدُ المتأهِّلُ )(٢). وقالَ مرَّةٌ: ( ما رأيتُ أحداً مِنْ أصحابنا تزوَّجَ فثبتَ على مرتبتِهِ الأولى)(٣). وقال أيضاً : ( ثلاثٌ مَنْ طلبَهُنَّ فقدْ ركنَ إلى الدنيا : مَنْ طلبَ معاشاً ، أوْ تزوَّجَ امرأةً، أوْ كتبَ الحديثَ )(٤). .د. ب وقالَ الحسنُ : ( إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. لمْ يشغلْهُ بأهلِ ولا مالٍ )(٥) ، وقالَ ابنُ أبي الحَواري : ( تناظرَ جماعةٌ في هذا الحديثِ (٦)، فاستقرَّ رأيُهُمْ على أنَّهُ ليسَ معناهُ ألاَّ يكونا لهُ، بلْ أنْ يكونا لهُ ولا يشغلانِهِ )(٧)، من (١) قوت القلوب (٢/ ٢٤٠)، وحكاه عن أبي محمد سهل بن عبد الله التستري . (٢) قوت القلوب (٢٤٧/٢)، وأوله : ( من صبر على الشدة .. فالتزويج له أفضل ) . (٣) قوت القلوب (٢٤٧/٢). (٤) قوت القلوب (٢٤٧/٢)، والمراد بكتب الحديث : طلب الأسانيد العالية ، أو طلب الحديث الذي لا يحتاج إليه في طريق الآخرة . (٥) قوت القلوب (٢٤٩/٢) . (٦) أي: في حديث الحسن هذا، وعبارة ((القوت)) (٢٤٩/٢): (فناظرنا جماعة من العلماء ... ) . (٧) قوت القلوب (٢٤٩/٢) . ١٠٣ جن جن جن جن ون كتاب آداب النكاح ربع العادات وهوَ إشارةٌ إلى قولِ أبي سليمانَ الدارانيِّ : ( ما شغلَكَ عنِ اللهِ مِنْ أَهلِ ومالٍ وولدٍ .. فهوَ عليكَ مشؤومٌ)(١) . وبالجملةِ : لمْ يُنقلْ عنْ أحدٍ الترغيبُ عنِ النكاح مطلقاً إلاَّ مقروناً بشرطٍ ، وأمَّا الترغيبُ في النكاح .. فقدْ وردَ مطلقاً ومقروناً بشرط(٢)، فلنكشفِ الغطاءَ عنهُ بحصرِ آفاتِ النكاحِ وفوائدِهِ . بدين: فج حن حن حن جن حرجة خن حن (١) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٣٦٢/٣٣) . (٢) فعبارة المصنف هنا تومىء إلى تفضيل النكاح على العزوبة؛ إذ العزوبة لا ترجح إلا بشرط . ١٠٤ حن حن جم ربع العادات كتاب آداب النكاح آفات الشكاح وفوائده حن فوائد الشكاح(١) وفيهِ خمسُ فوائدَ : الولدُ، وكسرُ الشهوةِ ، وتدبيرُ المنزلِ ، وكثرةٌ العشيرةِ ، ومجاهدةُ النفسِ بالقيامِ بهنَّ . الفائدةُ الأولىُ : الولدُ : ـحيـ وهوَ الأصلُ ، ولهُ وُضِعَ النكاحُ ، والمقصودُ بقاءُ النسلِ ، وألا يخلوَ العالمُ عنْ جنسِ الإنسِ ، وإنَّما الشهوةُ خُلقَتْ باعثةً مستحِثَّةً ، كالمؤكَّلِ بالفحلِ في إخراجِ البَذْرِ ، وبالأنثى في التمكينِ مِنَ الحرثِ ؛ تلطفاً بهما في السياقةِ إلى اقتناصِ الولدِ بسببِ الوقاع ؛ كالتلطّفِ بالطيرِ في بثِّ الحبِّ الذي يشتهيهِ ليساقَ إلى الشبكةِ . وكانتِ القدرةُ الأزليَّةُ غيرَ قاصرةٍ عنِ اختراع الأشخاصِ ابتداءً مِنْ غيرٍ حراثةٍ وازدواج ، ولكنَّ الحكمةَ اقتضتْ ترتيبَ المسبَّاتِ على الأسبابِ معَ الاستغناءِ عنها ؛ إظهاراً للقدرةِ ، وإتماماً لعجائبِ الصنعة ، وتحقيقاً لما سبقتْ بهِ المشيئةُ وحقَّتْ بهِ الكلمةُ وجرىُ بهِ القلمُ . (١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية . قَت حن ١٠٥ % كتاب آداب النكاح ربع العادات وفي التوصُّلِ إلى الولدِ قربةٌ مِنْ أربعةِ أوجهٍ هيَ الأصلُ في الترغيبِ فيهِ عندَ الأمْنِ مِنْ غوائلِ الشهوةِ ، حتَّى لمْ يحبَّ أحدُهُمْ أنْ يلقى اللهَ تعالى عزباً : الأوَّلُ : موافقةُ محبّةِ اللهِ تعالى بالسعي في تحصيلِ الولدِ لبقاءِ جنسٍ الإنسانِ . والثاني : طلبُ محبّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في تكثيرٍ مَنْ بهِ مباهاته . والثالثُ : طلبُ التَبُّكِ بدعاءِ الولدِ الصالحِ بعدَهُ . والرابعُ : طلبُ الشفاعةِ بموتِ الولدِ الصغيرِ إذا ماتَ قبلَهُ . حز كن عن كن ــون أمّا الوجهُ الأوَّلُ : فهوَ أدقُّ الوجوهِ ، وأبعدُها عنْ أفهام الجماهيرِ ، وهوَ أحقُّها وأقواها عندَ ذوي البصائرِ النافذةِ في عجائبِ صنع اللهِ عزَّ وجلَّ ومجاري حِكَمِهِ . وبيانُهُ : أَنَّ السيدَ إذا سلَّمَ إلى عبدِهِ البَذْرَ وآلاتِ الحرْثِ وهيَّأْ لهُ أرضاً مهيَّةٌ للحراثةِ ، وكانَ العبدُ قادراً على الحراثةِ ، ووكلَ بهِ مَنْ يتقاضاهُ عليها ؛ فإنْ تكاسلَ وعطَّلَ آلةَ الحرثِ ، وتركَ البذْرَ ضائعاً حتَّى فسدَ ، ودفعَ الموكَّلَ عنْ نفسِهِ بنوعٍ مِنَ الحيلةِ .. كانَ مستحقّاً للمقتِ والعتابِ مِنْ سيِّدِهِ . ٢ ٠٥ ٣ ١٠٦ حن شن ان ربع العادات كتاب آداب النكاح واللهُ تعالى خلقَ الزوجينِ ، وخلقَ الذكرَ والأَنْثَينِ ، وخلقَ النطفةَ في الفقار ، وهيَّأَ لها في الأَنْثَينِ عروقاً ومجاريَ ، وخلقَ الرحمَ قَراراً ومستودعاً للنطفةِ، وسلَّطَ متقاضيَ الشهوةِ على كلِّ واحدٍ مِنَ الذكر والأنثى ، فهذهِ الأفعالُ والآلاتُ تشهدُ بلسانٍ ذَلْقِ في الإعرابِ عنْ مرادِ خالِقِها ، وتنادي أربابَ الألبابِ بتعريفِ ما أُعدَّتْ لهُ ، هذا لوْ لمْ يصرِّحْ به الخالقُ تعالى على لسانِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمرادِ حيثُ قالَ: (( تناكحوا تكثروا))(١)، فكيفَ وقدْ صرَّحَ بالأمرِ وباحَ بالسرِّ ؟! فكلُّ ممتنعِ عنِ النكاحِ مُعْرِضٌ عنِ الحراثةِ مضيِّعٌ للبَذْرِ ، ومعطُّلٌ لما خلقَ اللهُ لهُ مِنَ الآلةِ المعدَّةِ ، وجانٍ على مقصودِ الفطرةِ والحكمةِ المفهومةِ مِنْ شواهدِ الخلقةِ المكتوبةِ على هذهِ الأعضاءِ بخطٌّ إلهيٌّ ليسَ برقْمِ حروفٍ وأصواتٍ ، يقرؤُهُ كلُّ مَنْ لهُ بصيرةٌ رَّانيةٌ نافذةٌ في إدراكِ دقائقِ الحكمةِ الأزليةِ . عے ےے ٥ ولذلكَ عظَّمَ الشرعُ الأمرَ في القتلِ للأولادِ ، وفي الوأَدِ ؛ لأنَّهُ منعٌ لتمام الوجودِ ، وإليهِ أشارَ مَنْ قالَ : ( العزْلُ أحدُ الوأدينِ)(٢) ، فالناكحُ ساع في 03- (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٣/٦) عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً، وقال الحافظ العراقي : ( رواه ابن مردويه في (( تفسيره )) من حديث ابن عمر بسند ضعيف ) ، وروى أبو داوود (٢٠٥٠) مرفوعاً: (( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم » . (٢) روى مسلم (١٤٤٢) مرفوعاً وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ((ذلك الوأد الخفي )) . فه ١٠٧ حم دن دن حن كتاب آداب النكاح ليـ ربع العادات إتمام ما أحبَّ اللهُ تعالى تمامَهُ ، والمعرضُ معطّلٌ ومضيِّعٌ لما كرهَ اللهُ ضياعَهُ ، ولأجلِ محبّةِ اللهِ تعالى لبقاءِ النفوسِ أمرَ بالإطعام وحثَّ عليهِ ، وعبَّرَ عنهُ بعبارةِ القرضِ فقالَ تعالى: ﴿مَن ◌َذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فإنْ قلتَ : قولُكَ : ( إنَّ بقاءَ النفسِ والنسلِ محبوبٌ) يوهمُ أنَّ فناءَها مكروهٌ عندَ اللهِ تعالى ، وهوَ فرقٌ بينَ الموتِ والحياةِ بالإضافةِ إلى إرادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومعلومٌ أنَّ الكلَّ بمشيئةِ اللهِ سبحانَهُ ، وأنَّ اللهَ غنيٌّ عنِ العالمينَ ، فِمِنْ أينَ يتميَّزُ عندَهُ موتُهُمْ عنْ حياتِهِمْ ، وبقاؤُهُمْ عنْ فنائِهِمْ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذهِ الكلمةَ حقٌّ أُرِيدَ بها باطلٌ(١)؛ فإنَّ ما ذكرناهُ لا ينافي إضافةَ الكائناتِ كلُّها إلى إرادةِ اللهِ سبحانه خيرِها وشرِّها ، نفعِها وضرِّها ، ولكنَّ المحبةَ والكراهةَ يتضادّانِ ، وكلاهما لا يضادَّانِ الإرادةَ ، فربَّ مرادٍ مكروهٌ، وربَّ مرادٍ محبوبٌ، فالمعاصي مكروهةٌ وهيَ معَ الكراهةِ مرادةٌ ، والطاعاتُ مرادةٌ وهيَ معَ كونِها مرادةً محبوبةٌ ومرضيةٌ ، أمَّا الكفرُ والشرُّ .. فلا نقولُ : إنَّهُ مرضيٍّ ومحبوبٌ، بلْ هوَ مرادٌ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ . 0.4 .حن (١) وأول من فاه بههذه الكلمة سيدنا علي رضي الله عنه، روى مسلم ( ١٠٦٦): أن الحرورية لما خرجت .. قالوا: لا حُكْمَ إلا الله، قال علي: ( كلمة حقٌّ أريد بها باطل ) الحديث . ١٠٨ حرة محرم ربع العادات كتاب آداب النكاح وكيفَ يكونُ الفناءُ بالإضافةِ إلى محبَّةِ اللهِ وكراهتِهِ كالبقاءِ ؟! فإنَّهُ تعالى يقولُ: ((ما تردّدْتُ في شيءٍ كترُّدِي في قبضٍ روحٍ عبدي المسلمِ ، هوَ يكرهُ الموتَ، وأنا أكرهُ مساءتَهُ، ولا بدَّ لهُ مِنَ الموتِ))(١)، فقولُهُ: (( لا بُدَّلهُ مِنَ الموتِ)) إشارةٌ إلى سبْقِ الإرادةِ والتقديرِ المذكورِ في قولِهِ تعالى : ﴿نَحْنُ قَذَّرْنَا بَيْتَّكُمُ الْمَوْتَ﴾، وفي قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَّوَةَ ﴾، ولا مناقضةً بينَ قولِهِ تعالى: ﴿نَحْنُ قَذَّرْنَا بَيْتَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وبينَ قولِهِ: ((وأنا أكرَهُ مساءتَهُ))، ولكنْ إيضاحُ الحقِّ في هذا يستدعي تحقيقَ معنى الإرادة والمحبّةِ والكراهةِ وبيانَ حقائقِها ، فإنَّ السابقَ إلى الأفهام منها أمورٌ تناسبُ إرادةَ الخلقِ ومحبَّتَهُمْ وكراهتَهُمْ، وهيهاتَ ! فبينَ صفاتِ اللهِ سبحانَهُ وصفاتِ الخلقِ مِنَ البعدِ ما بينَ ذاتِهِ العزيزِ وذوَاتِهِمْ ، وكما أنَّ ذواتِ الخلقِ جوهرٌ وعرضٌ وذاتُ اللهِ مقدَّسٌ عنهُ، ولا يناسبُ ما ليسَ بجوهرٍ وعرضٍ الجوهرَ والعرضَ .. فكذا صفاتُهُ لا تناسبُ صفاتِ الخلقِ . حن وهذهِ الحقائقُ داخلةٌ في علم المكاشفةِ ، ووراءَهُ سرّ القدرِ الذي منعَ مِنْ إفشائِهِ ، فلنقبضْ عنْ ذكرِهِ ، ولنقتصرْ على ما نبهْنا عليهِ مِنَ الفرقِ بينَ (١) رواه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند أحمد في ((المسند)) (٢٥٦/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقوله: ((ولا بد له من الموت)) هذه الزيادة ليست عندهما، وقد رواها ابن أبي الدنيا في ((الأولياء)) (٢١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/٨)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٥١٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» ( ٩٥/٧) من حديث أنس رضي الله عنه . ١٠٩ ثن جن ش كن حن حنثن كتاب آداب النكاح ربع العادات ٥٠٠٠ الإقدام على النكاح والإحجام عنهُ، فإنَّ أحدَهُما مضيعٌ نسلاً أدامَ اللهُ وجودَهُ مِنْ آدَمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عقباً بعدَ عقبٍ إلى أنِ انتهى إليهِ ، فالممتنعُ عنِ النكاحِ قدْ حسمَ الوجودَ المستدامَ مِنْ لدنْ وجودِ آدمَ عليهِ السلامُ على نفسِهِ ، فماتَ أبترَ لا عقب لهُ . ولوْ كانَ الباعثُ على النكاحِ مجرَّدَ دفع الشهوةِ .. لما قالَ معاذٌ فى الطاعون : (زوِّجوني، لا ألقى اللهَ عزباً)(١). فإنْ قلتَ : فما كانَ معاذٌ يتوقَّعُ ولداً في ذلكَ الوقتِ ، فما وجهُ رغبتِهِ فيهِ ؟ ـتز ٤٠ فأقولُ : الولدُ يحصلُ بالوقاعِ ، ويحصلُ الوقاعُ بباعثِ الشهوةِ ، وذلكَ أمرٌ لا يدخلُ في الاختيارِ ، إنَّمَا المتعلَّقُ باختيارِ العبدِ إحضارُ المحرِّكِ للشهوةِ ، وذلكَ متوقَّعٌ في كلِّ حالٍ ، فمَنْ عقدَ .. فقدْ أدَّى ما عليهِ ، وفعلَ ما إليهِ ، والباقي خارجٌ عنِ اختيارِهِ . ولذلكَ يُستحبُّ النكاحُ للعنينِ أيضاً ؛ فإنَّ نهضاتِ الشهوةِ خفيَّةٌ لا يُطَّلَعُ عليها حتَّى إِنَّ الممسوحَ الذي لا يُتوقَّعُ لهُ ولدٌ لا ينقطعُ الاستحبابُ أيضاً في حقِّهِ على الوجهِ الذي يُستحبُّ للأصلع إمرارُ الموسى على رأسِهِ اقتداءً (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦١٥٧)، وهو في ((القوت)) (٢٤١/٢). ١١٠ شن ربع العادات كتاب آداب النكاح بغيرِهِ ، وتشبُّهاً بالسلفِ الصالحينَ ، وكما يُستحبُّ الرملُ والاضطباعُ في الحجِّ الآنَ، وقدْ كانَ المرادُ منهُ أوَّلاً إظهارَ الجَلَدِ للكفار ، فصارَ الاقتداءُ والتشبُّهُ بالذينَ أظهروا الجَلَدَ سنَّةً في حقِّ مَنْ بعدَهُمْ . ويضعفُ هذا الاستحبابُ بالإضافةِ إلى الاستحبابِ في حقِّ القادرِ على الحرْثِ ، وربما يزدادُ ضعفاً بما يقابلُهُ مِنْ كراهةِ تعطيلِ المرأةِ وتضييعِها فيما يرجعُ إلى قضاءِ الوطرِ ، فإنَّ ذلكَ لا يخلو عنْ نوع مِنَ الخطرِ ، فههذا المعنى هوَ الذي ينبّهُ على شدَّةٍ إنكارِهِمْ لتركِ النكاحِ معَ فتورِ الشهوةِ . حن % من الوجه الثاني : السعيُ في محبّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ورضاهُ : بتكثيرِ ما بهِ مباهاتُهُ، إذْ قدْ صرَّحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ . ويدلُّ على مراعاةٍ أمرٍ الولدِ جملةً بالوجوهِ كلِّها ما رُوِيَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ ينكحُ كثيراً ويقولُ: (إنَّما أنكحُ للولدِ)(١). وما رُوِيَ مِنَ الأخبارِ في مذمَّةِ المرأةِ العقيمِ ؛ إذْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لحصيرٌ في ناحيةِ البيتِ خيرٌ مِنِ امرأةٍ لا تلدُ)) (٢). (١) قوت القلوب (٢٤٢/٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((العمر والشيب)) (٨٥) بلفظ : ( لولا الولد .. لم أتزوج ) ، وسيأتي تمامه في الحديث بعده . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٤٢/٢)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في (( العمر والشيب)) (٨٥) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه قال : ( حصير في بيت خير من امرأة = س ١١١ ش حن حن كتاب آداب النكاح وه جوم ربع العادات وقالَ: ((خيرُ نسائِكُمُ الولودُ الودودُ))(١)، وقال: ((سوداءُ ولودٌ خيرٌ مِنْ حسناءَ لا تلدُ))(٢). وهذا يدلُّ على أنَّ طلبَ الولدِ أدخلُ في اقتضاءِ فضْلِ النكاحِ مِنْ طلبٍ دفع غائلةِ الشهوةِ ؛ لأنَّ الحسناءَ أصلحُ للتحصينِ وغضٌّ البصرِ وقطعٍ الشهوةِ . الوجهُ الثالثُ : أنْ يبقى بعدَهُ ولدٌ صالحٌ يدعو لهُ: كما وردَ في الخبرِ : أنَّ جميعَ عملِ ابنِ آدمَ ينقطعُ إلا ثلاثةً، فذكرَ الولدَ الصالحَ(٣)، وفي الخبرِ : ( إنَّ الأدعيةَ تُعرضُ على الموتى على أطباقٍ مِنْ نورٍ)(٤) . = لا تلد)، ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٧٣/١٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما . (١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨٢/٧). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦١/٦)، وتمام في ((فوائده)) (٧٤٥) ، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٠/١٤)، والمراد بلفظ: ((سوداء)): قبيحة الوجه ، لا مطلق اللون . (٣) رواه مسلم ( ١٦٣١) . (٤) إشارة من المصنف إلى وصول دعاء كل حي للميت ولو لم يكن ولداً له ، وهذا الخبر رؤيا رآها بشار بن غالب ؛ إذ رأى رابعة العدوية في منامه وكان كثير الدعاء لها ، فقالت له : يا بشار ؛ هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل من حرير . رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٨٨٦٠)، ولم يصرح المصنف برفعه ، وقد ذكره مرفوعاً ابن حبان في ((المجروحين)) (١١٣/١) . ١١٢ حن ثن جن كن حن كن جم ربع العادات كتاب آداب النكاح وقولُ القائلِ : ( إنَّ الولدَ ربما لمْ يكنْ صالحاً) لا يؤثِّرُ ؛ فإنَّهُ مؤمنٌ ، والصلاحُ هوَ الغالبُ على أولادِ ذوي الدينِ ، لا سيما إذا عزمَ على تربيتِهِ وحملِهِ على الصلاحِ . وبالجملةِ : دعاءُ المؤمن لأبويهِ مفيدٌ برّاً كانَ أوْ فاجراً ، فهوَ مثابٌ على دعواتِهِ وحسناتِهِ ؛ فإنَّهُ مِنْ كسبهِ ، وغيرُ مؤاخذٍ بسيئاتِهِ ؛ فإنَّهُ لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنِهِمْ وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾(١) أيْ: ما نقصْناهُمْ مِنْ أعمالِهِمْ، وجعلْنا أولادَهُمْ مزيداً في إحسانِهِمْ . الوجهُ الرابعُ : أنْ يموتَ الولدُ قبلَهُ، فيكونَ لهُ شفيعاً : فقدْ رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ الطفلَ يجرُّ بأبويهِ إلى الجنَّةِ))(٢). (١) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وأبي عمرو، جمعوا كلمة ( ذرية). انظر (( الحجة)) (٢٢٧/٦ ) . (٢) رواه ابن ماجه (١٦٠٨) ولفظه: ((إن السِّقْطَ ليراغم ربه إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه ؛ أدخل أبويك الجنة ، فيجرهما بسَرَرِه - ما بقي بعد قطع السرَّة - حتى يدخلهما الجنة))، وروى ابن ماجه (١٦٠٩)، وأحمد في ((المسند)) (٢٤١/٥): (( والذي نفسي بيده؛ إن السقط ليجرّ أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته )) ، ومعناه في الحديث بعده كذلك . ١١٣ جن ح جن جن جن حن شل فت كتاب آداب النكاح ربع العادات وفي بعضِ الأخبارِ: ((يأخذُ بثوِهِ كما أنا الآنَ آخذُ بثوبِكَ))(١). وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المولودَ يُقالُ لهُ : ادخلِ الجنةَ ، فيقفُ على بابِ الجنةِ ، فيظلُّ محبنطئاً - أيْ : ممتلئاً غيظاً وغضباً - ويقولُ : لا أدخلُ الجنَّةَ إلا وأبوايَ معي، فيُقالُ: أدخلوا أبويهِ معَهُ الجنَّةَ))(٢). وفي خبرٍ آخرَ : ( إنَّ الأطفالَ يجتمعونَ في موقفِ القيامةِ عندَ عرْضٍ الخلائقِ للحسابِ ، فيقالُ للملائكةِ : اذهبوا بهؤلاءِ إلى الجنَّةِ ، فيقفونَ على بابِ الجنةِ ، فيُقالُ لهُمْ: مرحباً بذراري المسلمينَ ، ادخلوا لا حسابَ عليكم، فيقولونَ: فأينَ آباؤنا وأمهاتُنا، فيقولُ الخزنةُ: إنَّ آباءَكُمْ وأمهاتِكُمْ ليسوا مثلَكُمْ ، إنَّهُ كانتْ لُهُمْ ذنوبٌ وسيّاتٌ ، فَهُمْ يحاسبونَ عليها ويطالبونَ ، قالَ : فيتضاغونَ ويضجُونَ على بابِ الجنةِ ضجّةً واحدةً ، فيقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى وهوَ أعلمُ بهم : ما هذهِ الضجَّةُ ؟ فيقولونَ : (١) رواه مسلم (٢٦٣٥) من حديث أبي هريرة، طيّب بروايته قلب مسلم بن عبد الله البصري وقد مات له ابنان، ولفظه: (( صغاركم دعاميص الجنة ، يتلقى أحدهم أباه - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو قال بيده - كما آخذ أنا بصَنِفَة - طرف - ثوبك هذا ... )) الحديث . (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦١/٦) وقد تقدم طرفه، والطبراني في (( الكبير)) (٤١٦/١٩)، و((الأوسط)) (٥٧٤٢)، وأبو نعيم فى ((معرفة الصحابة)) (٣١١٩/٦) . ٢ ١١٤ ربع العادات کتاب آداب النكاح يا ربَّنا ؛ أطفالُ المسلمينَ قالوا: لا ندخلُ الجنَّةَ إلا معَ آبائنا، فيقولُ اللهُ تعالى: تخلَّلوا الجمعَ، فخذوا بأيدي آبائِهِمْ فأدخلوهُمُ الجنَّةَ)(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ ماتَ لهُ اثنانِ مِنَ الولدِ .. فقدِ احتظرَ بحظارِ مِنَ النارِ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ ماتَ لهُ ثلاثةٌ لمْ يبلغوا الحنثَ .. أدخلَهُ اللهُ الجنَّةَ بفضْلِ رحمتِهِ إِيَّاهُمْ))، قيلَ: يا رسولَ اللهِ ؛ واثنانِ ؟ قَالَ: ((واثنان))(٣) . وحُكِيَ أنَّ بعضَ الصالحينَ كانَ يُعرَضُ عليهِ التزويجُ فيأبى برهةٌ مِنْ (١) قوت القلوب (٢٤٢/٢) حيث قال: (وروينا خبراً غريباً) وحكاه ، ومعناه فيما اكتنفه من أخبار وآثار ، وروى النسائي (٢٥/٤) مرفوعاً: (( ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث .. إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة ، قال : يقال لهم : ادخلوا الجنة ، فيقولون : حتى يدخل آباؤنا ، فيقال : ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم )) . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٤٢/٢)، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٧٣/٥) عن زهير بن علقمة قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن لها مات ، فكأن القوم عنفوها ، فقالت : يا رسول الله ؛ قد مات لي اثنان مذ دخلت الإسلام سوى هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( والله لقد احتظرت من النار احتظاراً شديداً » . (٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٢/٢)، ورواه البخاري (١٣٨١) ولفظه: (( ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث .. إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ))، وروى البخاري (١٢٥٠)، ومسلم (٢٦٣٤) مرفوعاً: ((أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد .. كانوا حجاباً من النار))، قالت امرأة: واثنان؟ قال: ((واثنان)). ١١٥ ن ٥ كتاب آداب النكاح 05. 05. ربع العادات دهرِهِ ، قالَ : فانتبهَ مِنْ نومِهِ ذاتَ يومٍ وقالَ : زوِّجوني زوِّجوني ، فزوَّجوهُ، فسُئلَ عنْ ذلكَ، فقالَ: لعلَّ اللهَ تعالى يرزقُني ولداً ويقبضُهُ فيكونَ لي مقدمةً في الآخرةِ ، ثمّ قالَ : رأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قدْ قامَتْ ، وكأنِّي في جملةِ الخلائقِ في الموقفِ وبي مِنَ العطشِ ما كادَ أنْ يقطعَ عنقي ، وكذا الخلائقُ في شدَّةِ العطشِ والكربِ ، فنحنُ كذلكَ إذا ولدانٌ يتخلَّلونَ الجمعَ ، عليهِمْ مناديلُ مِنْ نورٍ ، وبأيديهِمْ أباريقُ مِنْ فضَّةٍ ، وأكوابٌ مِنْ ذهبٍ ، وهمْ يَسقونَ الواحدَ بعدَ الواحدِ ، يتخلَّلونَ الجمعَ ، ويجاوزونَ أكثرَ الناسِ ، فمددتُ يدي إلى أحدِهِمْ وقلتُ : اسقني ؛ فقدْ أجهدَني العطشُ، فقالَ: ليسَ لكَ فينا وَلَدٌ، إنَّما نسقي آباءَنا ، فقلتُ : ومَنْ أَنْتمْ ؟ فقالوا : نحنُ مَنْ ماتَ منْ أطفالِ المسلمينَ (١). وأحدُ المعاني المذكورةِ في قولِهِ تعالى: ﴿ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُ﴾ تقديمُ الأطفالِ إلى الآخرةِ(٢). فقدْ ظهرَ بهذهِ الوجوهِ الأربعةِ أنَّ أكثرَ فضْلِ النكاح لأجلِ كونهِ سبباً للولدِ . ـدة (١) قوت القلوب (٢٤٢/٢) عن بعض الصالحين، وهو في (( تسلية أهل المصائب)) من رواية القفال عن جار له . (٢) وهو وجه من وجوه ثلاثة حكاها صاحب ((القوت)) (٢٤٣/٢)، والوجهان الآخران : النكاح ، والتسمية عند قضاء الوطر . قـ ـن: ١١٦ ربع العادات كتاب آداب النكاح الفائدةُ الثانيةُ : التحصُّنُ عنِ الشيطانِ ، وكسرُ التوقانِ ، ودفعُ غوائلِ الشهوة ، وغضُّ البصرِ ، وحفظُ الفرجِ : حن حنه لادن وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ نكحَ .. فقدْ حصَّنَ نصفَ دينِهِ ، فليتقِ اللهَ في الشطرِ الآخرِ)) (١) . وإليهِ الإشارةُ بقولهِ : ((عليكُمْ بالباءةِ، فَمَنْ لمْ يستطعْ .. فعليهِ بالصوم ؛ فإنَّ الصومَ لهُ وجاءٌ))(٢). وأكثرُ ما نقلناهُ مِنَ الآثارِ والأخبارِ إشارةٌ إلى هذا المعنى، وهذا المعنى دونَ الأوَّلِ ؛ لأنَّ الشهوةَ موكلةٌ بتقاضي تحصيلِ الولدِ ، فالنكاحُ كافٍ لشغلِهِ، ودافعٌ لجعلِهِ ، وصارفٌ لشرِّ سطوتِهِ، وليسَ مَنْ يجيبُ مولاهُ رغبةً في تحصيلِ رضاهُ كمَنْ يجيبُ لطلبِ الخلاصِ عنْ غائلةِ التوكيلِ ، فالشهوةُ والولدُ مقدرانِ ، وبينَهُما ارتباطٌ ، وليسَ يجوزُ أنْ يقالَ : المقصودُ اللذَّهُ والولدُ لازمٌ منها؛ كما يلزمُ مثلاً قضاءُ الحاجةِ مِنَ الأكلِ وليسَ مقصوداً في ذاتِهِ ، بلِ الولدُ هوَ المقصودُ بالفطرةِ والحكمةِ ، والشهوةُ باعثةٌ عليهِ . (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥١٠٠)، وهو عند الطبراني في ((الأوسط)) ( ٩٧٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٦١/٢) واللفظ له: (( من رزقه الله امرأة صالحة .. فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الثاني)). (٢) رواه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠). زت ١١٧ كتاب آداب النكاح ربع العادات ولَعمري ؛ في الشهوةِ حكمةٌ أخرى سوى الإرهاقِ إلى الإيلادِ ، وهوَ ما في قضائِها مِنَ اللذةِ التي لا توازيها لذةٌ لوْ دامَتْ ، فهيَ منبِّهَةٌ على اللذاتِ الموعودةِ في الجنانِ ؛ إذِ الترغيبُ في لذةٍ لمْ يجدْ لها ذَواقاً . . لا ينفعُ ، فلوْ رُغُّبَ العنينُ في لذةِ الجماع ، أوْ الصبيُّ في لذَّةِ الملكِ والسلطنةِ .. لمْ ينفع الترغيبُ ، فإحدى فوائدٍ لذَّاتِ الدنيا الرغبةُ في دوامِها في الجنَّةِ ؛ ليكونَ باعثاً على عبادةِ اللهِ . فانظرْ إلى الحكمةِ ، ثمَّ إلى الرحمةِ، ثمَّ إلى التعبئةِ الإلهيةِ، كيفَ عُبِّئَتْ تحتَ شهوةٍ واحدةٍ حياتانِ ؛ حياةٌ ظاهرةٌ ، وحياةٌ باطنةٌ : فالحياةُ الظاهرةُ : حياةُ المرءِ ببقاءِ نسلِهِ ؛ فإنَّهُ نوعٌ مِنْ دوامِ الوجودِ . والحياةُ الباطنةُ : هيَ الحياةُ الأخرويَّةُ ؛ فإنَّ هذهِ اللذَّةَ الناقصةَ بسرعةٍ الانصرامِ تحرِّكُ الرغبةَ في اللذَّةِ الكاملةِ بلذَّةِ الدوامِ ، فيُستحثُّ على العبادةِ الموصلةِ إليها ، فيستفيدُ العبدُ بشدّةِ الرغبةِ فيها تيشُرَ المواظبةِ على ما يوصلُهُ إلى نعيمِ الجِنانِ . حن عن حن حن ٤٠ وما مِنْ ذرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ بدنِ الإنسانِ ظاهراً وباطناً بلْ مِنْ ذَرَّاتِ ملكوتِ السماواتِ والأرضينَ إلا وتحتَها مِنْ لطائفِ الحِكَمِ وعجائبها ما تحارُ العقولُ فيها ، ولكنْ إنَّما ينكشفُ للقلوبِ الطاهرةِ بقدْرِ صفائِها وبقدْرِ رغبتِها عنْ زهرةٍ الدنيا وغرورِها وإغوائِها . ٢٠ والنكاحُ بسببِ دفع غائلةِ الشهوةِ مهمٌّ في الدينِ لكلِّ مَنْ لا يُؤتى عنْ عجزِ ? ١١٨ ـن (ج) ربع العادات کتاب آداب النكاح الجسد وعُنَّةٍ ، وهمْ غالبُ الخلقِ ؛ فإنَّ الشهوةَ إنْ غلبَتْ ولمْ تقاومْها قوَّةُ التقوى .. جرَّتْ إلى اقتحام الفواحشِ ، وإليه أشارَ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عنِ اللهِ تعالى: ((إلا تفعلوهُ .. تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ))(١). وإنْ كانَ ملجماً بلجام التقوى .. فغايتُهُ أنْ يكفَّ الجوارحَ عنْ إجابةِ الشهوةِ ، فيغضَّ البصرَ ، ويحفظَ الفرجَ ، فأمَّا حفظُ القلبِ عنِ الوسواسِ والفكرٍ .. فلا يدخلُ تحتَ اختيارِهِ ، بلْ لا تزالُ النفسُ تجاذبُهُ وتحدِّثُهُ بأمورِ الوقاع ، ولا يفترُ عنهُ الشيطانُ الموسوسُ إليهِ في أكثرِ الأوقاتِ ، وقدْ يعرضُ لهُ ذلكَ في أثناءِ الصلاةِ، حتَّى يجري على خاطرِهِ مِنْ أَمورِ الوقاع ما لوْ صرَّحَ بهِ بينَ يدي أخسِّ الخلقِ .. لاستحيا منهُ، واللهُ مطّلعٌ على قلبهِ ، والقلبُ في حقِّ اللهِ كاللسانِ في حقِّ الخلقِ ، ورأسُ الأمرِ للمريدِ في سلوكِ طريقِ الآخرةِ قلبُهُ . من والمواظبةُ على الصوم لا تقطعُ مادةَ الوسوسةِ في حقِّ أكثرِ الخلقِ ، إلا أنْ ينضافُ إليهِ ضعفٌ في البدنِ وفسادٌ في المزاج ، ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: ( لا يتمُّ نسكُ الناسكِ إلا بالنكاح)(٢). وهذهِ محنةٌ عامَّةٌ ، قلَّ مَنْ يتخلَّصُ منها . (١) رواه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧)، وفيهما: ((وفساد عريض)). (٢) قوت القلوب (٢٤٠/٢)، وقد رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/٤) عن طاووس . ـشـ ١١٩ كتاب آداب النكاح ربع العادات قالَ قتادةُ في معنى قولهِ تعالى: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِ﴾ هوَ الغلمةُ (١) . .35 وعنْ عكرمةَ ومجاهدٍ أنَّهُما قالا في معنى قولِهِ تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾: إنَّهُ لا يصبرُ عنِ النساءِ(٢). مع وقالَ فياضُ بنُ نجيحِ : ( إذا قامَ ذكرُ الرجلِ .. ذهبَ ثلثا عقلِهِ )، وبعضُهُمْ يقولُ : ( ذهبَ ثلثُ دِينِهِ )(٣) . وفي نوادرِ التفسيرِ عنِ ابنِ عباسٍ ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قالَ : (قيامُ الذَّكَرِ )(٤). (١) كذا في ((القوت)) (٢٤٠/٢)، وقد رواه ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٠٥/٣/٣) عن سالم بن شابور ، وابن أبي حاتم في (( تفسيره)) ( ٣١٠٥) عن مكحول . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٤٠/٢)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٢/٤) عن طاووس . (٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٠/٢)، وقد رواه ابن المقرىء في ((معجمه)) (٨٠٥) بالجملة الأولى ، وفيه ( تمام بن نجيح) . حة (٤) قوت القلوب (٢٤٠/٢)، قال السمعاني في ((تفسيره)) (٣٠٦/٦): (وذكر النقاش بإسناده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: ﴿وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: من شر الذكر إذا دخل ، قال النقاش : فذكرت ذلك لمحمد بن إسحاق بن خزيمة وقلت : هل يجوز أن تفسر القرآن بهذا؟! قال: نعم، قال النبي: ((أعوذ بك من شر منيي)) ، وهو خبر معروف، وهو أن النبي قال: (( أعوذ بك من شري سمعي ، ومن شر بصري )" فعدَّد أشياء، وقال في آخرها: ((ومن شر منيي )))، وهو ما سيحكيه المصنف رحمه الله تعالى . ١٢٠ حن