النص المفهرس
صفحات 81-100
ربع العادات كتاب آداب الأكل شفاءٌ، وسمنُها دواءٌ(١)، والشحمُ يُخرِجُ مثلَهُ مِنَ الداءِ ، ولنْ تستشفيَ النفساءُ بشيء أفضلَ مِنَ الرطبِ (٢)، والسمكُ يذيبُ الجسدَ(٣)، وقراءةُ القرآنِ والسواكُ يذهبانِ البلغمَ، ومَنْ أرادَ البقاءَ - ولا بقاءَ - فليباكرِ بالغداءِ، وليقلَّ غشيانَ النساءِ ، وليخفِّفِ الرداءَ؛ وهوَ الدَّيْنُ)(٤). الثالثُ : قالَ الحِجَّاجُ لبعضٍ الأطباءِ : صفْ لي صفةً آخذُ بها ولا أعْدُوها ، قالَ : ( لا تنكحْ مِنَ النساءِ إلا فتاةً ، ولا تأكلْ مِنَ اللحمِ إلا فتيّاً ، ولا تأكلِ المطبوخَ حتَّى ينعمَ نضجُهُ ، ولا تشربنْ دواءً إلاَّ مِنْ علَّةٍ ، (١) روى أبو داوود في ((المراسيل)) (٤٤٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٢/٢٥) في لحم وسمن ولبن البقر مرفوعاً : (( ألبانها شفاء، وسمنها دواء ، ولحومها داء )) . (٢) روى الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٨/ ٣٦٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٩٣/٧٠) مرفوعاً: (( أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر؛ فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر .. خرج ولدها ذلك حليماً ... )) الحديث . (٣) رواه الحاكم في (( تاريخ نيسابور)) وحكى سنده الحافظ الزبيدي في « إتحافه)) (٢٦٧/٥)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (١٧٠٥). ت (٤) تقدم في أول الحديث أنه بتمامه هكذا قد رواه البيهقي، وهو في (( القوت )) (١٨٨/٢)، ووقع في (ب) زيادة، حيث قال: (ومن أراد البقاء ــ ولا بقاء - فليباكر الغداء ، وليلبس الحذاء ، وليكثر من العشاء ... ) وليست في ((القوت))، ومجيء الرداء بمعنى الدَّين نصّ عليه أهل اللغة ، بمعنى : يخفف عن ظهره ثقل الديون . ٨١ حن حن كتاب آداب الأكل ربع العادات ولا تأكلْ منَ الفاكهةِ إلاَّ نضيجَها ، ولا تأكلْ طعاماً إلا أجدتَ مضغَهُ ، وكلْ ما أحببتَ مِنَ الطعام ، ولا تشربْ عليهِ ، فإذا شربتَ .. فلا تأكلْ عليهِ شيئاً ، ولا تحبسِ الغائطَ والبولَ ، وإذا أكلتَ بالنهارِ .. فنمْ، وإذا أكلتَ بالليلِ .. فامشٍ قبلَ أنْ تنامَ ولوْ مئةَ خطوةٍ )(١) . وفي معناهُ قولُ العربِ: ( تعشَّ تمشَّ، وتغذَّ تمدَّ) يعني: تمدّدْ (٢)؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ ثُمَ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَظَى﴾ أيْ: يتمطَّطُ. ويُقالُ : إنَّ حبسَ البولِ يفسدُ مِنَ الجسدِ كما يفسدُ النهرُ ما حولَهُ إذا سُدَّ و(٣) مجراهُ(٣). الرابعُ : في الخبرِ : ( قطعُ العروقِ مسقمةٌ، وتركُ العشاءِ مهرمةٌ )(٤) . والعربُ تقولُ : ( تركُ الغداءِ يذهبُ بشحم الكاذَةِ ) يعني: الآليةَ(٥). ـت (١) قوت القلوب (١٨٨/٢)، وطبيبه هو تياذوق، والخبر في ((عيون الأخبار)) (٢٧٠/٣). (٢) فأبدلوا الألف من الدال الثانية كراهية التكرار، ولازدواج الكلام. ((قوت القلوب)) (١٨٨/٢). ـستهـ (٣) قوت القلوب (١٨٨/٢). (٤) كذا في ((القوت)) (١٨٨/٢)، والجملة الأولى منه رواها ابن عساكر في ( تاريخ دمشق)» ( ٢٤٠/٢٧)، والثانية رواها الترمذي (١٨٥٦). (٥) قوت القلوب (١٨٨/٢). ٨٢ 1 ربع العادات كتاب آداب الأكل وقالَ بعضُ الحكماءِ لابنِهِ : ( يا بنيَّ؛ لا تخرجْ منْ منزِلِكَ حتَّى تأخذَ حِلمَكَ؛ أيْ: تتغذّى )(١) إذْ بهِ يبقى الحلمُ ويزولُ الطيشُ، وهوَ أيضاً أقلُّ لشهوةِ ما يرى في السوقِ . وقالَ حكيمٌ لسمينٍ : أرى عليكَ قطيفةً مِنْ نسج أضراسِكَ فممَّا هيَ ؟ قالَ : آكلُ لُبابَ البُرِّ وصغارَ المعزِ، وأَدَّهنُ بجامٍ بنفسجٍ ، وألبسُ الكتَّانَ (٢) . ٦).ــ. الخامسُ : الحِميةُ تضرُّ بالصحيح كما يضرُّ تركُها بالمريضِ ، هكذا قيلَ . وقالَ بعضُهُمْ : ( مَنِ احتمى .. فهوَ على يقينٍ مِنَ المكروهِ ، وعلىُ شكِّ مِنَ العوافي )(٣). وهذا حسنٌ في حالِ الصحَّةِ . ورأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صهيباً يأكلُ تمراً وإحدى عينيهِ رمداءُ، فقالَ: (( تأكلُ التمرَ وأنتَ رمٌ؟! » فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّما 5 (١) قوت القلوب (١٨٩/٢). (٢) قوت القلوب (١٨٩/٢). (٣) قوت القلوب (١٨٩/٢). ٨٣ كتاب آداب الأكل ربع العادات أمضغُ بالشقِّ الآخرِ - يعني : جانبَ السليمةِ - فضحكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) . السادسُ : أنَّهُ يُستحبُّ أنْ يُحملَ طعامٌ إلى أهلِ الميتِ ، ولمَّا جاءَ نعيُ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ .. قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ آلَ جعفرٍ شُغلوا بميتِهِمْ عنْ صنع طعامِهِمْ، فاحملوا إليهِمْ ما يأكلونَ))(٢)، فذلكَ سنةٌ ، وإذا قُدِّمَ ذلكَ إلى الجمع .. حلَّ الأكلُ منهُ ، إلا ما يهيًَّ للنوائح والمُعِيناتِ عليهِ بالبكاءِ والجزع ، فلا ينبغي أنْ يُؤكلَ معهم . السابعُ : لا ينبغي أن يحضرَ طعامَ ظالمٍ ؛ فإنْ أُكره .. فليقلِّلِ الأكلَ ، ولا يقصدِ الطعامَ الأطيبَ ؛ ردَّ بعضُ المزكِّينَ شهادةَ مَنْ حضرَ طعامَ سلطانٍ ، فقالَ : كنتُ مُكرهاً ، فقالَ: رأيتُكَ تقصدُ الأطيبَ ، وتكبِّرُ اللقمةَ ، وما كنتَ مكرهاً علیهِ . وأجبرَ السلطانُ هذا المزكِّيَ على الأكلِ ، فقالَ : إِمَّا أنْ آكلَ وأخليَ التزكيةَ ، أَوْ أَزكيَ ولا آكلَ ، فلمْ يجدوا بُدَّاً مِنْ تزكيتِهِ ، فتركوهُ(٣). (١) رواه ابن ماجه (٣٤٤٣) . (٢) رواه أبو داوود (٣١٣٢)، والترمذي ( ٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠). (٣) قوت القلوب (٢/ ١٩٢). % %G نمـ ٨٤ من ربع العادات كتاب آداب الأكل وحُكيَ أنَّ ذا النونِ المصريَّ حُبسَ ، فلمْ يأكلْ أياماً في السجنِ ، فكانتْ لهُ أختٌ في اللهِ ، فبعثَتْ إليهِ مِنْ مغزلِها طعاماً على يدِ السجَّانِ ، فامتنعَ فلمْ يأكلْ ، فعاتبتْهُ المرأةُ بعدَ ذلكَ، فقالَ : كانَ حلالاً ، ولكنْ جاءَني على طبقِ ظالمٍ ، وأشارَ بهِ إلى يدِ السجَّانِ، وهذا غايةُ الورعِ(١). الثامنُ : حُكِيَ عن فتح الموصليِّ رحمهُ اللهُ أنَّهُ دخلَ على بشرِ الحافي زائراً، فأخرجَ بشرٌ درهماً ودفعَهُ لأحمدَ الجلاءِ خادمِهِ وقالَ : اشترِ بهِ طعاماً جيّداً ، وإداماً طيِّباً . حن حن حن حنة قالَ : فاشتريتُ خبزاً نظيفاً(٢) ، وقلتُ: لمْ يقلِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لشيءٍ: (( اللهمَّ؛ بارْ لنا فيهِ، وزدْنا منهُ))(٣) سوى اللبنِ، فاشتريتُ لبناً ، واشتريتُ تمراً جيّداً، فقدمتُهُ إليهِ ، فأكلَ وأخذَ الباقي. فقالَ بشرٌ: أتدرونَ لِمَ قلتُ : اشتَرِ طعاماً طيباً ؟ لأنَّ الطعامَ الطيِّبَ يستخرجُ خالصَ الشكرِ . أتدرونَ لِمَ لمْ يقلْ لي : كُلْ ؛ لأنَّهُ ليسَ للضيفِ أنْ يقولَ لصاحبٍ الدارِ : كُلْ . (١) قوت القلوب (١٩١/٢)، وكانت مَنْ آخته في الله عجوزاً صالحة كما ذكر . (٢) أي: من لباب البر. ((إتحاف)) (٢٧١/٥). (٣) رواه أبو داوود (٣٧٣٠)، والترمذي (٣٤٥٥)، وابن ماجه (٣٣٢٢). ٨٥ حن حن مدن كتاب آداب الأكل ربع العادات أتدرونَ لِمَ حمَلَ ما بقيَ؟ لأنَّهُ إذا صحَّ التوُّلُ .. لمْ يضرَّ الحملُ(١). وحكى أبو عليٍّ الروذباريُّ رحمهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عنْ رجلِ أنَّهُ اتخذَ ضيافةً، فأوقدَ فيها ألفَ سراجِ ، فقالَ لهُ رجلٌ : قدْ أسرفتَ ، فقالَ لهُ : ادخلْ ، فكلُّ ما أوقدتُهُ لغيرِ اللهِ فأطفئْهُ ، فدخلَ الرجلُ ، فلمْ يقدرْ على إطفاءٍ واحدٍ منها ، فانقطعَ (٢) . واشترى أبو عليٍّ الروذباريُّ أحمالاً منَ السكرِ ، وأمرَ الحلاويينَ حتَّى بنَوا جداراً مِنَ السكرِ ، عليهِ شُرَفٌ ومحاريبُ على أعمدةٍ منقوشةٍ كلُّها مِنْ سكرٍ ، ثمَّ دعا الصوفيةَ حتَّى هدموها وانتهبوها(٣). زنه التاسعُ : قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( الأكلُ على أربعةِ أنحاءٍ : الأكلُ بإصبع مِنَ المقتِ ، وبإصبعينِ مِنَ الكبرِ ، وبثلاثِ أصابعَ مِنَ السنةِ(٤)، وبأربع وخمسٍ مِنَ الشرهِ . وأربعٌ تقوِّي البدنَ : أكلُ اللحمِ ، وشمُّ الطيبِ ، وكثرةُ الغسلِ مِنْ غيرِ جماع ، ولبسُ الكتَّانِ . ٢ (١) كذا في ((اللمع)) (ص ٢٤٤)، و((تهذيب الأسرار)) ( ص ٣٩٧). (٢) رواه أبو النصر السراج في ((اللمع)) ( ص ٢٤٥). (٣) رواه أبو النصر السراج في ((اللمع)) (ص ٢٤٥). مدن (٤) رواه مسلم (٢٠٣٢) . بك ٨٦ ربع العادات كتاب آداب الأكل وأربعٌ تُوهنُ البدنَ : كثرةُ الجماعِ ، وكثرةُ الهمِّ ، وكثرةُ شربِ الماءِ على الريقِ ، وكثرةُ أكلِ الحموضةِ . وأربعٌ تقوي البصرَ : الجلوسُ حيالَ القبلةِ ، والكحلُ عندَ النومِ ، والنظرُ إلى الخضرةِ ، وتنظيفُ الملبسِ . مشرخ وأربعٌ توهنُ البصرَ : النظرُ إلى القذرِ ، والنظرُ إلى المصلوبِ (١)، والنظرُ إلى فرْجِ المرأةِ ، والقعودُ في استدبارِ القبلةِ . وأربعٌ تزيدُ في الجماعِ : أكلُ العصافيرِ ، وأكلُ الإِطْرِيفَلِ الأكبرِ (٢)، وأكلُ الفسْتقِ ، وأكلُ الجِرجيرِ . والنومُ على أربعةِ أنحاءٍ : فنومٌ على القفا؛ وهوَ نومُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ، يتفكّرونَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ ، ونومٌ على اليمينِ ؛ وهوَ نومُ العلماءِ والعُبَّادِ ، ونومٌ على الشمالِ ؛ وهوَ نومُ الملوكِ لينهضمَ طعامُهُمْ ، ونومٌ على الوجهِ ؛ وهوَ نومُ الشياطينِ . وأربعٌ تزيدُ في العقلِ : تركُ الفضولِ مِنَ الكلام ، والسواكُ ، ومجالسةُ الصالحينَ ، والعلماءِ(٣). (١) والمراد تكرير النظر إليه، فأما إذا وقع فجأة عليه وعلى الذي قبله .. فليس داخلاً فيه . ((إتحاف)) (٢٧٤/٥). (٢) الإطريفل: لفظة عجمية عربت، يقع على الهليلج والبليلج والإملح، ثمرٌ ، منه الكبير والصغير، وقد ورد في خبر رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٦٩٧٩). (٣) أي : ومجالسة العلماء ، وهي الرابعة . ٨٧ كتاب آداب الأكل ربع العادات وأربعٌ هنَّ مِنَ العبادةِ : ألاَّ تخطوَ خطوةٌ إلا على وضوءٍ ، وكثرةً و السجودِ ، ولزومُ المساجدِ ، وكثرةُ قراءةِ القرآنِ ) . وقال أيضاً : ( عجبتُ لمَنْ يدخلُ الحمَّامَ على الريقِ، ثمَّ يؤخِّرُ الأكلَ بعدَ أنْ يخرِجَ كيفَ لا يموتُ ! وعجبتُ لِمَنِ احتجمَ ، ثمَّ يبادرُ الأكلَ كيفَ لا يموتُ!)(١). وقالَ : (لمْ أَرَ شيئاً أنفعَ في الوباءِ مِنْ دهْنِ البنفسج ، يُدهنُ بهِ ويُشربُ)(٢)، واللهُ أعلمُ بالصوابِ. ثم كتاب آداب الأكل وهو الكتاب الأوّل من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد شد وحده، وصلواته على محمد نبيّه وآله وسلم تسليماً يتلوه كثا بآ داب النكاح (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٢٢/٢). (٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١١٨/٢). ٨٨ كن كِتَابُ أدَّار النجاح ٨ وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين ٨٥ حن حن ٢٠٫٠ ربع العادات كتاب آداب النكاح كتاب آداب النجاح بِسِْاللهِ الرَّمْنِالرَّحَيَّةِ الحمدُ للهِ الذي لا تصادفُ سهامُ الأوهام في عجائبٍ صنعتِهِ مَجرى ، ولا ترجعُ العقولُ عنْ أوائلِ بدائِها إلا والهةً حيرى ، ولا تزالُ لطائفُ نعمِهِ على العالمينَ تترى ، فهيَ تتوالى عليهِمُ اختياراً وقهراً ، ومن بدائع ألطافِهِ أنْ خلقَ مِنَ الماءِ بشراً، فجعلَهُ نسباً وصهراً ، وسلَّطَ على الخلقِ شهوةً اضطرَّهُمْ بها إلى الحراثةِ جبراً ، واستبقى بها نسلَهُمُ اقتهاراً وقسراً ، ثمَّ عظّمَ أمرَ الأنسابِ وجعلَ لها قدراً ، فحرَّم بسببِها السفاحَ وبالغَ في تقبيحِهِ ردعاً وزجراً ، وجعلَ اقتحامَهُ جريمةً فاحشةً وأمراً إمْراً ، وندبَ إلى النكاح وحثَّ عليهِ استحباباً وأمراً . 6 ٢٦٠٠. وتـ فسبحانَ مَنْ كتبَ الموتَ على عبادِهِ فأذَلَّهُمْ بهِ هدماً وكسراً ، ثمَّ بثَّ بذورَ النطفِ في أراضي الأرحام وأنشأَ منها خلقاً وجعلَهُ لكسْرِ الموتِ جبراً ؛ تنبيهاً على أنَّ بحارَ المقاديرِ فياضةٌ على العالمينَ نفعاً وضراً ، وخيراً وشرّاً ، وعسراً ويسراً ، وطيّاً ونشراً . والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ المبعوثِ بالإنذارِ والبشرى ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ صلاةً لا يستطيعُ لها الحسابُ عدّاً ولا حصراً ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً . ٩١ كتاب آداب النكاح ربع العادات ـحر أنا بعشَّد: فإنَّ النكاحَ معينٌ على الدِّينِ ، ومهينٌ للشياطينِ ، وحصنٌ دونَ عدوِّ اللهِ حصينٌ ، وسببٌ للتكثيرِ الذي بهِ مباهاةُ سيِّدِ المرسلينَ لسائرِ النبيينَ . فما أحراهُ بأنْ تُتُحرى أسبابُهُ ، وتُحفظَ سنتُهُ وآدابُهُ ، وتُشْرحَ مقاصدُهُ وآرابُهُ ، وتُفُصلَ فصولُهُ وأبوابُهُ . والقذْرُ المهمُّ مِنْ أحكامِهِ ينكشفُ في ثلاثةِ أبوابٍ : البابُ الأوَّلُ : في الترغيبِ فيهِ وعنهُ . البابُ الثاني : في الآدابِ المرعيَّةِ في العَقدِ والعاقدَيْنِ . البابُ الثالثُ : في آدابِ المعاشرةِ بعدَ العَقْدِ إلى الفراقِ . ـحر ـحة حن حن حن طن حن عن ٩٢ شن حن تن حن كن ربع العادات كتاب آداب النكاح البَابُ الْأَوَّلُ في الَّغيب في النجاح والترغيب عنه اعلمْ : أنَّ العلماءَ قدِ اختلفوا في فضلِ النكاح ، فبالغَ بعضُهُمْ فيهِ حتَّى زعمَ أنَّهُ أفضلُ مِنَ التخلِّي لعبادةِ اللهِ تعالى . واعترفَ آخرونَ بفضلِهِ ، ولكنْ قدَّموا عليهِ التخلّيَ لعبادةِ اللهِ ، مهما لمْ تنقِ النفسُ إلى النكاح توقاناً يشوِّشُ الحالَ ، ويدعو إلى الوقاع . وقالَ آخرونَ : الأفضلُ تركُهُ في زمانِنا هذا ، وقدْ كانَ لهُ فضيلةٌ مِنْ قبلُ ؛ إذْ لمْ تكنِ الأكسابُ محظورةً ، وأخلاقُ النساءِ مذمومةً . ولا ينكشفُ الحقُّ فيهِ إلا بأنْ نقدُّمَ أوَّلاً ما وردَ مِنَ الأخبارِ والآثارِ في الترغيبِ فيهِ ، والترغيبِ عنهُ، ثمَّ نشرحُ فوائدَ النكاح وغوائلَهُ؛ حتَّى يتضحَ منها فضيلةُ النكاح وتركِهِ في حقِّ كلِّ مَنْ سلمَ مِنْ غوائِلِهِ أوْ لمْ يسلمْ منها . فعـ ٩٣ حي حن حن حن حن حن حن كتاب آداب النكاح ربع العادات الشّغيب في النكاح أمَّا مِنَ الآياتِ : فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَنَ مِنْكُمْ﴾، وهذا أمرٌ . وقالَ تعالى: ﴿ فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾، وهذا منعٌ مِنَ العضْلِ ونهيٌ عنهُ(١). وقال تعالى في وصفِ الرسلِ ومدحِهِمْ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَالَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةً﴾، فذكرَ ذلكَ في معرضِ الامتنانِ وإظهارِ الفضلِ . ومدحَ أولياءَهُ بسؤالِ ذلكَ في الدعاءِ فقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةً أَعْيُنٍ ... ) الآيةَ. ويُقالُ : إنَّ اللهَ تعالى لمْ يذكرْ في كتابِهِ مِنَ الأنبياءِ إلا المتأهلينَ ، فقالوا : إنَّ يحيى على نبيِّنا وعليهِ الصلاةُ والسلامُ قدْ تزوَّجَ ولمْ يجامعْ ، قيلَ : إنَّما فعلَ ذلكَ لنيلِ الفضلِ وإقامةِ السنةِ ، وقيلَ : لغضٌ البصرِ (٢)، وأمَّا عيسى عليه السلامُ .. فإنَّه سينكحُ إذا نزلَ إلى الأرضِ ويولدُ لهُ(٣). ٤١ (١) العضل: منع الرجل موليته من التزوج. ((إتحاف)) (٢٨٥/٥). (٢) قوت القلوب (٢٤١/٢). (٣) رواه ابن الجوزي في ((المنتظم)) (٣٢٨/١) مرفوعاً، وهو في (( القوت)) (٢٤٣/٢ ) . ر٩ 2 ٩٤ ربع العادات كتاب آداب النكاح وأمَّا الأخبارُ : فقولهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( النكاحُ سُنََّ، فَمَنْ رغِبَ عنْ سنتي .. فقد رغبَ عنِّي )) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( النكاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ أَحبَّ فطرتي .. فليستنَّ بسَّتي))(١). جــ ـن وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( تناكحوا تكثُرُوا ؛ فإنِّي أباهي بكمُ الأممَ يومَ القيامةِ حتَّى بالسِّقْطِ))(٢). وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ رغبَ عنْ سنَِّي .. فليسَ مِنِّي ، وإِنَّ مِنْ سُنَّتَي النكاحَ، فَمَنْ أحبَّني .. فليستنَّ بسُتَّتِي))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تركَ التزويجَ مخافةَ العيلةِ .. فليسَ منَّا )) (٤) ، وهذا ذٌّ لعلَّةِ الامتناع، لا لأصلِ الترْكِ. (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٩/٦)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٧٤٨) عن عبيد بن سعد مرسلاً ، ولفظه: (( من أحب فطرتي .. فليستن بسنتي ، ومن سنتي النكاح )) . (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف)) (١٧٣/٦) عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً ، وقال الحافظ العراقي : (رواه ابن مردويه في (( تفسيره)) من حديث ابن عمر بسند ضعيف)، وروى أبو داوود (٢٠٥٠) مرفوعاً: (( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم ». (٣) الجملة الأولى منه رواها البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، وتقدم باقيه قريباً . (٤) كذا في ((القوت)) (٢٣٨/٢)، قال: ( وروى الحسن عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ) وذكره، وروى عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٨/٦)، = ٩٥ كتاب آداب النكاح ربع العادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ ذا طولٍ .. فليتزوَّجْ))(١). 27: وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنِ استطاعَ منكُمُ الباءةَ .. فليتزوَّجْ ؛ فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفرج، ومَنْ لا .. فليصمْ؛ فإنَّ الصومَ لهُ وِجاءٌ ))(٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ سببَ الترغيبِ فيهِ خوفُ الفسادِ في العينِ والفرجِ ، والوِجاءُ : هوَ عبارةٌ عن رضِّ الخصيتينِ للفحلِ حتَّى تزولَ فحولتُهُ ، فهوَ مستعارٌ للضعفِ عنِ الوقاعِ في الصومِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أتاكُمْ مَنْ ترضونَ دِينَهُ وأمانتَهُ .. فزوِّجوهُ، إلاَّ تفعلوا .. تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ))(٣)، وهذا أيضاً تعليلٌ للترغيبِ بخوفِ الفسادِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ نَكحَ للهِ، وأنكحَ للهِ .. استحقَّ ولايةَ اللهِ))(٤). ـكن وأبو داوود في ((المراسيل)) (١٩٠)، والطبراني في «الكبير» (٣٦٦/٢٢) عن = أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كان موسراً لأن ينكح ثم لم ينكح .. فليس مني)). ـدن مدن (١) رواه النسائي (١٧١/٤ ) . (٢) رواه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠). (٣) رواه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧)، وفيهما: ((وفساد عريض)). (٤) كذا في ((القوت)) (٢٣٨/٢)، وروى الترمذي (٢٥٢١) مرفوعاً: ((من أعطىُ لله، ومنع لله، وأحب الله، وأبغض لله، وأنكح لله .. فقد استكمل إيمانَةُ)). حزة ٩٦ حن ربع العادات كتاب آداب النكاح وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ تزوَّجَ .. فقدْ أحرزَ شطْرَ دينِهِ ، فليتَّقِ اللهَ في الشطرِ الثاني))(١) ، وهذا أيضاً إشارةٌ إلى أنَّ فضيلتَهُ لأجلِ التحرُّزِ مِنَ المخالفةِ ؛ تحصُّناً مِنَ الفسادِ ، وكأنَّ المفسِدَ لدينِ المرءِ في الأغلبِ فرجُهُ وبطنُهُ ، وقدْ كُفِيَ بالتزويجِ أحدَهُما . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ ينقطعُ إلا ثلاثاً : ولدٌ صالحٌ يدعو لهُ ... )) الحديثَ(٢)، ولا يوصلُ إلى هذا إلا بالنكاحِ. وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا يمنعُ مِنَ النكاح إلاَّ عجْزٌ أوْ فجورٌ)(٣) ، فبيَّنَ أنَّ الدينَ غيرُ مانع منهُ، وحصرَ المانعَ في أمرينِ مذمومينِ . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( لا يتمُّ نسكُ الناسكِ حتَّى يتزوَّجَ)(٤) ، يحتملُ أنَّهُ جعلَهُ مِنَ النسكِ وتتمةً لهُ، ولكنَّ الظاهرَ أنَّهُ أرادَ بهِ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥١٠٠)، وهو عند الطبراني في ((الأوسط)) ( ٩٧٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٦١/٢) واللفظ له: ((من رزقه الله امرأة صالحة .. فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الثاني)). (٢) رواه مسلم ( ١٦٣١) . -ج9 (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٠/٦)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٦/٤). قهـ (٤) قوت القلوب (٢٤٠/٢)، وقد رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٦/٤) عن طاووس. ٩٧ حن ث حن تي من حن : حن كتاب آداب النكاح 9. 5 ربع العادات أنَّهُ لا يسلَمُ قلبُهُ لغلبةِ الشهوةِ إلا بالتزويجِ ، ولا يتمُّ النسكُ إلا بفراغ القلبِ ؛ ولذلكَ كانَ يجمعُ غلمانَهُ لمَّا أدركوا عكرمةَ وكُرِيباً وغيرَهما ويقولُ : ( إنْ أردتُمُ النكاحَ .. أنكحتُكُمْ؛ فإن العبد إذا زنى .. نُزِعَ الإيمانُ مِنْ قلِبِهِ)(١) . وكانَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( لوْ لمْ يبقَ مِنْ عمري إلاَّ عشرةُ أيام .. لأحببتُ أنْ أتزوَّجَ؛ لكيلا ألقى اللهَ عزْباً )(٢). مج مج وماتَتِ أمرأتانِ لمعاذِ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ في الطاعونِ ، وكانَ هوَ أيضاً مطعوناً ، فقالَ: (زوِّجوني؛ فإنِّي أكرَهُ أنْ ألقى اللهَ عزباً )(٣). ب٠٥٧ وهذا منهما يدلُّ على أنَّهما رأيا في النكاح فضلاً لا مِنْ حيثُ التحرُّزُ عنْ غائلةِ الشهوةِ . وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يكثرُ النكاحَ ويقولُ : ( ما أتزوَّجُ إلا لأجلِ الولدِ ) (٤) . حن وكانَ بعضُ الصحابةِ قدِ انقطعَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخدمُهُ حن (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٢٢/٥٠). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦١٦٠)، ولفظه في ((القوت)) (٢٤١/٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦١٥٧)، وهو في ((القوت)) (٢٤١/٢). (٤) قوت القلوب (٢٤٢/٢)، وقال: ( وقد كانت هذه نية جماعة من السلف ، يتزوجون لأجل أن يولد لهم ، فيعيش ، فيوحد الله تعالى ويذكره ، أو يموت فيكون فرطاً صالحاً يثقل في ميزانه ) . ٩٨ - ربع العادات كتاب آداب النكاح ويبيتُ عندَهُ لحاجةٍ إِنْ طرقتْهُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ألا تتزوَّجُ؟)) فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي فقيرٌ لا شيءَ لي، وأنقطعُ عنْ خدمتِكَ ، فسكتَ ، ثمَّ أعادَ ثانياً ، فأعادَ الجوابَ ، ثمَّ تفكّرَ الصحابيُّ وقالَ : واللهِ؛ لَرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أعلمُ بما يصلحُني في دنيايَ وآخرتي وما يقرِّبُني إلى اللهِ مِنِّي، ولئنْ قالَ لي الثالثةَ .. لأفعلنَّ، فقالَ لهُ ثالثةً: (( ألا تتزوَّجُ؟)) قالَ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ؛ زوِّجني، قالَ: ((اذهبْ إلى بني فلانٍ، فقلْ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُكُمْ أنْ تَزَوَّجوني فتاتَكُمْ)) قَالَ : فقلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ لا شيءَ لي، فقالَ لأصحابِهِ : ((اجمعوا لأخيكُمْ وزنَ نواةٍ مِنْ ذهبٍ )) ، فجمعوا لهُ ، فذهبوا بهِ إلى القوم، فأنكحوهُ، فقالَ لهُ: ((أولِمْ))، وجمعَ لهُ مِنَ الأصحابِ شاةً للوليمةِ (١). وهذا التكريرُ يدلُّ على فضلٍ في نفْسِ النكاح ، ويُحتملُ أنَّهُ توسَّمَ فيهِ الحاجةَ إلى النكاحِ . وحُكِيَ أنَّ بعضَ العبَّادِ في الأمم السالفةِ فاقَ أهلَ زمانِهِ في العبادةِ ، فذُكِرَ لنَبِيِّ زمانِهِ حسنُ عبادِهِ ، فقالَ : نعمَ الرجلُ هوَ لولا أنَّهُ تاركٌ لشيءٍ مِنَ السنَّةِ، فاغتمَّ العابدُ لمَّا سمعَ ذلكَ ، فسألَ النبيَّ عنْ ذلكَ، فقالَ : أنتَ (١) رواه أبو داوود الطيالسي في ((مسنده)) (١١٧٣)، وأحمد في (( المسند)) (٥٨/٤)، والصحابي هو ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه . ٩٩ حن كتاب آداب النكاح ربع العادات ـدن تاركٌ للتزويج ، فقالَ : لستُ أحرِّمُهُ ولكنِّي فقيرٌ ، وأنا عيالٌ على الناسِ ، قالَ : أنا أزوَّجُكَ ابنتي، فزوَّجَهُ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ابنتَهُ(١). وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( فضَلَ عليَّ أحمدُ ابنُ حنبلٍ بثلاثٍ : بطلبٍ الحلالِ لنفسِهِ ولغيرِهِ ، وأنا أطلبُهُ لنفسي فقط ، ولا تساعِهِ في النكاحِ ، وضيقي عنهُ، ولأنَّهُ نصبَ إماماً للعامةِ)(٢). ويُقالُ : إِنَّ أحمدَ رحمَهُ اللهُ تزوَّجَ في اليوم الثاني مِنْ وفاةِ أَمِّ ولدِهِ عبدِ اللهِ، وقالَ : ( أكرهُ أنْ أبيتَ عزباً)(٣). وأمَّا بشرٌ .. فإنَّهُ لمَّا قيلَ لهُ: إنَّ الناسَ يتكلَّمونَ فيكَ بتركِكَ النكاحَ ويقولونَ : هوَ تاركٌ للسنَّةِ ، فقالَ : قولُوا لهُمْ : هوَ مشغولٌ بالفرضِ عنِ لسنَّةِ . وعوتبَ مرَّةٌ أخرى فقالَ : ما يمنعُني مِنَ التزويج إلا قولُهُ تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فذُكِرَ ذلكَ لأحمدَ، فقالَ: وأينَ مثلُ بشرٍ ؟! إنَّهُ قعدَ على مثلٍ حدِّ السِّنانِ(٤) . حن حن ث ومعَ ذلكَ فقدْ رُوِيَ أنَّهُ رُئِيَ في المنام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بِكَ ؟ فقال : رُفعتْ منازلي في الجنَّةِ ، وأشرفَتْ بي على مقاماتِ الأنبياءِ ، ولمْ (١) قوت القلوب (٢٤١/٢) . (٢) قوت القلوب (٢٤١/٢) وتمامه: (وأنا أطلب الوحدة لنفسي). (٣) قوت القلوب (٢٤١/٢). ٢٠ (٤) قوت القلوب (٢٤١/٢) . ١٠٠