النص المفهرس

صفحات 1-20

مععـ
طبعةٌ خَاصَّة
بمناسَبَهْ مُرُورِسْعِ مِئَةِ سَنَةٍ على وفاة حَجّ الإسْلامِ الغَزَالِيّ
١١١١ - ٢٠١١ م
الَّم ◌َاوُمُ الدّين
"G
%
:قعجح ون

02
7

◌ِلَاءُعَلُمُ الْدِيْ
تأليف
الإِمَامِ الجُّدِّدِ، ثُمَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِينَ
زَيْرِ الدّيْنِ، أَبِ حَتَامِدِ
مُحَدِ بْنِ مُحَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ
الطُّوْسِيّ الطَّابَرَانيّ الشََّافِيّ
رَضِىَ اللهُعَنْهُ
(٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م )
رُبُعُ العَادَاتِ / الْقِسْمُ الأوّل
ڪِتَابُ
آدَابٍ الأَكْلِ - آدَابِ التِّكَاح
آدَابِ الكَسْبِ وَالمَعَاشِ - الحَلَالِ وَالْحَرَامِ
المُجَلّدُ الثَّالِثُ
دَارُ المُنْفَاعِ

و.هــه
الطّبْعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دَارُ المُشَارَةِ لِلنَشرِوَالتَّوَفِى
المملكة العربية السعودية - جدة
حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655
المكتبة 6322471 - فاكس 6320392
ص. ب 22943 - جدة 21416
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1
من
ٹن
طن
حن كن
ق٢
قه:
تعد
محن

ےے
بِسْبِاللهِ الرَّمنِ الرَّحِيَّةِ
أَمَنْ هُوَقَنِتُّ ءَ انَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَخَذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو ◌ْرَحْمَةَ رَبِّهِ
السه
جـ
١٤17هـ
إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْأَ لْبٍ
نء

بےہ
كِتَابُ
أَ امِ لَخْلِمُ
٥
وهو الكتاب الأول من ربع العادات
من كتب إحياء علوم الدين
عان
٧

ربع العادات
ے
كتاب آداب الأكل
كتاب آداب الأكل
بِسِْاللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي أحسنَ تدبيرَ الكائناتِ ، فخلقَ الأرضَ والسماواتِ ،
وأنزلَ الماءَ الفراتَ مِنَ المعصراتِ ، فأخرجَ بهِ الحبَّ والنباتَ، وقدَّرَ
الأرزاقَ والأقواتَ ، وحفظَ بالمأكولاتِ قُوى الحيواناتِ ، وأعانَ على
الطاعاتِ والأعمالِ الصالحاتِ بأكلِ الطيباتِ .
2ــ
والصلاةُ على محمدٍ ذي المعجزاتِ الباهراتِ ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ
صلاةٌ تتوالى على ممرِّ الأوقاتِ ، وتتضاعفُ بتعاقبِ الساعاتِ ، وسلَّمَ
تسليماً كثيراً .
أنا بعَّد:
فإنَّ مقصدَ ذوي الألبابِ لقاءُ اللهِ تعالى في دارِ الثوابِ ، ولا طريقَ إلى
الوصولِ إلى اللقاءِ إلا بالعلم والعملِ ، ولا يمكنُ المواظبةُ عليهما إلا
بسلامةِ البدنِ ، ولا تصفو سلامةُ البدنِ إلا بالأطعمةِ والأقواتِ ، والتناولِ
منها بقدْرِ الحاجةِ على تكُّرِ الأوقاتِ .
فمِنْ هذا الوجهِ قالَ بعضُ السلفِ الصالحِينَ : إنَّ الأكلَ مِنَ الدِّينِ ،
٩

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
وعليهِ نبَّهَ ربُ العالمينَ بقولِهِ وهوَ أصدقُ القائلينَ: ﴿كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحًا﴾(١).
%G
فمَنْ يقدمُ على الأكلِ ليستعينَ بهِ على العلمِ والعملِ ، ويقوىُ بهِ على
التقوى .. فلا ينبغي أنْ يتركَ نفسَهُ مهملاً سدىّ، يسترسلُ في الأكلِ
استرسالَ البهائم في المرعى ، فإنَّ ما هوَ ذريعةٌ إلى الدينِ ووسيلةٌ إليهِ ينبغي
أنْ تظهرَ أنوارُ الدينِ عليهِ ، وإنَّما أنوارُ الدينِ آدابُهُ وسنتُهُ التي يُزمُّ العبدُ
بزمامِها ، ويُلجمُ المتقي بلجامِها ؛ حتَّى يتزنَ بميزانِ الشرعِ شهوةَ الطعامِ في
إقدامِها وإحجامِها ، فيصيرَ بسببها مدفعةً للوزرِ ومجلبةً للأجرِ(٢)، وإنْ كانَ
فيها أوفى حظٌّ للنفسِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ ليؤجرُ حتَّى
في اللقمةِ يرفعُها إلى فيهِ وإلى في امرأتِهِ ))(٣)، وإنَّما ذلكَ إذا رفعَها بالدينِ
وللدينِ ، مراعياً فيهِ آدابَهُ ووظائفَهُ .
وها نحنُ نرشدُ إلى وظائفِ الدينِ في الأكلِ ؛ فرائضِها وسننِها وآدابها
(١) انظر ((قوت القلوب)) (٢٨٩/٢).
(٢) أي: يصير محلاً لدفع الوزر وجلب الأجر ، وكان سهل يقول : ( من لم يحسن أدب
الأكل .. لم يحسن أدب العمل ، والذي يتصنَّع في الأكل هو الذي يتصنع في العمل ) .
((قوت القلوب)) ( ١٧٨/٢ ).
حن
(٣) رواه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٦٢٨) ولفظه: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها
وجه الله .. إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك)) الحديث، ولفظ المصنف
عند صاحب ((القوت)) (٧٨/١)، وزيادة (( يرفعها إلى فيه)) رواها أحمد في
((المسند)) (٧٧/١) منفردة .
ــة
ـكن
ـون
١٠
قرغ

ربع العادات
کتاب آداب الأكل
حر
ومروءاتِها وهيئاتِها ، في أربعةِ أبوابٍ وفصلٍ في آخرِها :
البابُ الأوَّلُ : فيما لا بدَّ للآكلِ مِنْ مراعاتِهِ وإنِ انفردَ بالأكلِ .
البابُ الثاني : فيما يزيدُ مِنَ الآدابِ بسببِ الاجتماع على الأكلِ .
البابُ الثالثُ : فيما يخصُّ تقديمَ الطعامِ إلى الإخوانِ الزائرينَ .
البابُ الرابعُ : فيما يخصُّ الدعوةَ والضيافةَ وأشباهَها .
حن
ـمن شن حن حن حن حق حن
٠٢٧
5
١١

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
ثن
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فسيما لا ية للمنفر ومسه
وهوَ ثلاثةُ أقسام : قسمٌ قبلَ الأكلِ ، وقسمٌّ معَ الأكلِ ، وقسمٌ بعدَ الفراغ
منه .
القِسْمُ الْأَوَّلُ
في الآداب التي تُقدّمُ على الأكل
وهيَسبعة
الأوَّلُ : أنْ يكونَ الطعامُ بعدَ كونِهِ حلالاً في نفسِهِ ، طيِّاً في جهةِ مكسبِهِ ..
موافقاً للسنَّةِ والورعِ :
ـحر
لمْ يُكتسبْ بسببٍ مكروهٍ في الشرعِ ، ولا بحكمٍ هوىّ ومداهنةٍ في
الدينِ ، على ما سيأتي في معنى الطيِّبِ المطلقِ في كتابِ الحلالِ والحرامِ .
وقدْ أمرَ اللهُ تعالى بأكلِ الطيِّبِ، وهوَ الحلالُ، وقدَّمَ النهيّ عنِ الأكلِ
بالباطلِ على القتلِ؛ تفخيماً لأمرٍ الحرام، وتعظيماً لبركةِ الحلالِ، فقالَ تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ ... ﴾ الآيةَ(١).
(١) وتمامها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَقْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ .
من حن كن حن عن إن
١٢

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
فالأصلُ في الطعام كونُهُ طيِّباً ، وهوَ مِنَ الفرائضِ وأصولِ الدينِ .
ـن
الثاني : غسلُ اليدِ :
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الوضوءُ قبلَ الطَّعام ينفي الفقرَ، وبعدَهُ
ينفي اللَّممَ))، وفي روايةٍ: ((ينفي الفقرَ قبلَ الطَّعام وبعدَهُ))(١).
3
ولأنَّ اليدَ لا تخلو عنْ لوثٍ في تعاطي الأعمالِ ، فغسلُها أقربُ إلى
النظافةِ والنزاهةِ ، ولأنَّ الأكلَ بقصدِ الاستعانةِ على الدينِ عبادةٌ ، فهوَ جديرٌ
بأنْ يُقدَّمَ عليهِ ما يجري منهُ مَجرى الطهارةِ مِنَ الصلاةِ .
الثالثُ : أَنْ يوضعَ الطعامُ على السُّفْرَةِ الموضوعةِ على الأرضِ :
فهوَ أقربُ إلى فعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ رفعِهِ على
(١) رواه متصلاً الشهاب في ((مسنده)) (٣١٠) بالرواية الأولى مع زيادة: ((ويصحُ
البصرَ))، وأسنده الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص١١٠) إلى الحسن
البصري ، والرواية الثانية عند الطبراني في ((الأوسط)) ( ٧١٦٢)، والديلمي بنحوه في
((مسند الفردوس)) ( ٧٢٣٩)، وهو عند أبي داوود (٣٧٦١)، والترمذي ( ١٨٤٦)
بلفظ : (( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده))، وروى ابن ماجه ( ٣٢٦٠):
((من أحب أن يكثر الله خير بيته .. فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع)). وقال الإمام
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٧٦/٧): ( الحديث في غسل اليد بعد الطعام
حسن ، وهو قبل الطعام ضعيف ) ، والمراد بالوضوء بههذا الأثر : الوضوء اللغوي ،
وهو غسل اليدين .
١٣
شنق ضي شن ون حن حن

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
المائدةِ ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذا أَتَيَ بطعام .. وضعَهُ على
الأرضِ (١) ، فهذا أقربُ إلى التواضع .
فإنْ لمْ يكنْ .. فعلى السُّفْرةِ ، فإنَّها تذكرُ السفرَ ، ويتذكَّرُ مِنَ السفرِ سفرَ
الآخرةِ وحاجتَهُ إلى زادِ التقوى .
وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ رحمهُ اللهُ : ما أكلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
علىْ خِوانٍ ولا في سُكُرُّجَةٍ ، قيلَ : فعلى ماذا كنتُمْ تأكلونَ ؟ قالَ : على
السُّفَرِ(٢).
وقيلَ : ( أربعٌ أحدثَتْ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : الموائدُ ،
والمناخلُ، والأُشنانُ، والشبعُ)(٣).
واعلمْ : أنَّا وإنْ قلنا : الأكلُ على السُّفْرةِ أولى .. فلسنا نقولُ : الأكلُ
على المائدةِ منهيٌّ عنهُ نهيَ كراهةٍ أوْ تحريمٍ ؛ إذ لمْ يثبتْ فيهِ نهيٌ ، وما يقالُ
مِنْ أنَّهُ ابتدِعَ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . . فليسَ كلُّ ما أُبدعَ منهياً ،
ـتر
كن حن
حن
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢٢)، وروى الطبراني في ((الكبير)) (٦٧/١٢) عن ابن
عباس رضي الله عنهما : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض
ويأكل على الأرض ) ، ويؤيده كذلك الحديث الآتي .
ٹ
(٢) رواه البخاري (٥٣٨٦)، الخوان : الذي يؤكل عليه، والأكل عليه من دأب المترفين
والجبارين ؛ لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ والانحناء عند الأكل ، والسكرجة : صحاف
صغار يؤكل فيها ، والسفرة : ما يبسط على الأرض ويؤكل عليه ، فهي هنا تكون بين
الطعام والأرض .
(٣) قوت القلوب (١٨٣/٢).
١٤

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
بل المنهيُّ عنهُ بدعةٌ تضادُّ سنةً ثابتةٌ ، وترفعُ أمراً مِنَ الشرعِ معَ بقاءِ علَّتِهِ ،
بلِ الابتداعُ قدْ يجبُ في بعضِ الأحوالِ إذا تغيّرتِ الأسبابُ ، وليسَ في
المائدةِ إلَّ رفعُ الطعام عنِ الأرضِ لتيسيرِ الأكلِ ، وأمثالُ ذلكَ ممَّا لا كراهةً
فیهِ .
والأربعُ التي أُجمعَ عليها أنها مبتدعةٌ ليستْ متساويةً ؛ لأنَّ الأُشنانَ
حسنٌّ ؛ لما فيهِ مِنَ النظافةِ ، فإنَّ الغسلَ مستحبٌّ للنظافةِ ، والأُشنانُ أَتمُّ في
التنظيفِ ، وكانوا لا يستعملونَهُ لأنَّهُ ربما كانَ لا يُعتادُ عندَهُمْ أَوْ لا يتيسَّرُ ،
أوْ كانوا مشغولينَ بأمورٍ أهمَّ مِنَ المبالغةِ في النظافةِ ، فقدْ كانوا لا يغسلونَ
اليدَ أيضاً ، وكانَتْ مناديلُهُمْ أخمصَ أقدامِهِمْ، وذلكَ لا يمنعُ كونَ الغسلِ
مستحباً .
- -- ٠٥٩٩-٠ ٠٠٠٠٩ ٠٨٥ ٠٠
وأمَّا المُنْخُلُ : فالمقصودُ منهُ تطييبُ الطعام ، وذلكَ مباحٌ ما لمْ ينتهِ إلى
التنقُّمِ المفرطِ .
وأمَّا المائدةُ: فتيسيرٌ للأكلِ ، وهوَ أيضاً مباحٌ ما لم ينتَهِ إلى الكبرِ
والتعاظمِ .
وأمَّا الشبعُ: فهوَ أشدُّ هذهِ الأربعةِ؛ فإنَّهُ يدعو إلى تهييج الشهواتِ ،
وتحريكِ الأدواءِ في البدنِ .
فلتدركِ التفرقةَ بينَ هذهِ المبدعاتِ .
mw .
١٥

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
الرابعُ : أَنْ يحسنَ الجِلسةَ على السُّفْرةِ في أوَّلِ جلوسِهِ ويستديمَها كذلكَ :
كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ربما جثا للأكلِ على ركبتيهِ
وجلسَ على ظهرِ قدميهِ (١)، وربما نصبَ رجلَهُ اليمنى وجلسَ على
اليسرى(٢)، وكانَ يقولُ: ((لا آكلُ متكئاً))(٣)، ((إنما أنا عبدٌ، آكلُ كما
يأكلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ))(٤)، والشربُ متكئاً مكروهٌ للمعدةِ
أيضاً .
بيسي
ويكرهُ الأكلُ نائماً ومتكئاً ، إلا ما يُتَقَّلُ بهِ مِنَ الحبوبِ (٥) ، رُوِيّ عن
عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ أكلَ كعْكاً علىُ تُرْسِ وهوَ مضطجعٌ ، ويقالُ : منبطحٌ
على بطنِهِ ، والعربُ قدْ تفعلُهُ (٦).
(١) رواه أبو داوود ( ٣٧٧٣).
(٢) قال الحافظ العراقي: (وروى أبو الحسن بن المقرىء في ((الشمائل)) من حديث
أنس : كان إذا جلس على الطعام .. استوفز على ركبته اليسرى وأقام اليمنى ثم قال :
(( إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد ، وأفعل كما يفعل العبد))، وإسناده ضعيف ).
(«إتحاف)) (٢١٤/٥)، ومعناه في الحديث الآتي كذلك .
(٣) رواه البخاري ( ٥٣٩٨) .
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٣) من زيادات نعيم بن حماد، وعبد الرزاق في
((المصنف)) (٤١٥/١٠) وتقدم قريباً .
(٥) التنقُّل: تناول النُّقْل، اسم للحبوب وما في معناها تتناول. ((إتحاف)) (٢١٥/٥).
(٦) قوت القلوب (١٧٩/٢) ولفظه: (وقد رئي عليٍّ رضي الله عنه ... ).
١٦

ربع العادات
جه :ه
کتاب آداب الأكل
الخامسُ : أنْ ينويّ بأكلِهِ أنْ يتقوَّى بهِ على طاعةِ اللهِ تعالى :
ليكونَ مطيعاً بالأكلِ ، ولا يقصدُ التلذُّذَ والتنقُّمَ بالأكلِ ، قالَ إبراهيمُ بنُ
شيبانَ : ( منذُ ثمانينَ سنةً ما أكلتُ شيئاً لشهوتي)(١).
ويعزمُ معَ ذلكَ على تقليلِ الأكلِ ؛ فإنَّهُ إذا أكلَ لأجلِ قوَّةِ العبادةِ .. لمْ
تصدقْ نيتُ إلا بأكلٍ ما دونَ الشبعِ ، فإنَّ الشبعَ يمنعُ مِنَ العبادةِ ولا يقوِّي
عليها ، فمِنْ ضرورةِ هذهِ النِيَّةِ كسرُ الشهوةِ ، وإيثارُ القناعةِ على الاتساع ،
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرّاً مِنْ بطنِهِ ، حسبُ ابنِ آدمَ
لقيماتٌ يقمْنَ صلبَهُ ، فإنْ لمْ يفعلْ .. فثلثٌ للطعام ، وثلثٌ للشرابِ ،
وثلثٌ للنَّفَسِ))(٢).
ومِنْ ضرورةِ هذهِ النيّةِ ألا يمدَّ اليدَ إلى الطعام إلا وهوَ جائعٌ ، فيكونُ
الجوعُ أحدَ ما لا بدَّ مِنْ تقديمِهِ على الأكلِ ، ثمَّ ينبغي أنْ يرفعَ اليدَ قبلَ
الشبع ، ومَنْ فعلَ ذلكَ .. استغنى عنِ الطبيبِ، وستأتي فائدةُ قلَّةِ الأكلِ
وكيفيةُ التدريج في التقليلِ منهُ في كتابٍ كسرٍ شهوةِ الطعامِ مِنْ ربع المهلكاتِ
إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
من
(١) اللمع (ص ٢٤٣)، وأورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٣٩٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩).
١٧

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
السادسُ : أنْ يرضىُ بالموجودِ مِنَ الرزقِ ، والحاضرِ مِنَ الطعامِ :
فء.
ولا يجتهدُ في التنقُّمِ وطلبِ الزيادةِ وانتظارِ الأَدْم ، بلْ مِنْ كرامةِ الخبزِ
و
ألَّ ينتظرَ بهِ الأَدْمَ، وقدْ وردَ الأمرُ بإكرام الخبزِ (١) ، وكلُّ ما يديمُ الرمقَ،
ويقوِّي على العبادةِ .. فهوَ خيرٌ كثيرٌ، لا ينبغي أنْ يُستحقرَ ، بلْ لا ينتظرُ
بالخبزِ الصلاةَ وإنْ حضرَ وقتُها إذا كانَ في الوقتِ متَّسعٌ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((إذا حضرَ العَشاءُ والعِشاءُ .. فابدؤوا بالعَشاءِ))(٢).
وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما ربما سمعَ قراءةَ الإمام ولا يقومُ مِنْ
عَشائِهِ (٣) .
ومهما كانتِ النفسُ لا تتوقُ إلى الطعام ، ولمْ يكنْ في تأخيرِ الطعام
ضررٌ .. فالأولى تقديمُ الصلاةِ، فأمَّا إذا حضرَ الطعامُ ، وأقيمتِ الصلاةُ ،
وكانَ في التأخيرِ ما يبردُ الطعامَ أوْ يشوِّشُ أمرَهُ .. فتقديمُهُ أحبُّ عندَ اتساع
الوقتِ ، تاقتِ النفسُ أوْ لمْ تتقْ ؛ لعموم الخبرِ ، ولأنَّ القلبَ لا يخلو عنٍ
الالتفاتِ إلى الطعامِ الموضوعِ وإنْ لمْ يكنِ الجوعُ غالباً .
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٢٢/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٥٤٨١).
(٢) رواه البخاري (٥٤٦٥)، ومسلم (٥٥٧) وروايته: ((إذا حضر العَشاء وأقيمت
الصلاة . .. » .
(٣) قوت القلوب (١٧٨/٢).
١٨
معشوع

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
السابعُ : أَنْ يجتهدَ في تكثيرِ الأيدي على الطعام ولوْ مِنْ أهلِهِ وولدِهِ :
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اجتمعوا على طعامِكُمْ .. يباركْ لكمْ
فیهِ ))(١) .
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يأكلُ
وحدَهُ)(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيرُ الطعامِ ما كثرتْ عليهِ الأيدي))(٣).
ہے
(١) رواه أبو داوود (٣٧٦٤)، وابن ماجه ( ٣٢٨٦).
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ص ٣٤٢).
(٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢٠٤٥)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ٧٣١٣) بلفظ:
«إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي)).
١٩
مدن

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
القِسْمُ الثَّانِي
في آداب حالة الأكل
مے
وهوَ أنْ يبدأَ باسم اللهِ تعالى في أوَّلِهِ ، وبالحمدِ للهِ في آخرِهِ ، ولوْ قالَ
معَ كلِّ لقمةٍ : باسمِ اللهِ .. فهوَ حسنٌ ؛ حتَّى لا يشغلَهُ الشرهُ عنْ ذكرِ اللهِ
تعالى ، ويقولُ معَ اللقمةِ الأولى: باسمِ اللهِ ، ومعَ الثانيةِ : باسمِ اللهِ
الرحمنِ ، ومعَ الثالثةِ : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، ويجهرُ بهِ ليذكِّرَ
غيرَهُ(١) .
(١) وروى ابن الجعد في ((مسنده)) (٣٥٤٢) عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال: ( كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمِّي على كل لقمة)، وقال ابن عبد البر في
((التمهيد)) (٣٩٨/١) بشأن التسمية عند كل لقمة: (وإن فعله أحد .. لم أستحسنه له
ولم أذمه عليه ) .
ونقل ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (٢٤٣/٢) عن الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله
أنه كان يفعله، قال : ( قال إسحاق بن إبراهيم : تعشيت مرَّة أنا وأبو عبد الله وقرابة
له ، فجعلنا لا نتكلم وهو يأكل ويقول : الحمد لله وباسم الله ، ثم قال : أكل وحمد
خير من أكل وصمت ) .
حن
ثن
ولما رجع الإمام الغزالي إلى طوس .. وصف له في بعض القرى عبد صالح ، فقصده
زائراً ، فصادفه يبذر الحنطة في الأرض ، فجاء أحدهم ليتولى ذلك عن الشيخ ، فأبى ،
فلما سأله الإمام الغزالي عن سبب امتناعه .. قال : لأني أبذر هذا البذر بقلب حاضر
ذاكر أرجو البركة فيه لكل من يتناول منه شيئاً ، فلا أحب أن أسلمه إلى هذا فيبذره
بلسان غير ذاكر وقلب غير حاضر. («إتحاف)) (٢١٧/٥) ملخصاً، والتسمية في أول
كل لقمة وبالهيئة المذكورة عند صاحب ((القوت)) (١٨٠/٢).
فة
٢٠