النص المفهرس

صفحات 481-500

ربع العبادات
و90
کتاب ترتیب الأوراد
شكرُهُ عليها، أوْ في عقوباتِهِ ونقماتِهِ؛ لتزيدَ معرفتُهُ بقدرةِ اللهِ تعالى
واستغنائِهِ، ويزيدَ خوفُهُ منها ، ولكلٍّ واحدٍ مِنْ هذهِ الأمورِ شعبٌ كثيرةٌ يتسعُ
التفكّرُ فيها على بعضِ الخلقِ دونَ البعضِ ، وإنَّما نستقصي ذلكَ في كتابِ
التفكّرِ .
ومهما تيسّرَ الفكرُ .. فهوَ أشرفُ العباداتِ ؛ إذْ فيهِ معنى الذكرِ للهِ سبحانَهُ
وزيادةُ أمرينِ :
٦غير
H?
أحدُهما : زيادةُ المعرفةِ؛ إذِ الفكرُ مفتاحُ المعرفةِ والكشفِ(١) .
والثاني : زيادةُ المحبَّةِ ؛ إذْ لا يحبُّ القلبُ إلا مَنِ اعتقدَ تعظيمَهُ ،
ولا تنكشفُ عظمةُ اللهِ سبحانَهُ وجلالُهُ إلا بمعرفةِ صفاتِهِ ، ومعرفةِ قدرتِهِ ،
وعجائبِ أفعالِهِ ، فيحصلُ مِنَ الفكرِ المعرفةُ، ومِنَ المعرفةِ التعظيمُ ، ومِنَ
التعظيمِ المحبَّةُ .
والذكرُ أيضاً يورثُ الأنسَ، وهوَ نوعٌ مِنَ المحبَّةِ ، ولكنِ المحبَّةُ التي
سببُها المعرفةُ أقوى وأثبتُ وأعظمُ ، ونسبةُ محبةِ العارفِ إلى أنسِ الذاكرِ مِنْ
غيرِ تمامِ الاستبصارِ كنسبةِ عشقِ مَنْ شاهدَ جمالَ شخصٍ بالعينِ واطلعَ على
٢٦٠
(١) لأنه إدارة فكر وتصرف قلب في معاني الأشياء الدرك المطلوب ، فالفكريد النفس التي
تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات ، وبهذا التصرف القلبي يتدرج
إلى فتوح باب المعرفة والكشف الإلهي. ((إتحاف)) (١٣٦/٥).
٤٨١

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
١٦,٠٠
7
حسنِ أخلاقِهِ وأفعالِهِ وفضائلِهِ وخصالِهِ الحميدةِ بالتجربةِ إلى أنسِ مَنْ كُرِّرَ
على سمعِهِ وصْفُ شخصٍ غائبٍ عنْ عينهِ بالحسنِ في الخَلْقِ والخُلقِ مطلقاً
مِنْ غيرِ تفصيلِ وجوهِ الحسنِ فيهما ، فليسَ محبَتُهُ لهُ كمحبةِ المشاهدِ ،
وليسَ الخبرُ كالمعاينةِ .
ش.
زي
والعبادُ المواظبونَ على ذكرِ اللهِ تعالى بالقلبِ واللسانِ ، الذينَ صدَّقوا
بما جاءتْ بهِ الرسلُ بالإيمانِ التقليديِّ .. ليسَ معهُمْ مِنْ محاسنِ صفاتِ اللهِ
سبحانَهُ إلا أمورٌ جُمْلِيَّةٌ اعتقدوها بتصديقِ مَنْ وصفَها لهُمْ ، والعارفونَ هُمُ
الذينَ شاهدوا ذلكَ الجلالَ والجمالَ بعينِ البصيرةِ الباطنةِ التي هيَ أقوىُ مِنَ
البصرِ الظاهرِ لا أنَّ أحداً أحاطَ بكنْهِ جلالِهِ وجمالِهِ ، فإنَّ ذلكَ غيرُ
مقدورٍ لأحدٍ مِنَ الخلقِ(١)، ولكنْ كلُّ واحدٍ شاهدَ بقدْرِ ما رفعَ لهُ مِنَ
الحجاب .
ولا نهايةَ لجمالِ حضرةِ الربوبيةِ ولا لحُجُبها ، وإنَّما عددُ حُجُبها التي
استحقتْ أنْ تسمَّى نوراً - وكادَ أنْ يظنَّ الواصلُ إليها أنَّهُ قدْ تمَّ وصولُهُ إلى
الأصلِ - سبعونَ حجاباً، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ للهِ
(١) إذ نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه ،
وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا الله
تعالى ... ، وأما اتساع المعرفة إنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته . (( إتحاف))
(١٣٧/٥ ) .
٢
٤٨٢

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
سبعينَ حجاباً مِنْ نورٍ ، لوْ كشفَها .. لأحرقَتْ سُبُحاتُ وجهِهِ كلَّ ما أدرَكَ
بصرُهُ)) (١).
وتلكَ الحجبُ أيضاً مترتبةٌ ، وتلكَ الأنوارُ متفاوتةٌ في الرتبِ تفاوتَ
الشمسِ والقمرِ والكواكبِ ، ويبدو في الأوَّلِ أصغرُها ، ثمَّ ما يليهِ ، وعلى
ذلكَ أوَّلَ بعضُ الصوفيةِ درجاتِ ما كانَ يظهرُ لإبراهيمَ الخليلِ صلواتُ اللهِ
عليهِ وسلامُهُ في ترقِيهِ وقالَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾ أيْ: أظلمَ عليهِ الأمرُ ..
﴿رَءَا كَوَّكَبًا﴾ أي: وصلَ إلى حجابٍ مِنْ حُجُبِ النورِ، فعبَّرَ عنهُ
بالكوكبٍ(٢)، وما أريدَ بهِ هذهِ الأجسامُ المضيئةُ؛ فإنَّ آحادَ العوامِّ
لا يخفى عليهمْ أنَّ الربوبيَّةَ لا تليقُ بالأجسام ، بلْ يدركونَ ذلكَ بأوائلِ
نظرِهِمْ ، فما لا يضلِّلُ العوامَّ لا يضلِّلُ الخليلَ عليهِ السلامُ .
والحُجُبُ المسقَاءُ أنواراً ما أُرِيدَ بها الضوءُ المحسوسُ بالبصرِ ، بلْ أُريدَ
بها ما أريدَ بقولهِ تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهٍ، كَمِشْكَوْفٍ فِيهَا
مِصْبَاعُ ... ﴾ الآيةَ.
ـى.
(١) رواه مسلم (١٧٩) بلفظ: ((حجابه النور))، ولفظ: ((سبعين حجاباً)) عند الطبراني
في («الأوسط)) (٦٤٠٣)، وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٥/٥) مرفوعاً: (( يا
جبريل ؛ هل ترى ربك ؟ قال : إن بيني وبينه لسبعين حجاباً من نار أو من نور ، لو
دنوت من أدناها .. لاحترقت)). وانظر إلى ما قاله المصنف رحمه الله تعالى في
((مشكاة الأنوار)) ( ص ٧٥ ) .
(٢) انظر إلى ما قاله المصنف رحمه الله تعالى في ((مشكاة الأنوار)) (ص ٥٥).
٤٨٣

كتاب ترتيب الأوراد
٠٢
....
ربع العبادات
٠٦
ولنتجاوزْ هذهِ المعانيَ ؛ فإنَّها خارجةٌ عَنْ علم المعاملةِ ، ولا يُوصلُ
إلى حقائقِها إلا بالكشْفِ التابع للفكرِ الصافي ، وقلَّ مَنْ يفتحُ لهُ بابُهُ ،
والمتيسِّرُ على جماهيرِ الخلائقِ الفكرُ فيما يفيدُ في علوم المعاملةِ ، وذلكَ
أيضاً ممَّا تغزرُ فائدتُهُ ويعظُمُ نفعُهُ .
5
فهذهِ الوظائفُ الأربعةُ - أعني: الدعاءَ، والذكرَ ، والقراءةَ، والفكرَ -
ينبغي أنْ تكونَ وظيفةَ المريدِ بعدَ صلاةِ الصبح ، بلْ في كلِّ وِردٍ بعدَ الفراغِ
مِنْ وظيفةِ الصلاةِ ، فليسَ بعدَ الصلاةِ وظيفةٌ سوى هذهِ الأربع .
ويقوِّي على ذلكَ بأنْ يأخذَ سلاحَهُ ومجنَّهُ ، والصومُ هوَ الجُنَّةُ التي
تضيّقُ مجاريَ الشيطانِ المعادي الصارفِ لهُ عنْ سبيلِ الرشادِ .
وليسَ بعدَ طلوع الصبحِ صلاةٌ سوى ركعتي الفجرِ وفرضِ الصبحِ إلى
الطلوع ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابُهُ رضيَ اللهُ
عنهُم يشتغلونَ في هذا الوقتِ بالأذكارِ (١)، وهوَ الأولى، إلا أنْ يغلبَهُ
النومُ قبلَ الفرضِ ولمْ يندفعْ إلا بالصلاةِ، فلو صلَّى لذلكَ .. فلا بأسَ
بهِ .
(١) روى ذلك الخبر أبو داوود ( ٣٦٦٧) .
٤٨٤

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
الوردُ الثاني : ما بينَ طلوعِ الشمسِ إلى ضحوةِ النهارِ :
وأعني بالضحوةِ منتصفَ ما بينَ طلوع الشمسِ إلى الزوالِ ، وذلكَ
بمضيِّ ثلاثِ ساعاتٍ مِنَ النهارِ إذا فرضَ النهارُ اثنتي عشرةَ ساعةٌ ، وهوّ
الربعُ ، وفي هذا الربع مِنَ النهارِ وظيفتانِ زائدتانِ :
- إحداهما : صلاةُ الضحى، وقدْ ذكرنا في كتاب الصلاةِ أنَّ الأولى أنْ
يصلّيَ ركعتينِ عندَ الإشراقِ ، وذلكَ إذا انبسطتِ الشمسُ وارتفعتْ قدرَ
نصفِ رمحٍ ، ويصلَّيَ أربعاً أوْ ستاً أوْ ثمانياً إذا رَمِضَتِ الفصالُ(١)،
وضحيتِ الأقدامُ بحرِّ الشمسِ .
فوقتُ الركعتينِ هوَ الذي أرادَ اللهُ تعالى بقولِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ
وَالْإِشْرَاقِ﴾، فإنَّهُ وقتُ إشراقِ الشمسِ ، وهوَ ظهورُ تمام نورِها بارتفاعِها
عنْ مُوازاةِ البخاراتِ والغباراتِ التي على وجهِ الأرضِ ، فإنَّها تمنعُ إشراقَها
التامّ .
ووقتُ الركعاتِ الأربع هوَ الضحى الأعلى الذي أقسمَ اللهُ تعالى بهِ
فقالَ: ﴿وَالضُّحَى ◌َ: وَأُلَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، وخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ على أصحابِهِ وهمْ يصلُّونَ عندَ الإشراقِ ، فنادى بأعلى صوتِهِ: ((ألا
إنَّ صلاةَ الأوَّابينَ إذا رمضتِ الفصالُ))(٢).
(١) الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة؛ والمعنى: أي نامت في ظل أمَّاتها عند حر
الشمس ، أو بمعنى احتراق أخفافها من شدة حرِّ الرمل .
(٢) رواه أحمد في «المسند» (٣٧٤/٤)، وهو عند مسلم (٧٤٨) دون ذكر وقت الإشراق .
٤٨٥

کتاب ترتیب الأوراد
ربع العبادات
فلذلكَ نقولُ : إذا كانَ يقتصرُ على مرَّةٍ واحدةٍ في الصلاةِ .. فهذا
الوقتُ أفضلُ لصلاةِ الضحى ، وإنْ كانَ أصلُ الفضلِ يحصلُ بالصلاةِ بينَ
طرفي وقتي الكراهةِ ، وهوَ ما بينَ ارتفاع الشمسِ بطلوع نصفِ رمحٍ
بالتقريبِ إلى ما قبلَ الزوالِ في ساعةِ الاستواءِ ، فاسمُ الضحى ينطلقُ على
الكلِّ ، وكأنَّ ركعتي الإشراقِ تقعُ في مبدأٍ وقتِ الإذنِ في الصلاةِ وانقضاءِ
الكراهةِ ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الشمسَ تطلعُ ومعَها قرنُ
الشَّيطانِ، فإذا ارتفعَتْ .. فارقَها))(١) ، فأقلُّ ارتفاعِها أنْ ترتفعَ عنْ بخاراتِ
الأرض وغبارها ، وهذا يراعى بالتقريبٍ .
- الوظيفةُ الثانيةُ في هذا الوقتِ : الخيراتُ المتعلّقةُ بالناسِ التي جرتْ
بها العاداتُ بكرةً ؛ مِنْ عيادةِ مريضٍ ، وتشييع جنازةٍ ، ومعاونةٍ على برِّ
وتقوى ، وحضورٍ مجلسٍ علمٍ ، وما يجري مجراهُ ؛ مِنْ قضاءِ حاجةٍ لمسلم
وغيرِها .
فإنْ لمْ يكنْ شيءٌ مِنْ ذلكَ .. عادَ إلى الوظائفِ الأربع التي قدَّمْناها ؛ مِنَ
الأدعيةِ ، والذكرِ ، والقراءةِ ، والفكرِ ، أوِ الصلواتِ المتطوَّع بها إنْ شاءَ ،
فإنَّها مكروهةٌ بعدَ صلاةِ الصبح وليستْ مكروهةً الآنَ ، فتصيرُ الصلاةُ قسماً
خامساً مِنْ جملةِ وظائفِ هذا الوقتِ لمَنْ أرادَهُ .
(١) رواه النسائي (٢٧٥/١)، وابن ماجه ( ١٢٥٣).
مسعـ
٤٨٦
रक

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
وأمَّا بعدَ فريضةِ الصبح .. فتكرَهُ كلُّ صلاةٍ لا سببَ لها ، وبعدَ الصبح
الأحبُّ أن يقتصرَ على ركعتي الفجرِ وتحيَّةِ المسجدِ ، ولا يشتغلَ بالصلاةِ ،
بلْ بالأذكارِ والقراءةِ والدعاءِ والفكرِ .
الوردُ الثالثُ : مِنْ ضحوةِ النهارِ إلى الزوالِ :
ونعني بالضحوةِ المنتصفَ وما قبلَهُ بقليلِ وكأنَّ بعدَ كلِّ ثلاثِ ساعاتٍ أمرٌ
بصلاةٍ ؛ فإذا انقضى ثلاثُ ساعاتٍ بعدَ الطلوع .. فعندَها وقبيلَ مضيّها صلاةٌ
الضحى ، فإذا مضتْ ثلاثٌ أخرى .. فالظهرُ ، فإذا مضتْ ثلاثٌ أخرى ..
فالعصرُ، فإذا مضتْ ثلاثٌ أخرى .. فالمغربُ(١).
ومنزلةُ الضحىُ بينَ الزوالِ والطلوع كمنزلةِ العصرِ بينَ الزوالِ
والغروبِ ، إلا أنَّ الضحى لمْ تُفُترضْ ؛ لأنَّهُ وقتُ إكبابِ الناسِ على
أشغالِهِمْ ، فخُففَ عنْهُمْ .
٠٩٠٠
والوظيفةُ في هذا الوقتِ الأقسامُ الأربعةُ ، ويزيدُ أمرانِ :
رم
- أحدُهما : الاشتغالُ بالكسبِ ، وتدبيرِ المعاشِ ، وحضورِ السوقِ :
فإنْ كانَ تاجراً .. فينبغي أنْ يتَّجرَ بصدْقٍ وأمانةٍ ، وإنْ كانَ صاحبَ صناعةٍ ..
(١) حينئذٍ، وبه كملت اثنتا عشرة ساعة من النهار العرفي. ((إتحاف)) (١٤٢/٥).
٤٨٧
حشره

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
9p.
فبنصْحِ وشفقةٍ ، ولا ينسى ذكرَ اللهِ تعالى في جميع أشغالِهِ ، ويقتصرُ مِنَ
الكسبِ على قدْرِ حاجتِهِ ليومِهِ مهما قدرَ على أنْ يكتسبَ في كلِّ يومٍ
لقوتِهِ(١) .
فإذا حصلتْ كفايةُ يومِهِ .. فليرجعْ إلى بيتِ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وليتزودْ
لآخرتِهِ ؛ فإنَّ الحاجةَ إلى زادِ الآخرةِ أشدُّ، والتمتُّعَ بهِ أدومُ ، فالاشتغالُ
بكسبِهِ أهمُّ مِنْ طلبِ الزيادةِ على حاجةِ الوقتِ ؛ فقدْ قيلَ : ( لا يوجدُ
المؤمنُ إلا في ثلاثِ مواطنَ : مسجدٌ يعمُرُهُ، أَوْ بيتٌ يسترُهُ، أَوْ حاجةٌ
لا بدَّ لهُ منها)(٢)، وقلَّ مَنْ يعرفُ القدرَ فيما لا بدَّ منهُ، بلْ أكثرُ الناسِ
يقدِّرونَ فيما عنهُ بدّ أنَّهُ لا بدَّ لهُمْ منهُ، وذلكَ لأنَّ الشيطانَ يعدُهُمُ
الفقرَ ويأمُرُهُمْ بالفحشاءِ ، فيصغونَ إليهِ ، ويجمعونَ ما لا يأكلونَ ؛
خيفةَ الفقرِ ، واللهُ يعدُهُمْ مغفرةً منهُ وفضلاً، فيعرضونَ عنهُ ، ولا يرغبونَ
فیهِ .
- الأمرُ الثاني : القيلولةُ: وهيَ سنَّةٌ ليستعينَ بها على قيام الليلِ ، كما أنَّ
التسخُرَ سنَّةٌ ليستعينَ بهِ على صيام النهارِ (٣)، فإنْ كانَ لا يقومُ بالليلِ ولكنْ
C
(١) وقوت عياله، وإن أمكن أن يكتسب قوت يومين أو ثلاثة أو أكثر ، فيجعل بقية أيامه
للذكر والعبادة .. فلا بأس. ((إتحاف)) (١٤٢/٥).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢١/١١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٤١/٢)
عن قتادة ، وروى الترمذي (٢٣٤١) مرفوعاً: (( ليس لابن آدم حق في سوى هذه
الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء)).
(٣) روى ابن ماجه ( ١٦٩٣) مرفوعاً: (( استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، -
٤٨٨
حرب
دن

ربع العبادات
کتاب ترتیب الأوراد
لو لمْ ينمْ لمْ يشتغلْ بخيرٍ وربما خالطَ أهلَ الغفلةِ وتحدَّثَ معهُمْ .. فالنومُ
أحبُّ لهُ إذا كانَ لا ينبعثُ نشاطُهُ للرجوع إلى الأذكارِ والوظائفِ المذكورةِ ؛
إذْ في النومِ الصمتُ والسلامةُ .
وقدْ قالَ بعضُهُمْ : ( يأتي على الناس زمانٌ الصمتُ والنومُ فيهِ أفضلُ
أعمالِهِمْ)(١) .
وكمْ مِنْ عابدٍ أحسنُ أحوالِهِ النومُ ، وذلكَ إذا كانَ يرائي بعبادتِهِ
ولا يخلصُ فيها ، فكيفَ بالغافلِ الفاسقِ ؟!
قالَ سفيانُ الثوريُّ رحمهُ اللهُ : ( كانَ يعجبُهُمْ إذا تفرَّغوا أنْ يناموا طلباً
للسلامةِ)(٢).
فإذاً ؛ نومُهُ على قَصْدِ طلبِ السلامةِ ونَيَّةِ قيام الليلِ قربةٌ ، ولكنْ
ينبغي أنْ يتنبّهَ قبيلَ الزوالِ بقدْرِ الاستعدادِ للصلاةِ بالوضوءِ وحضورِ
المسجدِ قبلَ دخولِ وقتِ الصلاةِ ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ فضائلِ الأعمالِ ، وإنْ لمْ
ينمْ ولمْ يشتغلْ بالكسبِ واشتغلَ بالصلاةِ والذكرِ .. فهوَ أفضلُ أعمالٍ
النهارِ ؛ لأنَّهُ وقتُ غفلةِ الناسِ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ واشتغالِهِمْ بهمومِ
الدنيا ، فالقلبُ المتفرِّعُ لخدمةِ ربِّهِ عندَ إعراضِ العبيدِ عنْ بابِهِ جديرٌ بأنْ
بيري
وبالقيلولة على قيام الليل)) ، والقيلولة : النوم أو الاستراحة وقت الظهيرة .
=
(١) قوت القلوب (٩٦/١).
(٢) قوت القلوب (١٦/١).
٤٨٩

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
يزكِّيَهُ اللهُ تعالى ويصطفيَهُ لقربِهِ ومعرفتِهِ .
٠٫٠
٠٠٠٠
وفضلُ ذلكَ كفضلٍ إحياءِ الليلِ ، فإنَّ الليلَ وقتُ الغفلةِ بالنوم ، وهذا
وقتُ الغفلةِ باتباع الهوى والاشتغالِ بهموم الدنيا ، وأحدُ معنيي قولِهِ
تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يخلفُ
أحدُهُما الآخرَ في الفضلِ ، والثاني : أنَّهُ يخلفُهُ فيتداركُ فيهِ ما فاتَ في
أحدِهِما(١).
الوردُ الرابعُ : ما بينَ الزوالِ إلى الفراغ مِنْ صلاةِ الظهرِ وراتبتِهِ :
وهوَ أقصرُ أورادِ النهار وأفضلُها ، فإذا كانَ قدْ توضَّأَ قبلَ الزوالِ ،
وحضرَ المسجدَ فمهما زالتِ الشمسُ، وابتدأَ المؤذِّنُ الأذانَ .. فليصبرْ إلى
الفراغِ مِنْ جوابِ أذانِهِ ، ثُمَّ ليقمْ إلى إحياءِ ما بينَ الأذانِ والإقامةِ ، فهوَ
وقتُ الإظهارِ الذي أرادَهُ اللهُ تعالى بقولِهِ : ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾(٢) ، وليصلِّ في
هذا الوقتِ أربعَ ركعاتٍ لا يفصلُ بينهُنَّ بتسليمٍ ، وهذهِ الصلاةُ وحدَها مِنْ
بينِ سائرٍ صلواتِ النهارِ نُقِلَ أنَّهُ يصلِّيها بتسليمةٍ واحدةٍ(٣)، ولكنْ طُعِنَ في
٠٠٠
٠٠ ٠٫
٠٤٠
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٣٩/١٩/١١) عن عمر وابن عباس والحسن
رضي الله عنهم .
(٢) قوت القلوب (١٦/١، ١٧).
(٣) روى ذلك أبو داوود (١٢٧٠)، والترمذي ( ٤٧٨) تعليقاً، وابن ماجه ( ١١٥٧).
٤٩٠

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
تلكَ الروايةِ ، هكذا قالَهُ بعضُ العلماءِ(١) ، ومذهبُ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ
أنَّهُ يصلِّي مثنى مثنى كسائرِ النوافلِ ، ويفصلُ بتسليمةٍ ، وهوَ الذي صحَّتْ بهِ
الأخبارُ(٢).
وليطوِّلْ هذهِ الركعاتِ ، إذْ فيها تفتحُ أبوابُ السماءِ كما أوردنا الخبرَ فيهِ
في بابِ صلاةِ التطوع(٣)، وليقرأ فيها ( سورةَ البقرةِ) أوْ سورتينِ مِنَ
المئينَ ، أوْ أربعاً مِنَ المثاني (٤)، فهذهِ ساعةٌ يُستجابُ فيها الدعاءُ ، وأحبّ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يُرفعَ لهُ فيها عملٌ (٥).
ثمَّ يصلِّي الظهرَ بجماعةٍ بعدَ أربع ركعاتٍ طويلةٍ كما سبقَ أوْ قصيرةٍ ،
ولا ينبغي أنْ يدعَها .
(١) الضمير في قوله: (قاله) عائد إلى أنه يصليها متصلة بتسليمة واحدة، ((قوت
القلوب)) (١٦/١) .
(٢) إشارة إلى حديث أبي داوود (١٢٩٥)، والترمذي ( ٥٩٧ )، والنسائي
(٢٢٧/٣)، وابن ماجه (١٣٢٢) مرفوعاً: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))، أو
مطلق الخبر الذي رواه البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٤٩) مرفوعاً: (( صلاة الليل
مثنى مثنى)) .
(٣) رواه الترمذي ( ٤٧٨) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه، وقال: (وفي الباب عن
علي وأبي أيوب)، وهو عن أبي أيوب عند أحمد في ((مسنده)) (٤١٦/٥).
(٤) قوت القلوب (١٦/١) .
(٥) رواه الترمذي ( ٤٧٨) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه، وقال : ( وفي الباب عن
علي وأبي أيوب)، وهو عن أبي أيوب عند أحمد في ((مسنده)) (٤١٦/٥).
%
٤٩١

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
ثمَّ ليصلِّ بعدَ الظهرِ ركعتينِ ثمَّ أربعاً ، إذْكرهَ ابنُ مسعودٍ أنْ تتبعَ الفريضةُ
بمثلِها مِنْ غيرِ فاصلٍ(١) .
ن
ويُستحبُّ أنْ يقرأَ في هُذهِ النافلةِ آيَةَ الكرسيِّ، وآخرَ ( سورةِ البقرةِ ) ،
والآياتِ التي أوردناها في الوردِ الأوَّلِ ؛ ليكونَ ذلكَ جامعاً لهُ بينَ الدعاءِ
والذكرِ والقراءةِ والصلاةِ والتحميدِ والتسبيح معَ شرفِ الوقتِ .
الوردُ الخامسُ : ما بعدَ ذلكَ إلى العصرِ :
م٨.
ويستحبُّ فيهِ العكوفُ في المسجدِ مشتغلاً بالذكرِ والصلاةِ وفنونٍ
الخيرِ ، ويكونُ في انتظارِ الصلاةِ معتكفاً ، فمِنْ فضائلِ الأعمالِ انتظارُ
الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، وكانَ ذلكَ سنَّةَ السلفِ ، كانَ الداخلُ يدخلُ المسجدَ
بينَ الظهرِ والعصرِ ، فيسمعُ للمصلِّينَ دويّاً كدويٌّ النحلِ مِنَ التلاوةِ ، فإنْ
كانَ بيتُهُ أسلمَ لدينِهِ وأجمعَ لهمِّهِ . . فالبيتُ أفضلُ في حقِّهِ .
وإحياءُ هذا الوٍردِ - وهوَ أيضاً وقتُ غفلةِ الناسِ - كإحياءِ الوِرِدِ الثالثِ
في الفضلِ ، وفي هذا الوقتِ يُكرهُ النومُ لمَنْ نامَ قبلَ الزوالِ ، إذْ يُكرِهُ نومتانٍ
بالنهارِ ، قالَ بعضُ العلماءِ : ( ثلاثٌ يمقتُ اللهُ عزَّ وجلَّ عليها : الضحكُ بغيرِ
عجبٍ ، والأكلُ مِنْ غيرِ جوعٍ ، ونومٌ بالنهارِ مِنْ غيرِ سهرٍ بالليلِ )(٢).
٤٠
(١) قوت القلوب (٣١/١).
(٢) قوت القلوب (١٧/١) وبمعناه روى الطبرانى فى ((الكبير)) (٣١٨/١٠).
٤٩٢

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
والحُّ في النوم: أنَّ الليلَ والنهارَ أربعٌ وعشرونَ ساعةً ، فالاعتدالُ في
نومِهِ ثماني ساعاتٍ في الليلِ والنهارِ جميعاً ، فإنْ نامَ هذا القدْرَ بالليلِ ..
فلا معنى للنوم بالنهارِ ، وإنْ نقصَ منهُ مقداراً .. استوفاهُ بالنهارِ ، فحسْبُ
ابنِ آدمَ إنْ عاشَ ستينَ سنةً أنْ ينقصَ مِنْ عمرِهِ عشرونَ سنةً ، ومهما نامَ
ثمانيَ ساعاتٍ وهوَ الثلثُ .. فقدْ نقصَ مِنْ عمرِهِ الثلثُ، ولكنْ لمَّا كانَ
النومُ غذاءً للروحِ كما أنَّ الطعامَ غذاءٌ للبدنِ ، وكما أنَّ العلمَ والذكرَ غذاءٌ
للقلبِ .. لمْ يمكنْ قطعُهُ عنهُ(١)، وقدرُ الاعتدالِ هذا، والنقصانُ منهُ ربّما
يفضي إلى اضطرابِ البدنِ ، إلاَّ مَنْ يتعوَّدُ السهرَ تدريجاً ، فقدْ يمرِّنُ نفسَهُ
عليهِ مِنْ غيرِ اضطرابٍ(٢).
ح
فين <٥ °م
وهذا الوردُ هوَ مِنْ أطولِ الأورادِ ، وأمتعِها للعُبَّادِ، وهوَ أحدُ الآصالِ
التي ذكرَها اللهُ تعالى إذْ قالَ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾، وإذا سجدَ للهِ عزَّ وجلَّ الجماداتُ .. فكيفَ يجوزُ
أنْ يغفُلَ العبدُ العاقلُ عنْ أنواعِ العباداتِ ؟!
١.٤
مجيد
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٠٢٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٧/١) من قول معاذ
رضي الله عنه .
(٢) قوت القلوب (١/ ١٧).
٤٩٣

کتاب ترتیب الأوراد
ربع العبادات
الوِردُ السادسُ : إذا دخلَ وقتُ العصرِ .. دخلَ وقتُ الوِردِ السادسِ:
وهوَ الذي أقسمَ اللهُ تعالى بهِ إِذْ قالَ تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هذا أحدُ معنبي
الآيةِ، وهوَ المرادُ بالآصالِ في أحدِ التفسيرينِ ، وهوَ العشيُّ المذكورُ في
قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَعَشِيًّا﴾، وفي قولِهِ: ﴿بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾.
ـ%
وليسَ في هذا الوردِ صلاةٌ إلا أربعُ ركعاتٍ بينَ الأذانينِ(١) كما سبقَ في
الظهرِ ، ثمَّ يصلِّي الفرضَ ويشتغلُ بالأقسام الأربعةِ المذكورةِ في الوِردِ الأوَّلِ
إلى أنْ ترتفعَ الشمسُ إلى رؤوسِ الحيطانِ وتصفرَّ .
والأفضلُ فيهِ إذْ منعَ عنِ الصلاةِ تلاوةُ القرآنِ بتدبُّرٍ وتفهُمٍ ؛ إذْ يجمعُ ذلكَ
معنى الذكرِ والدعاءِ والفكرِ ، فيندرجُ في هذا القسم أكثرُ مقاصدِ الأقسام
الثلاثةِ .
منه
الوِردُ السابعُ : إذا اصفرَّتِ الشمسُ :
بأنْ تقربَ مِنَ الأرضِ بحيثُ يغطّي نورَها الغباراتُ والبخاراتُ التي على
وجهِ الأرضِ، ويُرى صفرةٌ في ضوئها .. دخلَ هذا الوردُ ، وهوَ مثلُ الوِردِ
الأوَّلِ مِنْ طلوع الفجرِ إلى طلوع الشمسِ ؛ لأنَّهُ قبلَ الغروبِ ، كما أنَّ
(١) أي: بين الأذان والإقامة لصلاة العصر كما في نسخة الحافظ الزبيدي.
٤٩٤

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
ذلكَ قبلَ الطلوع، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، وهوَ الطرفُ الثاني المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ
النَّهَارِ﴾.
قالَ الحسنُ رحمهُ اللهُ: ( كانوا أشدَّ تعظيماً للعشيِّ منهُمْ لأوَّلِ
النهارِ )(١).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( كانوا يجعلونَ أوَّلَ النهارِ للدنيا وآخرَهُ
للآخرةِ)(٢) .
فيُستحبُّ في هذا الوقتِ التسبيحُ والاستغفارُ خاصَّةً وسائرُ ما ذكرناهُ في
الوِرِدِ الأوَّلِ ، مثلَ أنْ يقولَ : ( أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القُّومَ
وأسألُهُ التوبةَ، وسبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ ) مأخوذٌ مِنْ قولِهِ تعالى :
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنِْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْطَرِ
والاستغفارُ على الأسماءِ التي في القرآنِ أحبُّ ؛ كقولِهِ : أستغفرُ اللهَ إنَّهُ كانَ
غفَّاراً، أستغفرُ اللهَ إنَّهُ كانَ توَّاباً ، ربِّ اغفر وارحمْ وأنتَ خيرُ الراحمينَ ،
فاغفرْ لنا وارحمْنا وأنتَ خيرُ الراحمينَ ، فاغفر لنا وارحمْنا وأنتَ خيرٌ
الغافرينَ(٣).
أ) ..
(١) قوت القلوب (١٨/١).
(٢) قوت القلوب (١٨/١).
(٣) قوت القلوب (١٨/١).
٤٩٥

کتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
حن
ويُستحبُّ أنْ يقرأَ قبلَ غروبِ الشمسِ ( والشمسِ وضحاها ) ،
( والليلِ إذا يغشى) ، والمعوِّذتينِ ، ولتغربِ الشمسُ عليهِ وهوَ في
الاستغفار .
فإذا سمعَ الأذانَ .. قالَ : اللهمَّ ؛ هذا إقبالُ ليلكَ ، وإدبارُ نهارِكَ ،
وأصواتُ دعاتِكَ ... الدعاءَ كما سبقَ، ثمَّ يجيبُ المؤذِّنَ ، ويشتغلُ بصلاةٍ
المغربِ .
ـن*
وبالغروبِ قدِ انتهتْ أورادُ النهار ، فينبغي أنْ يلاحظَ العبدُ أحوالَةُ
ويحاسبَ نفسَهُ ، فقدِ انقضىُ منْ طريقِهِ مرحلةٌ ، فهلْ ساوى يومُهُ أمسَهُ
فيكونَ مغبوناً ، أوْ كانَ شرّاً منهُ فيكونَ ملعوناً ؟ فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((لا بوركَ لي في يومٍ لا أزدادُ فيهِ خيراً)) (١).
فإِنْ رأىُ نفسَهُ متوفِّراً على الخيرِ جميعَ نهارِهِ ، مرفهاً عنِ التجشُّمِ ..
كانتْ بشارةً ، فليشكرِ اللهَ تعالى على توفيقِهِ وتسديدِهِ إِيَّهُ لطريقِهِ ، وإِنْ تكن
الأخرى .. فالليلُ خلفةٌ للنهارِ ، فليعزمْ على تلافي ما سبقَ مِنْ تفريطِهِ ؛ فإنّ
الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ ، فليشكرِ اللهَ تعالى على صحَّةٍ جسمِهِ وبقاءٍ بقيّةِ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٨/٨)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))
(١١٠٨) واللفظ له، ولفظه هناك: ( علماً) بدل ( خيراً)، ولفظه هنا رواه الأزدي
في ((أوهام الحاكم )) ( ص ٥١ ).
٤٩٦

ربع العبادات
کتاب ترتيب الأوراد
عمرِهِ إلى أوَّلِ ليلِهِ ليشتغلَ بتداركِ تقصيرِهِ .
وليحضرْ في قلبهِ أنَّ نهارَ العمرِ لهُ آخرٌ تغربُ فيهِ شمسُ الحياةِ ، فلا
يكونُ لها بعدَهُ طلوعٌ، وعندَ ذلكَ يُغلقُ بابُ التداركِ والاعتذارِ ، فليسَ
العمرُ إلا أياماً معدودةً تنقضي - لا محالةَ - جملتُها بانقضاءِ آحادِها.
شن
٢٦٦٠
٤٩٧
تر

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
بيان أوراد اللّيل
وهيَ خمسَة
الأوّلُ : إذا غربتِ الشمسُ .. صلَّى المغربَ، واشتغلَ بإحياءِ ما بينَ
العشاءينِ :
فَآخرُ هذا الوِرِدِ عندَ غيبوبةِ الشفقِ ؛ أعني : الحمرةَ التي بغيبوبتِها
يدخلُ وقتُ العشاءِ الآخرةِ، وقدْ أقسمَ اللهُ تعالى بهِ فقالَ: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ
بِالشَفَقِ﴾، والصلاةُ فيهِ هيَ ناشئةُ الليلِ، لأنَّهُ أوَّلُ نشوءِ ساعاتِهِ ، وهوَ إِنْيٌ
مِنَ الآناءِ المذكورةِ في قولهِ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ الَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾، وهيَ صلاةُ
الأوَّابينَ ، وهيَ المرادُ بقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾،
رُوِيَ ذلكَ عنِ الحسنِ رحمهُ اللهُ، وأسندَهُ ابنُ أبي زيادٍ إلى رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ سئلَ عنْ هذهِ الآيةِ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( الصلاةُ بينَ العشاءينِ))، ثمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالصلاةِ
بينَ العشاءَيينِ؛ فإنَّها تذهبُ بملاغاتِ النهارِ وتهذَّبُ آخرَهُ)) (١) ،
والملاغاتُ : جمعُ ملغاةٍ ، مِنَ اللغوِ .
(١) رواية الحسن وابن أبي زياد نصَّ عليهما أبو طالب في ((القوت)) (١٩/١)، والحديث
رواه الديلمي كما في ((الفردوس)) (٤٠٢٩)، وانظر ((الإتحاف)) (١٥١/٥)،
و(فيض القدير)) (٣٤٤/٤)، وروى الترمذي (٣١٩٦): عن أنس رضي الله عنه
قال : ( نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة ) .
٤٩٨

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
وسئلَ أنسٌ رحمهُ اللهُ عمَّنْ ينامُ بينَ العشاءينِ فقالَ : لا تفعلْ ؛ فإنَّها
الساعةُ المعنيّةُ بقولهِ تعالى: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾(١).
وسيأتي فضْلُ إحياءِ ما بينَ العشاءينِ في البابِ الثاني .
وترتیبُ هذا الوردِ :
أنْ يصلِّيَ بعدَ المغربِ ركعتينٍ أوَّلاً، يقرأُ فيهما : (قلْ يا أيُّها
الكافرونَ ) و(قلْ هوَ اللهُ أحدٌ)، ويصلِّيهما عَقيبَ المغربِ ، مِنْ غيرِ تخلَّلِ
كلامٍ ولا شغلٍ ، ثمَّ يصلَّي أربعاً يطيلُها ، ثمَّ يصلّي إلى غيبوبةِ الشفقِ ما تيسَّرَ
لهُ .
وإنْ كانَ المسجدُ قريباً مِنَ المنزلِ .. فلا بأسَ أنْ يصلَِّها في بيتِهِ إنْ لمْ
يكنْ عزمُهُ العكوفَ في المسجدِ ، وإنْ عزمَ على العكوفِ في انتظارِ
العتمةِ .. فهوَ الأفضلُ إذا كانَ آمناً مِنَ التصنَّع والرياءِ .
٠٥٠٦ - مال.
الوِرةُ الثاني : يدخلُ بدخولٍ وقتِ العشاءِ الآخرةِ إلى حدِّ نومةِ الناسِ :
وهوَ أوَّلُ استحكام الظلام، وقدْ أقسمَ اللهُ تعالى بهِ إذْ قالَ: ﴿وَاُلَّيْلِ وَمَا
وَسَقَ﴾ أيْ: وما جمعَ مِنْ ظلمتِهِ، وقال تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ﴾، فهناكَ
يغسقُ الليلُ وتُستوسقُ ظلمتُهُ .
(١) قوت القلوب (١٩/١) بنحوه، وقريب منه ما روي عنه في التعليق السابق.
٤٩٩
١٥

کتاب ترتیب الأوراد
ربع العبادات
وترتيبُ هذا الوردِ بمراعاةٍ ثلاثةِ أمورٍ :
الأوَّلُ : أنْ يصلِّيَ سوىُ فرضِ العشاءِ عشرَ ركعاتٍ : أربعاً قبلَ
الفرضِ ؛ إحياءً لما بينَ الأذانينِ(١)، وستّاً بعْدَ الفرضِ؛ ركعتينِ، ثُمَّ
أربعاً ، ويقرأُ فيها مِنَ القرآنِ الآياتِ المخصوصةَ ؛ كآخرِ ( البقرةِ ) وآيةِ
الكرسيِّ وأوَّلِ (الحديدِ ) وآخرِ (الحشرِ) وغيرِها .
والثاني : أنْ يصلِّيَ ثلاثَ عشرةَ ركعةً آخرُهُنَّ الوترُ ، فإنَّهُ أكثرُ ما رُوِيَ
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلَّى بها منَ الليلِ(٢).
والأكياسُ يأخذونَ أوقاتَهُمْ مِنْ أَوَّلِ الليلِ ، والأقوياءُ مِنْ آخرِهِ ، والحزمُ
التقديمُ ، فإنَّهُ ربما لا يستيقظُ أوْ يثقلُ عليهِ القيامُ ، إلا إذا صارَ ذلكَ عادةً
لهُ، فَآخرُ الليلِ أفضلُ (٣).
.جـ
جالى
ثُمَّ ليقرأْ في هذهِ الصلاةِ قَدْرَ ثلاثِ مئةِ آيَةٍ مِنَ السورِ المخصوصةِ التي كانَ
النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يكثرُ قراءتها ؛ مثلَ (يس)، و(سجدةٍ لقمانَ)(٤)،
و( سورةِ الدخانِ)، و(تَبَارَكَ الملكَ)، و(الزمرِ)، و( الواقعةِ).
(١) أي: الأذان والإقامة لصلاة العشاء.
(٢) روى أبو داوود (١٣٦٢) عن عائشة رضي الله عنها: (ولم يكن يوتر بأنقص من سبع
ولا بأكثر من ثلاث عشرة ) .
مار.
(٣) روى أبو داوود (١٤٣٤) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ((متى توتر؟))
قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: ((متى توتر؟)) قال: آخر الليل ، فقال لأبي
بكر: ((أخذ هذا بالحزم))، وقال لعمر: ((أخذ هذا بالقوة)).
(٤) أي: سورة السجدة. انظر ((بصائر ذوي التمييز)) (٣٧٣/١).
.٢
ترع