النص المفهرس

صفحات 321-340

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
حن
البَابُ الرَّبِعُ
في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل
لعلكَ تقولُ : عظَّمْتَ الأمرَ فيما سبقَ في فهْمِ أسرارِ القرآنِ وما ينكشفُ
الأربابِ القلوبِ الزكيَّةِ مِنْ معانيهِ ، فكيفَ يستحبُّ ذلكَ وقدْ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ فسَّرَ القرآنَ برأيهِ .. فليتبوأُ مقعدَهُ مِنَ النّارِ))؟!(١) وعنْ
هذا شنَّعَ أهلُ العلمِ بظاهرِ التفسيرِ على أهلِ التصرُّفِ(٢) منَ المفسرينَ
المنسوبينَ إلى التصوُّفِ في تأويلِ كلماتِ القرآنِ على خلافِ ما نُقِلَ عنِ ابنِ
عباسٍ وسائرِ المفسرينَ ، وذهبوا إلى أنَّهُ كفرٌ ، فإنْ صحَّ ما قالَهُ أهلُ
التفسيرِ .. فما معنى فهم القرآنِ سوى حفْظِ تفسيرِهِ ؟ وإنْ لمْ يصحَّ ذلكَ ..
فما معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ فسَّرَ القرآنَ برأيهِ .. فليتبوأُ مقعدَهُ
مِنَ النّارِ))؟
مكن
كن
٠٨ ٥
فاعلمْ : أَنَّ مَنْ زعمَ أنْ لا معنى للقرآنِ إلا ما يترجمُهُ ظاهرُ التفسيرِ ..
فهوَ مخبرٌ عنْ حدِّ نفسِهِ، وهوَ مصيبٌ في الإخبارِ عنْ نفسِهِ، ولكنَّهُ مخطىءٌ
في الحكم بردِّ الخلقِ كافَّةً إلى درجتِهِ التي هيَ حدُّهُ ومحطُّهُ(٣) ، بلِ الأخبارُ
يرو
(١) رواه الترمذي ( ٢٩٥١).
(٢) أي: في معاني الألفاظ. («إتحاف)) (٥٢٦/٤).
(٣) وقد ذكر المصنف فيما سبق : أن هذا الاعتقاد مانع من موانع الفهم كذلك .
٣٢١
ش

كتاب تلاوة القرآن
٢٠
ربع العبادات
والآثارُ تدلُّ على أنَّ في معاني القرآنِ متسعاً لأربابِ الفهمِ .
قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إلا أنْ يُؤْتِيَ اللهُ عبداً فهماً في القرآنِ)(١).
فإنْ لمْ يكنْ سوى الترجمةِ المنقولةِ .. فما ذلكَ الفهمُ ؟!
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ للقرآنِ ظهراً وبطناً، وحدّاً
ومطلعاً ))(٢)، ويُروى أيضاً عنِ ابنِ مسعودٍ موقوفاً عليهِ وهوَ مِنْ علماءِ
التفسيرِ (٣) ، فما معنى الظهْرِ والبطنِ والحدِّ والمطلع؟!
وقالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( لوْ شئتُ .. لأوقرتُ سبعينَ بعيراً مِنْ تفسيرِ
فاتحةِ الكتابِ)(٤)، فما معناهُ وتفسيرُ ظاهرِها في غايةِ الاختصارِ ؟!
وقالَ أبو الدرداءِ : ( لا يفقهُ الرجلُ حتَّى يجعلَ للقرآنِ وجوهاً )(٥) .
وقدْ قالَ بعضُ العلماءِ : ( لكلِّ آيَةٍ ستونَ ألفَ فهْمٍ وما بقيَ مِنْ فهمِها
أكثرُ )(٦) .
٢٠٠
(١) رواه النسائي (٨/ ٢٣) بنحوه .
(٢) رواه ابن حبان فى ((صحيحه)) (٧٥) بلفظ: (أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية
منها ظهر وبطن))، وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٥٨/٣) بلفظ : ( والذي
نفسي بيده ؛ ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ، ولكل حد
مطلع) من قول الحسن، ولفظ المصنف هنا عند صاحب ((القوت)) (٥١/١).
(٣)
انظر ((قوت القلوب)) (٥١/١) .
(٤)
قوت القلوب (٥٠/١) .
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٥٥/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/١).
(٦) رواه أبو طالب في ((القوت)) (٥٠/١).
٣٢٢

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
وقالَ بعضُهُمْ: ( القرآنُ يحوي سبعةً وسبعينَ ألفَ علمٍ ومئتي علمٍ ؛ إذْ
لكلِّ كلمةٍ علمٌ، ثمَّ يتضاعفُ ذلكَ أربعةَ أضعافٍ ؛ إذْ لكلِّ كلمةٍ ظاهرٌ
وباطنٌ وحدٌّ ومطلعٌ)(١) .
وترديدُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ( بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ )
عشرينَ مرَّةً لا يكونُ إلا لتدبُّرِهِ باطنَ معانيها ، وإلا .. فترجمتُها وتفسيرُها
ظاهرٌ لا يحتاجُ مثلُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى تكريرٍ (٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ أرادَ علمَ الأولينَ والآخرينَ ..
فليُتَوِّرِ القرآنَ )(٣) ، وذلكَ لا يحصلُ بمجردٍ تفسيرِهِ الظاهرِ .
وبالجملةِ : فالعلومُ كلُّها داخلٌ في أفعالِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ ، وفي
القرآنِ شرحُ ذاتِهِ وأفعالِهِ وصفاتِهِ ، وهذهُ العلومُ لا نهايةَ لها ، وفي القرآنِ
إشارةٌ إلى مجامِعِها .
والمقاماتُ في التعمُّقِ في تفصيلِهِ راجعةٌ إلى فهْمِ القرآنِ ، ومجرَّدُ ظاهرٍ
التفسيرِ لا يشيرُ إلى ذلكَ، بلْ كلُّ ما أشكلَ على النظّارِ واختلفَ فيهِ الخلائقُ
في النظرياتِ والمعقولاتِ ففي القرآنِ رموزٌ إليهِ ودلالاتٌ عليهِ يختصُّ أهلُ
٢١٠٠
٠.٠
٢:٠
(١) قوت القلوب (١/ ٥٧).
(٢) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ( ٥٥١).
(٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٨٠٨)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٥/٩).
3
٣٢٣
٠٫٥٠

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
الفهمِ بدرْكِها، فكيفَ يفي بذلكَ ترجمةُ ظاهرهِ وتفسيرُهُ؟!(١).
تم
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اقرؤوا القرآنَ والتمسوا غرائبَهُ)) (٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: (( والذي
بعثني بالحقِّ نبيّاً ؛ لتفترقنَّ أمتي عنْ أصلِ دينها وجماعتِها على اثنتينِ
وسبعينَ فرقةً ، كلُّها ضالَّةٌ مضلَّةٌ يُدعونَ إلى النارِ ، فإذا كانَ ذلكَ .. فعليكُمْ
بكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فإنَّ فيهِ نبأَ ما كانَ قبلَكُمْ ، ونبأَ ما يأتي بعدَكُمْ ،
وحكمَ ما بينَكُمْ، مَنْ خالفَهُ مِنَ الجبابرةِ .. قصمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، ومَنِ ابتغى
العلمَ في غيرِهِ .. أضلَّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وهوَ حبْلُ اللهِ المتينُ ، ونورُهُ
المبينُ ، وشفاؤُهُ النافعُ ، عصمةٌ لمَنْ تمَّكَ بهِ ، ونجاةٌ لمَنِ اتبعَهُ ،
لا يعوجُّ فيقوَّمَ ، ولا يزيغُ فيستقيمَ ، ولا تنقضي عجائبُهُ، ولا يخلِقُهُ كثرةُ
الردِّ )) الحديثَ(٣).
وفي حديثٍ حذيفةً لمَّا أخبرَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالاختلافِ
والفرقةِ بعدَهُ .. قالَ : فقلتُ يا رسولَ اللهِ ؛ فما تأمرني إنْ أدركتُ ذلكَ ؟
فقالَ: (( تعلَّمْ كتابَ اللهِ واعملْ بما فيهِ، فهوَ المخرجُ مِنْ ذلكَ)) قالَ :
٢٠
١٢٠
(١) حتى قال الإمام الشافعي في ((الرسالة)) (ص ٢٠): ( فليست تنزل بأحد من أهل
دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها) .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٥٣٢)، وأبو يعلى في «مسنده)) (٦٥٦٠)،
وفيهما : ( أعربوا ) بدل ( اقرؤوا) .
ـدن
(٣) رواه الترمذي (٢٩٠٦) دون ذكر الافتراق، بل قال: (( ألا إنها ستكون فتنة))، ولفظ
المصنف عند صاحب ((القوت)) (٤٨/١).
حن
٣٢٤
ـكن

ربع العبادات
جـرة
كتاب تلاوة القرآن
فأعدتُ عليهِ ذلكَ ثلاثاً ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثاً: (( تعلَّمْ كتابَ اللهِ
عزَّ وجلَّ واعملْ بما فيهِ ، ففيهِ النجاةُ ))(١) .
وقالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: ( مَنْ فهمَ القرآنَ .. فسَّر جملَ العلم)(٢)،
أشارَ بهِ إلى أنَّ القرآنَ يشيرُ إلى مجامعِ العلومِ كلِّها .
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوْتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ يعني: الفهمَ في القرآنِ(٣).
3
وقال تعالى: ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ سمَّى ما آتاهما
علماً وحُكْماً ، وخصَّصَ ما انفردَ بهِ سليمانُ بالتفطُّنِ لهُ باسمِ الفهْمِ ، وجعلَهُ
مقدَّماً على العلمِ والحكمِ (٤).
فهذهِ الأمورُ تدلُّ على أنَّ في فهْمِ معاني القرآنِ مجالاً رحباً ومتسعاً
بالغاً ، وأنَّ المنقولَ مِنْ ظاهرِ التفسيرِ ليسَ منتهى الإدراكِ فيهِ .
فأمَّا قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ فسَّرَ القرآنَ برأيِهِ))، ونهيُّهُ عنهُ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقولُ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أيُّ أرضٍ تقلُّني ،
وأيُّ سماءٍ تظلّني إذا قلتُ في القرآنِ برأيِي) (٥) إلى غيرِ ذلكَ ممَّا وردَ في
حن
(١) رواه أبو داوود (٤٢٤٤)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) ( ٧٩٧٨).
(٢) قوت القلوب (٤٩/١).
(٣) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ( ١١٧/٣/٣).
(٤) قوت القلوب (٤٩/١) .
(٥) رواه القاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) (ص ٣٧٥)، وابن عبد البر في ((جامع بيان
العلم وفضله )) ( ١٥٦١).
-ج5
٣٢٥
حن

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
الأخبارِ والأوتارِ في النهي عنْ تفسيرِ القرآنِ بالرأي .. فلا يخلو : إمّا أنْ
يكونَ المرادُ بهِ الاقتصارَ على النقلِ والمسموع وتركَ الاستنباطِ والاستقلالِ
بالفهمِ ، أوِ المرادُ بهِ أمراً آخرَ .
٢٠٠٠
وباطلٌ قطعاً أنْ يكونَ المرادُ بهِ ألا يتكلَّمَ أحدٌ في القرآنِ إلا بما سمعَهُ
لوجوه :
أحدُها : أنَّهُ يشترطُ أنْ يكونَ ذلكَ مسموعاً مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ومسنداً إليهٍ ، وذلكَ ممَّا لا يُصادَفُ إلا في بعضِ القرآنِ، فأمَّا
ما يقولُهُ ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ مِنْ أنفسِهِمْ .. فينبغي ألا يقبلَ ، ويقالَ : هوَ
تفسيرٌ بالرأيِ ؛ لأنَّهُمْ لمْ يسمعوهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وكذا
غيرُهُمْ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ .
٠٠٠٠
والثاني : أنَّ الصحابةَ والمفسرينَ اختلفوا في تفسيرِ بعضِ الآياتِ ،
فقالوا فيها أقاويلَ مختلفةً لا يمكنُ الجمعُ بينها ، وسماعُ جميعِها مِنْ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ محالٌ، ولوْ كانَ الواحدُ مسموعاً .. لتُرِكَ
الباقي ، فتبيَّنَ على القطع أنَّ كلَّ مفسِّرِ قالَ في المعنى بما ظهرَ لهُ
باستنباطِهِ ، حتَّى قالوا في الحروفِ التي هيَ أوائلَ السورِ سبعةً أقاويلَ
مختلفةٍ لا يمكنُ الجمعُ بينَها، فقيلَ: إنَّ ﴿الَر﴾ هيَ حروفٌ مِنَ
الرحمْنِ ، وقيلَ: إنَّ الألفَ اللهُ، واللامَ لطيفٌ، والراءَ رحيمٌ،
٣٢٦

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
وقيلَ غيرُ ذلكَ ، والجمعُ بينَ الكلِّ غيرُ ممكنٍ ، فكيفَ يكونُ الكلُّ
مسموعاً ؟!
والثالثُ: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دعا لابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ :
((اللهمَّ، فقهْهُ في الدينِ وعلَّمْهُ التأويلَ)) (١) ، فإنْ كانَ التأويلُ مسموعاً
كالتنزيلِ ومحفوظاً مثلَهُ . . فما معنى تخصيصهِ بذلكَ ؟!
والرابعُ: أَنَّهُ قَالَ تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾، فأثبتَ لأهلِ
العلمِ استنباطاً، ومعلومٌ أنَّهُ وراءَ السماع ، وجملةُ ما نقلناهُ مِنَ الآثارِ في
فهم القرآنِ يناقضُ هذا الخيالَ ، فبطلَ أنْ يُشترطَ السماعُ في التأويلِ ، وجاز
لكلِّ واحدٍ أنْ يستنبطَ مِنَ القرآنِ بقدْرِ فهمِهِ وحدٍّ عقلِهِ (٢).
٥.٩٨/ه.
وأمَّا النهيُّ .. فإنَّهُ ينزَّلُ على أحدٍ وجهينِ :
أحدُهما : أنْ يكونَ لهُ في الشيءِ رأيٌ ، وإليهِ مَيْلٌ مِنْ طبعِهِ وهواهُ ،
فيتأوَّلُ القرآنَ على وَفْقِ رأيِهِ وهواهُ ؛ ليحتجَّ على تصحيح غرضِهِ ، ولوْ لمْ
يكنْ لهُ ذلكَ الرأيُ والهوى .. لكانَ لا يلوحُ لهُ مِنَ القرآنِ ذلكَ المعنى .
وهذا تارةً يكونُ معَ العلمِ ؛ كالذي يحتجُّ ببعضٍ آياتِ القرآنِ على
(١) رواه البخاري (١٤٣)، وبتمامه عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/١).
(٢) لا مطلقاً، بل مع مراعاة الشروط التي ذكرها العلماء لمريد التفسير والاستنباط ، والتي
أشار إلى شيء منها المصنف فيما يأتي .
٢٨٠
٣٢٧
شوب

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
عمر
تصحيح بدعتِهِ وهوَ يعلمُ أنَّهُ ليسَ المرادُ بالآيةِ ذلكَ ، ولكنْ يلِّسُ بهِ على
خصمه .
فتـ
وتارةً يكونُ معَ الجهلِ ، ولكنْ إذا كانتِ الآيَةُ محتمِلةً .. فيميلُ فهمُّهُ إلى
الوجهِ الذي يوافقُ غرضَهُ ، ويرجِّحُ ذلكَ الجانبَ برأيِهِ وهواهُ ، فيكونُ قدْ
فسَّرَ برأيِهِ ؛ أيْ : رأيُهُ هوَ الذي حملَهُ على ذلكَ التفسيرِ ، ولولا رأيُهُ .. لما
كانَ يترجَّحُ عنْدَهُ ذلكَ الوجهُ .
وتارةً قدْ يكونُ لهُ غرضٌ صحيحٌ ، فيطلبُ لهُ دليلاً مِنَ القرآنِ ، ويستدلُّ
عليهِ بما يعلمُ أنَّهُ ما أريدَ بهِ ؛ كمَنْ يدعو إلى الاستغفار بالأسحار ، فيستدلُّ
بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تسخَّروا فإنَّ في السحورِ بركةً))(١)، ويزعمُ
أنَّ المرادَ بهِ التسخُرُ بالذكرِ وهوَ يعلمُ أنَّ المرادَ بهِ الأكلُ ، وکالذي يدعو إلى
مجاهدةِ القلْبِ القاسي ، فيقولُ: قالَ اللهُ تعالى: ﴿ آٌذْهَبٌ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾
ويشيرُ إلى قلبِهِ ويومىءُ إلى أنَّهُ المرادُ بفرعونَ.
----------
وهذا الجنسُ قدْ يستعملُهُ بعضُ الوغَّاظِ في المقاصدِ الصحيحةِ تحسيناً
للكلامِ وترغيباً للمستمع ، وهوَ ممنوعٌ ، وقدْ تستعملُهُ الباطنيةُ في المقاصدِ
الفاسدةِ لتغريرِ الناسِ ودعوتِهِمْ إلى مذهبِهِمُ الباطلِ ، فينزِّلونَ القرآنَ على
وَفَقِ رأيِهِمْ ومذهبِهِمْ على أمورٍ يعلمونَ قطعاً أنَّها غيرُ مرادةٍ بهِ .
؟
(١) رواه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥).
٣٢٨
حامى
حن حن

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
فهذِهِ الفنونُ أحدُ وجهي المنعِ مِنَ التفسيرِ بالرأي ، ويكونُ المرادُ
بالرأي الرأيَ الفاسدَ الموافقَ للهوى دونَ الاجتهادِ الصحيح ، والرأيُ يتناولُ
الصحيحَ والفاسدَ ، والموافقُ للهوىُ قدْ يخصَّصُ باسمِ الرأيٍ .
ردة حن
والوجهُ الثاني : أَنْ يتسارعَ إلى تفسيرِ القرآنِ بظاهرِ العربيةِ مِنْ غيرِ
استظهارِ بالسماع والنقلِ فيما يتعلَّقُ بغرائبِ القرآنِ وما فيهِ مِنَ الألفاظِ
المبهمةِ والمبدَّلَةِ ، وما فيهِ مِنَ الاختصارِ والحذْفِ والإضمارِ والتقديمِ
والتأخيرِ ، فمَنْ لمْ يحكِمْ ظاهرَ التفسيرِ وبادرَ إلى استنباطِ المعاني بمجرَّدٍ
فهْمِ العربيةِ .. كثرَ غلطُهُ، ودخلَ في زمرةٍ مَنْ يفسِّرُ بالرأيِ ؛ فالنقلُ
والسماعُ لا بدَّ منهُ في ظاهرِ التفسيرِ أوَّلاً، ليتقيَ بهِ مواضعَ الغلطِ ، ثمَّ بعدَ
ذلكَ يتسعُ التفهُّمُ والاستنباطُ .
كن كن .
وان
والغرائبُ التي لا تفهمُ إلا بالسماع كثيرةٌ ، ونحنُ نرمزُ إلى جملٍ منها
ليُستدَلَّ بها على أمثالِها، ويُعلمَ أنَّهُ لا يجوزُ التهاونُ بحفْظِ التفسيرِ الظاهرِ
أوَّلاً، ولا مطمعَ في الوصولِ إلى الباطنِ قبلَ إحكامِ الظاهرِ ، ومَنِ ادعى
فهمَ أسرارِ القرآنِ ولمْ يحكمِ التفسيرَ الظاهرَ .. فهوَ كمَنْ يدَّعي البلوغَ إِلى
صدْرِ البيتِ قبلَ مجاوزةٍ البابِ ، أَوْ يدَّعي فَهْمَ مقاصدِ الأتراكِ مِنْ كلامِهِمْ
وهوَ لا يفهمُ لغةَ الترْكِ ، فإنَّ ظاهرَ التفسيرِ يجري مَجرىُ تعليمِ اللغةِ التي
لا بدَّ منها للفهمِ .
٣٢٩
شر.

كتاب تلاوة القرآن
٢٠
ربع العبادات
وما لا بدَّ فيهِ مِنَ السماعِ فنونٌ كثيرةٌ (١):
منها الإيجازُ بالحذفِ والإضمارِ: كقولِهِ تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا تَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةٌ
فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ معناهُ : آيَةً مبصرةً فظلموا أنفسَهُمْ بقتلِها ، فالناظرُ إلى ظاهرِ
العربيةِ يظُّ أنَّ المرادَ بهِ أنَّ الناقةَ كانتْ مبصرةً ولمْ تكنْ عمياءً ، ولا يدري
أنَّهُمْ بماذا ظلموا، وأنَّهُمْ ظلموا غيرَهُمْ أَوْ أَنفسَهُمْ(٢).
وقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ :
حبَّ العجلِ ، فحذفَ الحبَّ .
وقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أيْ :
ضعفَ عذابِ الأحياءِ وضعفَ عذابِ الموتى ، فحذفَ العذابَ ، وأبدلَ
الأحياءَ والموتى بذكرِ الحياةِ والموتِ ، وكلُّ ذلكَ جائزٌ في فصيحِ اللغةِ .
وقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَرَ أَلَّتِىّ أَقْلْنَا فِهَا ﴾
أيْ : أهلَ القريةِ وأهلَ العيرِ ، فالأهلُ فيها محذوفٌ مضمرٌ .
وقولِهِ تعالى: ﴿ثَقْلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناهُ: خفيتْ على أهلِ
(١) عقد لههذا البحث الإمام أبو طالب المكي في ((القوت)) (٥١/١) فصلاً سماه: (ذكر
نوع من المفصل والموصل من الكلام ، وفيه مدح العالمين وذم الغافلين ، وتفسير
الغريب والمشكل ) .
(٢) ويجوز نعتها بالمبصرة باعتبارها سبب الإبصار، قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾،
وانظر ((تفسير الطبري)) (١٣٥/١٥/٩)، و((الدر المصون)) (٣٧٦/٧).
٣٣٠

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
السماواتِ والأرضِ ، والشيءُ إذا خفيَ .. ثقلَ، فأُبدِلَ اللفظُ بهِ وأُقِيمَ
(في ) مقامَ (على)، وأُضمرَ الأهلُ وحُذفُ(١).
وقولِهِ تعالى: ﴿ وَمْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ؛ أي: شكرَ رزقِكُمْ.
٠
وقولِهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَنَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ أيْ: على ألسنةِ
رسلِكَ ، فحذفَ الألسنةَ(٢) .
وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ﴾ أرادَ القرآنَ وما سبقَ لهُ ذكرٌ ،
وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أرادَ الشمسَ وما سبقَ لها ذكرٌ(٣).
وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ أيْ: يقولونَ: ما نعبُدُهُمْ.
وقولِهِ تعالى: ﴿فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا :: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
فَنَ اَللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ معناهُ: لا يفقهونَ حديثاً يقولونَ :
ما أصابَكَ مِنْ حسنةٍ .. فمنَ اللهِ، فإنْ لمْ يردْ هذا .. كانَ مناقضاً لقولِهِ :
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وسبقَ إلى الفهمِ منهُ مذهبُ القدريةِ (٤).
(١) أي: أهل السماوات وأهل الأرض. ((إتحاف)) (٥٤٥/٤).
(٢) وهذه الآيات التي أوردها المصنف من الأول إلى هنا كلها أمثلة لإيجاز الحذف بأقسامه
على طريق الإجمال. ((إتحاف)) (٤ /٥٤٥).
(٣) وهذا من أمثلة المكنى المضمر .
(٤) وهئذان المثالان من أمثلة المضمر المختصر ، وعلى التحديد حذف القول ، والإلماع
إلى القدرية - وهم المعتزلة هنا - عند صاحب ((القوت)) (٥٣/١).
٣٣١

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
ومنها المنقولُ المنقلبُ : كقولِهِ تعالى: ﴿وَطُورٍ سِنِينَ﴾؛ أيْ : طورِ
سيناءَ(١) ، ﴿ سَلَمُّ عَلَىَ إِلَ يَاسِينَ﴾؛ أيْ: على إلياسَ، وقيلَ: إدريسَ؛ لأنَّ
في حرفِ ابنِ مسعودٍ : ( سلامٌ على إدراسينَ)(٢).
ـو
ومنها المكرَّرُ القاطعُ لوصْلِ الكلام في الظاهرِ : كقولِهِ عزَّ وجلَّ : ﴿ وَمَا
يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءُ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ معناهُ:
وما يتبعُ الذينَ يدعونَ مِنْ دونِ اللهِ شركاءَ إلا الظنّ(٣)، وقولِهِ عزَّ وجلَّ:
قَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾
معناهُ : الذينَ استكبروا لمنْ آمنَ مِنَ الذينِ استضعفوا (٤) .
ومنها المقدَّمُ والمؤثّرُ: وهوَ مَظِنَّةُ الغلطِ ؛ كقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَا
كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾ معناهُ: لولا كلمةٌ وأجلٌ مسمَّىَ ..
لكانَ لزاماً ، ولولاهُ .. لكانَ نَصباً كاللزامِ .
(١) وهو مما قلب اسمه لازدواج الكلم كما في ((قوت القلوب)) (٥٢/١).
(٢) قوت القلوب (٥٢/١)، وهي قراءة ابن مسعود ويحيى والأعمش والمنهال بن عمرو
والحكم بن عتيبة ، وقبلها : ( وإن إدريس ) ، وهو ما يعبر عنه بتخليط العرب بالاسم
الأعجمي ، كذا في ((المحتسب)) (٢٢٤/٢).
(٣) قوله: ﴿إِن يَتَِّعُونَ﴾ مردود - مكرر - ردَّه للتوكيد والإفهام، كأنه لما طال الكلام ..
أعيد ليقرب من الفهم. (قوت القلوب)) (٥٣/١).
(٤) فلما قدم الذين استضعفوا وكان المراد بعضهم .. كرَّرَ المراد بإعادة ذكر ﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾
للبيان . ((قوت القلوب)) (٥٣/١ ).
٣٣٢
تن

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
وقولِهِ تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا﴾ أيْ: يسألونَكَ عنها كأَنَّكَ
حفيٌّ .
وقولِهِ تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزُقُ كَرِيمٌ﴾. كَمَا
أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْنِكَ بِالْحَقِّ﴾ فهذا الكلامُ غيرُ متصلٍ ، وإنَّما هوَ عائدٌ إلى
قولِهِ السابقِ: ﴿قُلِ آلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾
أيْ : فصارتْ أنفالُ الغنائمِ لكَ إذْ أنتَ راضٍ بخروجِكَ وهمْ كارهونَ ،
فاعترضَ بينَ الكلام الأمرُ بالتقوى وغيرُهُ .
عيم
ومِنْ هذا النوع قولُهُ تعالى: ﴿حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْزَهِيَمَ لِأَبِّهِ﴾
الآية(١) .
ومنها المبهمُ : وهوَ اللفظُ المشتركُ بينَ معانٍ مِنْ كلمةٍ أوْ حرفٍ :
- أمَّا الكلمةُ : فكالشيءٍ ، والقرينِ ، والأمَّةِ ، والروحِ ، ونظائرِها ؛
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوْكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ أرادَ بهِ النفقةَ
ممَّا رُزِقَ .
(١) قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبَّهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ إنما هو موصول بقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىَ إِنْزِهِيمَ وَلَّذِينَ مَعَهُ﴾ ﴿إِلَّا قَوْلَ إِثْزَهِيَمَ لِأَبِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾؛ لأنها نزلت في
قولهم: فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِ﴾ فقالوا :
فهلا نستغفر لآبائنا المشركين ؟ فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ،
ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له. (( قوت القلوب)) ( ٥٦/١) .
٣٣٣
کر»

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
١٦٠٠
وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى
شَىْءٍ﴾ ؛ أي : الأمرِ بالعدلِ والاستقامةِ .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿فَإِنِ أَتَبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ﴾ أرادَ بهِ مِنْ صفاتِ
الربوبية ، وهيَ العلومُ التي لا يحلُّ السؤالُ عنها حتَّى يبتدىءَ بها العارفُ في
أوانِ الاستحقاقِ .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ أي : منْ غيرِ خالقٍ ، فربما
يتوهّمُ بهِ أنَّهُ يدلُّ على أنَّهُ لا يُخلَقُ شيءٌ إلا مِنْ شيءٍ(١).
وأمَّا القرينُ : فقولُهُ تعالى: ﴿ وَقَالَ فَرِيُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِيَّهُ﴾ أرادَ بِهِ الملكَ
الموگَّلَ بهِ .
وقولُهُ: ﴿ قَالَ قِيْتُ رَبََّمَآ أَطْغَيْتُهُ﴾ أرادَ بهِ الشيطانَ.
وأمَّا الأمَّةُ : فتطلقُ على ثمانيةِ أوجهٍ :
الأمةُ: الجماعةُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةُ مِّنَ النَّاسِ
يَسْقُونَ﴾ .
وأتباعُ الأنبياءِ ؛ كقولِكَ : نحنُ مِنْ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
والأمةُ : الرجلُ الجامعُ للخيرِ يُقتدى بهِ ؛ كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ .
(١) قال صاحب ((القوت)) (٥٤/١): (روينا ذلك عن ابن عباس وعن زيدبن علي
رضي الله عنهما قالا : أي : من غير رب ، كيف يكون خلق من غير خالق ؟! ) .
٣٣٤

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
والأمةُ: الدِّينُ؛ كقولِهِ عِزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾ .
والأمةُ : الحينُ والزمانُ ؛ كقولِهِ عزَّ وجلَّ : ﴿ إِلَىَّ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ﴾،
وقولِهِ : ﴿ وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمٍَّ﴾ .
والأمةُ : القامةُ ؛ يقالُ : فلانٌ حسنُ الأمَّةِ ؛ أي : القامةِ .
وأمَّةٌ : رجلٌ منفردٌ بدينٍ لا يشركُهُ فيهِ أحدٌ ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((يُعَثُ زيدُ بنُ عمرو بنِ نفيلٍ أمَّةً وحدَهُ)) (١) .
:5
والأمةُ: الأمُّ ؛ يقالُ : هذهِ أُمَّةُ زيدٍ ؛ أيْ : أم زيدٍ .
والروحُ أيضاً وردَ في القرآنِ بمعانٍ كثيرةٍ ، فلا نطوّلُ بإيرادِها(٢).
- وكذلكَ قَدْ يقعُ الإبهامُ في الحروفِ: مثلُ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعًا
﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا﴾ فالهاءُ الأولى : كنايةٌ عنِ الحوافرِ ، وهيَ المورياتُ أثرنَ
بالحوافرِ نقعاً ، والثانيةُ: كنايةٌ عنِ الإغارةِ ، وهيَ المغيراتُ صبحاً ،
فوسطنَ بهِ جمعاً : جمعَ المشركينَ ، فأغاروا بجمعِهِمْ .
وقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ﴾ يعني: بالسحابِ، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن
كُلِّ الثَّمَّرَتِ﴾ يعني: بالماءِ ، وأمثالُ هذا في القرآنِ لا ينحصرُ .
٢٦٠
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨١٣١).
(٢) انظر تفصيلاً فيها في ((الإتحاف)) (٥٥٠/٤ ).
٣٣٥

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
حر
ـكريم
ومنها التدريجُ في البيانِ: كقولِهِ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ ◌ُنْزِلَ فِيهِ
اَلْقُرْءَانُ﴾، إذْ لمْ يظهرْ بهِ أنَّهُ ليلٌ أَوْ نهارٌ، وبانَ بقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ
أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ ﴾، ولمْ يظهرْ أنَّهُ في أيِّ ليلةٍ ، فظهرَ بقولهِ تعالى :
﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾، وربما يظنُّ في الظاهرِ الاختلافُ بينَ هذِهِ
الآياتِ، فهذا وأمثالُهُ لا يغني فيهِ إلا النقلُ والسماعُ .
والقرآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخرِهِ غيرُ خالٍ عنْ هذا الجنسِ ؛ لأنَّهُ أُنزِلَ بلغةٍ
العرب ، فكانَ مشتملاً على أصنافِ كلامِهِمْ ؛ مِنْ إيجازٍ ، وتطويلٍ ،
وإضمارِ ، وحذفٍ ، وإبدالٍ ، وتقديمٍ ، وتأخيرٍ ؛ ليكونَ ذلكَ مفحماً لهُمْ
ومعجزاً في حقُّهِمْ .
فكلُّ مَنِ اكتفى بفهْمٍ ظاهرِ العربيةِ ، وبادرَ إلى تفسيرِ القرآنِ ولمْ يستظهرْ
بالسماعِ والنقلِ في هذهِ الأمورِ .. فهوَ داخلٌ فيمَنْ فسَّرَ القرآنَ برأيِهِ ؛ مثلَ
أنْ يفهمَ مِنْ لفظِ الأمَّةِ المعنى الأشهرَ منهُ، فيميلَ طبعُهُ ورأيُهُ إليهٍ ، فإذا
سمعَهُ في موضع آخرَ .. مالَ رأيُهُ إلى ما سمعَهُ مِنْ مشهورِ معناهُ وتركَ تتَبُّعَ
النقلِ في كثرةٍ معانيهِ ، فهذا ما يمكنُ أنْ يكونَ منهيّاً عنهُ دونَ التفهُّمِ لأسرارِ
المعاني كما سبقَ ، فإذا حصلَ السماعُ بأمثالِ هذهِ الأمورِ .. علمَ ظاهرَ
التفسيرِ ، وهوَ ترجمةُ الألفاظِ ، ولا يكفي ذلكَ في فهْمٍ حقائقِ المعاني .
-xـ
ويُدرَكُ الفرقُ بينَ حقائقِ المعاني وظاهرِ التفسيرِ بمثالٍ، وهوَ أنَّ اللهَ عزَّ
وجلَّ قالَ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾ فظاهرُ تفسيرِهِ واضحٌ،
ش
چچته.
ن"
٣٣٦
ئر،

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
مضى
وحقيقةُ معناهُ غامضٌ ؛ فإنَّهُ إثباتٌ للرمي ونفيٌّ لهُ ، وهما متضادانٍ في
الظاهرِ ما لمْ يفهمْ أَنَّهُ رمى مِنْ وجهٍ ولمْ يرمِ مِنْ وجهٍ ، ومِنَ الوجهِ الذي لمْ
يرمِ .. رماهُ اللهُ تعالى .
حن
وكذلكَ قالَ تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فإذا كانوا همُ
المقاتلينَ .. كيفَ يكونُ اللهُ هوَ المعذِّبَ ؟ وإنْ كانَ اللهُ تعالى هوَ المعذِّبَ
بتحريكِ أيديهِمْ .. فما معنى أمرِهِمْ بالقتالِ ؟
فحقيقةُ هذا يستمدُّ مِنْ بحرٍ عظيمٍ مِنْ علومِ المكاشفاتِ ، لا يغني عنهُ
ظاهرُ التفسيرِ، وهوَ أنْ يعلمَ وجهَ ارتباطِ الأفعالِ بالقدرةِ الحادثةِ، ويفهمَ وجهَ
ارتباطِ القدرةِ بقدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ حتَّى ينكشفَ بعدَ إيضاح أمورٍ كثيرةٍ غامضةٍ
صدقُ قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْنَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَفَى﴾، ولعلَّ العمرَ لوْ
أنفقَ في استكشافِ أسرار هذا المعنى وما يرتبطُ بمقدماتِهِ ولواحقِهِ (١) ..
لانقضَى العمرُ قبلَ استيفاءِ جميع لواحقِهِ ، وما مِنْ كلمةٍ مِنَ القرآنِ إلا
وتحقيقُها محوِجٌ إلى مثلِ ذلكَ، وإنَّما ينكشفُ للراسخينَ في العلمِ مِنْ
أسرارهِ بقدْرِ غزارةٍ علومِهِمْ وصفاءِ قلوبِهِمْ ، وتوفّرِ دواعيهِمْ على التدثُرِ ،
وتجرُّدِهِمْ للطلبِ ، ويكونُ لكلِّ واحدٍ حدٌّ في الترقي إلى أعلى درجةٍ منهُ .
حن
شن
حن حن حن
(١) التي منها معرفة درجات الكمال ، ثم معرفة الرغبة في طلبه كيف يكون ، ومعرفة تماثل
الضدين ، ومعرفة أن واجب الوجود هل يرجع معناه إلى سلب السبب عنه ، أو إلى
إضافة الأفعال إليه ، وما نهاية معرفة العارفين ، وكيف تفاوت درجاتهم ، وهل معرفته
بالصفات معرفة تامة حقيقية أم لا؟ وغير ذلك من العلوم التي تتعلق به . (( إتحاف ))
( ٥٥٣/٤ ) .
٣٣٧

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
فأمَّا الاستيفاءُ .. فلا مطمعَ فيهِ، ولوْ كانَ البحرُ مداداً والأشجارُ
أقلاماً .. فأسرارُ كلماتِ اللهِ لا نهايةَ لها ، فتنفدُ الأبحرُ قبلَ أنْ تنفدَ
كلماتُ اللهِ عزَّ وجلَّ .
فمِنْ هذا الوجهِ يتفاوتُ الخلْقُ في الفهْمِ بعدَ الاشتراكِ في معرفةٍ ظاهرِ
التفسيرِ ، وظاهرُ التفسيرِ لا يغني عنهُ .
ومثالُهُ : فهمُ بعضِ أربابِ القلوبِ مِنْ قولهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في
سجودِهِ : (( أعوذُ برضاكَ مِنْ سخطِكَ، وأعوذُ بمعافاتِكَ مِنْ عقوبتِكَ ،
وأعوذُ بكَ منكَ لا أحصي ثناءَ عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ))(١) أنَّهُ
قيلَ لهُ: ﴿ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾، فوجدَ القرْبَ في السجودِ ، فنظرَ إلى
الصفاتِ ، فاستعاذَ ببعضِها مِنْ بعضٍ ، فإنَّ الرضا والسخْطَ وصفانٍ ، ثمَّ زادَ
قربُهُ فاندرجَ القربُ الأوَّلُ فيهِ، فرقيَ إلى الذاتِ وقالَ: (( أعوذُ بكَ
مِنْكَ))(٢)، ثمَّ زادَ قربُهُ بما استحيا بهِ مِنَ الاستعاذةِ على بساطِ القُرْبِ ،
فالتجأَ إلى الثناءِ، فأثنى بقولِهِ: (( لا أحصي ثناءً عليكَ))، ثمَّ علمَ أنَّ ذلكَ
قصورٌ فقالَ: ((أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ))(٣).
(١) رواه مسلم ( ٤٨٦).
(٢) وهذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل وصفة، بل رأى نفسه فازاً منه إليه ، ففنى عن
مشاهدة نفسه. ((إتحاف)) (٤ / ٥٥٤ ) .
(٣) فأخبر أنه المثنى والمثنى عليه، وأن الكل منه بدأ وإليه يعود، وكل شيء هالك إلا
وجهه . ((إتحاف)) (٥٥٤/٤ ) .
مے
٣٣٨

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
فهذهِ خواطرُ تنفتحُ لأربابِ القلوبِ ، ثمَّ لها أغوارٌ وراءَ هذا ، وهوَ
فَهْمُ معنى القربِ واختصاصِهِ بالسجودِ ، ومعنى الاستعاذةِ مِنْ صفةٍ بصفةٍ
ومنهُ بهِ ، وأسرارُ ذلكَ كثيرةٌ ، ولا يدلُّ تفسيرُ ظاهرِ اللفظِ عليها ، وليسَ هوَ
مناقضاً لظاهرِ التفسيرِ ، بلْ هوَ استكمالٌ لهُ ، ووصولٌ إلى لُبَابِهِ عنْ ظاهرِهِ .
فهذا ما نريدُهُ بفهم المعاني الباطنةِ ، لا ما يناقضُ الظاهرَ ، واللهُ
و (١)
أعلمُ(١) .
تم كتاب آداب تلاوة القرآن
وهو الكتاب الثّمن من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الذين
والحمد شه ق حمده، وصلاته على خير فلقد سيدنا محمد تبيّ وعلى آله الطاهرين ومحبة الأكرمين
يتلوه كتاب الأذكار والدعوات
(١) جاء في خاتمة (ز): ( قوبل بأصله وصحح ) .
٣٣٩
٦: