النص المفهرس

صفحات 301-320

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
جز
لا أنَّهُ سيبطلُ في ثاني الحالِ ، بلْ هوَ الآنَ باطلٌ إنِ اعتُبرَ ذاتُهُ مِنْ حيثُ هوَ ،
إلا أنْ يُعتبرَ وجودُهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ موجودٌ باللهِ عزَّ وجلَّ وبقدرتِهِ ، فيكونُ لهُ
بطريقِ التبعيّةِ ثباتٌ ، وبطريقِ الاستقلالِ بطلانٌ محْضٌ، وهذا مبدأٌ مِنْ
مبادىءِ علمٍ المكاشفةِ (١) .
ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَّءَ يْثُ مَّا تَخُثُونَ﴾، ﴿أَفَّهَ يْتُمُ
الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾، ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ﴾، ﴿ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ .. ألاَّ يقصرَ
نظرَهُ على الماءِ والنارِ والحرثِ والمنيِّ ، بلْ يتأمَّلُ في المنيِّ وهوَ نطفةٌ متشابهةٌ
الأجزاءِ ، ثمَّ ينظرُ في كيفيةِ انقسامِها إلى اللحم والعظمِ والعروقِ والعصبِ ،
وكيفيةِ تشكُّل أعضائِها بالأشكالِ المختلفةِ منَ الرأسِ واليدِ والرجْلِ والكبدِ
والقلبِ وغيرِها ، ثمَّ إلى ما ظهرَ فيها مِنَ الصفاتِ الشريفةِ مِنَ السمع والبصرِ
والعقلِ وغيرِها ، ثمَّ إلى ما ظهرَ فيها مِنَ الصفاتِ المذمومةِ مِنَ الغضبِ
والشهوةِ والكبرِ والجهلِ والتكذيبِ والمجادلةِ ؛ كما قالَ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ
الْإِنْسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُبِينٌ﴾، فيتأمَّلُ هذهِ العجائبَ ليرقَى
منها إلى أعجبِ العجائبِ ، وهوَ الصنعةُ (٢) التي منها صدرَتْ هذهِ
الأعاجيبُ ، فلا يزالُ ينظرُ إلى الصنعةِ ويرى الصانع(٣).
ههههفي بـ
(١) ألمع بشيء من البسط المصنف رحمه الله تعالى في الحديث عن هذا المبدأ في «مشكاة
الأنوار)) ( ص ٤٥ ).
(٢) في جميع النسخ: (الصفة)، والمثبت من ((الإتحاف)) (٥١٠/٤)، ولعله الصواب ،
والله أعلم .
(٣) وعبارة المصنف في ((مشكاة الأنوار)) (ص ٤٥): (ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار =
ن:
٣٠١
-مار،
من

كتاب تلاوة القرآن
٢٠٠
ربع العبادات
- وأمَّا أحوالُ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ: فإذا سمعَ منها أنَّهُمْ كيفَ كُذِّبوا
وضُربوا وقُتِلَ بعضُهُمْ .. فليفهمْ منهُ صفةَ الاستغناءِ للهِ عزَّ وجلَّ عنِ الرسلِ
والمرسَلِ إليهِمْ، وأنَّهُ لوْ أهلكَ جميعَهُمْ .. لمْ يؤثِّرْ في ملكِهِ شيئاً، وإذا سمعَ
نصرتَهُمْ في آخرِ الأمرِ .. فليفْهَمْ قدرةَ اللهِ عزَّ وجلَّ وإرادتهُ لنصرةِ الحقِّ .
- وأمَّا أحوالُ المكذِّبينَ : كعادٍ وثمودَ وما جرى عليهِمْ، فليكنْ فهمُّهُ منهُ
استشعارَ الخوفِ مِنْ سطوتِهِ ونقمتِهِ ، وليكنْ حظّهُ منهُ الاعتبارَ في نفسِهِ ،
وأنَّهُ إِنْ غفَلَ وأساءَ الأدبَ واغتزَّ بما أمهلَ .. فربما تدركُهُ النقمةُ وتنفذُ فيهِ
القضيةُ .
٠٢٠٠٩٠
وكذلكَ إذا سمعَ وصفَ الجنَّةِ والنارِ وسائرَ ما في القرآنِ ، فلا يمكنُ
استقصاءُ ما يفهمُ منها ؛ لأنَّ ذلكَ لا نهايةَ لهُ، وإنَّما لكلِّ عبدٍ منهُ بقدْرِ
رزقِهِ، فلا رطْبَ ولا يابسَ إلا في كتابٍ مبينٍ، ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ
رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبٍِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾.
ولذلكَ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: (لوْ شئتُ .. لأوقرْتُ سبعينَ بعيراً مِنْ
تفسيرِ فاتحةِ الكتابِ ) (١) .
فالغرضُ ممَّا ذكرناهُ التنبيهُ على طريقِ التفهُّمِ لينفتحَ بابُهُ ، فَأَمَّا
الاستقصاءُ .. فلا مطمعَ فيهِ ، ومَنْ لمْ يكنْ لهُ فَهْمٌ ما في القرآنِ ولَوْ في أدنى
ومعدنها الأول ، وأن ذلك هو الله عز وجل وحده لا شريك له ، وأن سائر الأنوار
=
مستعارة ، وإنما الحقيقي نوره فقط ) .
(١) قوت القلوب (٥٠/١) .
٣٠٢
a

ن:
ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
الدرجاتِ .. دخلَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ
عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا أُوْلَّكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوِهِمْ﴾، والطابَعُ:
هيَ الموانعُ التي سنذكرُها في موانع الفهْمِ ، وقدْ قيلَ : ( لا يكونُ المريدُ
مريداً حتَّى يجدَ في القرآنِ كلَّ ما يريدُ ، ويعرفَ منهُ النقصانَ مِنَ المزيدِ ،
ويستغنيَ بالمولى عَنِ العبيدِ)(١).
السادسُ : التخلِّي عنْ موانعِ الفَهْمِ :
فإنَّ أكثرَ الناسِ مُنعوا عنْ فهم معاني القرآنِ لأسبابٍ وحُجُبِ أسدلَها
الشيطانُ على قلوبِهِمْ ، فعميَتْ عليهِمْ عجائبُ أسرارِ القرآنِ ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : (( لولا أنَّ الشياطينَ يحومونَ على قلوبٍ بني آدمَ .. لنظروا إلى
الملكوتِ))(٢)، ومعاني القرآنِ مِنْ جملةِ الملكوتِ ، وكلُّ ما غابَ عنِ
الحواسِّ ولمْ يُدركْ إلا بنورِ البصيرةِ .. فهوَ مِنَ الملكوتِ .
وحُجُبُ الفهْم أربعةٌ :
3:
- أوَّلُها : أنْ يكونَ الهمُّ منصرفاً إلى تحقيقِ الحروفِ بإخراجِها مِنْ
مخارجِها ، وهذا يتولَّى حفظَهُ شيطانٌ وُكِّلَ بالقرَّاءِ ليصرفَهُمْ عنْ فهمٍ معاني
كلام اللهِ تعالى، فلا يزالُ يحملُهُمْ على ترديدِ الحرْفِ يخيّلُ إليهمْ أنَّهُ لِمْ
(١) قوت القلوب (١/ ٥٧) عن بعض العارفين.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢) في قصة الإسراء مرفوعاً .
٣٠٣

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
يخرجْ مِنْ مخرجِهِ (١) ، فهذا يكونُ تأمُّلُهُ مقصوراً على مخارج الحروفِ ،
فأَنَّى تنكشفُ لهُ المعاني؟! وأعظَمُ ضُحْكَةٍ للشيطانِ مَنْ كانَ مطيعاً لمثْلِ هـذا
التلبيسِ .
- ثانيها : أنْ يكونَ مقلِّداً لمذهبٍ سمعَهُ بالتقليدِ وجمدَ عليهِ ، وثبتَ في
نفسِهِ التعصُّبُ لهُ بمجرَّدِ الاتباع للمسموع ، مِنْ غيرِ وصولٍ إليهِ ببصيرةٍ
ومشاهدةٍ ، فهذا شخصٌ قيَّدَهُ معتقَدُهُ عنْ أنْ يجاوزَهُ ، فلا يمكِّنُهُ أَنْ يخطرَ
ببالِهِ غيرَ معتقدِهِ ، فصارَ نظرُهُ موقوفاً على مسموعِهِ ، فإنْ لمعَ برقٌ على
بعْدٍ ، وبدا لهُ معنىً مِنَ المعاني التي تباينُ مسموعَهُ .. حملَ عليهِ شيطانٌ
التقليدِ حملةً وقالَ : كيفَ يخطرُ هذا ببالِكَ وهوَ خلافُ معتقدِ آبَائِكَ ؟!
فيرى أنَّ ذلكَ غرورٌ مِنَ الشيطانِ ، فيتباعدُ منهُ ، ويحترزُ عنْ مثلِهِ .
ولمثْلِ هذا قالتِ الصوفيَّةُ: (إنَّ العلمَ حجابٌ)(٢) ، وأرادوا بالعلمِ :
العقائدَ التي استمرَّ عليها أكثرُ الناسِ بمجرَّدِ التقليدِ ، أَوْ بمجرَّدِ كلماتٍ
جدليّةٍ حرَّرَها المتعصِّبونَ للمذاهبِ وألقَوْها إليهِمْ ، فأمَّا العلمُ الحقيقيُّ
ـكن
(١) ويوهم عليهم أنهم كما تُعُبِّدوا بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده .. متعبَّدون بتصحيح
ألفاظه وإقامة حروفه المتلقاة من أئمة القراءة ، ويزيد عليهم شيئاً آخر أجلى مما سبق ؛
بأن يخطر على بالهم بأن القراءة بغير تجويد لحنٌّ ، ولولا أنكم تجوِّدون الألفاظ ..
لا تصلون إلى فهم المعاني منها ، ولعمري ؛ هذا الذي يخيل إليهم به حق وصدق ،
لكنه يريد بإلقاء مثل ذلك إليهم تثبيطهم عن المهم. ((إتحاف)) (٥١٢/٤).
٤
(٢) أي: بين العبد والوصول إلى الله، وربما زادوا فقالوا: ( حجاب الله الأكبر) . انظر
((الإتحاف)) (٤ / ٥١٣) .
٣٠٤
ـين

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
حن ٠
الذي هوَ الكشْفُ والمشاهدةُ بنور البصيرةِ .. فكيفَ يكونُ حجاباً وهوَ منتهى
المطلبِ ، وهذا التقليدُ قدْ يكونُ باطلاً، فيكونُ مانعاً ؛ كمَنْ يعتقدُ مِنَ
الاستواءِ على العرشِ التمكُّنَ والاستقرارَ ، فإنْ خطرَ لهُ مثلاً في القدوس أنَّهُ
المقدَّسُ عَنْ كلِّ ما يجوزُ على خلقِهِ .. لمْ يمكِّنْهُ تقليدُهُ منْ أنْ يستقرَّ ذلكَ
في نفسِهِ ، ولوِ استقرَّ في نفسِهِ .. لانجرَّ إلى كشفٍ ثانٍ وثالثٍ ، ولتواصلَ ،
ولكنْ يتسارعُ إلى دفع ذلكَ عنْ خاطرِهِ ؛ لمناقضتِهِ تقليدَهُ الباطلَ .
وقدْ يكونُ حقّاً ويكونُ أيضاً مانعاً مِنَ الفهْمِ والكشفِ ؛ لأنَّ الحقَّ الذي
كُلِّفَ الخلقُ اعتقادَهُ لهُ مراتبُ ودرجاتٌ ، ولهُ مبدأٌ ظاهرٌ وغورٌ باطنٌ ،
وجمودُ الطبع على الظاهرِ يمنعُ مِنَ الوصولِ إلى الغورِ الباطنِ كما ذكرناهُ في
الفرْقِ بينَ العلمِ الظاهرِ والباطنِ في كتابِ قواعدِ العقائدِ .
- ثالثُها : أنْ يكونَ مصراً على ذنبٍ أَوْ متصفاً بكبْرٍ أَوْ مبتلىٌ في الجملةِ
بهوىّ في الدنيا مطاع ؛ فإنَّ ذلكَ سببُ ظلمةِ القلبِ وصدِئِهِ ، وهوَ كالخبثِ
على المرآةِ ، فيمنعُ جليَّةَ الحقِّ مِنْ أنْ تتجلَّى فيهِ ، وهوَ أعظَمُ حجابٍ
للقلْبِ ، وبهِ حُجِبَ الأكثرونَ ، وكلَّما كانتِ الشهواتُ أشدَّ تراكماً .. كانتْ
معاني الكلام أشدَّ احتجاباً ، وكلَّما خفَّ عَنِ القلبِ أثقالُ الدنيا .. قَرُبَ
تجلّي المعنی فیهِ .
فالقلبُ مثلُ المرآةِ، والشهواتُ مثلُ الصدأِ، ومعاني القرآنِ مثلُ الصورِ التي
تتراءى في المرآةِ، والرياضةُ للقلْبِ بإماطةِ الشهواتِ مثلُ تصقيلِ الجلاَءِ للمرآةِ،
ولذلكَ قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا عظَّمَتْ أُمَّتي الدينارَ والدرهمَ .. نُزِعَ
٣٠٥

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
منها هيبةُ الإسلام ، وإذا تركوا الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ .. حُرموا
بركةَ الوحي)»(١)، قالَ الفضيلُ: ( يعني: حُرموا فهْمَ القرآنِ)(٢).
ـسبـ
وقدْ شرطَ اللهُ تعالى الإنابةَ في الفهمِ والتذكُّرِ ، فقالَ تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى
لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ﴾، وقالَ سبحانَهُ
وتعالى: ﴿إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبٍ﴾، فالذي آثرَ غرورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ ..
فليسَ مِنْ ذوي الألبابِ ، ولذلكَ لا تنكشفُ لهُ أسرارُ الكتابِ.
- رابعُها : أنْ يكونَ قدْ قرأَ تفسيراً ظاهراً واعتقدَ أنَّهُ لا معنى لكلماتٍ
القرآنِ إلا ما تناولَهُ النقلُ عنِ ابنِ عباس ومجاهدٍ وغيرِهما ، وأنَّ ما وراءَ
ذلكَ تفسيرٌ بالرأي، و(( أنَّ مَنْ فسَّرَ القرآنَ برأيِهِ .. فقدْ تبوَّأَ مقعدَهُ مِنَ
النار))(٣)، فهذا أيضاً مِنَ الحُجُبِ العظيمةِ ، وسنبيِّنُ معنى التفسيرِ بالرأي
في البابِ الرابع ، وأنَّ ذلكَ يناقضُ(٤) قولَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إلا أنّ
يُؤتِيَ اللهُ عبداً فهماً في القرآنِ ) ، وأنَّهُ لوْ كانَ المعنى هوَ الظاهرَ المنقولَ ..
لما اختلفَ الناسُ فيهِ .
'٧ ٤٫
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (٣٧) عن الفضيل معضلاً، وهو عند الحكيم
الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٢١٦)، وقد أورد سند الحكيم الحافظُ الزيلعي في
((تخريج الأحاديث والآثار)) (١ / ٤٧٢) عن أبي هريرة مرفوعاً .
(٢) قوت القلوب (٥٨/١).
(٣) رواه الترمذي ( ٢٩٥١) .
(٤) في النسخ: (لا يناقض)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم . وانظر
((الإتحاف)) ( ٤ /٥١٦ ) .
٣٠٦
٤٠

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
السابعُ : التخصيصُ :
وهوّ أنْ يقدِّرَ أنَّهُ المقصودُ بكلِّ خطابٍ في القرآنِ ، فإنْ سمعَ أمراً أوْ
نهياً .. قدَّرَ أنَّهُ المنهيُّ والمأمورُ، وإنْ سمعَ وعْداً أوْ وعيداً .. فكمثلٍ
ذلكَ، وإنْ سمعَ قصصَ الأولينَ والأنبياءِ .. علمَ أَنَّ السمَرَ غيرُ مقصودٍ ،
وإنَّما المقصودُ ليعتبرَ بهِ ، وليأخذَ مِنْ تضاعيفِهِ ما يحتاجُ إليهِ ، فما مِنْ قِصَّةٍ
في القرآنِ إلا وسياقُها لفائدةٍ في حقِّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأمَّتِهِ ،
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾، فليقدِّرِ العبدُ أنَّ اللهَ يثبُتُ فؤادَهُ
بما يقصُّهُ عليهِ مِنْ أحوالِ الأنبياءِ ، وصبرِهِمْ على الإيذاءِ ، وثباتِهِمْ في الدينِ
لانتظارِ نصرِ الله تعالى .
.1
وكيفَ لا يقدِّرُ هذا والقرآنُ ما أنزلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ لرسولِ اللهِ خاصةٌ ، بلْ شفاءً وهدى ورحمةً ونوراً للعالمينَ ، ولذلكَ
أمرَ اللهُ تعالى الكافَّةَ بشكرِ نعمةِ الكتابِ، فقالَ تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآَ
إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرَّكُمْ﴾، ﴿ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُّبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾،
﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾، ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ زَّبِّكُمْ﴾، ﴿هَذَا
بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
٢٠٠٠
٢١٠
وإذا قصدَ بالخطابِ جميعَ الناسِ .. فقدْ قصدَ الآحادَ ، فهذا الواحدَّ
٣٠٧

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
القارىءُ مقصودٌ، فما لهُ ولسائرِ الناس ؟! فليقدِّرْ أنَّهُ المقصودُ ، قالَ
تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾، قالَ محمدُ بنُ كعبِ
القرظيُّ: ( مَنْ بلغَهُ القرآنُ .. فكأَنَّما كلَّمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ)(١).
وإذا قدَّرَ ذلكَ .. لمْ يتخذْ دراسةَ القرآنِ عملَهُ، بلْ يقرؤُهُ كما يقرأُ العبدُ
كتابَ مولاهُ الذي كتبَهُ إليهِ ليتأمَّلَهُ ويعملَ بمقتضاهُ ، ولذلكَ قالَ بعضُ
العلماءِ : ( هذا القرآنُ رسائلُ أتتنا مِنْ قبلِ ربِّنا عزَّ وجلَّ بعهودِهِ ، نتدبَُّها
في الصلواتِ ، ونقفُ عليها في الخلواتِ ، وننفذُها في الطاعاتِ بالسننِ
المتبعاتِ )(٢).
وكانَ مالكُ بنُ دينارٍ يقولُ : ( ما زرعَ القرآنُ في قلوبِكُمْ يا أهلَ القرآنِ ؟
إنَّ القرآنَ ربيعُ المؤمنِ ؛ كما أنَّ الغيثَ ربيعُ الأرضِ) (٣).
وقالَ قتادةُ : ( لمْ يجالسْ أحدٌ هذا القرآنَ إلا قامَ بزيادةٍ أَوْ نقصانٍ ،
قالَ اللهُ تعالى: ﴿هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا﴾) (٤).
(١) رواه الطبري في تفسيره)) (٢٠٦/٧/٥)، وفيه: ( فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم).
(٢) أورده في ((قوت القلوب)) (٥٨/١) عن الحسن بنحوه.
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٨/٢)، وتمامه: ( فإن الله ينزل الغيث من السماء
إلى الأرض ، فيصيب الحشَّ ، فتكون فيه الحبة ، فلا يمنعها نتنُ موضعها أن تهتز
وتخضر وتحسن ، فيا حملة القرآن ؛ ماذا زرع القرآن في قلوبكم ؟ أين أصحاب سورة ؟
أين أصحاب سورتين ؟ ماذا عملتم فيهما ؟ ) .
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٨٨)، والفريابي في ((فضائل القرآن)) ( ٧٨) من
طريقه .
٣٠٨

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
كر
الثامنُ : التأثُّرُ :
وهوَ أنْ يتأثَّرَ قلبُهُ بآثارٍ مختلفةٍ بحسَبِ اختلافِ الآياتِ ، فيكونَ لهُ
بحسَبِ كلٌّ فهم حالٌ ووجْدٌ يتصفُ بهِ قلبُهُ؛ مِنَ الحزْنِ والخوفِ والرجاءِ
وغيرِهِ ، ومهما تمَّتْ معرفتُهُ .. كانتِ الخشيةُ أغلبَ الأحوالِ على قلبهِ ، فإنَّ
التضييقَ غالبٌ على آيَاتِ القرآنِ ؛ فلا يُرىُ ذكرُ المغفرةِ والرحمةِ إلا مقروناً
بشروطٍ يقصُرُ العارفُ عنْ نيلها ؛ كقولِهِ عزَّ وجلَّ : ﴿ وَإِ لَغَفَّارٌ﴾، ثمَّ أتبعَ
ذلكَ بأربعةِ شروطٍ: ﴿لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَئِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾، وقولِهِ تعالى:
﴿وَاَلْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍّ:﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ ذكرَ أربعةَ شروطٍ، وحيثُ اقتصرَ .. ذكرَ شرطاً جامعاً
فقالَ تعالى : ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالإحسانُ يجمعُ
الكلَّ، وهكذا مَنْ يتصفَّحُ القرآنَ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ .
٨
ومَنْ فهمَ ذلكَ .. فجديرٌ بأنْ يكونَ حالُهُ الخشيةَ والحزنَ ، ولذلكَ قالَ
الحسنُ: ( واللهِ؛ ما أصبحَ اليومَ عبدٌ يتلو هذا القرآنَ يؤمنُ بهِ .. إلا كثُرَ
حزنُهُ وقلَّ فرحُهُ ، وكثُرَ بكاؤُهُ وقلَّ ضحكُهُ ، وكثرَ نصبُهُ وشغلُهُ وقلَّتْ راحتُهُ
وبطالتُهُ)(١) .
وقالَ وُهيبُ بنُ الوردِ : ( نظرنا في هذهِ الأحاديثِ والمواعظِ ، فلمْ
(١) قوت القلوب (٤٧/١).
٣٠٩

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
نجدْ شيئاً أرقَّ للقلوب ولا أشدَّ استجلاباً للحزْنِ مِنْ قراءةِ القرآنِ وتفهُّمِهِ
وتدثُرِهِ )(١) .
فتأثُّرُ العبدِ بالتلاوةِ : أنْ يصيرَ بصفةِ الآيةِ المتلوةِ ؛ فعندَ الوعيدٍ وتقييدٍ
المغفرةِ بالشروطِ يتضاءلُ مِنْ خيفتِهِ كأَنَّهُ يكادُ يموتُ ، وعندَ التوسُّع ووعدٍ
المغفرةِ يستبشرُ كأنَّهُ يطيرُ مِنَ الفرحِ ، وعندَ ذكْرِ اللهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ يتطأطأُ
خضوعاً لجلالِهِ واستشعاراً لعظمتِهِ ، وعندَ ذكرِ الكفارِ ما يستحيلُ على اللهِ
تعالى كذكرِهِمْ اللهِ سبحانه ولداً وصاحبةً .. يغضُّ صوتَهُ وينكسرُ في باطنِهِ
حياءً مِنْ قَبْحِ مقالتِهِمْ ، وعندَ وصْفِ الجنَّةِ ينبعثُ بباطنِهِ شوقاً إليها ، وعندَ
وصْفِ النارِ ترتعدُ فرائصُهُ خوفاً منها .
ولمّا قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لابنِ مسعودٍ: ((اقرأْ عليَّ)) ..
قالَ: فافتتحتُ ( سورةَ النساءِ )، فلمَّا بلغتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَكَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ .. رأيتُ عينيهِ تذرفانِ بالدمع، فقالَ
لي: ((حسْبُكَ الآنَ)) (٢)، وهذا لأنَّ مشاهدةَ تلكَ الحالةِ استغرقتْ قلبَهُ
بالكليّةِ .
٤٠
ولقدْ كانَ في الخائفينَ مَنْ خرَّ مغشياً عليهِ عندَ آيَاتِ الوعيدِ ، ومنهم مَنْ
ماتَ في سماع الآياتِ(٣)، فمثلُ هذهِ الأحوالِ يخرجُهُ عنْ أنْ يكونَ حاكياً
٠.٠
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٢/٨).
(٢) رواه البخاري (٤٥٨٢)، ومسلم ( ٨٠٠ ).
(٣) وقد ألَّف الثعلبي في ذلك كتاباً سماه: ((قتلى القرآن))، وروى الترمذي (٤٤٥) عن =
٢
٣١٠

ربع العبادات
ئ اہے
كتاب تلاوة القرآن
في كلامِهِ، فإذا قالَ: ﴿إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فإذا لمْ
يكنْ خائفاً .. كانَ حاكياً .
وإذا قالَ: ﴿رَبَّنَا عَلَيَّكَ تَوَنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ولمْ يكنْ حالُهُ التوكُّلَ
والإنابةَ .. كانَ حاكياً .
وإذا قالَ: ﴿وَلَصَبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَذَيْتُمُوْنَا﴾ .. فليكنْ حالُهُ الصبرَ أوٍ
العزيمةُ عليهِ ؛ حتَّى يجدَ حلاوةَ التلاوةِ .
فإنْ لمْ يكنْ بهذهِ الصفاتِ ولمْ يتردَّدْ قلبُهُ بينَ هذهِ الحالاتِ .. كانَ
حظّهُ مِنَ التلاوةِ حركةَ اللسانِ معَ صريحِ اللعنِ على نفسِهِ في قولهِ تعالى :
﴿أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كَبُّرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ
تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾،
وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ ، وفي
قولِهِ عزَّ وجلّ: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتْبُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الآياتِ.
٢٥٠
وكانَ داخلاً في معنى قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ
إِلَّ أَمَانِىِّ﴾ يعني: إلا التلاوةَ المجرَّدَةَ، وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ
ءَيَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، لأنَّ القرآنَ هوَ
المبيِّنُ لتلكَ الآياتِ في السماواتِ والأرضِ ، ومهما تجاوزَها ولمْ يتأثّرْ
١٠٠٠
بهز بن حكيم قال : ( كان زرارة بن أوفى قاضي البصرة ، وكان يؤم في بني قشير ، فقرأ
=
يوماً في صلاة الصبح: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمٌّ عَسِيرُ﴾ خرَّ ميتاً، فكنت فيمز
احتمله إلى داره)، وقد تقدم، وانظر ((الإتحاف)) (٥١٩/٤).
٠٠
٣١١

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
بها .. كانَ معرضاً عنها ، ولذلكَ قيلَ : ( إنَّ مَنْ لمْ يكنْ متصفاً بأخلاقِ
القرآنِ ؛ فإذا قرأَ القرآنَ .. ناداهُ اللهُ تعالى: ما لكَ ولكلامي وأنتَ معرضٌ
عنّي؟! دعْ عنكَ كلامي إنْ لمْ تُنِبْ إليَّ)(١).
ومثالُ العاصي إذا قرأ القرآنَ وكَرَّرَهُ مثالُ مَنْ يكرِّرُ كتابَ الملكِ في كلِّ
يومٍ مرَّاتٍ وقدْ كتبَ إليهِ في عمارةِ مملكتِهِ وهوَ مشغولٌ بتخريبها ومقتصرٌ
على دراسةٍ كتابِهِ ، فلعلَّهُ لوْ تركَ الدراسةَ عندَ المخالفةِ .. لكانَ أبعدَ عنِ
الاستهزاءِ واستحقاقِ المقْتِ ، ولذلكَ قالَ يوسفُ بنُ أسباطِ : ( إنِّي لأهمُّ
بقراءةِ القرآنِ ، فإذا ذكرتُ ما فيهِ .. خشيتُ المقْتَ، فأعدلُ إلى التسبيحِ
والاستغفارِ )(٢) .
والمعرضُ عنِ العملِ بهِ أريدَ بقولِهِ تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفتْ عليهِ قلوبُكُمْ، ولانتْ لهُ جلودُكُمْ،
فإذا اختلفتُمْ .. فلستُمْ تقرؤونَهُ))، وفي بعضِها: ((فإذا اختلفتُمْ .. فقوموا
عنهُ))(٣).
ـان
عن حن فن دي
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٢٣٨٢).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٣/٨) بنحوه، وهو بلفظه في ((القوت)) (٥٨/١).
(٣) رواه البخاري (٥٠٦٠)، ومسلم (٢٦٦٧)، دون قوله: (( ولانت له جلودكم))،
واللفظ لصاحب ((القوت)) (٥٨/١)، ولين الجلود كناية عن الخشية، قال تعالى:
﴿ أَلَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّتَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
مننحن حن
د
ئن
٣١٢

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
قالَ اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا﴾.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أحسنَ الناسِ صوتاً بالقرآنِ الذي إذا
سمعتَهُ يقرأُ .. رأيتَ أنَّهُ يخشى اللهَ عزَّ وجلَّ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يُسمعُ القرآنُ مِنْ أحدٍ أشهىُ منهُ ممَّنْ
يخشى اللهَ عزَّ وجلَّ))(٢).
فالقرآنُ يرادُ لاستجلابِ هذهِ الأحوالِ إلى القلبِ والعملِ بهِ ، وإلا ..
فالمؤنةُ في تحريكِ اللسانِ بحروفهِ خفيفةٌ ، ولذلكَ قالَ بعضُ القرَّاءِ : قرأتُ
القرآنَ على شيخ لي ثمَّ رجعتُ لأقرأَ ثانياً ، فانتهرني وقالَ : جعلتَ القراءةَ
عليَّ عملاً ؟! اذهبْ فاقرأُ على اللهِ عزَّ وجلَّ فانظرْ بماذا يأمرُكَ وماذا
يفهمُكَ (٣).
3
وبهذا كانَ شغلُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم في الأحوالِ والأعمالِ ، حتَّى
ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ عشرينَ ألفاً مِنَ الصحابةِ (٤) ، لمْ
نه
(١) رواه ابن ماجه ( ١٣٣٩).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٣) مرسلاً عن طاووس.
(٣) قوت القلوب (٥٨/١)، ولفظه: (فانظر ماذا يُسمعك منه، ويُفهمك عنه).
(٤) قال الحافظ العراقي: ( لعله أراد بالمدينة ، وإلا .. فقد روينا عن أبي زرعة الرازي أنه
قال : قبض عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه ) .
«إتحاف)) ( ٤ / ٥٢٢) .
ق*
٣١٣

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
ـسمـ .
يحفظِ القرآنَ منهم إلا سنَّةٌ، اختلفَ منهُمْ في اثنينٍ(١)، وكانَ أكثرُهُمْ يحفظُ
السورةَ والسورتين (٢)، وكانَ الذي يحفظُ (البقرةَ) و(الأنعامَ) مِنْ
علمائِهِمْ(٣)، ولمَّا جاءَ واحدٌ ليتعلمَ القرآنَ، فانتهى إلى قولِهِ تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ﴾ .. فقالَ: يكفيني هذا، وانصرفَ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((انصرفَ الرجلُ وهوَ فقيهٌ))(٤).
(١) روى البخاري (٣٧٥٨)، ومسلم (٢٤٦٤) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
مرفوعاً: (( استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى
أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل)).
وروى البخاري (٣٨١٠)، ومسلم ( ٢٤٦٥) عن أنس رضي الله عنه قال : ( جمع
القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ، كلهم من الأنصار : أبيّ ، ومعاذ بن
جبل ، وأبو زيد ، وزيد بن ثابت ، قال قتادة : من أبو زيد؟ قال أنس : أحد
عمومتي ) ، وبالروايتين يظهر الخلاف في الاثنين المختلف فيهما .
(٢) روى ابن الأنباري في ((المصاحف)) - ذكر سنده القرطبي في ((تفسيره)) (١/ ٤٠) - عن
ابن عمر قال : ( كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه
الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه
الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به ) .
(٣) روى الترمذي (٢٨٧٦) عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً
وهم ذو عدد ، فاستقرأهم ، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن ، فأتى على رجل
منهم من أحدثهم سناً، فقال: (( ما معك يا فلان؟)) قال : معي كذا وكذا و( سورة
البقرة)، قال: ((أمعك ( سورة البقرة؟))) فقال: نعم، قال: (( فاذهب فأنت
أميرهم )) الحديث .
٢٠
(٤) رواه أبو داوود ( ١٣٩٩)، ولفظه عن عبد الله بن عمرو قال : أتى رجل رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئني يا رسول الله، فقال: (( اقرأ ثلاثاً من ذوات =.
٣١٤

ربع العبادات
كتاب تلاوة القرآن
وإنَّما العزيزُ مثلُ تلكَ الحالةِ التي يمنُّ اللهُ تعالى بها على قلبِ العبدِ
عَقِيبَ فهم الآيةِ ، فأمَّا مجرَّدُ حركةِ اللسانِ .. فقليلُ الجدوى ، بلِ التالي
باللسانِ المعرضُ عنِ العملِ جديرٌ بأنْ يكونَ هوَ المرادَ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، وبقولِهِ
تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَنْتَّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾؛ أيْ : تركتَها ولمْ تنظرْ
إليها ولمْ تعبأ بها ، فإنَّ المقصِّرَ في الأمرِ يقالُ : إنَّهُ نسيَ الأمرَ .
وتلاوةُ القرآنِ حقَّ تلاوتِهِ : أنْ يشتركَ فيهِ اللسانُ والعقلُ والقلبُ ، فحظّ
اللسانِ تصحيحُ الحروفِ بالترتيلِ ، وحظّ العقلِ تفسيرُ المعاني، وحظُّ
القلبِ الاتعاظُ والتأثُُّ بالانزجارِ والائتمارِ ، فاللسانُ يرتِّلُ، والعقلُ
يترجمُ ، والقلبُ يتعظُ .
.مال
التاسعُ : الترقِّي :
وأعني بهِ : أنْ يترقَّى إلى أنْ يسمعَ الكلامَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، لا مِنْ
نفسِهِ ، فدرجاتُ القراءةِ ثلاثٌ :
٠٤٠
( إلى)))، فقال: كبرت سني واشتد قلبي وغلظ لساني، فقال: ((اقرأ ثلاثاً من ذوات
=
( حم))) فقال مثل قالته، فقال: ((اقرأ ثلاثاً من المسبحات))، فقال مثل قالته ، فقال
الرجل : يا رسول الله ؛ أقرئني سورة جامعة ، فأقرأه النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا
زلزلت الأرض ) حتى فرغ منها ، فقال الرجل : والذي بعثك بالحق ؛ لا أزيد عليها
أبداً، ثم أدبر الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفلح الرويجلُ)) مرتين .
٣١٥

كتاب تلاوة القرآن
٢٠٠٠
ربع العبادات
أدناها : أنْ يقدِّرَ العبدُ كأَنَّهُ يقرؤُهُ على اللهِ تعالى واقفاً بينَ يديهِ وهوَ ناظرٌ
إليهِ ومستمعُ منهُ، فيكونُ حالُهُ عندَ هذا التقديرِ السؤالَ والتملُّقَ والتضرُّعَ
والابتهالَ .
الثانيةُ : أَنْ يشهدَ بقلبهِ كأَنَّ ربَّهُ عزَّ وجلَّ يراهُ ويخاطبُهُ بألطافِهِ ، ويناجيهِ
بإنعامِهِ وإحسانِهِ ، فمقامُهُ الحياءُ والتعظيمُ والإصغاءُ والفهْمُ .
الثالثةُ : أَنْ يرى في الكلام المتكلِّمَ ، وفي الكلماتِ الصفاتِ ، فلا ينظرُ
إلى نفسِهِ ولا إلى قراءتِهِ ولا إلى تعلُّقِ الإنعام بهِ منْ حيثُ إنَّهُ منعَمٌ عليهِ ، بلْ
يكونُ مقصورَ الهمِّ على المتكلُّمِ ، موقوفَ الفكرِ عليهِ ؛ كأَنَّهُ مستغرقٌ
بمشاهدةِ المتكلِّمِ عنْ غيرِهِ ، وهذهِ درجةُ المقرّبينَ ، وما قبلَها درجةٌ
أصحابِ اليمينِ ، وما خرجَ عنْ هذا فهوَ درجاتُ الغافلينَ .
وعنِ الدرجةِ العليا أخبرَ جعفرُ بنُ محمدٍ الصادقُ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ :
( واللهِ؛ لقدْ تجلّى اللهُ عزَّ وجلَّ لخلقِهِ في كلامِهِ، ولكنَّهُمْ لا يبصرونَ)(١)،
وقالَ أيضاً وقدْ سألوهُ عنْ حالةٍ لحقتْهُ في الصلاةِ حتَّى خرَّ مغشيّاً عليهِ ، فلمَّا
سُرِّيَ عنْهُ .. قيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: ( ما زلتُ أردِّدُ الآيَةَ على قلبي حتَّى
سمعتُها مِنَ المتكلّمِ بها ، فلمْ يثبتْ جسمي لمعاينةِ قدرتِهِ )(٢) .
وفي مثلِ هذهِ الدرجةِ تعظَمُ الحلاوةُ ولذَّهُ المناجاةِ ، ولذلكَ قالَ بعضُ
2
(١) قوت القلوب (٤٧/١).
(٢) قوت القلوب (١/ ٤٧).
٣١٦

ربع العبادات
٠٫٥١٢٠٠
كتاب تلاوة القرآن
الحكماءِ : ( كنتُ أقرأُ القرآنَ فلا أجدُ لهُ حلاوةً حتَّى تلوتُهُ كأنِّ أسمعُهُ مِنْ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمُ يتلوهُ على أصحابِهِ ، ثمَّ رُفعتُ إلى مقامِ
فوقَهُ، فكنتُ أتلوهُ كأنِّي أسمعُهُ مِنْ جبريلَ عليهِ السلامُ يلقيهِ على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثمَّ جاءَ اللهُ بمنزلةٍ أخرى، فأنا الآنَ أسمعُهُ منَ
المتكلِّمِ بهِ، فعندَها وجدْتُ لهُ لذَّةً ونعيماً لا أصبرُ عنهُ)(١).
وقالَ عثمانُ وحذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُما : ( لوْ طهرتِ القلوبُ .. لمْ تشبعْ
مِنْ قراءةِ القرآنِ )(٢)، وإنَّما قالا ذلكَ لأنَّها بالطهارةِ تترقَّى إلى مشاهدةِ
المتكلّم في الكلام ، ولذلكَ قالَ ثابتٌ البنانيُ : ( كابدتُ القرآنَ عشرينَ
سنةٌ، وتنعمتُ بهِ عشرينَ سنةً)(٣) .
وبمشاهدةِ المتكلِّم دونَ ما سواهُ يكونُ العبدُ ممتثلاً لقولهِ تعالى: ﴿ فَفِرُّوْاْ
إِلَى اللَّهِ﴾، ولقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اَللَّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ﴾، فمَنْ لمْ يرَهُ في
كلِّ شيءٍ .. فقدْ رأى غيرَهُ، وكلُّ ما التفتَ إليهِ العبدُ سوى اللهِ تعالى تضمَّنَ
التفاتُهُ شيئاً مِنَ الشّرْكِ الخفيِّ ، بلِ التوحيدُ الخالصُ ألا يرى في كلِّ شيءٍ
إلا اللهَ عزَّ وجلَّ .
(١) قوت القلوب (٤٩/١).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٠٠/٧)، وهو في ((القوت)) (٥٠/١).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٠/٢) ولفظه: (الصلاة) بدل (القرآن )، وهو بلفظ
المصنف في ((القوت)) (٥٠/١) .
١١٠
٣١٧
٠ زم

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
العاشر : التبرِّي :
وأعني بهِ : أنْ يتبرَّأَ مِنْ حولِهِ وقوتِهِ والالتفاتِ إلى نفسِهِ بعينِ الرضا
والتزكية ، فإذا تلا آياتِ الوعدِ والمدْح للصالحينَ .. فلا يشهدُ نفسَهُ عندَ
ذلكَ، بلْ يشهدُ الموقنينَ والصديقينَ فيها ، ويتشوَّفُ إلى أنْ يلحقَهُ اللهُ
تعالىُ بِهِمْ .
وإذا تلا آياتِ المقْتِ وذمّ العصاةِ والمقصرينَ .. شهدَ نفسَهُ هناكَ ، وقدَّرَ
أنَّهُ المخاطبُ خوفاً وإشفاقاً ، ولذلكَ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ :
اللهمَّ ؛ إنِّي أستغفرُكَ لظلمي وكفْري ، فقيلَ لهُ : هذا الظلْمُ فما بالُ
الكفرِ ؟ فتلا قولَهُ تعالى: ﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُوْمُ كَفَّارٌ﴾(١).
وقيلَ ليوسفَ بنِ أسباطٍ : إذا قرأتَ القرآنَ بماذا تدعو ؟ فقالَ : بماذا
أدعو ! أستغفرُ اللهَ عزَّ وجلَّ مِنْ تقصيري سبعينَ مرَّةً(٢).
فإذا رأى نفسَهُ بصورةِ التقصيرِ في القراءةِ كانَ رؤيتُهُ سببَ قرِبِهِ ، فإنَّ مَنْ
أُشهدَ البعدَ في القربِ .. لُطِفَ بهِ في الخوفِ حتَّى يسوقَهُ الخوفُ إلى درجةٍ
أخرى في القربِ وراءَها، ومَنْ أُشهدَ القربَ في البعدِ .. مُكِرَ بهِ بالأمنِ
الذي يفضيهِ إلى درجةٍ أخرى في البعدِ أسفلَ ممَّا هوَ فِيهِ ، ومهما كانَ مشاهداً
٤٠
(١) ذكر السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٥/٥) أنه من رواية ابن أبي حاتم ، وهو في
٠٠
((القوت)) ( ٤٩/١).
(٢) قوت القلوب (٥٨/١).
بيســ
٣١٨

ربع العبادات
٢٦٫٠٠
كتاب تلاوة القرآن
مشزع
نفسَهُ بعينِ الرضا .. صارَ محجوباً بنفسِهِ، فإذا جاوزَ حدَّ الالتفاتِ إلى نفسِهِ
ولمْ يشاهدْ إلا اللهَ تعالى في قراءتِهِ .. انكشفَ لهُ الملكوتُ .
قالَ سليمانُ بنُ أبي سليمانَ الدارانيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: وعدَ ابنُ ثوبانَ أخاً
لهُ أنْ يفطرَ عندَهُ، فأبطأَ عليهِ حتَّى طلعَ الفجرُ ، فلقيَه أخوهُ مِنَ الغدِ ، فقالَ
لهُ : وعدتَنَي أنْ تفطرَ عندي فأخلفتَ! فقالَ : لولا ميعادُكَ ما أخبرتُكَ
بالذي حبسني عنكَ ؛ إنَّي لمَّا صليتُ العتمةَ .. قلتُ : أوترُ قبلَ أنْ أجيئَكَ ؛
لأنِّي لا آمنُ ما يحدثُ مِنَ الموتِ ، فلمَّا كنتُ في الدعاءِ مِنَ الوترِ .. رفعتْ
لي روضةٌ خضراءُ فيها أنواعُ الزهرِ مِنَ الجنةِ ، فما زلتُ أنظرُ إليها حتَّى
أصبحتُ(١).
وهذهِ المكاشفاتُ لا تكونُ إلا بعدَ التبرِّي عنِ النفسِ ، وعدمِ الالتفاتِ
إليها وإلى هواها، ثمَّ تخصَّصُ هذهِ المكاشفاتُ بحسَبِ أحوالِ
المكاشفِ ، فحيثُ يتلو آيَاتِ الرجاءِ ويغلبُ على حالهِ الاستبشارُ .. تنكشفُ
لهُ صورةُ الجنَّةِ فيشاهدُها كأنَّهُ يراها عِياناً، وإنْ غلبَ عليهِ الخوفُ ..
كوشفَ بالنارِ حتَّى يرى أنواعَ عذابِها ، وذلكَ لأنَّ كلامَ اللهِ تعالى يشتملُ على
السهْلِ اللطيفِ ، والشديدِ العسوفِ ، والمرجوِ والمَخُوفِ ، وذلكَ بحسَبٍ
أوصافِهِ ؛ إذْ منها الرحمةُ واللطفُ والانتقامُ والبطشُ ، فبحسَبِ مشاهدةٍ
الكلماتِ والصفاتِ يتقلَّبُ القَلْبُ في اختلافِ الحالاتِ ، وبحسَبِ كلِّ حالةٍ
٢٠
٢٦٠٠
(١) قوت القلوب (٤٦/١).
٣١٩

كتاب تلاوة القرآن
ربع العبادات
منها يستعدُّ للمكاشفةِ بأمرٍ يناسبُ تلكَ الحالةَ ويقاربُها ؛ إذْ يستحيلُ أنْ يكونَ
حالُ المستمع واحداً والمسموعُ مختلفاً ، إذْ فيهِ كلامُ راضٍ وكلامُ غضبانَ ،
وكلامُ منعِمٍ وكلامُ منتقمٍ ، وكلامُ جبَّارٍ متكبِّرٍ لا يبالي ، وكلامُ حَّانِ متعطِّفٍ
لا يهملُ .
حن جن جن ش كن فن حي تن ٦رچ
٣٢٠
G.