النص المفهرس
صفحات 281-300
ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن يكبِّرُ رافعاً يديه للتحريمِ ، ثمَّ يكبِّرُ للسجودِ ، ثمَّ يكبِّرُ للارتفاع، ثمَّ يسلِّمُ ، وزادَ زائدونَ التشهُّدَ ، ولا أصلَ لههذا إلا القياسُ على سجودِ الصلاةِ ، وهوَ بعيدٌ؛ فإنَّهُ وردَ الأمرُ بالسجودِ ، فليتبعْ فيهِ الأمرَ (١) ، وتكبيرةُ الهويِّ أقربُ للبدايةِ ، وما عدا ذلكَ ففيهِ بُعْدٌ . ثمَّ المأمومُ ينبغي أنْ يسجدَ عندَ سجودِ الإمام ، ولا يسجدُ لتلاوةِ نفسِهِ إذا كانَ مأموماً . الثامنُ : أَنْ يقولَ في مبتدأ قراءتِهِ : ( أعوذُ باللهِ السميع العليمِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، ربِّ؛ أعوذُ بكَ مِنْ همزاتِ الشياطينِ، وأعوذُ بكَ ربِّ أنْ يَحْضُرُونِ)، وليقرأُ: ( قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ ) وسورةً (الحمدُ للهِ)(٢) . وليقلْ عندَ فراغِهِ مِنْ كلِّ سورةٍ : ( صدقَ اللهُ تعالى، وبلَّغَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، اللهمَّ ؛ انفعْنا بهِ ، وباركْ لنا فيهِ ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، وأستغفرُ اللهَ الحيَّ القيومَ)(٣). وفي أثناءِ القراءةِ إذا مرَّ بآيةٍ تسبيح .. سبَّحَ وكَبَّرَ ، وإنْ مرَّ بآيةٍ ٨٦٠ ١٠٠٠٪ (١) في غير (ب): ( الاسم ) . (٢) قوت القلوب (٦٠/١). (٣) قوت القلوب (٦٠/١). ٢٨١ ٹرء كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات دعاءٍ واستغفار .. دعا واستغفرَ، وإنْ مرَّ بمرجوٍّ .. سألَ، وإنْ مرَّ بمَخُوفٍ .. استعاذَ، يفعلُ ذلكَ بلسانهِ أوْ بقلبهِ ؛ فيقولُ : سبحانَ اللهِ ، نعوذُ باللهِ ، اللهمَّ ارزقنا ، اللهمَّ ارحمنا ، قالَ حذيفةٌ: ( صلَّيْتُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فابتدأَ (( سورةَ البقرةِ))، فكانَ لا يمرُّ بآيةِ عذابٍ إلا استعاذَ، ولا بآية رحمةٍ إلا سألَ، ولا بآيةِ تنزيهٍ إلا سبَّحَ)(١) . ٢ وإذا فرغَ .. قالَ ما كانَ يقولُهُ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ عندَ ختْمٍ القرآنِ: ((اللهمَّ؛ ارحمني بالقرآنِ العظيمِ ، واجعلهُ لي إماماً ونوراً ، وهدى ورحمةً ، اللهمَّ؛ ذكِّرْني منهُ ما نسيتُ ، وعلِّمني منهُ ما جهلتُ ، وارزقني تلاوتهُ آناء الليل وأطرافَ النهارِ ، واجعلْهُ حجةٌ لي يا ربَّ العالمينَ))(٢). (١) رواه مسلم (٧٧٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٦٨٤) بنحوه . (٢) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو منصور المظفر بن الحسين الأرجاني في « فضائل القرآن))، وأبو بكر بن الضحاك في (( الشمائل)) كلاهما من طريق أبي ذر الهروي من رواية داوود بن قيس معضلاً). ((إتحاف)) (٤٩٢/٤) . قال في هذا الحديث الحافظ الإمام ابن الجزري في ((النشر في القراءات العشر)) (٤٦٤/٢): (وهذا الحديث لا أعلم ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ختم القرآن غيره ) أي : تخصيص هذا الدعاء ، وإلا .. فقد أورد هو نفسه مرفوعات في دعائه صلى الله عليه وسلم عند الختم عقب هذا القول . ٢٨٢ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن التاسعُ : في الجهرِ بالقراءةِ : ولا شكّ في أنَّهُ لا بدَّ أنْ يجهرَ بها إلى حدٍّ يُسْمِعُ نفسَهُ؛ إذِ القراءةُ عبارةٌ عنْ تقطيع الصوتِ بالحروفِ ، ولا بدَّ مِنْ صوتٍ ، وأقلُّهُ ما يُسْمِعُ نفسَهُ ، فإنْ لمْ يسمعْ نفسَهُ .. لمْ تصحَّ صلاتُهُ، فأمَّا الجهرُ بحيثُ يسمعُ غيرَهُ .. فهوَ محبوبٌّ على وجهٍ ، ومكروهٌ على وجهٍ آخرَ . ويدلُّ على استحبابِ الإسرارِ ما رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : (( فضلُ قراءةِ السرِّ على قراءةِ العلانيةِ كفضْلِ صدقة السرِّ على صدقةٍ العلانيةِ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهرِ بالصدقةِ ، والمسُّ بهِ كالمسرِّ بالصدقةِ))(١). وفي الخبرِ العامّ: ((يفضلُ عملُ السرَّ على عملِ العلانيةِ سبعينَ ضعفاً)) (٢)، وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيرُ الرزْقِ ما يكفي، وخيرُ الذكْرِ الخفيّ)» (٣). وفي الخبرِ: (( لا يجهرْ بعضُكُمْ على بعضٍ في القراءةِ بينَ المغربِ والعشاءِ))(٤) . (١) رواه أبو داوود (١٣٣٣)، والترمذي (٢٩١٩)، والنسائي (٢٢٥/٣)، واللفظ الأول للحديث في (( القوت)) (٥٩/١)، وهو بنحوه كذلك موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٤/ ١٦٧ ). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٥١)، وبنحوه كذلك عن أبي الدرداء (٦٣٩٤). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٢/١)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٥٤٨). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٦/١). ٢٨٣ ٩". ٠٫٠٠ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات وسمعَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ ذاتَ ليلةٍ في مسجدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يجهرُ بالقراءةِ في صلاتِهِ وكانَ حسنَ الصوتِ ، فقالَ لغلامِهِ : اذهبْ إلى هذا المصلِّي فمرْهُ أنْ يخفضَ مِنْ صوتِهِ ، فقالَ الغلامُ : إنَّ المسجدَ ليسَ لنا وللرجلِ فيه نصيبٌ ، فرفعَ سعيدٌ صوتَهُ وقالَ : يا أيُّها المصلِّي؛ إنْ كنتَ تريدُ اللهَ عزَّ وجلَّ بصلاتِكَ .. فاخفضْ صوتَكَ ، وإنْ كنتَ تريدُ الناسَ .. فإنَّهم لنْ يُغنوا عنكَ مِنَ اللهِ شيئاً ، فسكتَ عمرُ بنُّ عبدِ العزيزِ وخفَّفَ ركعتَهُ ، فلمَّا سلَّمَ .. أخذَ نعليهِ وانصرفَ ، وهوَ يومئذٍ أميرُ المدينةِ(١). ويدلُّ على استحبابِ الجهرِ ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سمعَ جماعةٌ مِنْ أصحابِهِ يجهرونَ في صلاةِ الليلِ ، فصوَّبَ ذلكَ(٢) ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا قامَ أحدُكُمْ مِنَ الليلِ يصلِّي .. فليجهرْ بقراءتِهِ ؛ فإِنَّ الملائكةَ وعمَّارَ الدارِ يستمعونَ إلى قراءتِهِ ويصلُّونَ بصلاتِهِ))(٣). (١) قوت القلوب (٥٩/١)، وقد روى القاسم بن سلام في (( فضائل القرآن)) ( ص١٦٩) : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة يقرأ في المسجد يجهر بقراءته في صلاة النهار فقال: (( يا بن حذافة؛ سمِّع الله ولا تسمِّعنا)). (٢) حيث روى البخاري (٥٠٤٢)، ومسلم (٧٨٨) عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبي صلى الله عليه وسلم قارئاً يقرأ من الليل في المسجد ، فقال : (( يرحمه الله ؛ لقد أذكرنى كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا)) . وروى البخاري (٤٢٣٢)، ومسلم (٢٤٩٩) مرفوعاً: (( إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ... )) الحديث . (٣) رواه البزار كما في ((مختصر زوائد مسند البزار)) (٥٠١، ١٥٦٢)، وقد رواه ابن =. ٢٨٤ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن ومرّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بثلاثةٍ مِنْ أصحابهِ رضيَ اللهُ عنهُمْ مختلفي الأحوالِ ، فمرّ على أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ يخافتُ ، فسألَهُ عنْ ذلكَ ؛ فقالَ : ( إنَّ الذي أناجيهِ هوَ يسمعني )، ومرَّ على عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ يجهرُ، فسألهُ عنْ ذلكَ ؛ فقالَ : ( أوقظُ الوَسْنانَ وأزجُرُ الشيطانَ )، ومؤَّ على بلالٍ وهوَ يقرأُ آياً مِنْ هذهِ السورةِ وآياً مِنْ هذهِ السورةِ ، فسألَهُ عنْ ذلكَ؛ فقالَ : ( أخلطُ الطيِّبَ بالطيِّبِ )، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كلُّكُمْ قدْ أحسنَ وأصابَ))(١). فالوجهُ في الجمع بينَ هذهِ الأحاديثِ : أَنَّ الإسرارَ أبعدُ عنِ الرياءِ والتصنُّع ، فهوَ أفضلُ في حقِّ مَنْ يخافُ ذلكَ على نفسِهِ ، فإنْ لمْ يخفْ ، ولمْ يكنْ في الجهرِ ما يشوِّشُ الوقتَ على مصلٍّ آخرَ . . فالجهرُ أفضلُ ؛ لأنَّ العملَ فيهِ أكثرُ ، ولأنَّ فائدتَهُ أيضاً تتعلَّقُ بغيرِهِ ، فالخيرُ المتعدِّي أفضلُ مِنَ اللازم ، ولأنَّهُ يوقِظُ قلبَ القارىءِ ، ويجمعُ همَّهُ إلى الفكرِ فيهِ ، ويصرفُ إليهِ سمعَهُ ، ولأنَّهُ يطردُ النومَ برفع الصوتِ ، ولأنَّهُ يزيدُ في نشاطِهِ للقراءةِ ، ويقلُّلُ مِنْ كسلِهِ ، ولأنَّهُ يرجو بجهرِهِ تيقُظَ نائمٍ ، فيكونُ هوَ سببَ إحيائِهِ ، ولأنَّهُ قدْ يراهُ بِطَّالٌ غافلٌ فينشَطُ بسببٍ نشاطِهِ ، ويشتاقُ إلى الخدمةِ . = أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٣١)، وابن الضريس في (( فضائل القرآن)» (ص١١٦) موقوفاً على عبادة بن الصامت ، ضمن حديث طويل عند الجميع. (١) رواه أبو داوود (١٣٣٠)، وهو في «القوت)) (٥٩/١). ٤٠ ۔۔۔ ١ ٢٨٥ -- . كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات فمهما حضرَهُ شيءٌ مِنْ هذهِ النّيَّاتِ .. فالجهرُ أفضلُ، وإنِ اجتمعتْ هذهِ النِيَّاتُ .. تضاعفَ الأجرُ، وبكثرةِ النّيَّاتِ تزكو أعمالُ الأبرارِ وتتضاعفُ أجورُهُمْ، فإنْ كانَ في العملِ الواحدِ عشرُ نِيَّاتٍ .. كانَ فيهِ عشرةُ أجور . ولهذا نقولُ : قراءةُ القرآنِ في المصحفِ أفضلُ ؛ إذْ يزيدُ في العملِ النظرَ وتأمُّلَ المصحفِ وحَمْلَهُ ، فيزيدُ الأجرُ بسببهِ ، وقدْ قيلَ : الختمةُ في المصحفِ بسبعٍ ؛ لأنَّ النظرَ في المصحفِ أيضاً عبادةٌ (١) . وخرقَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ مصحفينِ لكثرةِ قراءتِهِ منهما ، وكانَ كثيرٌ مِنَ الصحابةِ يقرؤونَ مِنَ المصحفِ ويكرهونَ أن يخرجَ يومٌ ولمْ ينظروا في المصحفِ(٢). ودخلَ بعضُ فقهاءِ مصرَ على الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ في السخَرِ وبينَ یدیهِ (١) قوت القلوب (٦١/١)، وقد قال كذلك الإمام النووي في ((الأذكار)) (ص١٩٨): ( قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه ، هكذا قاله أصحابنا ، وهو مشهور عن السلف رضي الله عنهم ، وهذا ليس على إطلاقه ، بل إن كان القارىء من حفظه يحصل له من التدبر والفكر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل له من المصحف .. فالقراءة من الحفظ أفضل ، وإن استويا .. فمن المصحف أفضل ، هذا مراد السلف ) . وقد روى القاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) ( ص١٠٤): ((فضل قراءة القرآن نظراً على من يقرؤه ظاهراً كفضل الفريضة على النافلة)» . (٢) قوت القلوب (١/ ٦١). ٢٨٦ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن المصحفُ، فقالَ له الشافعيُّ : ( شغلَكُمُ الفقهُ عنِ القرآنِ ، إنِّي لأصلِّي العتمةَ وأضعُ المصحفَ بينَ يديَّ فما أطبقُهُ حتَّى أصبحَ)(١). العاشرُ : تحسينُ القراءةِ وتزيينُها بترديدِ الصوتِ مِنْ غيرِ تمطيطٍ مفرطٍ يغيِّرُ النظْمَ : ـبيبيـ فذلكَ سنَّةٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((زيَُّوا القرآنَ بأصواتِكُمْ))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما أذنَ اللهُ لشيءٍ أَذَنَهُ لحسنِ الصوتِ بالقرآنِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ منَّا مَنْ لمْ يتغنَّ بالقرآنِ))(٤)، فقيلَ : أرادَ بهِ الاستغناءَ ، وقيلَ : أرادَ بهِ الترنُّمَ وترديدَ الألحانِ بهِ ، وهوَ أقربُ عندَ أهلِ اللغةِ(٥) . لا٠والي ، والح (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٦٠/٢). (٢) رواه أبو داوود (١٤٦٨)، والنسائي (١٧٩/٢)، وابن ماجه (١٣٤٢). (٣) رواه البخاري (٥٠٢٣)، ومسلم (٧٩٢) ولفظه: (( ما أذن الله لشيء كأَذَّنِهِ لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به )) . (٤) رواه البخاري ( ٧٥٢٧) . (٥) أما معنى الاستغناء .. فقد رواه البيهقي في ((السنن الصغرى)) (٣٥٢/١) عن سفيان بن عيينة ، وأعقبه بقول الإمام الشافعي : ( نحن أعلم بههذا ، لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء به .. لقال : ليس منا من لم يستغنِ بالقرآن ، فلما قال : (( ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)» .. علمنا أنه التغني به ) ، ومع ذلك فقد نقل الأزهري في (( تهذيبه)) ( غنى) عن أبي عبيد في تأييد هذا حيث قال: ( قال أبو عبيد: وهذا = ٢٠٠٠ ٢٨٧ ٠٦ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ ليلةً ينتظرُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا، فأبطأتْ عليهِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما حَبَسَكِ؟ )) قالتْ: يا رسولَ اللهِ؛ كنتُ أستمعُ قراءةَ رجلٍ ما سمعتُ أحسنَ صوتاً منهُ، فقامَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى استمعَ إليهِ طويلاً ، ثمَّ رجعَ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هذا سالمٌ مولَى أبي حذيفةَ ، الحمدُ للهِ الذي جعلَ في أمَّتِي مثلَهُ))(١) . * واستمعَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً ذاتَ ليلةٍ إلى عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ومعَهُ أبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ عنهُما ، فوقفوا طويلاً ثمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أرادَ أنْ يقرأَ القرآنَ غضّاً كما أنزلَ .. فليقرأْهُ على قراءَةِ ابنِ أَ عبدٍ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لابن مسعودٍ: ((اقرأْ عليَّ)) فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ أقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! فقالَ: ((إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعَهُ مِنْ غيري))، فكانَ يقرأُ وعينا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تفيضانِ(٣). كلام جائز فاشٍ في كلام العرب ، يقولون : تغنيت تغنياً وتغانيت تغانياً بمعنى = استغنيت)، وقد روى البيهقي في (( السنن الصغرى)) (٣٥٢/١) كذلك عن الشافعي قال : ( معناه : يقرؤه حدراً وتحزيناً ) . (١) رواه ابن ماجه ( ١٣٣٨). (٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٢٠٠)، وهو عند أحمد في (( المسند)) (٢٥/١)، والمرفوع دون القصة عند ابن ماجه (١٣٨). (٣) رواه البخاري ( ٤٥٨٢)، ومسلم (٨٠٠ ) . ٢٨٨ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن واستمعَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى قراءةِ أبي موسى فقالَ: ((لقدْ أوتيَ هذا مزماراً مِنْ مزاميرٍ آلِ داوودَ» ، فبلغَ ذلكَ أبا موسى فقالَ : يا رسولَ اللهِ؛ لوْ علمتُ أنَّكَ تستمعُ .. لحبَّرْتُهُ لكَ تحبيراً (١). ـون ورأى هيثمٌ القارىءُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في منامِهِ ، قالَ : فقالَ لي : أنتَ الهيثمُ الذي تزيّنُ القرآنَ بصوتِكَ؟ قلتُ : نعمْ، قالَ : جزاكَ اللهُ خيراً(٢) . وفي الخبرِ : كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا اجتمعوا .. أمروا أحدَهُمْ أنْ يقرأ سورةً مِنَ القرآنِ(٣). وقدْ كانَ عمرُ يقولُ لأبي موسى رضيَ اللهُ عنهُما : ذكِّرْنا ربَّنا ، فيقرأُ عندَهُ حتَّى يكادُ وقتُ الصلاةِ أنْ يتوسّطَ ، فيقالُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ الصلاةَ الصلاةَ ، فيقولُ : أوَلَسْنا في صلاةٍ ؟! إشارةً إلى قولِهِ تعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبرُ﴾(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنِ استمعَ إلى آيَةٍ مِنْ كتابِ اللهِ عزَّ (١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم ( ٧٩٣) ، وقول أبي موسى من زيادة البرقاني كما في ((الجمع بين الصحيحين)) (٣١٥/١)، والتحبير : التحسين . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٢١٦)، وهو الهيثم بن اليمان الرازي . (٣) قوت القلوب (٦٠/١) . (٤) قوت القلوب (٦٠/١) . ٢٨٩ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات وجلَّ .. كانتْ لهُ نوراً يومَ القيامةِ)) (١)، وفي الخبرِ: (( كتبَ لهُ عَشْرُ حسناتٍ))(٢). و ومهما عظَمَ أجرُ الاستماع وكانَ التالي هوَ السببَ فيهِ . . كانَ شريكاً في الأجرِ ، إلا أنْ يكونَ قصدُهُ الرياءَ والتصنعَ . ون ٢ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٤١/٢)، والدارمي في (( سننه)) (٣٤١٠). (٢) قوت القلوب (٦٠/١)، وانظر ((الإتحاف)» (٥٠٠/٤). ٢٩٠ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن الْبَابُ الثَّالِثُ في أعمال الباطن في التَّلاوة وهيَ عشرة ٥ فهمُ أصْلِ الكلامِ ، ثمَّ التعظيمُ ، ثمَّ حضورُ القلبِ ، ثمَّ التدبُّرُ ، ثمَّ التفهُّمُ ، ثمَّ التخلِّي عنْ موانعِ الفهْمِ، ثمَّ التخصيصُ، ثُمَّ التأثّرُ، ثمَّ الترقي ، ثمَّ التبِّي . الأوَّلُ : فَهْمُ عظمةِ الكلام وعلوِّهِ ، وفضلِ اللهِ سبحانَهُ ولطفِهِ بخلقِهِ في نزولِهِ عنْ عرشٍ جلالِهِ إلى درجةِ أفهام خلقِهِ : فلينظرْ كيفَ لطفَ بخلقِهِ في إيصالِ معاني كلامِهِ الذي هوَ صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِهِ إلى أفهام خلقِهِ ، وكيفَ تجلَّتْ لهمْ تلكَ الصفةُ في طيِّ حروفٍ وأصواتٍ هي صفاتُ البشرِ ، إذْ يعجِزُ البشرُ عنِ الوصولِ إلى فهْمِ صفاتِ اللهِ تعالى إلا بوسيلةِ صفاتِ نفسِهِ ، ولولا استتارُ كُنْهِ جلالةِ كلامِهِ بِكُوةِ الحروفِ .. لما ثبتَ لسماع الكلام عرشٌ ولا ثرىّ ، ولتلاشى ما بينَهما مِنْ عظمةِ سلطانِهِ وسُبُحاتِ نورِهِ ، ولولا تثبيتُ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسىُ عليهِ السلامُ .. لما أطاقَ سماعَ كلامِهِ ؛ كما لمْ يطقِ الجبلُ مباديَ تجلِّيهِ ، حيثُ صارَ دكّاً . ? ٢٩١ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات ولا يمكنُ تفهيمُ عظمةِ الكلام إلا بأمثلةٍ على حدٍّ فهْم الخلْقِ ، ولهذا م عبَّرَ بعضُ العارفينَ عنهُ فقالَ : ( إنَّ كلَّ حرفٍ مِنْ كلام اللهِ عزَّ وجلَّ في اللوحِ أعظمُ مِنْ جبلِ قافٍ (١) ، وإنَّ الملائكةَ عليهِمُ السلامُ لوٍ اجتمعتْ على الحرفِ الواحدِ أنْ يُقِلُّوهُ .. ما أطاقوهُ حتَّى يأتيَ إسرافيلُ عليهِ السلامُ وهوَ ملكُ اللوح فيرفعَهُ فيقلَّهُ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ ورحمتِهِ ، لا بقوتِهِ وطاقتِهِ ، ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ طوَّقَهُ ذلكَ واستعملَهُ بهِ )(٢) . ولقدْ تأنَّقَ بعضُ الحكماءِ في التعبيرِ عنْ وجهِ اللطّفِ في إيصالِ معاني الكلام معَ علوِّ درجتِهِ إلى فهْمِ الإنسانِ معَ قصورِ رتبتِهِ ، وضربَ لهُ مثلاً لمْ يقصِّرْ فيهِ ، وذلكَ أنَّهُ دعا بعضَ الملوكِ إلى شريعةِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ، فسألَهُ الملكُ عنْ أمورٍ ، فأجابَ بما يحتملُهُ فهمُهُ . فقالَ الملكُ : أرأيتَ ما يأتي بهِ الأنبياءُ إذا ادعيتَ أنَّهُ ليسَ بكلام الناسِ ، وأنَّهُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فكيفَ يُطِيقُ الناسُ حملَهُ ؟ شر فقالَ الحكيمُ : إِنَّا رأينا الناسَ لمَّا أرادوا أنْ يُفهِموا بعضَ الدوابِّ والطيرِ ما يريدونَ مِنْ تقديمِها وتأخيرِها وإقبالِها وإدبارِها ، ورأَوُا الدواَّ يقصرُ تمييزُها عنْ فهم كلامِهِمُ الصادرِ عنْ أنوارِ عقولِهِمْ معَ حسنِهِ وترتيبِهِ وبديع (١) يراد بجبل قاف: العظمة والسعة، وهو جبل محيط بالأرضين السبع عندهم ، روى في ذكره وبيانه آثاراً عن السلف أبو الشيخ في (( العظمة)) (١٤٨٤/٤-١٤٩١). (٢) قوت القلوب (٤٧/١). منه ٢٩٢ : كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات نظمِهِ .. فنزلوا إلى درجةِ تمييزِ البهائمٍ، وأوصلوا مقاصدَهُمْ إلى بواطنِ البهائمِ بأصواتٍ يضعونَها لائقةً بها ؛ منَ النقْرِ والصفيرِ والأصواتِ القريبةِ مِنْ أصواتِها التي تُطِيقُ حملَها . حن وكذلكَ الناسُ يعجِزونَ عنْ حملِ كلامِ اللهِ عزَّ وجلَّ بِكُنْهِهِ وكمالٍ صفاتِهِ ، فصاروا بما تواضعوا بينَهُمْ مِنَ الأصواتِ التي سمعوا بها الحكمةَ كصوتِ النقرِ والصفيرِ الذي سمعَتْ بهِ الدوابُ مِنَ الناسِ ، ولمْ يمنعْ ذلكَ معانيَ الحكمةِ المخبوءَةِ في تلكَ الصفاتِ مِنْ أَنْ شَرُفَ الكلامُ - أي : الأصواتُ - لشرفِها ، وعظمَ لتعظيمِها . فكانَ الصوتُ للحكمةِ جسداً ومسكناً ، والحكمةُ للصوتِ نفساً وروحاً . فكما أنَّ أجسادَ البشرِ تكرمُ وتعزُّ لمكانِ الروحِ فكذلكَ أصواتُ الكلام تشرفُ للحكمةِ التي فيها ، والكلامُ عالي المنزلةِ ، رفيعُ الدرجةِ ، قاهرُ السلطانِ ، نافذُ الحكمِ في الحقِّ والباطلِ ، وهوَ القاضي العدلُ، والشاهدُ المرتضى ، يأمرُ وينهى ، ولا طاقةَ للباطلِ أنْ يقومَ قدَّامَ كلام الحكمةِ ؛ كما لا يستطيعُ الظُّ أَنْ يقومَ قدَّامَ شعاع الشمسِ ، ولا طاقةَ للبشرِ أنْ ينفذوا غورَ الحكمةِ ؛ كما لا طاقةَ لهمْ أنْ ينفذوا بأبصارِهِمْ ضوءَ عينِ الشمسِ ، ولكنَّهُمْ ينالونُ مِنْ ضوءِ عينِ الشمسِ ما تحيا بهِ أبصارُهُمْ، ويستدلُّونَ بهِ على حوائِجِهِمْ فقطْ ، فالكلامُ كالملكِ المحجوبِ الغائبِ وجهُهُ الشاهدِ أمرُهُ ، وكالشمسِ العزيزةِ الظاهرةِ وعنصرُها مكنونٌ ، وكالنجوم الزاهرةِ التي قدْ يهتدي بها مَنْ ٢٩٣ در» كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات لا يقفُ على سيرِها ، فهوَ مفتاحُ الخزائنِ النفيسةِ ، وشرابُ الحياةِ الذي مَنْ شربَ منهُ .. لمْ يمتْ، ودواءُ الأسقام الذي مَنْ سُقِيَ منهُ .. لمْ يسقمُ(١). فهذا الذي ذكرَهُ الحكيمُ نبذةٌ مِنْ تفهيمِ معنى الكلام ، والزيادةُ عليهِ لا تليقُ بعلْمِ المعاملةِ ، فينبغي أنْ يقتصرَ عليهِ . الثاني : التعظيمُ للمتكلِّم : : فالقارىءُ عندَ البدايةِ بتلاوةِ القرآنِ ينبغي أنْ يحضرَ في قلبهِ عظمةً المتكلُّم ، ويعلمَ أنَّ ما يقرؤُهُ ليسَ مِنْ كلام البشرِ ، وأَنَّ في تلاوةِ كلام اللهِ تعالى غايةَ الخطرِ، فإنَّهُ تعالى قالَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾(٢)، وكما أنَّ ظاهرَ جلْدِ المصحفِ وورقَهُ محروسٌ عنْ ظاهرٍ بشرةِ اللامسِ إلا إذا كانَ متطهِّراً .. فباطنُ معناهُ أيضاً بحكْمِ عزِّهِ وجلالِهِ محجوبٌ عنْ باطنِ القلبِ إلا إذا كانَ متطهِّراً عنْ كلِّ رجْسٍ ، ومستنيراً بنورِ التعظيمِ والتوقيرِ ، وكما لا يصلحُ لمسِّ جلدِ المصحفِ كلُّ يدٍ .. فلا يصلحُ لتلاوةِ حروفِهِ كلُّ لسانٍ ، ولا لنيلِ معانيهِ كلُّ قلبٍ ، ولمثلِ هذا التعظيمِ كانَ عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ إذا ٢ ٢٠ (١) قوت القلوب (٤٧/١)، وقال بعد هذه الحكاية: (نقلت هذا نقلاً من كلام الصديق الحكيم الذي خاطب به الملك فاستجاب له بإذن الله عز وجل ) ، ثم أشار إلى فضل الله تعالى وإلهامه لهذا الحكيم بما فتح عليه من حسن التشبيه . (٢) وهو إخبار في معنى الإنشاء، والتطهير أعم من تطهير الظاهر والباطن. (( إتحاف)) ( ٤ /٥٠٣ ) . ٢٩٤ (:٧ ٥٧: ربع العبادات ٢٠٠ كتاب تلاوة القرآن نشرَ المصحفَ .. غُشِيَ عليهِ ويقولُ: (هوَ كلامُ ربِّي، هوَ كلامُ ربِّي)(١). فتعظيمُ الكلامِ بتعظيمِ المتكلِّمِ ، ولنْ تحضرَهُ عظمةُ المتكلِّمِ ما لمْ يتفكّرْ في صفاتِهِ وجلالِهِ وأفعالِهِ ، فإذا خطرَ ببالِهِ العرشُ والكرسيُّ والسماواتُ والأرضونَ وما بينَهُما مِنَ الجنِّ والإنسِ والدوابِ والأشجارِ ، وعلمَ أنَّ الخالقَ لجميعِها والقادرَ عليها والرازقَ لها واحدٌ ، وأنَّ الكلَّ في قبضةِ قدرتِهِ مردّدونَ بينَ فضلِهِ ورحمتِهِ ، وبينَ نقمتِهِ وسطوتِهِ ، إنْ أنعمَ .. فبفضلِهِ ، وإنْ عاقبَ .. فبعدلِهِ، وأنَّهُ الذي يقولُ: ((هؤلاءِ في الجنةِ ولا أبالي، وهؤلاءِ في النارِ ولا أبالي)) (٢)، وهذا غايةُ العظمةِ والتعالي .. فبالتفكرٍ في أمثالِ هذا يحضرُ تعظيمُ المتكلّمِ ثمَّ تعظيمُ الكلامِ . الثالثُ : حضورُ القلبِ وترْكُ حديثِ النّفْسِ : قيلَ في تفسيرِ: ﴿يَحِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجدٍّ واجتهادٍ ، وأخذُهُ بالجدِّ أنْ يكونَ متجرِّداً لهُ عندَ قراءتِهِ ، منصرفَ الهمَّةِ إليهِ عنْ غيرِهِ . وقيلَ لبعضِهِمْ : إذا قرأتَ القرآنَ تحدِّثُ نفسَكَ بشيءٍ ؟ فقالَ : أوَشيءٌ أحبُّ إليَّ مِنَ القرآنِ أحدِّثُ بهِ نفسي؟!(٣). (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٧١/١٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٤٣/٣). (٢) حديث القبضتين رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٤٢٢) عن أنس مرفوعاً . (٣) قوت القلوب (٤٦/١) . ٢٩٥ من هارد 2 9 كتاب تلاوة القرآن ـدر ربع العبادات وكانَ بعضُ السلفِ إذا قرأ سورةٌ لمْ يكنْ قلبُهُ فيها .. أعادَها ثانيةً . وهذهِ الصفةُ تتولَّدُ عمَّا قبلَها منَ التعظيم ، فإنَّ المعظّمَ للكلام الذي يتلوهُ يستبشرُ بِهِ ويستأنسُ ولا يغفُلُ عنهُ ، ففي القرآنِ ما يستأنسُ بهِ القلبُ إنْ كانَ التالي أهلاً لهُ، فكيفَ يطلبُ الأَنسَ بالفكْرِ في غيرِهِ وهوَ في متنزَّهِ ومتفرَّجُ (١) ، والذي يتفرَّجُ في المتنزَّهاتِ لا يتفكّرُ في غيرِها ؛ فقدْ قيلَ : إنَّ في القرآنِ ميادينَ وبساتينَ ومقاصيرَ وعرائسَ ودبابيجَ ورياضاً وخاناتٍ(٢) ، فالميماتُ ميادينُ القرآنِ ، والراءاتُ بساتينُ القرآنِ ، والحاءاتُ مقاصيرُهُ ، والمسبِّحاتُ عرائسُ القرآنِ ، والحاميماتُ دبابيجُ القرآنِ ، والمفضَّلُ رياضُهُ، والخاناتُ ما سوى ذلكَ ، فإذا دخلَ القارىءُ في الميادينِ ، وقطفَ مِنَ البساتينِ ، ودخلَ المقاصيرَ ، وشهدَ العرائسَ، ولبسَ الديباجَ ، وتنزَّهَ في الرياضِ ، وسكنَ غرفَ الخاناتِ .. استغرقَهُ ذلكَ وشغلَهُ عمَّا سواهُ ، فلمْ يعزُبْ قلبُهُ ، ولمْ يتفرَّقْ فكرُهُ . جن حن الرابعُ : التدُّرُ : وهوَ وراءَ حضورِ القلبِ ، فإنَّهُ قَدْ لا يتفكّرُ في غيرِ القرآنِ ، ولكنَّهُ يقتصرُ على سماع القرآنِ مِنْ نفسِهِ وهوَ لا يتدبَّرُهُ ، والمقصودُ مِنَ القراءةِ ٢ (١) المتنزه - على صيغة اسم المفعول -: البساتين والمواضع البعيدة عن المساكن، والمتفرج على وزنه: أعم من ذلك. ((إتحاف)) (٤/ ٥٠٤ ). (٢) الدبابيج : جمع ديباج ، ثوب فاخر من الإبريسم . حن ثن خن حن من ٢٩٦ حرب حن ربع العبادات حر كتاب تلاوة القرآن التدبّرُ، ولذلكَ سُنَّ فيهِ الترتيلُ ، لأنَّ الترتيلَ في الظاهرِ ليتمكّنَ مِنَ التدبُّرِ بالباطنِ ، قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا خيرَ في عبادةٍ لا فقهَ فيها ، ولا في قراءةٍ لا تدبُّرَ فيها )(١) . وإذا لمْ يتمكَّنْ مِنَ التدثُّرِ إلا بترديدٍ .. فليردِّدْ إلا أنْ يكونَ خلْفَ إمام ، فإنَّهُ لَوْ بقيَ في تدبُّرِ آيَةٍ وقدِ اشتغلَ الإمامُ بآيةٍ أخرى .. كانَ مسيئاً ؛ مثلَ مَنْ يشتغلُ بالتعجُّبِ مِنْ كلمةٍ واحدةٍ ممَّنْ يناجيهِ عنْ فَهْمِ بقيةِ كلامِهِ ، وكذلكَ إذا كانَ في تسبيحِ الركوع وهوَ متفكّرٌ في آيةٍ قرأها إمامُهُ ، فهذا وسواسٌ ، فقدْ رُوِيَ عنْ عامرِ بنِ عبدِ قيسٍ أنَّهُ قالَ : الوسواسُ يعتريني في الصلاةِ ، فقيلَ : في أمرِ الدنيا؟ فقالَ: لأَنْ تختلفَ فيَّ الأسنَّةُ أحبُّ إليَّ مِنْ ذلكَ ، ولكنْ يشتغلُ قلبي بموقفي بينَ يدي ربِّي عزَّ وجلَّ وأنِّي كيفَ أنصرفُ(٢). ہے فعدَّ ذلكَ وسواساً ، وهوَ كذلكَ ؛ فإنَّهُ يشغلُهُ عنْ فَهْم ما هوَ فيهِ ، والشيطانُ لا يقدرُ على مثلِهِ إلا بأنْ يشغلَهُ بمهمٌّ دينيٍّ ولكنْ يمنعُهُ بهِ عنِ الأفضلِ، ولمَّا ذُكرَ ذلكَ للحسنِ .. قالَ: إنْ كنتُم صادقينَ عنهُ .. فما اصطنعَ اللهُ ذلكَ عندَنا . ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأَ ( بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ) فردَّدَها عشرينَ مرَّةٌ (٣) ، وإنَّما ردَّدَها لتدبرِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في معانيها. (١) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١/ ٧٧). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)» (١٥٦١) بنحوه . (٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ( ٥٥١) . ٢٩٧ دن 2 حن كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات وعنْ أبي ذرٍّ قالَ : قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بنا ليلةٌ ، فقامَ بآيَةٍ يردِّدُها، وهيَ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ اٌلَكِيمُ﴾(١). وقامَ تميمٌ الداريُّ ليلةً بهذهِ الآيةِ: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ ◌َّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ ... ﴾ الآيةَ(٢). وقامَ سعيدُ بنُ جبيرٍ ليلةً يردِّدُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ﴾(٣). وقالَ بعضُهُمْ: ( إنِّي لأفتتحُ السورةَ فيوقفني بعضُ ما أشهدُ فيها عنِ الفراغ منها حتَّى يطلعَ الفجرُ) (٤). /٠٢٧ وكانَ بعضُهُمْ يقولُ : ( كلُّ آيَةٍ لا أتفهَّمُها ولا يكونُ قلبي فيها .. لا أعدُّ لها ثواباً )(٥). وحُكِيَ عنْ أبي سليمان الدارانيِّ أَنَّهُ قالَ: (إنِّي لأتلو الآيةَ فأقيمُ فيها أربعَ (١) رواه النسائي (١٧٧/٢)، وابن ماجه (١٣٥٠). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٠/٢). (٣) رواه القاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) (ص١٤٨)، وفيه قراءة ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَمُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾، وفي رواية: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ بدل ما ذكر المصنف، وحكى تكرير الآي عن ابن مسعود ، وعمر بن الخطاب ، وعامر بن عبد قيس ، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم . (٤) قوت القلوب (٤٦/١) . (٥) قوت القلوب (٤٦/١). ٢٩٨ ٤٠٠ 5. ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن ليالٍ أوْ خمسَ ليالٍ، ولولا أنَّي أقطعُ الفكْرَ فيها .. ما جاوزتُها إلى غيرِها)(١). وعنْ بعضِ السلفِ أَنَّهُ بقيَ في سورةِ هودٍ ستَّةً أشهرٍ يكرِّرُها ولا يفرِغُ مِنَ التدبُّرِ فيها(٢) وقالَ بعضُ العارفينَ : ( لي في كلِّ جمعةٍ ختمةٌ ، وفي كلِّ شهرٍ ختمةٌ ، وفي كلِّ سنةٍ ختمةٌ، ولي ختمةٌ منذُ ثلاثينَ سنةً ما فرغتُ منها بعدُ )(٣)، وذلكَ بحسَبِ درجاتِ تدبُّرِهِ وتفتيشِهِ ، وكانَ هذا أيضاً يقولُ: ( أقمتُ نفسي مقامَ الأُجرَاءِ ، فأنا أعملُ مياومَةً ومسابعةً ومشاهرَةٌ ومسانهَةً )(٤) الخامسُ : التفهُّمُ : ٠٠٨٥٠٦ وهوَ أنْ يستوضحَ مِنْ كلِّ آيَةٍ ما يليقُ بها ، إذِ القرآنُ يشتملُ على ذكْرٍ صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وذكرٍ أفعالِهِ ، وذكرٍ أحوالِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ، وذكرٍ أحوالِ المكذِّبينَ لهمْ ، وأنَّهُمْ كيفَ أُهلكوا ، وذكرٍ أوامرِهِ وزواجرِهِ ، وذكرِ الجنةِ والنارِ . - أمَّا صفاتُ اللهِ عزَّ وجلَّ: فكقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ ٥٠٠٠ (١) قوت القلوب (٥٠/١) . (٢) قوت القلوب (٥٠/١) . (٣) قوت القلوب (٥٠/١)، والخبر المذيِّل له الآتي .. فيه كذلك. (٤) والمياومة : معاملة يوم بيوم ، والمسابعة : معاملة الأسبوع إلى الأسبوع ، والمشاهرة : معاملة الشهر إلى الشهر ، والمسانهة : معاملة السنة إلى السنة . ٢٩٩ كتاب تلاوة القرآن ٥٥٠ ربع العبادات السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وكقولِهِ تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ﴾، فليتأملْ معانيَ هذهِ الأسماءِ والصفاتِ لينكشفَ لهُ أسرارُها ، فتحتَها معانٍ مدفونةٌ لا تنكشفُ إلا للموفقينَ ، وإليهِ أشارَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ بقولِهِ: ( ما أسرَّ إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئاً كتمَهُ عنِ الناسِ إلا أنْ يؤتيَ اللهُ عزَّ وجلَّ عبداً فهماً في كتابِهِ )(١) ، فليكنْ حريصاً على طلبِ ذلكَ الفهمِ . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ أرادَ علمَ الأوَّلِينَ والآخرينَ .. فليُثَوِّرِ القرآنَ )(٢) ، وأعظمُ علوم القرآنِ تحتَ أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ وصفاتِهِ ؛ إذْ لمْ يدرك أكثرُ الخلقِ منها إلا أموراً لائقةً بأفهامِهِمْ، ولمْ يعثروا على أغوارِها (٣). - وأمَّا أفعالُهُ تعالى: فكذكرِهِ خلْقَ السماواتِ والأرضِ وغيرِها ، فليفهمِ التالي منها صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ وجلالَهُ؛ إذِ الفعلُ يدلُّ على الفاعلِ ، فتدلُّ عظمتُهُ على عظمتِهِ، فينبغي أنْ يشهدَ في الفعْلِ الفاعلَ دونَ الفعْلِ ، فمَنْ عرفَ الحقَّ .. رآهُ في كلِّ شيءٍ ؛ إذْ كلُّ شيءٍ فهوَ منهُ وإليهِ ، وبهِ ولهُ ، فهوَ الكلُّ على التحقيقِ(٤)، ومَنْ لا يراهُ في كلِّ ما يراهُ .. فكأنَّهُ ما عرفَهُ، ومَنْ عرفَهُ .. عرفَ أنَّ كلَّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ، حـ ؟ (١) رواه النسائي (٢٣/٨) بنحوه . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨١٤). (٣) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٣). (٤) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٤٢). ٣٠٠ در شن جن