النص المفهرس
صفحات 221-240
ربع العبادات كتاب أسرار الحج الثاني : ألا يعاونَ أعداءَ اللهِ سبحانَهُ بتسليمِ المَكْسِ(١)، وهمُ الصادُّونَ عنِ المسجدِ الحرام مِنْ أمراءِ مكّةَ والأعرابِ المترصِّدينَ في الطريقِ ؛ فإنَّ تسليمَ المالِ إليهِمْ إِعانةٌ على الظلّمِ وتيسيرٌ لأسبابِهِ عليهِمْ ، فهوَ كالإعانةِ بالنفسِ . ٢٠٠ فليتلطفْ في حيلةِ الخلاصِ ، فإنْ لمْ يقدرْ .. فقدْ قالَ بعضُ العلماءِ - ولا بأسَ بما قالَهُ - : ( إنَّ تركَ التنفُّلِ بالحجِّ والرجوعَ عنِ الطريقِ أفضلُ مِنْ إعانةِ الظلمةِ)(٢) ، فإنَّ هذهِ بدعةٌ أحدثَتْ ، وفي الانقيادِ لها ما يجعلُها سنَّةٌ مطردةٌ ، وفيهِ ذلِّ وصَغارٌ على المسلمينَ ببذْلِ جزيةٍ . ولا معنى لقولِ القائلِ: (إنَّ ذلكَ يؤخذُ منِّي وأنا مضطرّ) فإنَّهُ لَوْ قعدَ في البيتِ، أوْ رجعَ مِنَ الطريقِ .. لمْ يؤخذُ منهُ شيءٌ ، بلْ ربما يُظهِرُ أسبابَ الترقُّهِ ، فتكثرُ مطالبتُهُ، ولوْ كانَ في زيِّ الفقراءِ .. لمْ يطالبْ ، فهوَ الذي ساقَ نفسَهُ إلى حالةِ الاضطرارِ . الثالثُ : التوسُّعُ في الزادِ ، وطيبُ النفسِ بالبذلِ ، والإنفاقُ مِنْ غيرِ تقتيرٍ ولا إسرافٍ ، بلْ على الاقتصادِ ، وأعني بالإسرافِ : التنقُّمَ بأطايبٍ الأطعمةِ ، والترقُّهَ بأشرفِ أنواعِها على عادةِ المترفينَ ، فأمَّا كثرةُ البذْلِ .. ٢٠٠ (١) المكْس : الجباية والظلم، وغلب استعماله فيما يأخذه أعوان السلطان ظلماً عند البيع والشراء ، ونحو ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داوود ( ٢٩٣٧) : (( لا يدخل الجنة صاحب مكس)). (٢) قوت القلوب ( ١١٧/٢) . ٢٢١ ٢٦٠٠ ـرة كتاب أسرار الحج ربع العبادات فلا سرفَ فيهِ ؛ إذْ لا خيرَ في السرفِ ولا سرفَ في الخيرِ كما قيلَ(١) ، وبذلُ الزادِ في طريقِ الحجِّ نفقةٌ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والدرهمُ بسبع مئةٍ درهمٍ ، قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( مِنْ كرمِ الرجلِ طيبُ زادِهِ في سفرِهٍ)(٢)، وكانَ يقولُ: (أفضلُ الحجاج أخلصُهُمْ نيَّةً، وأزكاهُمْ نفقةً ، وأحسنُهُمْ يقيناً )(٣) . وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلا الجنةَ))، فقيلَ لهُ: يا رسولَ اللهِ ؛ ما برُّ الحجِّ ؟ فقالَ: (( طيبُ الكلام ، وإطعامُ الطعام)) (٤) . الرابعُ : تركُ الرفثِ والفسوقِ والجدالِ كما نطقَ بهِ القرآنُ . والرفث : اسمٌ جامعٌ لكلِّ لغوٍ وخناً وفحشٍ مِنَ الكلام ، ويدخلُ فيهِ مغازلةُ النساءِ ومداعبتُهُنَّ ، والتحدثُ بشأنِ الجماع ومقدماتِهِ ؛ فإنَّ ذلكَ يهيجُ داعيةَ الجماع المحظورِ ، والداعي إلى المحظورِ محظورٌ . والفسوقُ : اسمٌ جامعٌ لكلِّ خروج عنْ طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ . (١) نسبه ابن عبد البر في ((بهجة المجالس)) (٦١٤/٢) للحسن بن سهل. .. (٢) قوت القلوب (١١٥/٢). (٣) قوت القلوب (١١٥/٢). (٤) أوله في ((الصحيحين)) وقد تقدم، وهو بهذا اللفظ رواه أحمد في ((المسند)) ( ٣٢٥/٣) بنحوه . ٢٢٢ رب ربع العبادات كتاب أسرار الحج والجدالُ : هوَ المبالغةُ في الخصومةِ ، والمماراةُ بما يورثُ الضغائنَ ، ويفرِّقُ في الحالِ الهمَّةَ ، ويناقضُ حسنَ الخلقِ . وقدْ قالَ سفيانُ: ( مَنْ رفثَ .. فسدَ حُّهُ)(١) ، وقدْ جعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طيبَ الكلامِ معَ إطعامِ الطعامِ مِنْ برِّ الحجِّ(٢)، والمماراةُ تناقضُ طيب الكلام ، فلا ينبغي أنْ يكونَ كثيرَ الاعتراضِ على رفيقِهِ وجمَّالِهِ ، وعلى غيرِهِما مِنْ أصحابِهِ ، بلْ يلينُ جانبَهُ ، ويخفضُ جناحَهُ للسائرينَ إلى بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ . الأسسـ أ''پ. ويلزمُ حسنَ الخلقِ ، وليسَ حسنُ الخلقِ كفَّ الأذى ، بلِ احتمالُ الأذى، وقيلَ : سمِّيَ السفرُ سفراً لأنَّهُ يُسْفِرُ عنْ أخلاقِ الرجالِ ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لمَنْ زعمَ أنَّهُ يعرفُ رجلاً: هلْ صحبتَهُ في السفرِ الذي يستدلُّ بهِ على مكارم الأخلاقِ ؟ قالَ: لا، فقالَ: ما أراكَ تعرفُهُ (٣). ٢٦.٠٠ ٢٠٠ الخامسُ : أنْ يحجَّ ماشياً إن قدَرَ عليهِ ، فذلكَ الأفضلُ ، أوصى عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما بنيهِ عندَ موتهِ فقالَ: يا بنيَّ ؛ حجوا (١) قوت القلوب (١١٥/٢) . (٢) تقدم في الحديث السابق . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٠٧)، ويلفظ المصنف هو في («القوت)) (١١٥/٢) . ٢٢٣ ذن كتاب أسرار الحج ربع العبادات مشاةً ؛ فإنَّ للحاجِّ الماشي بكلِّ خطوةٍ يخطوها سبعَ مئةِ حسنةٍ مِنْ حسناتِ الحرم ، قيلَ : وما حسناتُ الحرم ؟ قال : الحسنةُ بمئةِ ألفٍ (١). والاستحبابُ في المشي في المناسكِ ، والتردُّدِ مِنْ مكّةَ إلى الموقفِ وإلى منىّ آكدُ منهُ في الطريقِ . م وإنْ أضافَ إلى المشي الإحرامَ مِنْ دويرةِ أهلِهِ ؛ فقدْ قيلَ : إنَّ ذلكَ مِنْ إتمام الحجِّ ، قالَهُ عمرُ وعليٍّ وابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُم في معنى قولِهِ تعالى: ﴿ وَأَيِّقُواْ الْحَّوَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢). وقالَ بعضُ العلماءِ : الركوبُ أفضلُ ؛ لما فيهِ مِنَ الإنفاقِ والمؤنةِ ولأنّهُ أبعدُ عنْ ضجرِ النفسِ وأقلُّ لأدّاهُ ، وأقربُ إلى سلامتِهِ وتمام حجِّهِ (٣). وهذا عندَ التحقيقِ ليسَ مخالفاً للأوَّلِ ، بلْ ينبغي أنْ يفضَّلَ ويقالَ : مَنْ سهلَ عليهِ المشيُّ .. فهو أفضلُ ، فإنْ كانَ يضعفُ ویؤدِّي بهِ ذلكَ إلى سوءِ الخلقِ وقصورٍ عنْ عملٍ .. فالركوبُ لهُ أفضلُ، كما أنَّ الصومَ أفضلُ للمسافرِ والمريضِ ما لمْ يفضٍ إلى ضعْفٍ وسوء خلقٍ . (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٩٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٦٠/١)، ويلفظ المصنف رواه أبو ذر الهروي في ((منسكه)) كما في ((الإتحاف)) (٤٣٥/٤). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٧٦/٢) عن علي رضي الله عنه، وانظر ((التلخيص الخبير)) (١٥٢٧/٤)، وهو ما ذهب إليه أبو طالب في ((القوت)) (١١٧/٢). (٣) قوت القلوب (١١٦/٢). ٢٢٤ ـدى ...... ربع العبادات كتاب أسرار الحج وسئلَ بعضُ العلماءِ عن العمرةِ : المشيُ فيها أفضلُ أَوْ يكتري حماراً بدرهم ؟ فقالَ : إنْ كانَ وزنُ الدرهم أشدَّ عليهِ .. فالكراءُ أفضلُ مِنَ المشي، وإنْ كانَ المشيُّ أشدَّ عليهِ؛ كالأغنياءِ .. فالمشيُ لهُ أفضلُ(١). وكأنَّهُ ذهبَ فيهِ إلى طريقِ مجاهدةِ النفسِ ، ولهُ وجهٌ ، ولكنِ الأفضلُ لهُ أنْ يمشيَ ويصرفَ ذلكَ الدرهمَ إلى خيرٍ ، فهوَ أولى مِنْ صرفِهِ إلى المكاري ، عوضاً عنْ إيذاءِ الدابةِ ، فإذا كانَ لا تتسعُ نفسُهُ للجمع بينِ مشقةٍ النفسِ ونقصانِ المالِ .. فما ذكرهُ غيرُ بعيدٍ فيهِ . السادسُ : ألا يركبَ إلا زاملةٌ ، أمَّا المحملُ .. فليجتنبْهُ، إلا إذا كانَ يخافُ على الزاملةِ ، أَوْ لا يستمسكُ عليها لعذرٍ ، وفيهِ معنيانٍ : أحدُهُما : التخفيفُ عنِ البعيرِ ؛ فإنَّ المحملَ يؤذيهِ . والثاني : اجتنابُ زيِّ المترفينَ والمتكبرينَ . ?+++ حجَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على راحلةٍ وكانَ تحتهُ رحْلٌ رٌ وقطيفةٌ خلقةٌ قيمتُها أربعةُ دراهمَ (٢) ، وطافَ على الراحلةِ لينظرَ الناسُ إلى هديهِ وشمائِلِهِ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خذوا عنِّي مناسكَكُمْ))(٣). (١) قوت القلوب (١١٧/٢). (٢) كما روى ذلك الترمذي في ((الشمائل)) (٣٣٤)، وهو عند ابن ماجه (٢٨٩٠) كذلك، ومع ذلك كان يقول: ((اللهم؛ اجعله حجّاً لا رياء فيه ولا سمعة)). (٣) رواه مسلم ( ١٢٩٧) . ٢٢٥ حن في ش تن حن في محل كتاب أسرار الحج ربع العبادات وقيلَ : إِنَّ هذهِ المحاملَ أحدثَها الحَجَّاجُ، وكانَ العلماءُ في وقتهِ ينكرونَها(١) . وروى سفيانُ الثوريُّ عنْ أبيهِ أَنَّهُ قالَ : ( برزتُ مِنَ الكوفةِ إلى القادسيةِ للحجِّ ، ووافيت الرفاقَ مِنَ البلدانِ ، فرأيتُ الحاجَّ كلَّهم على زواملَ وجُوالِقاتٍ ورواحلَ ، وما رأيتُ في جميعِهِمْ إلا محملينِ)(٢). وكانَ ابنُ عمرَ إذا نظرَ إلى ما أحدثَ الحُجَّاجُ مِنَ الزيِّ والمحاملِ .. يقولُ : الحاجُّ قليلٌ والركبُ كثيرٌ ، ثمَّ نظرَ إلى رجلٍ مسكينٍ رثِّ الهيئةِ تحتَهُ جِوالِقُ فقالَ: هذا نعم مِنَ الحُجَّاجِ (٣). السابعُ : أنْ يكونَ رثَّ الهيئةِ ، أشعثَ ، أغبرَ ، غيرَ مستكثرٍ مِنَ الزينةِ ، ولا مائلٍ إلى أسبابِ التفاخرِ والتكاثرِ ، فيكتبُ في ديوانِ المتكبرينَ والمترفهينَ ، ويخرجُ عنْ حزبِ الضعفاءِ والمساكينِ وخصوصِ الصالحِينَ ، (١) حكى ذلك الجاحظ في ((البيان والتبيين)) (٣٠٣/٢)، وقال: وقال بعض رجاز الأكرياء : أولُ عبدٍ عملَ المحاملا وسياق المصنف في ((القوت)» (١١٦/٢ ). أخزاه ربي عاجلاً وآجلا '×٠١ (٢) قوت القلوب (١١٦/٢)، والجوالقات: الأوعية الكبيرة، مفرده: جوالِق، وهو معرَّب ، ويقال في الجمع : جَواليق وجَوالِق أيضاً . (٣) قوت القلوب (١١٦/٢ ). ٢٢٦ ربع العبادات كتاب أسرار الحج فقدْ أمرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالشَّعَثِ والاحتفاء(١) ، ونهى عنِ التنقُّمِ والرفاهيةِ في حديثٍ فضالةَ بنِ عبيدٍ(٢) . وفي الحديثِ: ((إنَّما الحاجُ الشَّعِثُ التَّقِلُ))(٣)، ((يقولُ اللهُ تعالى: انظروا إلى زوَّارِ بيتي ، قدْ جاؤوني شُعْئاً غُبْراً مِنْ كلِّ فجّ عميقٍ)) (٤). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوْ تَفَتَهُمْ﴾، والتفتُ: الشعَثُ والاغبرارُ ، وقضاؤُهُ بالحلْقِ وقصِّ الشاربِ والأظفارِ(٥) . وكتبَ عمرُ بنُ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إلى أمراءِ الأجنادِ : ( اخلولقوا ، (١) الشعث: انتشار الشعر وترك تعاهده، والاحتفاء : المشي حافياً، وقد روى ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٢٦٨٤٩)، والطبراني في «الأوسط)» (٦٠٥٨) مرفوعاً : « تمعددوا واخشوشنوا وانتضلوا وامشوا حفاة » . ٧٠٠٨٥٠٠ (٢) رواه أبو داوود (٤١٦٠) وهو قوله: ( كان صلى الله عليه وسلم ينهانا عن كثير من الإرفاه ) ، وقال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً)، وروى أحمد في (( المسند)) (٢٤٣/٥) من وصيته صلى الله عليه وسلم معاذاً لما بعثه إلى اليمن: (( إياك والتنعمَ - ولفظه : إياي ؛ لأن راويه هو معاذ نفسه - فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين )» . (٣) رواه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه ( ٢٨٩٦). (٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٤٢٥/١٢) بلفظ المصنف ضمن حديث طويل ، وكذا أبو نعيم في ((الحلية)) ( ٣٠٥/٣)، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٦٥/١) بغير زيادة: ((من كل فج عميق))، وهو كذلك عند أحمد في (( المسند)) (٢٢٤/٢)، وهذا الخبر والذي قبله ساقهما صاحب «القوت)) (١١٦/٢) خبراً واحداً ، والمصنف تبع له . (٥) كذا في ((القوت)) (١١٦/٢)، وقد روى ذلك الطبري عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم في ((تفسيره)) ( ١٩٠/١٧/١٠). ٢٠٠ ٢٢٧ كتاب أسرار الحج ربع العبادات واخشوشنوا)(١) أي: البسوا الخُلْقَانَ، واستعملوا الخشونةَ في الأشياءِ . وقدْ قيلَ : (( زينُ الحجيجِ أهلُ اليمنِ )) (٢) ؛ لأنَّهُمْ على هيئةِ التواضع والضعفِ وسيرةِ السلفِ . وينبغي أنْ يجتنبَ الحمرةَ في زيِّهِ على الخصوصِ ، والشهرةَ كيفما كانتْ على العموم ؛ فقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ في سفرٍ ، فنزلَ أصحابُهُ منزلاً ، فسرحتِ الإبلُ ، فنظرَ إلى أكسيةٍ حمْرٍ على الأقتابِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أرى هذهِ الحُمْرةَ قدْ غلبتْ عليكُمْ!)) قالوا: فقمنا إليها ونزعناها عنْ ظهورِها حتَّى شَرَدَ بعضُ الإبلِ(٣). الثامنُ : أَنْ يرِفُقَ بالدابَةِ ، فلا يحمِّلُها ما لا تطيقُ، والمَحْمِلُ خارجٌ عنْ حدِّ طاقتِها ، والنومُ عليها يؤذِيها ويثقلُ عليها ، كانَ أهلُ الورع لا ينامونَ على الدوابٌّ إلا غفوةً عنْ قعودٍ ، وكانوا لا يقفونَ عليها الوقوفَ الطويلَ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تتخذوا ظهورَ دوابِّكُمْ كراسيَّ))(٤). حن ـدن دی من ١٤٠ ويستحبُّ أنْ ينزلَ عنْ دابتِهِ غدوةً وعشيةٌ يروِّحُها بذلكَ، فهوَ سنةٌ (٥) ، ٢٠ (١) رواه الحربي في ((غريب الحديث)) (خ ش ب) وزاد فيه: (واخشوشبوا). (٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٨٨٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً . (٣) رواه أبو داوود ( ٤٠٧٠). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤١/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٤/١) . (٥) روى البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٥٥/٥) عن أنس رضي الله عنه قال: (كان = ٤٠ ٢٢٨ ast ربع العبادات كتاب أسرار الحج حن ٢شر من وفيهِ آثارٌ عنِ السلفِ (١)، وكانَ بعضُ السلفِ يكتري بشرطِ ألا ينزلَ ، ويوفي الأجرةَ ، ثمَّ كانَ ينزلُ؛ ليكونَ بذلكَ محسناً إلى الدابةِ ، فيكونَ في حسناتِهِ ، ويوضعَ في ميزانِهِ لا في ميزانِ المكاري(٢). وكلُّ مَنْ آذىُ بهيمةٌ، وحمَّلَها ما لا تطيقُ .. طولبَ بهِ يومَ القيامةِ ، قالَ أبو الدرداءِ لبعيرٍ لهُ عندَ الموتِ : ( يا أيُّها البعيرُ ؛ لا تخاصمني إلى ربِّكَ ، فإنِّي لمْ أكنْ أحمِّلُكَ فوقَ طاقتِكَ )(٣) . وعلى الجملةِ : في كلِّ كبدٍ حرَّى أجرٌ(٤)، فليراع حقَّ الدابَّةِ وحقَّ المكاري جميعاً ، وفي نزولِهِ ساعةً ترويحُ الدابةِ وسرورُ قلبِ المكاري ، قالَ رجلٌ لابنِ المباركِ : احملْ لي هذا الكتابَ معكَ لتوصلَهُ ، فقالَ : حتَّى أستأمرَ الجمَّالَ ، فإنِّي قدِ اكتريتُ(٥). فانظرْ كيفَ تورَّعَ مِنِ استصحابٍ كتابٍ لا وزنَ لهُ ، وهوَ طريقُ الحزْم في الورع ، فإنَّهُ إذا فُتِحَ بابُ القليلِ .. انجرَّ إلى الكثيرِ يسيراً يسيراً. :3 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر في السفر .. مشى - زاد فيه غيره: قليلاً - = وناقته تقاد ) . (١) روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٦/٦١): (أن نافع بن جبير كان يحج ماشياً وناقته أو راحلته تقاد معه ) . (٢) قوت القلوب (١١٦/٢). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ١١٧٣)، وكان اسم هذا البعير: دمون . (٤) كما في ((البخاري)) ( ٢٣٦٣)، و((مسلم)) (٢٢٤٤) . (٥) قوت القلوب (١١٦/٢). * ٢٢٩ 3- كتاب أسرار الحج .: ربع العبادات ٥٦٠٠ التاسعُ : أنْ يتقرَّبَ بإراقة دم وإنْ لمْ يكنْ واجباً عليهِ ، ويجتهدُ أنْ يكونَ مِنْ سمينِ النَّعَمِ ونفيسِهِ ، وليأكلْ منهُ إنْ كانَ تطوُّعاً ، ولا يأكلُ إنْ كانَ واجباً . قيلَ في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ﴾: إنَّهُ تحسينُهُ ء (١) وتسمينه وسوقُ الهدي مِنَ الميقاتِ أفضلُ إنْ كانَ لا يجهدُهُ ولا يكدُّهُ ، وليتركِ المكاسَ في شرائِهِ ، فقدْ كانوا يغالونَ في ثلاثٍ ويكرهونَ المكاسَ فيهنَّ : الهديُ والأضحيةُ والرقبةُ ، فإنَّ أفضلَ ذلكَ أغلاهُ ثمناً وأنفسُهُ عندَ أهلِهِ . ٠٨٥٠ وروى ابنُ عمرَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أهدى نجيبةً ، فطُلِبتْ منهُ بثلاثٍ مئةِ دينارٍ ، فسألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يبيعَها ويشتريَ بثمنِها بُدْناً؛ فنهاهُ عنْ ذلكَ وقالَ: ((بلْ أهدِها)) (٢) ، وذلكَ لأنَّ القليلَ الجيّدَ خيرٌ مِنَ الكثيرِ الدُّونِ ، وفي ثلاثِ مئة دينارٍ قيمةُ ثلاثينَ بدنةً ، وفيها تكثيرٌ اللحمِ ، ولكنْ ليسَ المقصودُ اللحمَ ، إنما المقصودُ تزكيةُ النفسِ وتطهيرُها عنْ صفةِ البخْلِ ، وتزيينُها بجمالِ التعظيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فلنْ ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ، ولكنْ ينالُهُ التقوى منكُمْ ، وذلكَ يحصلُ بمراعاةِ النفاسةِ في القيمةِ ، كَثُرَ العددُ أمْ قلَّ . ٤ (١) روى الطبري ذلك في ((تفسيره)) (١٩٨/١٧/١٠) عن ابن عباس ومجاهد . (٢) رواه أبو داوود (١٧٥٦)، وفيه : (انحرها ) بدل ( أهدها ). ٢٣٠ ربع العبادات كتاب أسرار الحج وسئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما برُّ الحجِّ؟ فقالَ: ((العجُّ والثجُّ ))(١) ، والعجُ: هوَ رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، والثجُّ: هوَ نحرُ البدْنِ . وروتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : (( ما عملَ آدميٌّ يومَ النحرِ أحبَّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ إهراقِهِ دماً ، وإنَّها لتأتي يومَ القيامةِ بقرونِها وأظلافِها ، وإنَّ الدمَ يقعُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بمكانٍ قبلَ أنْ يقعَ بالأرضِ، فطيبوا بها نفساً))(٢). وفي الخبرِ : ((لكمْ بكلِّ صوفةٍ مِنْ جلدِها حسنةٌ ، وكلِّ قطرةٍ مِنْ دِمِها حسنةٌ، وإنَّها لتوضعُ في الميزانِ، فأبشروا))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((استنجدُوا هداياكُمْ؛ فإنَّها مطاياكُمْ يومَ القيامةِ )) (٤). العاشرُ : أنْ يكونَ طيِّبَ النفسِ بما أنفقَهُ مِن نفقةٍ وهذي ، وبما أصابَهُ مِنْ خسرانٍ ومصيبةٍ في مالٍ أوْ بدنٍ إِنْ أصابَهُ ذلكَ ، فإنَّ ذلكَ مِنْ دلائلِ ١٠٠٪ (١) رواه الترمذي (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٨٩٦) . (٢) رواه الترمذي (١٤٩٣)، وابن ماجه (٣١٢٦). (٣) كذا في ((القوت)) (١١٨/٢)، وهو بنحوه عند ابن ماجه (٣١٢٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٨٣/٩). (٤) رواه الديلمي في ((الفردوس)) (٢٦٨) بلفظ: ((استفرهوا ضحاياكم ؛ فإنها مطاياكم على الصراط». ٢٣١ كتاب أسرار الحج د حنة ربع العبادات قَبولِ حجِّهِ ، فإنَّ المصيبةَ في طريقِ الحجِّ تعدلُ النفقةَ في سبيلِ اللهِ تعالى ، الدرهمُ بسبع مئةِ درهمٍ ، وهوَ بمثابةِ الشدائدِ في طريقِ الجهادِ ، فلهُ بكلِّ أذى احتملَهُ وخسرانٍ أصابَهُ ثوابٌ ، ولا يضيعُ منهُ شيءٌ عندَ اللهِ تعالى . ويقالُ : إنَّ مِنْ علامةِ قَبولِ الحجِّ أيضاً تركَ ما كانَ عليهِ مِنَ المعاصي ، وأنْ يستبدلَ بإخوانِهِ البطَّالينَ إخواناً صالحينَ ، وبمجالسِ اللهوِ والغفلةِ مجالسَ الذكرِ واليقظةِ(١). ـيمبي (١) قوت القلوب (١١٩/٢). ٢٣٢ جوء ٹن ربع العبادات كتاب أسرار الحج بيان الأعمال الباطنة ووجد الإخلاص في النّيّة وطريق الاعتبار بالمشاهد الشّريفية وكيفيةالا فكار فيها والتَّذكر لأسرارها ومعانيها من أول زيج إلى آخره اعلمْ : أَنَّ أوَّلَ الحجِّ الفهْمُ ؛ أعني : فهمَ موقع الحجِّ في الدينِ ، ثُمَّ الشوقُ إليهِ ، ثمَّ العزمُ عليهِ، ثمَّ قطْعُ العلائقِ المانعةِ منهُ، ثمَّ شراءُ ثوبي الإحرامِ، ثمَّ شراءُ الزادِ، ثمَّ اكتراءُ الراحلةِ، ثمَّ الخروجُ، ثمَّ السيرُ في الباديةِ، ثمَّ الإحرامُ مِنَ الميقاتِ بالتلبيةِ، ثمَّ دخولُ مكَّةَ، ثمَّ استتمامُ الأفعالِ كما سبقَ . وفي كلِّ واحدٍ مِنْ هذهِ الأمورِ تذكرةٌ للمتذكِّرِ ، وعبرةٌ للمعتبرِ ، وتنبيهٌ للمريدِ الصادقِ ، وتعريفٌ وإشارةٌ للفَطِنِ ، فلنرمزْ إلى مفاتحِها، حتَّى إذا انفتحَ بابُها ، وعرفتْ أسبابُها .. انكشفَ لكلِّ حاجٌّ مِنْ أسرارِها ما يقتضيهِ صفاءُ قلبهِ وطهارةُ باطنِهِ وغزارةُ علمِهِ . أمَّا الفهمُ : فاعلمْ : أنَّهُ لا وصولَ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى إلا بالتنزُّهِ عنِ الشهواتِ ، والكفِّ عنِ اللذاتِ ، والاقتصارِ على الضروراتِ فيها ، والتجرُّدِ للهِ سبحانَهُ في جميع الحركاتِ والسكناتِ ، ولأجل هذا انفردَ ٢٣٣ جن حى ون -ص كتاب أسرار الحج ربع العبادات الرهابينُ في المللِ السالفةِ عنِ الخلْقِ(١)، وانحازوا إلى قُلَلِ الجبالِ، وآثروا التوخُشَ عنِ الخَلْقِ ؛ لطلبِ الأَنْسِ باللهِ تعالى ، فتركوا للهِ عزَّ وجلَّ اللذاتِ الحاضرةَ، وألزموا أنفسَهُمُ المجاهداتِ الشاقَّةَ؛ طمعاً في الآخرةِ ، وأثنى اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِمْ في كتابِهِ فقالَ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . فلمّا اندرسَ ذلكَ ، وأقبلَ الخلقُ على اتباع الشهواتِ ، وهجروا التجرُّدَ لعبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وفتروا عنهُ .. بعثَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى نبيَّهُ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لإحياءِ طريقِ الآخرةِ ، وتجديدِ سنةِ المرسلينَ في سلوكِها ، فسألَهُ أهلُ الملَلِ عنِ الرهبانيةِ والسياحةِ في دينِهِ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أبدلَنا اللهُ بها الجهادَ والتكْبِيرَ على كلِّ شَرَفٍ))(٢) ؛ يعني: الحجَّ . وسئلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ السائحينَ فقالَ: ((همُ الصائمونَ))(٣). ٢ (١) الرهابين: جمع راهب، والمشهور رهباني، وقيل: الرهابين جمع الجمع ، وهم عبَّاد النصارى ، والاسم : الرهبانية ، من الرهبة ، وهو الخوف ، وقد ترهب الراهب : انقطع للعبادة. ((إتحاف)) (٤/ ٤٤٢). (٢) رواه ابن المبارك في (( الجهاد)) (١٧) عن عمارة بن غزية مرسلاً، وروى أبو داوود (٢٤٨٦) عن أبي أمامة: أن رجلاً قال: يا رسول الله ؛ ائذن لي في السياحة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى))، وحديث التكبير على كل شرف رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤ ). (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٣٥/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٠٥/٤). ٢٣٤ ربع العبادات كتاب أسرار الحج فأنعمَ اللهُ عزَّ وجلَّ على هذهِ الأمةِ بأنْ جعلَ الحجَّ رهبانيةً لهُمْ ، فشرَّفَ البيتَ العتيقَ بالإضافةِ إلى نفسِهِ ونصبَهُ مقصداً لعبادِهِ ، وجعلَ ما حواليهِ حرماً لبيتِهِ تفخيماً لأمرِهِ ، وجعلَ عرفاتٍ كالميدانِ على فِناءِ حرمِهِ ، وأُكَّدَ حرمةَ الموضع بتحريمٍ صيدِهِ وشجرِهِ ، ووضعَهُ على مثالِ حضرةِ الملوكِ ، يقصدُهُ الزوَّارُ مِنْ كلِّ فجِّ عميقٍ ، ومِنْ كلِّ أَوْبٍ سحيقٍ ، شعثاً غبراً ، متواضعينَ لربِّ البيتِ ومستكينينَ لهُ؛ خضوعاً لجلالِهِ واستكانةً لعزَّتِهِ ، معَ الاعترافِ بتنزُّهِهِ عنْ أنْ يحويَهُ بيتٌ أوْ يكتنفَهُ بلدٌ ، ليكونَ ذلكَ أبلغَ في رقِّهِمْ وعبوديَّتِهِمْ، وأتمَّ في إذعانِهِمْ وانقيادِهِمْ، ولذلكَ وظَّفَ عليهِمْ فيها أعمالاً لا تأنسُ بها النفوسُ ، ولا تهتدي إلى معانيها العقولُ؛ كرمي الجمارِ بالأحجارِ ، والترُّدِ بينَ الصفا والمروةِ على سبيلِ التكرارِ . وبمثلِ هذهِ الأعمالِ يظهرُ كمالُ الرَقِّ والعبودِيَّةِ؛ فإنَّ الزكاةَ إرفاقٌ (١)، ووجهُهُ مفهومٌ ، وللعقلِ إليهِ ميلٌ ، والصومُ كسرٌ للشهوةِ التي هيَ آلةُ عدوٌّ اللهِ ، وتفرٌُّ للعبادةِ بالكفِّ عنِ الشواغلِ، والركوعُ والسجودُ في الصلاةِ تواضعٌ للهِ عزَّ وجلَّ بأفعالٍ هيَ هيئةُ التواضع ، وللنفوسِ أنسٌ بتعظيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ . ٨ ---- فأمَّا تردُّداتُ السعي ورمي الجمارِ وأمثالِ هذهِ الأعمالِ .. فلا حظّ (١) أي : إنفاق فيه رفق وإشفاق . ١٫٠٠ ٢٣٥ كتاب أسرار الحج 02 ربع العبادات للنفوسِ فيها ، ولا أنسَ للطبع فيها ، ولا اهتداءَ للعقلِ إلى معانيها ، فلا يكونُ في الإقدام عليها باعثٌ إلا الأمرُ المجرَّدُ ، وقصدُ الامتثالِ للأمرِ مِنْ حيثُ إنَّهُ أمرٌ واجبٌ .. الاتباعُ فقط، وفيهِ عزْلُ العقلِ عنْ تصرُّفِهِ ، وصرفُ النفسِ والطبع عنْ محلِّ أنسِهِ ، فإنَّ كلَّ ما أدركَ العقلُ معناهُ .. مالَ الطبعُ إليهِ ميلاً ما ، فيكونُ ذلكَ الميلُ معيناً للأمرِ وباعثاً معهُ على الفعلِ ، فلا يكادُ يظهرُ بهِ كمالُ الرِّقِّ والانقيادِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الحجِّ على الخصوصِ : ((لبيكَ بحجَّةٍ حقّاً، تعبِّداً ورِقاً))(١) ، ولمْ يقلْ ذلكَ في صلاةٍ ولا غيرِها . وإذا اقتضتْ حكمةُ اللهِ تعالى ربطَ نجاةِ الخلْقِ بأنْ تكونَ أعمالُهُمْ على خلافِ هوى طباعِهِمْ ، وأنْ يكونَ زمامُها بيدِ الشرع ، فيتردّدونَ في أعمالِهِمْ على سننِ الانقيادِ ، وعلى مقتضى الاستعبادِ .. كانَ ما لا يُهتدى إلى معانيهِ أبلغَ أنواع التعبداتِ في تزكية النفوسِ ، وصرفِها عنْ مقتضى الطباع والأخلاقِ إلى مقتضى الاسترقاقِ ، وإذا تفطنتَ لهذا .. فهمتَ أنَّ تعجُّبَ النفوسِ مِنْ هذهِ الأفعالِ العجيبةِ مصدرُهُ الذهولُ عنْ أسرارِ التعبُّداتِ . ـكن كن وهذا القذْرُ كافٍ في تفهُّمِ أصلِ الحجِّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . كن ـكن (١) رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٦٢٤) وهو آخر كتابه ، والخطيب في ((تاريخ بغداد)﴾ (١٤ / ٢١٨). ٢٣٦ ٹن ے ربع العبادات كتاب أسرار الحج وأمَّا الشوقُ : فإنَّما ينبعثُ بعدَ الفهم والتحقُّقِ بأنَّ البيتَ بيتُ اللهِ عزّ وجلَّ، وأنَّهُ وُضِعَ على مثالِ حضرةِ الملوكِ ، فقاصدُهُ قاصدٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وزائرٌ لهُ ، وإنَّ مَنْ قصدَ البيتَ في الدنيا جديرٌ بألا تضيعَ زيارتُهُ ، فيرزقُ مقصودَ الزيارةِ في ميعادِهِ المضروبِ لهُ ، وهوَ النظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ في دارِ القرارِ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ العينَ القاصرةَ الفانيةَ في دارِ الدنيا لا تتهيّأْ لقَبولِ نورِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا تطيقُ احتمالَهُ ، ولا تستعدُّ للاكتحالِ بهِ لقصورِها، وإنَّها إنْ أُمدَّتْ في الدارِ الآخرةِ بالبقاءِ ، ونُزِّهَتْ عنْ أسبابِ التغيرِ والفناءِ .. استعدَّتْ للنظرِ والإبصارِ ، ولكنَّها بقصدِ البيتِ والنظرِ إليهِ تستحقُّ لقاءَ ربِّ البيتِ بحكْمِ الوعِدِ الكريمِ (١). حن 3 3 فالشوقُ إلى لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ يشوِّقُهُ إلى أسبابِ اللقاءِ لا محالةَ ، هذا معَ أنَّ المحبَّ مشتاقٌ إلى كلِّ ما لَهُ إلى محبوبِهِ إضافةٌ ، والبيتُ مضافٌ إلى اللهِ تعالى ، فبالحريِّ أنْ يشتاقَ إليهِ لمجرَّدِ هذهِ الإضافةِ ، فضلاً عنِ الطلبِ لنيلِ ما وعدَ عليهِ مِنَ الثوابِ الجزيلِ . (١) فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وفيها تقع المشاهدة ؛ إذ هي دار المشاهدة واللقاء، وروى عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤/٥): أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ، فرأى ركباً ، فقال : مَن الركْبُ ؟ فقال: قالوا : حاجِّين ، قال : ما أنهزكم غيره ثلاث مرات ؟ قالوا : لا ، قال : لو يعلم الركب بمن أناخوا .. لقرت أعينهم بالفضل بعد المغفرة. ((إتحاف)) (٤ /٤٤٥). ٢٣٧ ژں حن (@ كتاب أسرار الحج ربع العبادات ٤٦٠٠ وأمَّا العزمُ : فليعلمْ أنَّهُ بعزمِهِ قاصدٌ إلى مفارقةِ الأهلِ والوطنِ ، ومهاجرةِ الشهواتِ واللذاتِ ، متوجهاً إلى زيارةٍ بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ . فليعظّمْ في نفسِهِ قَدْرَ البيتِ ، وقَدْرَ ربِّ البيتِ ، وليعلمْ أنَّهُ عزمَ على أمرٍ رفيع شأنُهُ خطيرِ أمرُهُ ، وأنَّ مَنْ طلبَ عظيماً .. خاطرَ بعظيمٍ ، وليجعلْ عزمَهُ خالصاً لوجهِ اللهِ تعالى ، بعيداً عنْ شوائبِ الرياءِ والسمعةِ . وليتحقَّقْ أَنَّهُ لا يقبلُ مِنْ قصدِهِ وعملِهِ إلا الخالصُ ، وأنَّ مِنْ أفحشٍ الفواحشِ أنْ يقصدَ بيتَ الملكِ وحرمَهُ والمقصودُ غيرُهُ ، فليصحِّحْ معَ نفسِهِ العزمَ ، وتصحيحُهُ بإخلاصِهِ ، وإخلاصُهُ باجتنابِ كلِّ ما فيهِ رياءٌ وسمعةٌ ، وليحذرْ أنْ يستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هوَ خیرٌ . سبسـ وأمَّا قطعُ العلائقِ: فمعناهُ : ردُّ المظالمِ ، والتوبةُ الخالصةُ لله تعالى عن جملةِ المعاصي ، فكلُّ مظلمةٍ علاقةٌ ، وكلُّ علاقةٍ مثلُ غريم حاضرٍ متعلّقٍ بتلابيبهِ ينادي عليهِ ويقولُ لهُ : إلى أينَ تتوجَّهُ ؟ أتقصدُ بيتَ ملكِ الملوكِ وأنتَ مضيِّعٌ أمرَهُ في منزِلِكَ هذا ، ومستهينٌ بهِ ، ومهملٌ لهُ ؟ أوَلا تستحي مِنْ أنْ تقدمَ عليهِ قدومَ العبدِ العاصي فيردَّكَ ولا يقبلَكَ ؟! فإنْ كنتَ راغباً في قبولِ زيارتِكَ .. فنفُذْ أوامرَهُ، وردّ المظالمَ ، وتبْ إليهِ أوَّلاً مِنْ جميع المعاصي ، واقطعْ علاقةَ قلبِكَ عنِ الالتفاتِ إلى ما وراءَكَ؛ لتكونَ متوجِّهاً إليهِ بوجهِ قلبكَ كما أنَّكَ متوجّهٌ إلى بيتِهِ بوجهٍ ٢٣٨ ربع العبادات ٠١٠٠ كتاب أسرار الحج ظاهرِكَ، فإنْ لمْ تفعلْ ذلكَ .. لمْ يكنْ لكَ مِنْ سفرِكَ أوَّلاً إلا النصبُ والشقاءُ ، وآخراً إلا الطرْدُ والردُّ . وليقطع العلائقَ عنْ وطنِهِ قطعَ مَنِ انقلعَ عنهُ وقدَّرَ ألا يعودَ إليهِ ، وليكتبْ وصيّهُ لأهلِهِ وأولادِهِ ؛ فإنَّ المسافرَ ومالَهُ لعلى قَلَتٍ إلا ما وقى اللهُ تعالى(١) . وليتذكَّرْ عندَ قطعِهِ العلائقَ لسفرِ الحجِّ قطعَ العلائقِ لسفرِ الآخرةِ ؛ فإنَّ ذلكَ بينَ يديهِ على القربِ ، وما يقدِّمُهُ مِنْ هذا السفرِ طمعٌ في تيسيرِ ذلكَ السفرِ ، فهوَ المستقَرُّ وإليه المصيرُ ؛ فلا ينبغي أنْ يغفُلَ عنْ ذلكَ السفرِ عندَ الاستعدادِ لههذا السفرِ . وأمَّا الزادُ : فليطلبْهُ مِنْ موضع حلالٍ ، وإذا أحسَّ مِنْ نفسِهِ بالحرْصِ على استكثارِهِ ، وطلبٍ ما يبقى منهُ على طولِ السفرِ ولا يتغيَّرُ ولا يفسُدُ قبلَ بلوغ المقصِدِ .. فليتذكرْ أنَّ سفرَ الآخرةِ أطولُ مِنْ هذا السفرِ ، وأنَّ زادَهُ التقوى، وأنَّ ما عداهُ ممَّا يظنُّ أنَّهُ زادُهُ يتخلَّفُ عنهُ عندَ الموتِ ويخونُهُ ، فلا يبقى معهُ ؛ كالطعام الرطْبِ الذي يفسُدُ في أوَّلِ منازلِ السفرِ ، فيبقى وقتَ الحاجةِ متحيِّراً محتاجاً لا حيلةَ لهُ . (١) القلت: الهلاك، قال الجاحظ في ((البيان والتبيين)) (١٠٥/٢): (وقال أعرابي : إن المسافر ومتاعه لعلى قَلَتٍ إلا ما وقى الله ) ، فعبارة المصنف محكية كما ترى . ٢٣٩ كتاب أسرار الحج ـحن ربع العبادات 27. .25 فليحذرْ أنْ تكونَ أعمالُهُ التي هيَ زادُهُ إلى الآخرةِ لا تصحبُهُ بعدَ الموتِ ، بلْ يفسدُها شوائبُ الرياءِ وكدوراتُ التقصيرِ . وأمَّا الراحلةُ : إذا أحضرَها .. فليشكرِ اللهَ تعالى بقلبهِ على تسخيرِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى لهُ الدواَّ لتحمِلَ عنهُ الأذى، وتخفِّفَ عنهُ المشقَّةَ ، وليتذكرْ عندَهُ المركبَ الذي يركبُهُ إلى الدارِ الآخرةِ ، وهي الجَنازةُ التي يحمَلُ عليها ؛ فإنَّ أمرَ الحجِّ مِنْ وجهٍ يوازي أمرَ السفرِ إلى الآخرةِ . ولينظرْ : أيصلحُ سفرُهُ على هذا المركبِ لأنْ يكونَ زاداً لذلكَ السفرِ على ذلكَ المركبِ ؟ فما أقربَ ذلكَ منهُ ، وما يدريهِ لعلَّ الموتَ قريبٌ ، ويكونُ ركوبُهُ للجنازةِ قبلَ ركوبِهِ للجَمَّازةِ(١) ، فركوبُ الجنازةِ مقطوعٌ بهِ ، وتيشُّرُ أسبابِ السفرِ مشكوكٌ فيهِ ، فكيفَ يحتاطُ في أسبابِ السفرِ المشكوكِ فيهِ ويستظهرُ في زادِهِ وراحلتِهِ ويهملٌّ أمرَ السفرِ المستيقنِ ؟! ٤٠ حن حن وأمَّا شراءُ ثوبي الإحرام : فليتذكرْ عندَهُ الكفنَ ولفَّهُ فيهِ ؛ فإنَّهُ سيرتدي ويتَّزِرُ بثوبي الإحرامِ عندَ القربِ مِنْ بيتِ اللهِ تعالى ، وربما لا يتمُّ سفرُهُ إليهِ ، وأنَّهُ سيلقى اللهَ تعالى ملفوفاً في ثيابِ الكفنِ لا محالةً(٢). (١) يقال: ناقة جَمَّازةٌ؛ أي: تعدو الجمزى، وهو إسراعٌ في المشي، والجمز : السير بالجنائز كذلك . (٢) لما ورد: يحشر الميت في ثيابه، ولذلك أمر بتحسين الأكفان. ((إتحاف)) (٤٤٦/٤). حن ٢٤٠ تعـ