النص المفهرس

صفحات 201-220

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
ش
السابع ، وخطبةُ يوم عرفةَ ، وخطبةُ يوم النحرِ ، وخطبةُ يوم النفْرِ الأوَّلِ ،
وكلُّها عَقيبَ الزوالِ ، وكلُّها أَفرادٌ إلا خطبةَ يوم عرفةَ وخطبةَ يوم العيدِ ؛
فإنَّهُما خطبتانِ بينَهُما جلسةٌ .
ثمَّ إذا فرغَ مِنَ الطوافِ .. عادَ إلى منىّ للمبيتِ والرمي ، فيبيتُ تلكَ
الليلةَ بمنىٌ، وتسمَّى ليلةَ القَرِّ ؛ لأنَّ الناسَ في غدِها يقَرُّونَ بمنىَّ
ولا ينفرونَ .
فإذا أصبحَ اليومُ الثاني مِنَ العيدِ وزالتِ الشمسُ .. اغتسلَ للرمي ،
وقصدَ الجمرةَ الأولى التي تلي عرفةَ ، وهيَ على يمينِ الجادَّةِ ، ويرمي إليها
بسبع حصياتٍ ، فإذا تعدَّاها .. انحرفَ قليلاً عنْ يمينِ الجادَّةِ ، ووقفَ
مستقبلَ القبلةِ وحَمِد اللهَ تعالى، وهلَّلَ وَكَبَّرَ ، ودعا معَ حضورِ القلبِ
وخشوعِ الجوارحِ ، ووقفَ مستقبلَ القبلةِ قَدْرَ قراءة ( سورة البقرةِ ) مقبلاً
على الدعاءِ .
ثُمَّ يتقدَّمُ إلى الجمرةِ الوسطى ، ويرمي كما رمى الأُولى ، ويقفُ كما
وقفَ للأُولىُ .
ثُمَّ يتقدَّمُ إلى جمرة العقبةِ ويرمي سبعاً، ولا يعرِّجُ على شغلٍ ،
ولا يقفُ لدعاءٍ ، بلْ يرجعُ إلى منزِلِهِ ، ويبيتُ تلكَ الليلةَ بمنىٌ ، وتسمَّى
هذهِ الليلةُ ليلةَ النَّفَرِ الأوَّلِ .
ويصبحُ ، فإذا صلَّى الظهرَ في اليومِ الثاني مِنْ أيام التشريقِ .. رمىُ في
٢٠١
ئن
مدن
t
٦٠٠٠٠

كتاب أسرار الحج
١١٠٠
ربع العبادات
هذا اليوم إحدى وعشرينَ حصاةٌ كاليوم الذي قبلَهُ ، ثمَّ هوَ مخيّرٌ بينَ المُقامِ
بمنىّ وبينَ العودِ إلى مكَّةَ، فإنْ خرِجَ مِنْ منىّ قبلَ غروبِ الشمسِ .. فلا
شيءَ عليهِ ، وإنْ صبرَ إلى الليلِ .. فلا يجوزُ لهُ الخروجُ ، بلْ يلزمُهُ المبيتُ
حتَّى يرميَ في يومِ النَّفَرِ الثاني إحدى وعشرينَ حصاةً كما سبقَ .
وفي تركِ المبيتِ والرمي إراقةُ دمٍ، وليتصدَّقْ باللحمِ (١)، ولهُ أنْ يزورَ
البيتَ في ليالي منىً، بشرطِ ألا يبيتَ إلا بمنىٌ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ يفعلُ ذلكَ (٢) ، ولا يتركنْ حضورَ الفرائضِ معَ الإمامِ في مسجدٍ
الخَيْفِ ؛ فإنَّ فضلَهُ عظيمٌ، فإذا أفاضَ مِنْ منىّ .. فالأَوْلى أنْ يقيمَ
بالمُحَصَّبِ مِنْ منىٌ ، ويصليَ العصرَ والمغربَ والعشاءَ ، ويرقدّ رقدةً ، فهوَ
السنَّةُ، رواهُ جماعةٌ مِنَ الصحابةِ(٣) فإنْ لمْ يفعلْ ذلكَ .. فلا شيءَ عليهِ .
(١) فلا يجور له الأكل منه ؛ لأنه دم واجب .
(٢) روى ذلك ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ١٤٤٩٢)، وأبو داوود في ((المراسيل)»
( ١٥١ ) .
(٣) رواه البخاري (١٧٦٩) وزاد صلاة الظهر، وهو كذلك عند أبي داوود ( ٢٠١٣)،
وقول المصنف : ( رُوِيّ ذلك عن جماعة من الصحابة ) فالمراد بهم : أبو بكر وعمر
وابن عمر كما في (( صحيح مسلم)) (١٣١١)، وعثمان كما عند الترمذي ( ٩٢١)،
وابن ماجه ( ٣٠٦٩)، وقد رُوي إنكاره عن عائشة وابن عباس وطاووس ومجاهد
وسعيد بن جبير، والله أعلم. ((إتحاف)) (٤٠٦/٤).
٢٠٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
الجملة الثامنة: فى صفة العمرة وما بعدها إلى طواف الوداع
مَنْ أرادَ أنْ يعتمرَ بعدَ حجِّهِ أوْ قبلَهُ كيفما أرادَ .. فليغتسلْ ، وليلبسْ
ثيابَ الإحرامِ كما سبقَ في الحجِّ ، ويحرم بالعمرةِ مِنْ ميقاتِها .
وأفضلُ مواقيتِها : الجِعْرَانةُ ، ثمَّ التنعيمُ، ثمَّ الحديبيةُ.
وينوي العمرةَ ويلِّي، ويقصدُ مسجدَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا ، ويصلّ
ركعتينٍ ويدعو بما شاءَ ، ثمَّ يعودُ إلى مكَّةَ وهوَ يلِّي حتَّى يدخلَ المسجدَ
الحرامَ ، فإذا دخلَ المسجدَ .. تركَ التلبيةَ، وطافَ سبعاً ، وسعى سبعاً كما
وصفناهُ ، فإذا فرغَ .. حلقَ رأسَهُ وقدْ تمَّتْ عمرتُهُ .
والمقيمُ بمكَّةَ ينبغي أنْ يكثرَ الاعتمارَ والطوافَ ، وليكثرِ النظرَ إلى
البيتِ، فإذا دخلَهُ .. فليصلِّ ركعتينِ بينَ العمودينِ، فهوَ الأفضلُ،
وليدخلْهُ حافياً موقِّراً، قيلَ لبعضِهِمْ: هلْ دخلتَ بيتَ ربِّكَ اليومَ ؟ فقالَ :
واللهِ ؛ ما أرى هاتينِ القدمينِ أهلاً للطوافِ حولَ بيتِ ربِّي ، فكيفَ أراهما
أهلاً لأنْ أطأَ بهما بيتَ ربِّي وقدْ علمتُ حيثُ مشتا ، وإلى أينَ مشتا؟!(١).
وليكثرْ شربَ ماءِ زمزمَ ، وليستقِ بيدِهِ مِنْ غيرِ استنابةٍ إِنْ أمكنَهُ ، ولیرتوِ
منهُ حتَّى يتضلَّعَ ، وليقلْ: ( اللهمَّ؛ اجعلْهُ شفاءَ مِنْ كلِّ داءٍ وسقمٍ ،
.5
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٠/٨) عن وهيب بن الورد ، عن امرأة قالت ذلك .
٢٠٣
ترب
حن
...
٠٠

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
+ے
وارزقني الإخلاصَ واليقينَ والمعافاةَ في الدنيا والآخرةِ)(١).
٤١٠٠
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ماءُ زمزمَ لما شربَ لهُ)) أي : يشفي
ما قصدَ بهِ (٢) .
(١) روى عبد الرزاق في ((المصنف)) (١١٣)، والدارقطني في ((سننه)) (٢٨٨/٢) عن
عكرمة قال : ( كان ابن عباس إذا شرب من زمزم .. قال : اللهم ؛ إني أسألك علماً
نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاء من كل داء ) .
وروى ابن ماجه (٣٠٦١) عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال : ( كنت عند ابن عباس
جالساً ، فجاءه رجل ، فقال : من أين جئت ؟ قال : من زمزم ، قال : فشربت منها
كما ينبغي ؟ قال : وكيف ؟ قال: إذا شربت منها .. فاستقبل القبلة ، واذكر اسم الله ،
وتنفس ثلاثاً ، وتضلع منها - والتضلع : الامتلاء حتى تمتد الأضلاع - فإذا فرغت ..
فاحمد الله عز وجل ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن آية ما بيننا وبين
المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم » ) .
وفي ((البخاري)) (٥٦١٧)، و((مسلم)) (٢٠٢٧): ( أنه صلى الله عليه وسلم شرب
من زمزم قائماً ) .
(٢) رواه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وقول المصنف: ( يشفي ما قصد به ) ليس تخصيصاً ، فقد
روى الدارقطني في «سننه)) (٣٨٩/٢) مرفوعاً: « ماء زمزم لما شرب له ؛ إن شربته
تستشفي به .. شفاك الله، وإن شربته لشبعك .. أشبعك الله به ، وإن شربته ليقطع ظمأك ..
قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل))، وروى الدينوري في (( المجالسة))
(ص٨٦) عن الحميدي قال : ( كنا عند سفيان بن عيينة ، فحدثنا بحديث زمزم أنه لما
شرب له ، فقام رجل من المجلس ثم عاد ، فقال له : يا أبا محمد ؛ أليس الحديث صحيحاً
الذي حدثتنا به في زمزم أنه لما شرب له ؟ فقال سفيان : نعم ، فقال الرجل : فإني قد
شربت الآن دلواً من زمزم على أنك تحدثني بمئة حديث - وعند ابن عساكر في « تاريخ
دمشق )) ( ٣٠٨/٤٥): بمئتي حديث - فقال سفيان : اقعد ، فحدثه بمئة حديث ) .
٢٠٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
الجملة التاسعة: في طواف الوداع
مهما عنَّ لهُ الرجوعُ إلى الوطنِ بعدَ الفراغِ مِنْ إتمامِ الحجِّ
والعمرةِ .. فلينجزْ أَوَّلاً أشغالَهُ، وليشدَّ رحالَهُ، وليجعلْ آخرَ أشغالِهِ وداعً
البيتِ ، ووداعُهُ بأنْ يطوفَ بهِ سبعاً كما سبقَ ، ولكنْ مِنْ غيرِ رَمَلٍ
واضطباع .
ے
فإذا فرغَ منهُ .. صلَّى ركعتينِ خلفَ المقامِ، وشربَ مِنْ ماءِ زمزمَ ،
ثمَّ يأتي الملتزمَ، ويدعو ويتضرَّعُ، ويقولُ: ( اللهمَّ ؛ البيتُ بيتُكَ ،
والعبدُ عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أمتِكَ ، حملتَنَي على ما سخرتَ لي مِنْ
خلقِكَ حتَّى سيرتَنَي في بلادِكَ ، وبلغتَنَي بنعمتِكَ حتَّى أعنتَني على قضاءِ
مناسكِكَ ، فإنْ كنتَ رضيتَ عنِّي .. فازددْ عنِّي رضاً، وإلا .. فمُنَّ الآنَ
قبلَ تباعدي عنْ بيتِكَ (١) ، هذا أوانُ انصرافي إنْ أذنتَ لي غيرَ مستبدِلٍ
بكَ ولا ببيتِكَ ، ولا راغبٍ عنْكَ ولا عنْ بيتِكَ ، اللهمَّ ؛ أصحبني العافيةَ
في بدني ، والعصمةَ في ديني ، وأحسنْ منقلبي ، وارزقني طاعتَكَ
ما أبقيتَي ، واجمعْ لي خيرَ الدنيا والآخرةِ ؛ إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ،
اللهمَّ؛ لا تجعلْ هذا آخرَ عهدي ببيتِكَ الحرام ، وإنْ جعلتَهُ آخرَ
. :
د ..
سلااســ
(١) ذكر الإمام النووي رحمه الله في قوله: (فمن الآن) ثلاثة أوجه: فمُنَّ الآنَ، فمِنَ
الآنَ، فمِنِ الآنَ، ورجح الأول. انظر ((المجموع)) (١٨٩/٨).
٢٠٥

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
عهدي .. فعوضني عنهُ الجنَّةَ)(١).
٥٠
والأحبُّ : ألا يصرفَ بصرَهُ عنِ البيتِ حتَّى يغيبَ عنهُ .
(١) روى هذا الدعاء البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٤/٥) عن الإمام الشافعي رضي الله
تعالى عنه وفيه : ( أحب له إذا ودع البيت ... ) .
٢٠٦

ر ::·
ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
قبع
الجملة العاشرة: في زيارة المدينة وآدابها
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ زارني بعدَ وفاتي .. فكأنَّما
زارني في حياتي)» (١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ وجدَ سعةً ولمْ يفدْ إليَّ .. فقدْ
جفاني))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ جاءَني زائراً لا يهمُّهُ إلا زيارتي ..
كانَ حقّاً على اللهِ سبحانَهُ أنْ أكونَ لهُ شفيعاً))(٣).
فمنْ قصدَ زيارةَ المدينةِ .. فليصلِّ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
في طريقِهِ كثيراً .
فإذا وقعَ بصرُهُ على حيطانِ المدينةِ وأشجارها .. قالَ: ( اللهمَّ؛ هذا
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٩، ٣٤٠٠)، والدارقطني في ((سننه))
(٢٧٨/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٦/٥)، وانظر (( شفاء السقام))
(ص٣٢) .
(٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٤/٧)، والدارقطني في ((غرائب مالك))، وانظر
((شفاء السقام)) (ص ٢٧ ) .
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٩١/١٢)، وأبو نعيم في (( تاريخ أصبهان))
(١٩٠/٢)، وصححه سعيد بن السكن كما في ((شفاء السقام)) (ص١٦، ٢٠)،
والإمام تقي الدين السبكي جمع في (( شفائه)) من الأحاديث والأخبار في تأييد هذا
المعنى ما هو المغنى .
٢٠٧
'ر}

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
حرمُ رسولِكَ ، فاجعلْهُ لي وقايةٌ مِنَ النارِ ، وأماناً مِنَ العذابِ وسوءِ
الحسابِ ) .
وليغتسلْ قبلَ الدخولِ مِنْ بئرِ الحَرَّةِ ، وليتطيّبْ ، وليلبسْ أفضلَ ثيابِهِ
وأنظفَها ، فإذا دخلَها .. فليدخلها متواضعاً معظَّماً، وليقلْ: ( باسمِ اللهِ
وعلىْ ملَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ربٍّ؛ أدخلني مُدْخَلَ صدْقٍ ،
وأخرجني مُخْرَجَ صدقٍ ، واجعلْ لي مِنْ لدنْكَ سُلطاناً نصيراً ) .
ثمَّ يقصدُ المسجدَ ويدخلُهُ(١)، ويصلِّي بجنْبِ المنبرِ ركعتينِ ، ويجعلُ
عمودَ المنبرِ حذاءَ مَنكِهِ الأيمنِ ، ويستقبلُ الساريةَ التي إلى جانبها
الصندوقُ ، وتكونُ الدائرةُ التي في قبلةِ المسجدِ بينَ عينيهِ ؛ فذلكَ موقفُ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبلَ أنْ يغيَّرَ المسجدُ ، وليجتهدْ أنْ يصلي في
مسجدِهِ الأوَّلِ قبلَ أنْ یزادَ فيهِ .
ثمَّ يأتي قبرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيقفُ عندَ وجهِهِ ، وذلكَ بأنْ
يستدبرَ القبلةَ ويستقبلَ جدارَ القبرِ على نحوٍ مِنْ أربعةِ أذرعٍ مِنَ الساريةِ التي في
زاويةٍ جدارِ القبرِ ، ويجعلُ القنديلَ على رأسِهِ (٢) ، وليسَ مِنَ السنَّةِ أَنْ يمسَّ
(١) من باب جبريل عليه السلام، مقدماً يمناه في الدخول، قائلاً: باسم الله ، اللهم ، رب
محمد ؛ صلِّ على محمد، ربءٌ؛ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. ((إتحاف))
( ٤ / ٤١٧ ) .
(٢) كذا رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨٧١) عن ابن أبي مليكة ، واليوم ثَمَّ الشباك الذي
هو في المواجهة الشريفة .
٢٠٨

ربع العبادات
٦ بي.
كتاب أسرار الحج
الجدارَ ، ولا أنْ يقبّلَهُ(١)، بلِ الوقوفُ مِنْ بعدٍ أقربُ إلى الاحترام ، فيقفُ
ويقولُ : ( السلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ اللهِ ، السلامُ
عليكَ يا أمينَ اللهِ ، السلامُ عليكَ يا حبيبَ اللهِ ، السلامُ عليكَ يا صفوةَ اللهِ ،
(١) فقد روى ابن عاصم الأصبهاني في (( جزئه)) (٢٧) عن نافع: ( أن ابن عمر رضي الله
عنهما كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ) .
قال الحافظ الذهبي في ((معجم الشيوخ)) (٧٣/١) معلقاً على هذه الرواية بعدما رواها
من طريق أحمد بن عبد المنعم القزويني : ( قلت : كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب ، وقد
سئل أحمد ابن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله .. فلم يرّ بذلك بأساً ، رواه عنه ولده
عبد الله بن أحمد ، فإن قيل : فهلا فعل ذلك الصحابة ؟ قيل: لأنهم عاينوه حياً وتملَّوا
به ، وقيّلُوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوئه ، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج
الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، ونحن فلمًّا
لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر .. ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام
والتقبيل ، ألا ترى فعل ثابت البناني ؛ كان يقبّل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه
ويقول : يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمور لا يحركها من
المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد
من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها ، بل خلْقٌ من
المؤمنين يحبون أبا بكر وعمر أكثر من حب أنفسهم ، حكى لنا جندار أنه كان بجبل
البقاع ، فسمع رجلاً سب أبا بكر ، فسلَّ سيفه وضرب عنقه ، ولو كان سمعه يسبه أو
يسب أباه .. لما استباح دمه ، ألا ترى الصحابة في فرط حبهم للنبي صلى الله عليه
وسلم قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: ((لا))، فلو أذن لهم .. لسجدوا له سجود إجلال
وتوقير ، لا سجود عبادة ؛ كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف ، وكذلك
القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم
والتبجيل لا يكفّر به أصلاً بل يكون عاصياً ، فليعرف أن هذا منهي عنه ، وكذلك
الصلاة إلى القبر)، وله كذلك نحو هذا في (( سير أعلام النبلاء)) (٤٢/٤)
و(١١ / ٢١٢) .
دير مـ
٢٦٠
٢٠٩

كتاب أسرار الحج
٢٤
ربع العبادات
السلامُ عليكَ يا خيرةَ اللهِ ، السلامُ عليكَ يا أحمدُ ، السلامُ عليكَ
يا محمدُ ، السلامُ عليكَ يا أبا القاسمِ ، السلامُ عليكَ يا ماحي، السلامُ
عليكَ يا عاقبُ ، السلامُ عليكَ يا حاشرُ ، السلامُ عليكَ يا بشيرُ ، السلامُ
عليكَ يا نذيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليكَ يا طاهرُ ، السلامُ
عليكَ يا أكرمَ ولدِ آدَمَ ، السلامُ عليكَ يا سيِّدَ المرسلينَ ، السلامُ عليكَ
يا خاتم النبيينَ ، السلامُ عليكَ يا رسولَ ربِّ العالمينَ، السلامُ عليكَ يا قائدَ
الخيرِ ، السلامُ عليكَ يا فاتحَ البِرّ (١)، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ ، السلامُ
عليكَ يا هاديَ الأمَّةِ ، السلامُ عليكَ يا قائدَ الغرِّ المحجلينَ .
٤٫
السلامُ عليكَ وعلى أهلِ بيتِكَ الذينَ أذهبَ اللهُ عنهمُ الرجسَ وطَهَّرَهُم
تطهيراً .
السلامُ عليكَ وعلى أصحابِكَ الطيبينَ وعلى أزواجِكَ الطاهراتِ أمهاتٍ
المؤمنينَ .
جزاكَ اللهُ عنَّا أفضلَ ما جزى نبيّاً عنْ قومِهِ ، ورسولاً عنْ أمَّتِهِ ، وصلَّى
عليكَ كلَّما ذكرَكَ الذاكرونَ، وكلَّما غفلَ عنكَ الغافلونَ وصلَّى عليكَ في
الأوَّلينَ والآخرينَ أفضلَ وأكملَ وأعلى وأجلَّ وأطيبَ وأطهرَ ما صلَّى على
أحدٍ مِنْ خلقِهِ ، كما استنقذَنا بكَ مِنَ الضلالةِ، وبصَّرَنا بكَ مِنَ العَمايةِ(٢)،
وهدانا بكَ مِنَ الجهالةِ .
(١) بالكسر، وهو الخير والفضل؛ أي: فاتح أبوابه ومقرب أسبابه. «إتحاف)» (٤١٨/٤).
(٢) استنقذنا: خلصنا، والعماية: الغواية، والحيرة ، والظلمة.
٢١٠

ربع العبادات
0:
كتاب أسرار الحج
أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّكَ عبدُهُ ورسولُهُ ،
وأمينُهُ وصفيُّهُ ، وخيرتُهُ مِنْ خلقِهِ ، وأشهدُ أنَّكَ قدْ بلغتَ الرسالةَ ، وأديتَ
الأمانةَ ، ونصحتَ الأمَّةَ، وجاهدْتَ عدوَّكَ، وهديتَ أمَّتَكَ ، وعبدتَ ربَّكَ
حتَّى أتاكَ اليقينُ ، فصلَّى اللهُ عليكَ وعلى أهلِ بيتِكَ الطيبينَ ، وسلَّمَ وكرَّمَ
وشرَّفَ وعظّمَ ) .
وإنْ كانَ قدْ أوصيَ بتبليغ سلام(١) .. فيقولُ: ( السلامُ عليكَ مِنْ
فلانٍ ، السلامُ عليكَ مِنْ فلانٍ ) .
شمالة
ثُمَّ يتأخّرُ قَدْرَ ذراعٍ ، ويسلِّمُ على أبي بكرِ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ ؛ لأنَّ
رأسَهُ عندَ مَنْكِبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ورأسُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ
عندَ منكبٍ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ(٢) . ثمَّ يتأخرُ قدْرَ ذراع، ويسلِّمُ على
الفاروقِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ، ويقولُ : ( السلامُ عليكما يا وزيري رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والمعاونينِ لهُ على القيامِ بالدِّينِ ما دامَ حيّاً ،
والقائمينِ في أمَّتِهِ بعدَهُ بأمورِ الدينِ ، تتبعانِ في ذلكَ آثارَهُ ، وتعملانِ
بستَتِهِ ، فجزاكُما اللهُ خيرَ ما جزى وزراءَ نبيٍّ عنْ دِينِهِ ) .
ثُمَّ يرجعُ ، فيقفُ عندَ رأسِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ القبرِ
(١) وهذه الوصاية بإبلاغه صلى الله عليه وسلم السلام من فعل السلف ، وقد روى البيهقي
في ((الشعب)) (٣٨٦٩) عن حاتم بن وردان قال : ( كان عمر بن عبد العزيز يوجه
بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرىء عنه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ) .
(٢) نقل ذلك أبو زرعة كما في ((الشعب)) (٣٨٧٥).
٢١١
-

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
والأُسطوانَةِ اليومَ ، ويستقبلُ القبلةَ ، وليحمدِ اللهَ عزَّ وجلَّ ، وليمجدْهُ ،
وليكثرْ مِنَ الصلاةِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثُمَّ يقولُ :
( اللهمَّ، إنَّكَ قدْ قلتَ وقولُكَ الحقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ
جَاءُ وَكَ فَأَسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾.
اللهمَّ؛ إنَّا قدْ سمعْنا قولَكَ، وأطعْنا أمرَكَ، وقصدنا نبيَّكَ، مستشفعينَ
بهِ إليكَ في ذنوبِنا وما أثقلَ ظهورَنا مِنْ أوزارِنا ، تائبينَ مِنْ زللِنا ، معترفينَ
بخطايانا وتقصيرِنا، فتبِ اللهمَّ علينا، وشفِّعْ نبيَّكَ هذا فينا(١) ، وارفعْنا
بمنزلتِهِ عندَكَ وحقُّهِ عليكَ .
اللهمَّ ؛ اغفرْ للمهاجرينَ والأنصارِ ، واغفر لنا ولإخوانِنا الذينَ سبقونا
بالإيمانِ .
٨٥٠
اللهمَّ ؛ لا تجعلُهُ آخرَ العهدِ مِنْ قبرِ نبيِّكَ ومِنْ حرمِكَ ، يا أرحمَ
الراحمينَ )(٢).
ثُمَّ يأتي الروضةَ، فيصلِّي فيها ركعتين ، ويكثرُ مِنَ الدعاءِ
ما استطاعَ ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما بينَ قبري ومنبري روضةٌ
(١) ويشير بذلك إلى حضرته صلى الله عليه وسلم بالتفات وجهه إليه. ((إتحاف))
( ٤ / ٤٢٢ ) .
(٢) وإن لم يستحضر هذا الدعاء .. فليدع بما أحب وألهمه الله على لسانه وقلبه .
((إتحاف)) ( ٤ / ٤٢٢ ) .
٢١٢

ربع العبادات
:٠
كتاب أسرار الحج
مِنْ رياضِ الجنَّةِ ، ومنبري على حوضي))(١).
ويدعو عندَ المنبرِ ، ويستحبُّ أنْ يضعَ يدَهُ على الرمَّانَةِ السفلى التي كانَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يضعُ يدهُ عليها عندَ الخطبةِ(٢).
ويستحبُّ لهُ أنْ يأتيَ أُحُداً يومَ الخميسِ(٣) ، ويزورَ قبورَ الشهداءِ،
فيصلِّي الغداةَ في مسجدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ يخرجُ ويعودُ إلى
المسجدِ لصلاةِ الظهرِ ، فلا تفوتُهُ فريضةٌ في الجماعةِ في مسجدِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
ويستحبُّ أنْ يخرجَ كلَّ يومٍ إلى البقيعِ بعدَ السلام على رسولِ اللهِ
(١) رواه البخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١)، وفيهما: ( بيتي ) بدل ( قبري ) ، وبيته
صلى الله عليه وسلم هو قبره ، وجاء التصريح بلفظ : ( قبري ) عند أحمد في
((المسند)) (٦٤/٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (٦١٤)، والبيهقي في («السنن
الكبرى)) (٢٤٦/٥ ).
(٢) تأسياً بفعل السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، روى ابن سعد في (( طبقاته ))
(٢١٨/١) عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط قال: ( رأيت ناساً من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد .. أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر
بميامنهم ، ثم استقبلوا القبلة يدعون )، وروى ابن عساكر في (( تاريخ دمشق ))
(١٩٢/٥١) عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: (رأيت سعد بن أبي وقاص وابن عمر
يأخذان برمانة المنبر ثم ينصرفان ) .
(٣) لكون الوقعة كانت في يوم الخميس، أو لكونه يوم فراغ أهل المدينة من أشغالهم ، أو
للنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم - كما روى ذلك الطبراني في (( الأوسط)) ( ٤٨٢٦)
-: (( بورك لأمتي في غدوة الخميس))، أو لغير ذلك، وهذا إن اتفق الحاج والزائر ،
فإن لم يمكنه .. ففي أي يوم يتفق. ((إتحاف)) (٤٢٣/٤).
٢١٣

كتاب أسرار الحج
٢٠٠
ربع العبادات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) ، ويزورَ قبرَ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ، وقبرَ الحسنِ بنِ
عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما ، وفيهِ أيضاً قبرُ عليٍّ بنِ الحسينِ ، ومحمدِ بنِ عليٍّ،
وجعفرِ بنِ محمدٍ رضيَ اللهُ عنهُم أجمعينَ ، ويصليَ في مسجدٍ فاطمةً
رضيَ اللهُ عنها، ويزورَ قبرَ إبراهيمَ بنِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
وقبرَ صفيَّةَ عمَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فذلكَ كلُّهُ بالبقيعِ .
١٨٠٠
ويستحبُّ لهُ أنْ يأتيَ مسجدَ قُباءٍ في كلِّ سبتٍ ويصلِّيَ فيهِ ؛ لما رُوِيَ أَنَّ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: « مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ حتَّى يأتيَ مسجدَ
قباءَ ويصلِّي فيهِ .. كانَ لهُ عِدْلُّ عمرةٍ ))(٢).
ويأتي بئرَ أَرِيسِ ، ويقالُ : إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تفلَ فيها مِنْ
ريقِهِ(٣)، وهيَ عندَ المسجدِ، فيتوضَّأَ منها، ويشربُ مِنْ مائِها ، ويأتي
مسجدَ الفتحِ ، وهوَ على الخندقِ ، وكذا يأتي سائرَ المساجدِ والمشاهدِ .
(١) وقد جاء الأمر من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم بزيارة أهل البقيع والاستغفار
لهم ، كما في ((مسلم)) ( ٩٧٤ ) .
(٢) رواه النسائي (٣٧/٢)، وابن ماجه (١٤١٢).
(٣) كما روى ذلك البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٣٦/٦) عن يحيى بن سعيد عن أنس بن
مالك وقد سأل عن بئر بقباء فدُلَّ عليها فقال : ( لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على
حماره ، فينزح ، فنستخرجها له ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذَنوب -
دلوٍ - فسقي ، فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه ، ثم أمر به فأعيد في البئر ، قال : فما
نزحت بعدُ)، وقد بين الحافظ الشامي أنها هي بئر أريس في (( سبل الهدى والرشاد))
(٣٤٦/٧)، وأَرِيس: نسبة إلى رجل من يهود، وهو الفلاح بلغة أهل الشام ، ومنه
حديث: ((فإن عليك إثم الأريسيين))، وهي من أعذب آبار المدينة المنورة .
٤
٠٠٠: ١
٢١٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
ويقالُ : إنَّ جميعَ المشاهدِ والمساجدِ بالمدينةِ ثلاثونَ موضعاً ، يعرفُها
أهلُ البلدِ ، فيقصدُ ما قَدَرَ عليهِ ، وكذلكَ يقصدُ الآبارَ التي كانَ رسولُ الله
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتوضَّأُ منها ، ويغتسلُ ويشربُ منها ، وهي سبعُ
آبارِ(١)؛ طلباً للشفاءِ، وتبرُّكاً بهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
وإنْ أمكنَهُ الإقامةُ بالمدينةِ معَ مراعاةِ الحرمةِ .. فلها فضلٌ عظيمٌ ، قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا يصبر علىُ لأَوائِها وشدَّتِها أحدٌ إلا كنتُ لهُ شفيعاً
يومَ القيامةِ))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ استطاعَ أنْ يموتَ
(١) قال الحافظ الشامي في ((سبل الهدى والرشاد)) (٣٤٦ - ٣٦٠): (جملة الآبار التي ورد
شربه صلى الله عليه وسلم منها وبصقه فيها ودعاؤه بالبركة لها هي إحدى وعشرون بئراً ،
الذي اشتهر معرفته منها سبع)، قال الحافظ العراقي في ((المغني)): (وهي بئر
أريس، وبِيَرَحاء وقد تفصل لتصير : بير حاء ، وبثر رُومَة، وبئر غَرْس ، وبئر بُضاعة ،
وبئر البُصَة بتخفيف الصاد وتشديدها ، وبئر التُّقيا أو العهن أو بئر جمل ، تردد في
السابعة بين هذه الثلاثة ) .
فجاء ذكر بئر أريس في ((البخاري)) (٣٦٧٤)، و((مسلم)) ( ٢٤٠٣)، وبيرحاء
في ((البخاري)) (٤٥٥٥)، و((مسلم)) (٩٩٨) وهي بئر أبي طلحة رضي الله عنه ،
وبئر رومة في ((الترمذي)) (٣٦٩٩)، وبئر غَرْس في « ابن ماجه)) ( ١٤٦٨) إذا أوصى
صلى الله عليه وسلم أن يغسل إن مات بسبع قِرَب منها ، وبئر بضاعة في (( أبي داوود))
(٦٦)، و((الترمذي)) (٦٦)، و((النسائي)) (١٧٤/١)، وبئر البصة فانظر
((خلاصة الوفا)) (١٢٦/٢) إذ نسبه لابن عدي، وبئر القيا في (( أبي داوود))
(٣٧٣٥)، وبئر جمل في ((البخاري)) (٣٣٧)، و((مسلم)) (٣٦٩)، وبئر العهن
فقد ذهب السيد السمهودي إلى أنها هي بئر اليسيرة كما في (( خلاصة الوفا))
(١٣٨/٢، ١٤٢ ) .
٣٦٠٠٠
٦٠
٨٦,٠٠٠
C:
(٢) رواه مسلم ( ١٣٦٣) .
٢١٥

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
بالمدينةِ .. فليمتْ بها ؛ فإنَّهُ لنْ يموتَ بها أحدٌ إلا كنتُ لهُ شفيعاً أوْ شهيداً
يومَ القيامةِ))(١) .
ثمَّ إذا فرغَ مِنْ أشغالِهِ ، وعزمَ على الخروج مِنَ المدينةِ .. فالمستحبُّ
أنْ يأتيَ القبرَ الشريفَ، ويعيدَ دعاءَ الزيارةِ كما سبقَ ، ويودِّعَ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ويسألَ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يرزقَهُ العَوْدَ إليهِ، ويسألَ
السلامةَ في سفرِهِ ، ثمَّ يصلِّيَ ركعتينِ في الروضةِ الصغيرةِ ، وهيَ موضعُ
مقامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبلَ أنْ زيدتِ المقصورةُ في المسجدِ .
فإذا خرجَ .. فليُخْرِجْ رجَلَهُ اليسرى أوَّلاً، ثمَّ اليمنىُ، وليقلْ :
( اللهمَّ ؛ صلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ، ولا تجعلْهُ آخرَ العهدِ بنبيِّكَ،
وحطَّ أوزاري بزيارتِهِ ، وأصحبْني في سفري السلامةَ ، ويسِّرْ رجوعي إلى
أهلي ووطني سالماً ، يا أرحم الراحمينَ ) .
وليتصدَّقْ على جيرانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بما قَدَرَ عليهِ ،
وليتبَّع المساجدَ التي بينَ المدينةِ ومَكَّةً فيصلِّيَ فيها ، وهي عشرونَ
موضعاً(٢).
--
هري
(١) رواه الترمذي (٣٩١٧)، وابن ماجه ( ٣١١٢).
(٢) روى ذلك البخاري في (صحيحه)) ( ٤٨٣، ٤٨٤).
٢١٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
در
فَضْ
في سنن الرجوع من السفر
كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قفلَ مِنْ غزوٍ أوْ حجٍّ أوْ غيرِهِ ..
يكبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرضِ ثلاثَ تكبيراتٍ، ويقولُ: ((لا إلهَ إلا اللهُ
وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، آيبونَ
تائبونَ عابدونَ ساجدونَ لربِّنا حامدونَ، صدقَ اللهُ وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ ،
وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ)) (١)، وفي بعضٍ الرواياتِ: ((وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلا
وجهَهُ، لهُ الحكْمُ وإليه ترجعونَ )»(٢)، فينبغي أنْ يستعملَ هذهِ السنَّةَ في
رجوعه .
وإذا أشرفَ على مدينتِهِ .. يحرِّكُ الدابَّةَ ويقولُ: ( اللهمَّ؛ اجعلْ لنا
بها قراراً ورزقاً حسناً)(٣)، ثمَّ ليرسلْ إلى أهلِهِ مَنْ يخبرُهُمْ بقدومِهِ كي
لا يقدمَ عليهم بغتةً(٤)، فذلكَ هوَ السنَّةُ، ولا ينبغي أنْ يطرقَ أهلَهُ
(١) رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤ ).
(٢) رواه المحاملي في ((الدعاء)) ( ٧٧).
(٣) روى المحاملي في ((الدعاء)) (٩٥): أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من
أسفاره، فأشرف على المدينة .. يسرع السير ويقول: ((اللهم؛ اجعل لنا بها قراراً
ورزقاً حسناً )).
(٤) كما في ((البخاري)) (٥٠٧٩)، و((مسلم)) ( ١٨١/١٩٢٨) إذ قال صلى الله عليه
وسلم للركب : (( أمهلوا حتى ندخل ليلاً ؛ أي : عشاء ، كي تمتشط الشعثة وتستحد =
٢١٧
تر

كتاب أسرار الحج
٤٠
ربع العبادات
ليلاً(١) ، فإذا دخلَ البلدَ .. فليقصدِ المسجدَ أوَّلاً ، وليصلِّ ركعتينِ ، فهوَ
السنَّةُ ، كذلكَ كانَ يفعلُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢).
فإذا دخلَ بيتَهُ .. قالَ: ( توباً توباً، لربنا أوباً ، لا يغادِرُ علينا
خُوْباً)(٣).
مع
فإذا استقرَّ في منزلِهِ .. فلا ينبغي أنْ ينسى ما أنعمَ اللهُ بهِ عليهِ مِنْ زيارةٍ
بيتِهِ وحرمِهِ وقبرِ نبِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيكفرَ تلكَ النعمةَ بأنْ يعودَ إلى
الغفلةِ واللهوِ والخوضِ في المعاصي ، فما ذلكَ علامةَ الحجِّ المبرورِ ، بلْ
علامتُهُ أنْ يعودَ زاهداً في الدنيا ، راغباً في الآخرةِ ، متأهِّباً للقاءِ ربِّ البيتِ
بعدَ لقاءِ البيتِ .
= المغيبة)) ، فإعلام الأهل مفهوم من سياق الحديث .
(١) أي: بعد العشاء ، فلا يدخل حتى يحصل الإخبار لأهله بقدومه ، والليل مانع منه .
(٢) كما في (( البخاري)» (٤٤١٨)، و((مسلم)) (٧١٦).
(٣) رواه أحمد في « المسند)) (٢٥٥/١)، ومعنى ( لا يغادر) : لا يترك ، والحوب :
الإثم .
٢١٨
:٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
البَابُ الثَّالِثُ
في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة
بيان دقائق الآداب
وهيَ عشرة
الأوَّلُ : أنْ تكونَ النفقةُ حلالاً ، وتكونَ اليدُ خاليةٌ مِنْ تجارةٍ تشغَلُ
القلبَ وتفرِّقُ الهمَّ، حتَّى يكونَ الهمُّ مجرَّداً لله تعالى ، والقلبُ مطمئناً
منصرفاً إلى ذكْرِ اللهِ تعالى وتعظيمٍ شعائرِهِ .
وقدْ رُوِيَ في خبرٍ مِنْ طريقِ أهلِ البيتِ : (( إذا كانَ آخرُ الزمانِ .. خرجَ
الناسُ إلى الحجِّ أربعةَ أصنافٍ : سلاطينُهُمْ للنزهةِ، وأغنياؤُهُم للتجارةِ ،
وفقراؤُهُمْ للمسألةِ، وقراؤُهُمْ للسمعَةِ))(١).
وفي الخبرِ إشارةٌ إلى جملةِ أغراضِ الدنيا التي يتصوَّرُ أنْ تتصلَ بالحجِّ ،
وكلُّ ذلكَ ممَّا يمنعُ فضيلةَ الحجِّ ، ويخرجُهُ عنْ حيِّرِ حجِّ الخصوصِ ،
لا سيما إذا كانَ متَّجِراً بنفسِ الحجِّ ؛ بأنْ يحجّ لغيرِهِ بأجرةٍ ، فيطلبُ الدنيا
(١) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢٩٥/١٠) بنحوه، وأبو عثمان الصابوني في
((المئتين))، وساق سنده الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٤٣٢/٤)، ولفظ
المصنف من ((القوت)) (١١٧/٢)، وكذا سياق المصنف هنا .
٢١٩

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
بعمل الآخرةِ ، وقذْ كرهَ الورعونَ وأربابُ القلوب ذلكَ إلا أنْ يكونَ قصدُهُ
المُقامَ بمكَّةً ولمْ يكنْ لهُ ما يبلِّغُهُ، فلا بأسَ أنْ يأخذَ ذلكَ على هذا
القصدِ ، لا ليتوصلَ بالدِّينِ إلى الدنيا ، بلْ بالدنيا إلى الدينِ ، وعندَ ذلكَ
ينبغي أنْ يكونَ قصدُهُ زيارةَ بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ ومعاونةَ أخيهِ المسلمِ بإسقاطٍ
الفرضِ عنهُ، وفي مثلِه ينزَّلُ قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( يُدْخِلُ اللهُ سبحانَهُ بالحجَّةِ الواحدةِ ثلاثةً الجنةَ : الموصِي بها ، والمنفِذُ
لها ، ومَنْ حجّ بها عنْ أخيهِ»(١) .
ولستُ أقولُ: لا تحلُّ الأجرةُ، أَوْ يحرمُ ذلكَ بعدَ أنْ أسقطَ فرضَ
الإسلامِ عنْ نفسِهِ ، ولكنِ الأَوْلى ألا يفعلَ ، ولا يتخذَ ذلكَ مكسبَهُ
ومتجرَّهُ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يعطي الدنيا بالدينِ ، ولا يعطي الدينَ بالدنيا ،
وفي الخبرِ : (( مثلُ الذي يغزو في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ويأخذُ أجراً مثلُ أمّ
موسى عليه السلامُ، ترضعُ ولدَها وتأخذُ أجرَها)) (٢) .
فمَنْ كانَ مثالُهُ في أخذِ الأَجرةِ على الحجِّ مثالَ أمّ موسى .. فلا بأسَ
بأخذِهِ ؛ فإنَّهُ يأخذُ ليتمكَّنَ مِنَ الحجِّ والزيارةِ فيهِ ، وليسَ يحجُّ ليأخذَ
الأجرةَ ، بلْ يأخذُ الأجرةَ ليحجَّ ؛ كما كانتْ أمُّ موسى تأخذُ ليتيسَّرَ لها
الإرضاعُ بتلبيسِ حالِها عليهِمْ .
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٠/٥)، وفي ((الشعب)) (٣٨٢٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٨٨١)، وأبو داوود في ((المراسيل)) (٣١٨).
٢٢٠