النص المفهرس
صفحات 181-200
ربع العبادات كتاب أسرار الحج الجملة الخامسة: في التعي فإذا فرغَ مِنَ الطوافِ(١) . . فليخرجْ مِنْ بابِ الصفا، وهوَ في محاذاةِ الضلعِ الذي بينَ الركنِ اليماني والحجرِ ، فإذا خرجَ مِنْ ذلكَ البابِ ، وانتهى إلى الصفا وهوَ جبلٌ .. فيرقىْ فيهِ دَرَجاً في حضيضِ الجبلِ بقدْرِ قامةِ الرجلِ، رَقِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ حتَّى بدتْ لهُ الكعبةُ (٢)، وابتداءُ السعي مِنْ أصلِ الجبلِ كافٍ ، وهذهِ الزيادةُ مستحبةٌ ، ولكنْ بعضُ تلكَ الدَّرَج مستحدثةٌ ، فينبغي ألا يخلّفَها وراءَ ظهرِهِ ، فلا يكونُ متمِّماً للسعي، وإذا ابتدأَ مِنْ ههنا .. سعىُ بينَهُ وبينَ المروةِ سبعَ مرَّاتٍ . وعندَ رقيّهِ في الصفا ينبغي أنْ يُقْبِلَ على البيتِ ويقولَ: ( اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ ، الحمدُ للهِ على ما هدانا، الحمدُ للهِ بمحامِدِهِ كلّها على جميع نعمِهِ كلُّها ، لا إِلهَ إلا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ ، يحيي ويميتُ ، بيدِهِ الخيرُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ ، صدقَ وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ، وأعزَّ جندَهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ ، لا إلهَ إلا اللهُ مُخلصينَ لهُ الدِّينَ ولوْ كرِهَ الكافرونَ، لا إلهَ إلا اللهُ مخلصينَ لهُ الدينَ ، ٨٠٠٠ (١) أي: بعد صلاته ركعتين، واستلامه الحجر والركن، وشربه ماء زمزم. ((إتحاف)) (٤ /٣٦٠ ) . (٢) كما في ((مسلم)) (١٢١٨) ضمن حديث طويل. ١٨١ حن ! كتاب أسرار الحج ربع العبادات الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (٤): وَلَهُ اَلْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾: يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتٍ وَتُخْرِيُ الْمَّتَ مِنَ الْحَيّ وَيُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ لهُ: وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، اللهمَّ؛ إنِّي أسألُكَ إيماناً دائماً، ويقيناً صادقاً، وعلماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وأسألُكَ العفوَ والعافيةَ ، والمعافاةَ الدائمةَ في الدنيا والآخرةِ ) ، ويصلِّي على محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويدعو اللهَ بما شاءَ مِنْ حاجتِهِ عَقيبَ هذا الدعاءِ . ثمَّ ينزلُ ويبتدىُ السعيَ وهوَ يقولُ: ( ربِّ اغفرْ وارحمْ ، وتجاوزْ عمّا تعلمُ ، إنَّكَ أنتَ الأعزُّ الأكرمُ، ربَّنا؛ آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً ، وقنا عذابَ النارِ ) . ويمشي على هِينةٍ حتَّى ينتهيَ إلى الميلِ الأخضرِ ، وهوَ أوَّلُ ما يلقاهُ إذا نزلَ مِنَ الصفا وهوَ على زاويةِ المسجدِ الحرامِ، فإذا بقيَ بينَهُ وبينَ محاذاةٍ الميلِ ستةُ أذرعٍ .. أخذَ في السيرِ السريع - وهوَ الرَّمَلُ - حتَّى ينتهيَ إلى الميلينِ الأخضرينِ، ثُمَّ يعودُ إلى الهِينةِ. فإذا انتهى إلى المروةِ .. صعدَها كما صعدَ الصفا، وأقبلَ بوجههِ على الصفا، ودعا بمثلِ ذلكَ الدعاءِ ، وقدْ حصلَ السعيُّ مرَّةً واحدةً ، فإذا عادَ إلى الصفا .. حصلتْ مرَّتانٍ، يفعلُ ذلكَ سبعاً، ويرمُلُ في موضع الرَّمَلِ في كلِّ مرَّةٍ، ويسكُنُّ في موضع السكونِ كما سبقَ ، وفي كلِّ نوبةٍ يصعدُ الصفا والمروةَ . ١٨٢ حسن ربع العبادات كتاب أسرار الحج فإذا فعلَ ذلكَ .. فقدْ فرغٌ مِنْ طوافِ القدومِ والسعي ، وهما سنَّتَانِ ، والطهارةُ مستحبَّةٌ للسعي وليستْ بواجبةٍ ، بخلافِ الطوافِ . وإذا سعى .. فينبغي ألا يعيدَ السعيَ بعدَ الوقوفِ ، ويكتفي بهذا ركناً ؛ فإنَّهُ ليسَ مِنْ شرطِ السعي أنْ يتأخرَ عنِ الوقوفِ ، وإنَّما ذلكَ شرطٌ في طوافِ الركنِ . نعمْ ؛ شرطُ كلِّ سعي أنْ يقعَ بعدَ طوافٍ أيَّ طوافٍ كانَ . دے ١٨٣ كتاب أسرار الحج ربع العبادات تر الجملة السادسة: في الوقوف وما قبله الحاجُّ إذا انتهى يومَ عرفةَ إلى عرفاتٍ .. فلا يتفرَّغُ لطوافِ القدومِ ودخولٍ مَكَّةَ قبلَ الوقوفِ، وإذا وصلَ قبلَ ذلكَ بأيامٍ .. طافَ طوافَ القدوم ، فيمكثُ محرماً إلى اليوم السابع مِنْ ذي الحجَّةِ (١)، فيخطبُ الإمامُ بمَّةَ خطبةً بعدَ الظهرِ عندَ الكعبةِ ، ويأمرُ الناسَ بالاستعدادِ للخروجِ إلى منىً يومَ الترويةِ ، والمبيتِ بها ، وبالغدوِّ منها إلى عرفةَ لإقامةِ فرْضِ الوقوفِ بعدَ زوالِ الشمسِ ؛ إذْ وقتُ الوقوفِ مِنَ الزوالِ إلى طلوع الفجرِ الصادقِ مِنْ يومٍ النحرِ ، فينبغي أنْ يخرجَ إلى منىّ ملبِّياً ، ويُستحبُّ لهُ المشيُّ مِنْ مكّةَ في المناسكِ إلى انقضاءِ حجِّهِ إنْ قدَرَ عليهِ ، والمشيُّ مِنْ مسجدِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ إلى الموقفِ أفضلُ وآكدُ . فإذا انتهى إلى منىٌ .. قالَ: (اللهمَّ؛ هذهِ منىٌ، فامننْ عليَّ بما مننْتَ بهِ على أوليائِكَ وأهلِ طاعتِكَ ) ، وليمكثْ هذهِ الليلةَ بمنىٌ ، وهوَ مبيتُ منزلٍ لا يتعلَّقُ بهِ نسكٌ . مگ. ـكن فإذا أصبحَ يومَ عرفةً .. صلَّى الصبحَ، فإذا طلعتِ الشمسُ على ثَبِيرٍ (٢) . . سارَ إلى عرفاتٍ، ويقولُ: ( اللهمَّ؛ اجعلْها خيرَ غَدوةٍ غدوتُها (١) أي : إن لم يكن متمتعاً . (٢) تَبِير: اسم جيل بين مكة ومنىً، ويرى من منى، وهو على يمين الداخل منها إلى مكة. ((إتحاف)) ( ٣٦٦/٤) . ـض ٤٠ ١٨٤ ربع العبادات كتاب أسرار الحج حر قطُّ، وأقربَها مِنْ رضوانِكَ، وأبعدَها مِن سخطِكَ ، اللهمَّ ؛ إليكَ غدوتُ ، وإِيَّاكَ رجوتُ ، وعليكَ اعتمدتُ ، ووجهَكَ أردتُ ؛ فاجعلني ممَّنْ تَباهي بهِ ء اليومَ مَنْ هوَ خيرٌ مِنِّي وأفضلُ(١) . فإذا أتى عرفاتٍ .. فليضربْ خباءَهُ بنَمِرَةَ قريباً مِنَ المسجدِ ، فثمَّ ضربَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قُبُّهُ(٢) ، ونَمِرَةُ: هي بطنُ عُرَنَةَ(٣) ، دونَ الموقفٍ ودونَ عرفةَ . وليغتسلْ للوقوفِ ، فإذا زالتِ الشمسُ .. خطبَ الإمامُ خطبةٌ وجيزةً وقعدَ(٤)، وأخذَ المؤذِّنُ في الأذانِ والإمامُ في الخطبةِ الثانيةِ(٥) ، ووصلَ الإقامةَ بالأذانِ ، وفرغَ الإمامُ معَ تمامٍ إقامةِ المؤذِّنِ ، ثمَّ جمعَ بينَ الظهرِ والعصرِ بأذانٍ وإقامتينٍ ، وقصرَ الصلاةَ ، وراحَ إلى الموقفِ ، فليقفْ بعرفَةَ ، ولا يقفنْ في وادي عُرَنَّةً .. ٠٢٧ وأمَّا مسجدُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ .. فصدرُهُ في الوادي وأخرياتُهُ مِنْ (١) أراد الملائكة؛ ففي ((مسلم)) (١٣٤٨) مرفوعاً: (( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفةً ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء)). ٢٠٠٠ (٢) كما في حديث مسلم ( ١٢١٨) الذي مرَّ بعضه . (٣) مُرَنَة : واد بحذاء عرفات ، فهي ليست من الموقف. (٤) وهي الخطبة الأولى . (٥) هذه الثانية تكون مع الأذان، وتنتهي بانتهاء إقامة المؤذن للصلاة. انظر (( الخلاصة)) ( ص ٢٣٤ ) . ١٨٥ كتاب أسرار الحج ربع العبادات عرفةَ ، فمَنْ وقفَ في صدْرِ المسجدِ .. لمْ يحصلْ لهُ الوقوفُ بعرفةَ ، ويتميَّزُ مكانُ عرفةَ مِنَ المسجدِ بصخَراتٍ كبارِ فرشتْ ثَمَّ ، والأفضلُ أنْ يقفَ عندَ الصخَراتِ بقربِ الإمامِ مستقبلاً للقبلةِ راكباً . وليكثرْ مِنْ أنواع التحميدِ والتسبيحِ والتهليلِ والثناءِ على اللهِ عزَّ وجلَّ ، والدعاءِ والتوبةِ(١) ، ولا يصومُ في هذا اليوم ؛ ليقوى على المواظبة على الدعاءِ ، ولا يقطعُ التلبيةَ يومَ عرفةَ ، بلِ الأحبُّ أنْ يلبِّيَ تارةً ، ويكبَّ على الدعاءِ أخرى . وينبغي ألا ينفصلَ مِنْ طرفِ عرفةَ إلا بعدَ الغروبِ ؛ ليجمعَ في عرفةَ بينَ لليلِ والنهارِ ، وإنْ أمكنَهُ الوقوفُ يومَ الثامنِ ساعةً عندَ إمكانِ الغلطِ في الهلالِ .. فهوَ الحزمُ ، وبهِ الأمنُ مِنَ الفواتِ . ومَنْ فاتَهُ الوقوفُ حتَّى طلعَ الفجرُ يومَ النحرِ .. فقدْ فاتَهُ الحجُّ، فعليهِ أنْ يتحلَّلَ عنْ إحرامِهِ بأعمالٍ العمرةِ ، ثمَّ يريقَ دماً لأجلِ الفواتِ ، ثمَّ يقضيَ العامَ الآتيَ . وليكنْ أهمَّ أشغالِهِ في هذا اليوم الدعاءُ ؛ ففي مثلِ تلكَ البقعةِ ومثلٍ ذلكَ الجمعِ تُرجى إجابةُ الدعواتِ (٢). ٢٠ ٤٠ (١) والتضرع والابتهال والبكاء ، وهنالك تسكب العبرات ، وتستقال العثرات ، وتنجح الطلبات ، فقد ثبت - كما روى الطبراني في (( المعجم الأوسط)) (٢٩١٣) - عن ابن عباس قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة بالموقف ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين ). انظر ((الإتحاف)) (٣٧١/٤) . (٢) حيث يجتمع في هذا المكان المبارك خيارُ عباد الله، ومن لا يشقى بهم جليسهم من أولياء الله، وببركاتهم وأسرارهم ترجى إجابة الدعوات. انظر ((الإتحاف)) (٣٧٣/٤). ١٨٦ ربع العبادات كتاب أسرار الحج والدعاءُ المأثورُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعنِ السلفِ في يوم عرفةَ أولى ما يدعو بهِ ، فليقلْ : لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويميتُ، وهوَ حيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ الخيرُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ(١). المسـ اللهمَّ ؛ اجعل في قلبي نوراً ، وفي سمعي نوراً ، وفي بصري نوراً ، وفي لساني نوراً، اللهمَّ؛ اشرح لي صدري ، ويسِّرْ لي أمرِي(٢). وليقلْ : اللهمَّ، رَ الحمدِ ؛ لكَ الحمدُ كما نقولُ، وخيراً ممّا نقولُ، لكَ صلاتي ونسكي ، ومحيايَ ومماتي ، وإليكَ مَآبي ، وإليكَ ثوابي ، اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ وساوسِ الصدرِ ، وشتاتِ الأمرِ ، وعذابٍ القبرِ ، اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ شرِّ ما يلجُ في الليلِ ، ومِنْ شرِّ ما يلجُ في النهارِ ، ومِنْ شرِّ ما تهبُّ بهِ الرياحُ، ومِنْ شرِّ بوائقِ الدهرِ(٣). (١) رواه الترمذي (٣٥٨٥) مرفوعاً بلفظ: (( خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير))، وإلى قوله: ((لا شريك له)) عند مالك في ((الموطأ)) (١/ ٤٢٢) مرسلاً، وهو بتمامه من رواية ابن بكار البصري كما في (( جمهرة الأجزاء الحديثية)) ( ص ١٦٨) من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة . (٢) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (١١٧/٥) موصولاً ببعض الدعاء السابق ، من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة . (٣) رواه الترمذي (٣٥٣٠) بنحوه، وبعضه بعض حديث البيهقي المتقدم ، من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وقوله : ( ثوابي ) من الثَّوْب ؛ أي : رجوعي ، أو هو على ظاهره . ٢٠٠٠ ٢٠٠ ـكة® ١٨٧ ن= كتاب أسرار الحج ربع العبادات اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ تحوُّلِ عافيتِكَ، وفجأةٍ نقمتِكَ، وجميع سخطِكَ(١). اللهمَّ ؛ اهدني بالهدى ، واغفرْ لي في الآخرةِ والأولى(٢)، يا خيرٌ مقصودٍ ، وأيسرَ منزولٍ عليهِ ، وأكرمَ مسؤولٍ ما لديهِ ؛ أعطني العشيَّةَ أفضلَ ما تعطي أحداً مِنْ خلقِكَ وحجَّاج بيتِكَ ، يا أرحم الراحمينَ ، اللهمَّ ؛ يا رفيعَ الدرجاتِ ، ومنزِّلَ البركاتِ ، ويا فاطرَ الأرضينَ والسماواتِ ؛ ضَجَّتْ إليكَ الأصواتُ بصنوفِ اللغاتِ يسألُونَكَ الحاجاتِ ، وحاجتي إليكَ ألا تنساني في دارِ البِلى إذا نسيني أهلُ الدنيا(٣). اللهمَّ ؛ إنَّكَ تسمعُ كلامي ، وترى مكاني ، وتعلمُ سرِّي وعلانيتي ، ولا يخفى عليكَ شيءٌ مِنْ أمري ، أنا البائسُ الفقيرُ ، المستغيثُ المستجيرُ ، الوجِلُ المشفقُ المعترفُ بذنبهِ ، أسألُكَ مسألةَ المسكينِ ، وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المذنبِ الذليلِ ، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضريرِ ، دعاءَ مَنْ خضعتْ لكَ رقبتُهُ ، وفاضتْ لكَ عبرتُهُ، وذلَّ لكَ جسدُهُ، ورغمَ لكَ أنفُهُ ، اللهمَّ ؛ لا تجعلني بدعائِكَ ربِّ شقياً، وكنْ بي رؤوفاً رحيماً ، يا خيرَ المسؤولينَ ، وأكرمَ المعطينَ (٤). ٢ حں (١) رواه مسلم (٣٧٣٩) من دعائه صلى الله عليه وسلم عموماً . (٢) رواه بنحوه الطبراني في (( الدعاء)) ( ٨٧٨)، من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة . (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٧٥/٧) عن سفيان بن عيينة ، عن أعرابي سمعه يدعو به وهو متعلق بأستار الكعبة . (٤) رواه الطبراني في ((الصغير)) (٢٤٧/١) من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، = * ١٨٨ حن ثن حن ن؟ ربع العبادات كتاب أسرار الحج إلهي ؛ مَنْ مدحَ إليكَ نفسَهُ .. فإنِّي لائمٌ لنفسي . إلهي ؛ أخرستِ المعاصي لساني ، فما لي وسيلةٌ مِنْ عملٍ ، ولا شفيعٌ سوى الأملِ . إلهي؛ إنِّي أعلمُ أنَّ ذنوبي لمْ تُبْقِ لي عندَكَ جاهاً ، ولا للاعتذار وجهاً ، ولكنَّكَ أكرمُ الأكرمينَ . إلهي ؛ إنْ لم أكُ أهلاً أنْ أبلغَ رحمتَكَ .. فإنَّ رحمتَكَ أهلٌ أنْ تبلغَني ، رحمتُكَ وسعَتْ كلَّ شيءٍ، وأنا شيءٌ(١). كن حري ش فى إلهي ؛ إنَّ ذنوبي وإنْ كانتْ عظاماً ، ولكنَّها صغارٌ في جنْبِ عفوٍكَ ؛ فاغفرْها لي يا كريمُ(٢). ـ٠٠- إلهي ؛ أنتَ أنتَ، وأنا أنا ، أنا العوَّادُ إلى الذنوب، وأنتَ العوَّادُ إلى المغفرة(٣) . وسيأتي المصنف فيما يلي بمناجاة قال فيها الحافظ العراقي : ( وباقي الدعاء من قول بعض السلف ، وفي بعضه ما هو مرفوع ، ولكن ليس مقيداً بموقف عرفة ) . (١) روى هذا الدعاء أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٨/٥) عن عمر بن عبد العزيز ، وزاد : ( اللهم ؛ إنك خلقت قوماً فأطاعوك فيما أمرتهم ، وعملوا في الذي خلقتهم له ، فرحمتك إياهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الراحمين ) . (٢) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٥٦/٣٧) من دعاء عبد الملك بن مروان ، وقال فيه الشعبي : ( ما حسدت أحداً على كلام تكلم به ما حسدت عبد الملك بن مروان ، فإني سمعته يقول ... ) وذكره . (٣) روى تمام في ((فوائده)) (١٦٩٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٤٩/٥) = ١٨٩ كتاب أسرار الحج ربع العبادات إلهي ؛ إنْ كنتَ لا ترحمُ إلا أهلَ طاعتكَ .. فإلى منْ يفزعُ المذنبونَ ؟!(١) . إلهي ؛ تجنبْتُ عنْ طاعتِكَ عمْداً ، وتوجهتُ إلى معصيتِكَ قصداً ، فسبحانَكَ ما أعظمَ حُجَّتَكَ عليَّ، وأكرمَ عفوَكَ عنِّي، فبوجوبِ حجَّتِكَ عليَّ، وانقطاع حجَّتي عنكَ، وفقري إليكَ، وغناكَ عنِّي .. إلا غفرتَ لي(٢). % ج يا خيرَ مَنْ دعاهُ داعٍ ، وأفضلَ مَنْ رجاءُ راجٍ ؛ بحرمةِ الإسلامِ ، وبذمَّةِ محمدٍ عليهِ السلامُ أتوسَّلُ إليكَ ، فاغفرْ لي جميعَ ذنوبي ، واصرفني مِنْ موقفي هذا مقضيَّ الحوائج ، وهبْ لي ما سألتُ ، وحقُّقْ رجائي فيما تمنيتُ . إلهي ؛ دعوتُكَ بالدعاءِ الذي علَّمَنِيهِ (٣)، فلا تحرمني الرجاءَ الذي عرّفتَنیهِ . مرفوعاً: (( مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة ، فوقف عليها وجعل يفكر ، فقال : = يا رب ؛ أنت أنت ، وأنا أنا ، أنت العواد بالمغفرة ، وأنا العواد بالذنوب ، فقيل له : ارفع رأسك ، فأنت العواد بالذنوب، وأنا العواد بالمغفرة، قال: فغفر له)). (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٣٨) ضمن مناجاة ليحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى . (٢) رواه بنحوه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٠٤/٧) عن سفيان بن عيينة أنه سمع أعرابياً يدعوه في المقام . (٣) أي: ألهمتني إياه. («إتحاف)) (٤/ ٣٧٧). ١٩٠ ربع العبادات كتاب أسرار الحج إلهي ؛ ما أنتَ صانعٌ العشيةَ بعبدٍ مقرٌّ لكَ بذنبهِ ، خاشع لكَ بذلِّهِ ، مستكينٍ بجرْمِهِ ، متضرِّع إليكَ مِنْ عمِلِهِ ، تائبٍ إليكَ مِنِ اقترافِهِ ، مستغفٍ لكَ مِنْ ظلمِهِ ، مبتهلٍ إليكَ في العفوِ عنْهُ ، طالبٍ إليكَ في نجاحِ حوائجِهِ ، راجٍ إليك في موقفِهِ معَ كثرةِ ذنوبِهِ ؟! فيا ملجأَ كلِّ حيٍّ ، ووليَّ كلِّ مؤمنٍ ؛ مَنْ أحسنَ .. فبرحمتِكَ يفوزُ ، ومَنْ أساءَ . . فبخطيئتِهِ يهِلِكُ . شن جن مجن شن خن اللهمَّ ؛ إليكَ خرجْنا ، وبفِنائِكَ أنخْنا، وإِيَّاكَ أمَّلْنا، وما عندَكَ طلبْنا ، والإحسانِكَ تعرَّضْنا ، ورحمتَكَ رجونا، ومِنْ عذابِكَ أشفقْنا ، وإليكَ بأثقالٍ الذنوبِ هربنا ، ولبيتِكَ الحرام حججْنا ، يا مَنْ يملكُ حوائجَ السائلينَ ، ويعلمُ ضمائرَ الصامتينَ، يا مَنْ ليسَ معَهُ ربتٌ يُدعى، ويا مَنْ ليسَ فوقَهُ خالقٌ يُخشىء، ويا مَنْ ليسَ لهُ وزيرٌ يُؤتى ، ولا حاجبٌ يُرشى، يا مَنْ لا يزدادُ على كثرة السؤالِ إلا كرماً وجوداً، وعلى كثرةِ الحوائج إلا تفضُّلاً وإحساناً(١). اللهمَّ ؛ إنَّكَ جعلتَ لكلِّ ضيفٍ قرىً ، ونحنُ أضیافُكَ ؛ فاجعلْ قِرانا منكَ الجنَّةَ(٢) . اللهمَّ ؛ إنَّ لكلِّ وفدٍ جائزةً ، ولكلِّ زائرٍ كرامةٌ ، ولكلِّ سائلٍ عطيةٌ ، ولكلِّ راج ثواباً ، ولكلِّ ملتمسٍ لما عندَكَ جزاءً ، ولكلِّ مسترحم عندَكَ (١) أورد نحوه ابن عبد البر في ((بهجة المجالس)) (٢٧١/٢) عن الأصمعي ، عن أعرابية تدعو. (٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٣٢) عن الأصمعي كذلك ، عن أعرابي يدعو في الملتزم . ١٩١ مطرع كتاب أسرار الحج ربع العبادات رحمةً ، ولكلِّ راغبٍ إليكَ زلفى ، ولكلِّ متوسِّلٍ إليكَ عفواً، وقدْ وفدنا إلى بيتِكَ الحرام ، ووقفْنا بهذهِ المشاعرِ العظام وشهدْنا هذهِ المشاهدَ الكرامَ ؛ رجاءً لما عندَكَ، فلا تخيِّبْ رجاءَنا . إِلاهَنا؛ تابعتَ النعمَ حتَّى اطمأنتِ الأنفسُ بتتابع نعمِكَ، وأظهرتَ العِبَرَ حتَّى نطقَتِ الصوامتُ بحجَّتِكَ، وظاهرتَ المننَ حتَّى اعترفَ أولياؤُكَ بالتقصيرِ عنْ حقَّكَ ، وأظهرتَ الآياتِ حتَّى أفصحتِ السماواتُ والأرضونَ بأدلَّتِكَ، وقهرتَ بقدرتِكَ حتَّى خضَعَ كلُّ شيءٍ لعزَّتِكَ ، وعنتِ الوجوهُ لعظمتِكَ، إذا أساءَ عبادُكَ .. حلُمْتَ وأمهلْتَ، وإذا أحسنوا .. تفضلْتَ وقبلْتَ، وإذا عصوا .. سترْتَ، وإذا أذنبوا .. عفوْتَ وغفرْتَ، وإذا دعونا .. أجبتَ، وإذا نادينا .. سمعتَ، وإذا أقبلْنا إليكَ .. قرُبْتَ، وإذا ولَّيْنا عنكَ . . دعوتَ ! إلهَنا؛ إنَّكَ قلتَ في كتابِكَ المبينِ، لمحمدٍ خاتم النبيينَ: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، فأرضاكَ عنهُمُ الإقرارُ بكلمةِ التوحيدِ بعدَ الجحودِ ، وإنَّا نشهدُ لكَ بالتوحيدِ مُخْبتينَ ، ولمحمدٍ بالرسالةِ مخلصينَ ؛ فاغفرْ لنا بهذهِ الشهادةِ سوالفَ الإجرام ، ولا تجعلْ حظّنا فيهِ أنقصَ مِنْ حظّ مَنْ دخلَ في الإسلامِ . حن إلَهَنا ؛ إنَّكَ أحببتَ التقرُّبَ إليكَ بعثْقِ ما ملكَتْ أيمانُنا، ونحنُ عبيدُكَ ، وأنتَ أولى بالتفضُّلِ ؛ فأعتقْنا، وإنَّكَ أمرتَنَا أنْ نتصدَّقَ على ١٩٢ ـكن ربع العبادات كتاب أسرار الحج فقرائِنا ، ونحنُ فقراؤُكَ ، وأنتَ أحقُّ بالتطوُّلِ ؛ فتصدَّقْ علينا، ووصَّيتَنَا بالعفوِ عمَّنْ ظلمَنا ، وقدْ ظلمْنا أنفسَنا ، وأنتَ أحقُّ بالكرم ؛ فاعفُ عنَّا . ربَّنا ؛ اغفر لنا وارحمنا أنتَ مولانا . ربَّنا ، آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً ، وقنا برحمتِكَ عذابَ النارِ(١). وليكثرْ مِنْ دعاءِ الخَضِرِ عليهِ السلامُ ، وهوَ أنْ يقولَ: ( يا مَنْ لا يشغلُهُ شأنٌ عنْ شأنٍ ، يا مَنْ لا يشغلُهُ سمعٌ عنْ سمع ، ولا تشتبهُ عليهِ الأصواتُ ، يا منْ لا تغلطُهُ المسائلُ، ولا تختلفُ عليهِ اللغاتُ، يا مَنْ لا يبرمُهُ إلحاحُ الملِّينَ، ولا تضجرُهُ مسألةُ السائلينَ؛ أذقْنا بردَ عفوِكَ وحلاوةَ رحمتِكَ)(٢). $ وليدعُ بما بدا لهُ ، وليستغفرْ لنفسِهِ ولوالديهِ ولجميع المؤمنينَ والمؤمناتٍ ، وليلحَّ في الدعاءِ ، وليعظمِ المسألةَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يتعاظمُهُ شيءٌ . قالَ مطرِّفُ بنُ عبد اللهِ وهوَ بعرفةَ: ( اللهمَّ؛ لا تردَّ الجميعَ منْ أجلي)(٣). (١) ختم بها المناجاة تبركاً، ولكونه جامعاً شاملاً لسائر خيور الدنيا والآخرة. ((إتحاف)) ( ٤ /٣٧٨ ) . (٢) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٣)، والخطيب في « تاريخ بغداد)» (٣٤٠/٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٥/١٦). (٣) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١١٩/٣). زت ١٩٣ غير كتاب أسرار الحج ربع العبادات وقالَ بكرٌ المزنيُّ: ( قالَ رجلٌ: لمَّا نظرتُ إلى أهلِ عرفاتٍ .. ظننتُ أَنَّهُمْ قَدْ غُفِرَ لهمْ لولا أنِّي كنتُ فِيهِمْ)(١). C. ٩٠ (١) وهو بكر بن عبد الله المزني، رواه عنه البيهقي في ((الشعب)) (٧٩٠٢، ٧٩٠٣). ١٩٤ .٢٫٥ الأزم ربع العبادات ٢٤ كتاب أسرار الحج الجملة التابعة: في بقيّة أعمال الحجم بعد الوقوف من المبيت والرّمي والتحر والحلق والطّواف فإذا أفاضَ مِنْ عرفةَ بعدَ غروبِ الشمسِ .. فينبغي أنْ يكونَ على السكينةِ والوقار ، وليجتنبْ وجيفَ الخيلِ وإيضاعَ الرِّكابِ كما يعتادُهُ بعضُ الناسِ(١) ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنْ وجيفِ الخيلِ وإيضاع الإبلِ(٢)، وقالَ: ((اتقوا اللهَ، وسيروا سيراً جميلاً، لا تَطَؤوا ضعيفاً ، ولا تُوجلُوا مسلماً))(٣). فإذا بلغَ المزدلفةَ .. اغتسلَ لها ؛ لأنَّ المزدلفةَ مِنَ الحرم ، فليدخلْهُ بغسْلٍ ، وإنْ قدَرَ على دخولهِ ماشياً .. فهوَ أفضلُ وأقربُ إلى توقيرِ الحرمِ ، ويكونُ في الطريقِ رافعاً صوتَهُ بالتلبيةِ . فإذا بلغَ المزدلفةَ .. قالَ: ( اللهمَّ؛ إنَّ هذهِ مزدلفةُ، جمعتَ فيها ألسنةً مختلفةً، تسألُكَ حوائجَ مؤتنفةً (٤) ، فاجعلني ممَّنْ دعاكَ فاستجبتَ لهُ، وتوكَّلَ عليكَ فكفيتَهُ ). (١) الوجيف : الإسراع في السير، والإيضاع : سير مثل الخبب ، فيه سرعة كذلك ، وقيل : حمل الركاب على السير . (٢) كما في ((البخاري)) (١٦٧١)، و((أبي داوود)) (١٩٢٠)، و((النسائي)) (٢٥٧/٥). (٣) هو في معناه ضمن الحديث السابق ، وهو بلفظه مع النهي من رواية ابن البختري كما في ((مجموع فيه مصنفاته)) (٢٠٨)، ومعنى(توجلوا): تؤذوا . (٤) مؤتنفة : متجددة مستأنفة . ر۔۔۔ :: ١٩٥ كتاب أسرار الحج ربع العبادات ثمَّ يجمعُ بينَ المغربِ والعشاءِ بمزدلفةً في وقتِ العشاءِ قاصراً لها بأذانٍ وإقامتينٍ ، ليسَ بينَهُما نافلةٌ ، ولكنْ يجمعُ نافلةَ المغربِ والعشاءِ والوترِ بعدَ الفريضتينِ ، ويبدأُ بنافلةِ المغربِ ، ثمَّ بنافلةِ العشاءِ كما في الفريضتينِ ، وهكذا يفعلُ الجامعُ في السفرِ ، فإنَّ تركَ النوافلِ في السفرِ خسرانٌ ظاهرٌ ، وتكليفُ إيقاعِها في الأوقاتِ إضرارٌ وقطعٌ للتبعيةِ بينها وبينَ الفرائضِ ، فإذا جازَ أنْ يؤديَ النوافلَ مِعَ الفرائضِ بتيممٍ واحدٍ بحكمِ التبعيةِ .. فبأنْ يجوزَ أداؤُهُما على حكْمِ الجمع بالتبعيةِ أولى ، ولا يمنعُ مِنْ هذا مفارقةُ النفل للفرضِ في جوازٍ أدائِهِ على الراحلةِ ؛ لما أومأنا إليهِ مِنَ التبعيةِ والحاجةِ . ٢٠٠ ثمَّ يمكثُ تلكَ الليلةَ بمزدلفةَ ، وهوَ مبيتُ نُسُكِ ، ومَنْ خرجَ منها في النصفِ الأَوَّلِ مِنَ الليلِ ولمْ يبتْ .. فعليهِ دٌّ، وإحياءُ هذهِ الليلةِ الشريفةِ مِنْ محاسنِ القُرُباتِ لمَنْ يقدِرُ عليهِ . ثُمَّ مهما انتصفَ الليلُ .. يأخذُ في التأقُّبِ للرحيلِ ، ويتزوَّدُ الحصى منها ، ففيها أحجارٌ رَخوةٌ، فليأخذْ سبعينَ حصاةً ؛ فإنَّها قدْرُ الحاجةِ ، ولا بأسَ بأنْ يستظهرَ بزيادةٍ ، فربما يسقطُ منهُ بعضُهُ ، ولتكنِ الحصى خِفافاً ؛ بحيثُ يحتوي عليهِ أطرافُ البراجمِ . ... ثُمَّ ليغلسْ بصلاةِ الصبح ، وليأخذْ في المسيرِ ، حتَّى إذا انتهى إلى المشعرِ الحرام وهوَ آخرُ المزدلفةِ .. فيقفُ (١)، ويدعو إلى الإسفار (١) أي: على جبل قُزَح، وعبارة المصنف في ((الخلاصة)) (ص٢٣٥): (غلس =. ١٩٦ ربع العبادات كتاب أسرار الحج ويقولُ: ( اللهمَّ ؛ بحقِّ المشعرِ الحرامِ ، والبيتِ الحرامِ ، والشهرِ الحرام ، والركنِ والمقام .. بلِّغْ روحَ محمدٍ منَّا التحيَّةَ والسلامَ، وأدخلْنَا دارَ السلام، يا ذا الجلالِ والإكرام)(١) . ثُمَّ يدفعُ منها قبلَ طلوع الشمسِ حتَّى ينتهيَ إلى موضع يقالُ لهُ : وادي مُحَسِّرِ ، فيستحبُّ لهُ أنْ يحرِّكَ دابتَهُ حتَّى يقطعَ عرْضَ الوادي ، وإنْ كانَ راجلاً .. أسرعَ في المشي . ثُمَّ إذا أصبحَ يومَ النحرِ .. خلطَ التلبيةَ بالتكبيرِ ، فيلبِّي تارةً ويكبِّرُ أخرى ، فينتهي إلى منىٌ ومواضع الجمراتِ ، وهيَ ثلاثةٌ، فيجاوزُ الأولى والثانيةَ .. فلا شغلَ لهُ معَهُما يومَ النحرِ، حتَّى ينتهىَ إلى جمرةِ العقبةِ، وهيَ على يمينِ مستقبلِ القبلةِ في الجادّةِ ، والمرمى مرتفعٌ قليلاً في سفح الجبلِ ، وهوَ ظاهرٌ بمواقع الجمراتِ ، ويرمي جمرة العقبةِ بعدَ طلوع الشمسِ بِقِيْدِ رمْح، وكيفيتُهُ : أَنْ يقفَ مستقبلاً القبلةِ - وإن استقبلَ الجمرةَ .. فلا بأسَ - ويرميَ سبعَ حصياتٍ رافعاً يدَهُ، ويبدِّلُ التلبيةَ بالتكبيرِ ، ويقولُ معَ كلِّ حصاةٍ: (اللهُ أكبرُ ، على طاعةِ الرحمنِ ورغمِ الشيطانِ، اللهمَّ ؛ تصديقاً بكتابِكَ واتباعاً لسنَّةٍ نبيِّكَ)(٢). = بالصبح ، ووقف على قزح للدعاء إلى مقاربة شروق الشمس ) . (١) رواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين)) (٤٤١) بنحوه غير مخصوص بمزدلفة. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦٠٤٥)، والبيهقي في (« السنن الكبرى)) (٧٩/٥) عن علي رضي الله تعالى عنه . 44.5 ١٩٧ دن ٩٠ ـتم شوخ 3 (ے)ے كتاب أسرار الحج ربع العبادات فإذا رمى .. قطعَ التلبيةَ والتكبيرَ ، إلا التكبيرَ عَقيبَ فرائضِ الصلواتِ مِنْ ظهرِ يومِ النحرِ إلى عَقيبِ الصبحِ آخرَ أيام التشريقِ ، ولا يقفُ في هذا اليومِ للدعاءِ ، بلْ يدعو في منزلهِ . وصفةُ التكبيرِ : أنْ يقولَ : ( اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ كبيراً ، والحمدُ للهِ كثيراً، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، مخلصينَ لهُ الدينَ ولو كره الكافرونَ ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدَهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ، لا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ) . ثمَّ ليذبح الهدْيَ إنْ كانَ معهُ، والأولى أنْ يذبحَ بنفسِهِ ، وليقلْ : ( باسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ ، اللهمَّ، منكَ وبكَ ولكَ تقبَّلْ منِّ كما تقبَّلْتَ مِنْ خليلِكَ إبراهيمَ)(١) . والتضحيةُ بالبُدْنِ أفضلُ، ثمَّ بالبقرِ ، ثمَّ بالشاةِ ، والشاةُ أفضلُ مِنْ مشاركة ستةٍ في البَدَنَةِ أوِ البقرةِ ، والضأْنُ أفضلُ مِنَ المعزِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيرُ الأُضْحِيَّةِ الكبشُ الأقرنُ))(٢)، والبيضاءُ أفضلُ ٢ ٢٠ :: (١) فقد ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم كبشين أقرنين أملحين مُوجَأَين كما في (( أبي داوود)) (٢٧٩٥). فلما وجههما قال: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، اللهم ؛ منك ولك وعن محمد وأمته ، باسم الله والله أكبر)) ثم ذبح . (٢) رواه أبو داوود (٣١٥٦)، والترمذي (١٥١٧)، وابن ماجه (٣١٣٠). ١٩٨ ١٦٠ ربع العبادات كتاب أسرار الحج مِنَ الغبراءِ والسوداءِ ، وقالَ أبو هريرةَ : ( البيضاءُ أفضلُ في الأضحى مِنْ دمِ سوداوينِ)(١) . وليأكلْ منهُ إنْ كانَ مِنْ هذي التطوع ، ولا يضحينْ بالعرجاءِ والجدعاءِ والعضباءِ والجرباءِ والشرقاءِ والخرقاءِ والمقابلةِ والمدابرةِ والعجفاءِ ؛ والجَدَعُ في الأنفِ والأُذنِ : القطعُ منهما ، والعَضْبُ : في القرْنِ وفي نقصانِ القوائمٍ ، والشرقاءُ : المشقوقةُ الأذنِ مِنْ فوقٍ ، والخرقاءُ : مِنْ أسفلَ ، والمقابلةُ : المخروقةُ الأذنِ مِنْ قدَّامٍ ، والمدابرةُ : مِنْ خلفٍ ، والعجفاءُ : المهزولةُ التي لا تَنْقِي ؛ أي : لا مَّ لها مِنَ الهزالِ (٢). عن ش جي ثمَّ ليحلقْ بعدَ ذلكَ، والسنَّةُ أنْ يستقبلَ القبلةَ، ويبتدىءَ بمقدَّم رأسِهِ ، فيحلقُ الشقَّ الأيمنَ إلى العظمينِ المشرفينِ على القفا، ثمَّ يحلقُ الباقيَ ، ويقولُ : ( اللهمَّ؛ أثبتْ لي بكلِّ شعرةٍ حسنةً ، وامحُ عنِّي بها سيئةً ، وارفعْ لي بها عندَكَ درجةٌ)(٣). والمرأةُ تقصِّرُ مِنْ شعرِها ، والأصلعُ يستحبُّ لهُ إمرارُ الموسى على رأسِهِ ، ومهما حلقَ بعدَ رمي الجمرةِ .. فقدْ حصلَ لهُ التحلَّلُ الأوَّلُ، وحلَّ (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٨٧/٤)، ورفعه أحمد في ((المسند)) (٤١٧/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٧/٤). (٢) قوت القلوب (١١٨/٢) . (٣) فيه أثر رواه الفاكهي في (( أخبار مكة)) (١/ ١٩٠)، ويكبر بعد الفراغ ، ويدفن شعره، ويصلي بعده ركعتين، وإن قصَّر .. فليقصر الجميع. انظر ((الإتحاف)) (٣٩٩/٤). ـيه ١٩٩ منز كتاب أسرار الحج ربع العبادات --- لهُ كلُّ المحظوراتِ في الإحرامِ إلا النساءَ والصيدَ . ثُمَّ يفيضُ إلى مكَّةَ ويطوفُ كما وصفناهُ ، وهذا الطوافُ طوافُ ركنٍ في الحجِّ، ويسمَّى : طوافَ الزيارةِ ، وأوَّلُ وقتِهِ : بعدَ نصْفِ الليلِ مِنْ ليلةِ النحرِ، وأفضلُ وقتِهِ : يومُ النحرِ، ولا آخرَ لوقتِهِ ، بلْ لهُ أنْ يؤخِّرَ إلى أيِّ وقتٍ شاءَ ، ولكنْ يبقى متقيِّداً بعلقةِ الإحرام ، فلا تحلُّ لهُ النساءُ إلى أنْ يطوفَ، فإذا طافَ .. تمَّ التحلُّلُ، وحلَّ الجماعُ، وارتفعَ الإحرامُ بالكليّةِ ، ولمْ يبقَ إلا رميُّ أيام التشريقِ والمبيتُ بمنىً، وهيَ واجباتٌ بعدَ زوالِ الإحرامِ على سبيلِ الإتباع للحجِّ . وكيفيةُ هذا الطوافِ معَ الركعتينِ كما سبقَ في طوافِ القدومِ ، فإذا فرغَ مِنَ الركعتينِ .. فليسعَ كما وصفنا إنْ لمْ يكنْ سعى بعدَ طوافِ القدوم ، وإنْ كانَ قدْ سعى .. فقدْ وقعَ ذلكَ ركناً ، فلا ينبغي أنْ يعيدَ السعيَ. ـتن وأسبابُ التحلُّل ثلاثةٌ : الرميُّ ، والحلْقُ ، والطوافُ الذي هوَ ركنٌ ، ومهما أتى باثنينٍ مِنْ هذهِ الثلاثةِ .. فقدْ تحلَّلَ أحدَ التحلّينِ ، ولا حرجَ عليهِ في التقديم والتأخيرِ في هذهِ الثلاثِ معَ الذبح ، ولكنِ الأحسنُ أنْ يرميَ، ثُمَّ يذبحَ، ثمَّ يحلقَ ، ثمَّ يطوفَ . والسنةُ للإمام في هذا اليوم : أنْ يخطبَ بعدَ الزوالِ ، وهيَ خطبةُ وداع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١)، ففي الحجّ أربعُ خطبٍ : خطبةٌ يومٍ (١) كما في ((البخاري)) (٩٦٨)، ومسلم (١٦٧٩)، وهي خطبة يوم النحر. ء ٢٠٠ حں ه ين تز