النص المفهرس

صفحات 141-160

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
إيماناً بكَ، وتصديقاً بكتابِكَ ، ووفاءً بعهدِكَ(١) .
ورُوِيَ عنِ الحسنِ البصريِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ صومَ يوم فيها بمئةِ ألفٍ
يومٍ ، وصدقةَ درهمٍ بمئة ألفِ درهمٍ ، وكذلكَ كلُّ حسنةٍ بمئةٍ ألفٍ (٢).
ويقالُ : طوافُ سبعة أسابيعَ يعدلُ عمرةً ، وثلاثُ عُمَرٍ تعدلُ حجَّةٌ (٣)
وفي الخبرِ الصحيح عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( عمرةٌ في
رمضانَ كحجَّةٍ معي))(٤) .
2
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أنا أوَّلُ مَنْ تنشقُ عنهُ الأرضُ، ثمَّ آتي
أهلَ البقيع، فيحشرونَ معي، ثمَّ آتي أهلَ مَّةً فَأَحْشَرُ بينَ الحرمينِ))(٥).
3
وفي الخبرِ : ( إنَّ آدَمَ عليهِ السلامُ لمَّا قضى مناسكَهُ .. لقيتُهُ الملائكةُ،
فقالوا: بُرَّ حجُّكَ يا آدمُ ؛ لقدْ حججْنَا هذا البيتَ قبلَكَ بألفي عام)(٦).
وجاءَ في الأثرِ : إنَّ اللهَ تعالى ينظرُ في كلِّ ليلةٍ إلى أهلِ الأرضِ ، فَأوَّلُ
مَنْ ينظرُ إليهِ أهلُ الحرم ، وأوَّلُ مَنْ ينظرُ إليهِ مِنْ أهلِ الحرم أهلُ المسجدِ
(١) قوت القلوب (١٢١/٢)، والدعاء مروي عن جمع من السلف. انظر ((خلاصة البدر
المنير)» (٨/٢) .
(٢) ذكره في ((قوت القلوب)) (١٢١/٢) عن ابن عباس وأنس والحسن متفرقاً.
(٣) قوت القلوب (١٢٠/٢).
(٤) رواه البخاري ( ١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦) .
(٥) رواه الترمذي (٣٦٩٢) وفيه: (( ثم أنتظر أهل مكة حتى أُحشرَ بين الحرمين)).
(٦) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٦/١) عن ابن عباس ومحمد بن إسحاق بلاغاً،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٣٧٠٣) عن وهب بن منبه بنحوه .
١٤١
حن
ـكان
حن
كن

كتاب أسرار الحج
٢٥يـ
ربع العبادات
الحرام ، فمنْ رآهُ طائفاً .. غفرَ لهُ، ومَنْ رَآهُ مصلِّياً .. غفرَ لهُ، ومَنْ رآهُ
نائماً مستقبل القبلةَ .. غفرَ لهُ(١) .
جري
وكُوشفَ بعضُ الأولياءِ رضيَ اللهُ عنهمْ ، قالَ : ( إنِّي رأيتُ الثغورَ كلَّها
تسجدُ لعَبَّادانِ، ورأيتُ عبَّادانَ ساجدةٌ لجُدَّةَ)(٢) .
ويقالُ : ( لا تغربُ الشمسُ مِنْ يوم إلا ويطوفُ بهذا البيتِ رجلٌ مِنَ
الأبدالِ ، ولا يطلعُ الفجرُ مِنْ ليلةٍ إلا طافَ بهِ واحدٌ مِنَ الأوتادِ ، وإذا انقطعَ
ذلكَ .. كانَ سببَ رفعِهِ مِنَ الأرضِ ، فيصبحُ الناسُ وقَدْ رفعتِ الكعبةُ لا يُرى
لها أثرٌ وهذا إذا أتى عليها سبعُ سنينَ .. لمْ يحجَّها أحدٌ ، ثمَّ يرفعُ القرآنُ مِنَ
المصاحفِ ، فيصبحُ الناسُ فإذا الورقُ أبيضُ يلوحُ ليسَ فيهِ حرفٌ، ثم ينسخُ
القرآنُ مِنَ القلوبِ ، فلا يذكرُ منهُ كلمةٌ ، ثمَّ يرجعُ الناسُ إلى الأشعارِ والأغاني
وأخبارِ الجاهليةِ ، ثمَّ يخرجُ الدجالُ، وينزلُ عيسىُ عليهِ السلامُ فيقتلُهُ ،
والساعةُ عندَ ذلكَ بمنزلةِ الحاملِ المقربِ يتوقعُ ولادُها)(٣).
وفي الخبرِ : ((استكثروا مِنَ الطوافِ بهذا البيتِ قبلَ أنْ يرفعَ ، فقدْ هدمَ
مرتينٍ ويرفعُ في الثالثةِ ))(٤).
(١) قوت القلوب (١٢١/٢).
(٢) قوت القلوب (١٢١/٢)، وعبَّادان - بالتشديد والتثنية -: اسم بلد هو اليوم في جنوب
العراق في شط العرب ، وقال أبو طالب معللاً ذلك عقب الخبر: ( لأنها - أي : جُدة -
خزانة الحرم ، وفرضة أهل المسجد الحرام ) .
حر
(٣) قوت القلوب (١٢٢/٢) .
(٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٧٥٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٤١/١)،
=
١٤٢
قرب

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
ن
ورُوِيَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ:
(( قالَ اللهُ تعالى: إذا أردتُ أنْ أخربَ الدنيا .. بدأتُ ببيتي فخرَّبتُهُ، ثمَّ
أخربُ الدنيا على أثرِهِ))(١).
ـكن
حن
ـين
=
والبزار في ((مسنده)» (٦١٥٧ ) .
(١) قال صاحب ((القوت)) (١٢٢/٢): (وروينا في حديث أبي رافع عن علي عن النبي
صلى الله عليه وسلم ... ) وذكره ، وخراب البيت آخر الزمان على يد ذي السويقتين
من الحبشة ثابت كما في ((البخاري)) (١٥٩١)، و((مسلم)) (٢٩٠٩)، وهو نذير
خراب الدنيا أجمع .
٠٢
١٤٣

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
فضيلة المقام بمكة المكرمة حرسها الله تعالى وكراهته
كرهَ الخائفونَ المحتاطونَ مِنَ العلماءِ المُقامَ بمكةَ لمعانٍ ثلاثةٍ :
أحدُها : خوفُ التبرُّم والأُّنْسِ بالبيتِ ؛ فإنَّ ذلكَ ربما يؤثِّرُ في تسكينِ
حرقةِ القلبِ في الاحترامِ ، ولهذا كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يضربُ الحجَّاجَ
إذا حُجُّوا ويقولُ : ( يا أهلَ اليمنِ يمنَكُمْ، ويا أهلَ الشام شامَكُمْ ، ويا أهلَ
العراقِ عراقَكُمْ)(١)، ولذلكَ همَّ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بمنع الناسِ مِنْ كثرةٍ
الطوافِ وقالَ : ( خشيتُ أنْ يأنسَ الناسُ بههذا البيتِ ) .
الثاني : تهييجُ الشوقِ بالمفارقةِ لتنبعثَ داعيةُ العوْدِ ، فإنَّ اللهَ تعالى
جعلَ البيتَ مثابةً للناس وأمناً ؛ أي : يثوبونَ ويعودونَ إليهِ مرَّةً بعدَ أخرى ،
ولا يقضونَ منهُ وطراً .
كن
وقالَ بعضُهُمْ: ( لأَنْ تكونَ في بلدٍ وقلبُكَ مشتاقٌ إلى مكَّةَ متعلِّقٌ بهذا
البيتِ .. خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تكونَ فيهِ وأنتَ متبرِّمٌ بالمُقام وقلبُكَ في بلدٍ آخرَ)(٢).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( كمْ مِنْ رجلٍ بخراسانَ وهوَ أقربُ إلى هذا البيتِ
ممَّنْ يطوفُ بهِ )(٣) .
(١) قوت القلوب (١٢٢/٢)، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣٤٧٠) عنه قال :
( لا تقيموا بعد النفْر إلا ثلاثاً ) .
(٢) قوت القلوب (١٢٢/٢).
(٣) قوت القلوب (١٢٢/٢).
١٤٤
در.
محر

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
ويُقالُ: إِنَّ اللهِ تعالى عباداً تطوفُ بهمُ الكعبةُ تقرُّباً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ (١).
الثالثُ : الخوفُ مِنْ ركوبِ الخطايا والذنوبِ بها ؛ فإنَّ ذلكَ مخطرٌ ،
وبالحريِّ أنْ يورثَ مقتَ اللهِ عزَّ وجلَّ لشرفِ الموضعِ(٢) .
ورُوِيَ عنْ وهيبٍ بنِ الوردِ المَكِّيِّ قالَ : كنتُ ذاتَ ليلةٍ في الحِجْرِ
أُصلِّي ، فسمعتُ كلاماً بينَ الكعبةِ والأستارِ يقولُ : إلى اللهِ أشكو ثمَّ إليكَ
يا جبريلُ ما ألقى مِنَ الطائفينَ حولي ؛ مِنْ تفكّههِمْ في الحديثِ ولغوِهِمْ
ولهوِهِمْ، لئنْ لمْ ينتهوا عنْ ذلكَ .. لأنتفضنَّ انتفاضةً يرجعُ كلُّ حجرٍ منّي
إلى الجبلِ الذي قطعَ منهُ(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ما مِنْ بلدٍ يؤاخذُ العبدُ فيه بالهمَّةِ قبلَ
العملِ إلا مكةَ، وتلا قولَهُ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إنَّهُ على مجرَّدِ الإرادةِ(٤).
ويقالُ : ( إِنَّ السيئاتِ تضاعفُ بها كما تضاعفُ الحسناتُ )(٥).
(١) قوت القلوب (١٢٢/٢)، وانظر (تفسير الآلوسي)) (١٤/٢٣ - ١٥).
(٢) وقد روى الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٢٥/٢) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
كان يقول لقريش : ( يا معشر قريش ؛ الحقوا بالأرياف ، فهو أعظم لأخطاركم ، وأقل
لأوزاركم ) .
(٣) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٣/٢).
(٤) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٢٧/٢).
(٥) وفي ذلك أخبار، منها ما رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٢٨/٢) عن ابن جريج
قال : ( بلغنى أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة ، والحسنة على نحو ذلك ) .
ـنتُ.
١٤٥

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
الحرم
وكانَ ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُما يقولُ: ( الاحتكارُ بمكَّةً مِنَ الإلحادِ في
الحرم)(١) .
وقيلَ : ( الكذبُ أيضاً )(٢).
٥
وقالَ ابنُ عباس : ( لأنْ أذنبَ سبعينَ ذنباً برُكْبةَ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أذنبَ
ذنباً واحداً بمكّةً)(٣)، ورُكْبَةُ: منزلٌ بينَ مَّةَ والطائفِ (٤).
وت.
ولخوفِ ذلكَ انتهىُ بعضُ المقيمينَ إلى أنْ لمْ يقضِ حاجتَهُ في الحرمِ ،
بلْ كانَ يخرجُ إلى الحلِّ عندَ قضاءِ الحاجةِ(٥)، وبعضُهُمْ أقام شهراً وما وضَعَ
جنبَهُ على الأرضِ(٦).
(١) كذا في «القوت)) (١١٩/٢)، وروى نحوه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٢٦/٢)
عن عمر وابنه رضي الله عنهما .
(٢) أي: من الإلحاد في مكة الكذب كذلك، والقول في ((القوت)) (١١٩/٢)، والسياق
له .
ـحن
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٨/٥)، والأزرقي في ((أخبار مكة)) (١٢٥/٢،
١٢٨) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذا هو عن عمر في ((القوت)) (١١٩/٢).
(٤) معجم البلدان ( ٦٣/٣) ، بضم الراء وسكون الكاف .
(٥) روي ذلك عن جمع، منهم كما ذكر صاحب ((القوت)) (١١٩/٢): عبد الله بن
عمر ، وعمر بن عبد العزيز، ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص كما في (( أخبار مكة ))
(١٢٣/٢) للأزرقي، ونقل البيهقي في ((الشعب)) (٣٧٢٩) عن محمد بن إبراهيم
الزجاجي أنه بقي أربعين عاماً في الحرم لا يبول ولا يتغوط ، بل يخرج إلى الحل .
حر حن حن ش فن في حن
(٦) ومرجع هذا كله لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجه (٣١١٠):
(( لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة - أي: الكعبة ــ حق تعظيمها ، فإذا
ضيعوا ذلك .. هلكوا )) .
١٤٦
ثزن
حمل

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
حن
وللمنع مِنَ الإقامةِ كرهَ بعضُ العلماءِ أجورَ دور مكَّةَ(١) .
ولا تظنَّنَّ أَنَّ كراهةَ المُقام يناقضُ فضْلَ البقعةِ ؛ لأنَّ هذهِ كراهةٌ علَّتُها
ضعْفُ الخلْقِ وقصورُهُمْ عنِ القيامِ بحقِّ الموضِع ، فمعنى قولنا : ( إنَّ تركَ
المُقام بها أفضلُ ) أي : بالإضافةِ إلى مُقامٍ معَ التقصيرِ والتبزُّم ، أمَّا أنْ
يكونَ أفضلَ مِنَ المُقام معَ الوفاءِ بحقُّهِ .. فهيهاتَ، وكيفَ لا ولمّا عادَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى مَّةَ .. استقبلَ الكعبةَ وقالَ: ((إنَّكِ
لخيرُ أرضِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأحبُّ بلادِ اللهِ تعالى إليَّ ، ولولا أنِّي أُخرجتُ
منْكِ .. ما خرجتُ))؟! (٢)، وكيفَ لا والنظرُ إلى البيتِ عبادةٌ، والحسناتُ
فيها مضاعفةٌ كما ذكرناهُ ؟!
رامن
جــ
مدن
ـير
(١) وقد روى الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٤٧/٣) عن مجاهد حديثاً مرسلاً: ((إن مكة
حرام ، حرمها الله تعالى، لا يحل بيع رباعها - جمع رَبْع ؛ مكان القوم - ولا أجور
بيوتها )) .
(٢) رواه الترمذي (٣٩٢٥)، وابن ماجه (٣١٠٨).
١٤٧

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
فضيلة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر البلاد
٥
ما بعدَ مَّةَ بقعةٌ أفضلَ مِنْ مدينةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فالأعمالُ فيها أيضاً مضاعفةٌ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( صلاةٌ في
مسجدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلا المسجدَ الحرامَ)) (١).
وكذلكَ كلٌّ عملٍ بالمدينةِ بألفٍ ، وبعدَ المدينةِ الأرضُ المقدسةُ ؛ فإنَّ
الصلاةَ فيها بخمسٍ مئةِ صلاةٍ فيما سواها ، وكذلكَ سائرُ الأعمالِ ، وروى
ابنُ عباسٍ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( صلاةٌ في مسجدِ المدينةِ
بعشرةِ آلافٍ صلاةٍ ، وصلاةٌ في المسجدِ الأقصىُ بألفِ صلاةٍ ، وصلاةٌ في
المسجدِ الحرامِ بمئةٍ ألفِ صلاةٍ)» (٢).
ـحر
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يصبرُ على شدَّتِها ولأوائِها أحدٌ إلا كنتُ
لهُ شفيعاً يومَ القيامةِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ استطاعَ أنْ يموتَ بالمدينةِ ..
(١) رواه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٢٣/٢) وقال: (روينا عن عطاء عن ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم ... ) وذكره بلفظه هنا، وكون الصلاة بألف في بيت المقدس هو
عند ابن ماجه ( ١٤٠٧)، ولفظه مرفوعاً وقد سئل عن بيت المقدس: ((أرض المحشر
والمنشر ، ائتوه فصلوا فيه ، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره)).
حج حن حن كن حن حن حن حن عن حن
(٣) رواه مسلم ( ١٣٦٣) .
١٤٨
مكن ذن

ربع العبادات
حمدى
كتاب أسرار الحج
فليمتْ ؛ فإنَّهُ لنْ يموتَ بها أحدٌ إلا كنتُ لهُ شفيعاً يومَ القيامةِ))(١).
وما بعدَ هذهِ البقاعِ الثلاثةِ فالمواضعُ فيها متساويةٌ إلا الثغورَ ؛ فإنَّ
المُقامَ بها للمرابطةِ فيها فيهِ فضلٌ عظيمٌ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ ؛ المسجدِ الحرام ، ومسجدي هذا ،
والمسجدِ الأقصى))(٢).
ـكن
حن
حن ثن
وقدْ ذهبَ بعضُ العلماءِ إلى الاستدلالِ بهذا الحديثِ في المنعِ مِنَ
الرحلةِ لزيارةِ المشاهدِ وقبورِ العلماءِ والصلحاءِ ، وما تبيَّنَ لي أنَّ الأمرَ
كذلكَ، بلِ الزيارةُ مأمورٌ بها، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كنتُ نهيتُكُمْ
عنْ زيارة القبورِ، فزورُوها ولا تقولوا هُجْراً)) (٣).
والحديثُ إنَّما وردَ في المساجدِ ، وليسَ في معناها المشاهدُ ؛ لأنَّ
المساجدَ بعدَ المساجدِ الثلاثةِ متماثلةٌ، ولا بلدَ إلا وفيهِ مسجدٌ ، فلا
معنى للرحلةِ إلى مسجدٍ آخرَ ، وأمَّا المشاهدُ .. فلا تتساوى ، بلْ بركةُ
(١) رواه الترمذي (٣٩١٧)، وابن ماجه (٣١١٢).
(٢) رواه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، والاستثناء مفرغ - ولمسلم من طريق
الزهري : (( تشدُّ الرحال إلى ثلاثة مساجد)) دون نفي واستثناء - والمراد : لا يسافر
لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة ، لا أنه لا يسافر أصلاً إلا لها ، والنهي للتنزيه عند
الجمهور. ((إتحاف)) (٤ /٢٨٥ ) .
(٣) رواه مسلم (٩٧٧)، وأورده المصنف هنا بزيادة: ((ولا تقولوا هُجْراً))، ورواها
النسائي (٨٩/٤)، والهُجْر: القول الفاحش الذي ينافي مقام التذكُّر والعبرة عند
الزيارة .
فتّ
١٤٩
كن

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
وزي
زيارتِها على قدْرِ درجاتِهِمْ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ .
نعم ؛ لوْ كانَ في موضع لا مسجدَ فيهِ .. فلهُ أنْ يشدَّ الرحالَ إلى موضع
ے
فيهِ مسجدٌ ، وينتقلُ إليهِ بالكليّةِ إنْ شاءَ .
ثمَّ ليتَ شعري ؛ هلْ يمنعُ هذا القائلُ مِنْ شدِّ الرحالِ إلى قبورِ الأنبياءِ
عليهِمُ السلامُ مثلَ إبراهيمَ وموسىُ ويحيى وغيرِهِمْ عليهمُ السلامُ ؟!
زينه
فالمنعُ مِنْ ذلكَ في غايةِ الإحالةِ ، وإذا جوَّزَ هذا .. فقبورُ الأولياءِ
والعلماءِ والصلحاءِ في معناها ، فلا يبعدُ أنْ يكونَ ذلكَ مِنْ أغراضِ الرحلةِ ،
كما أَنَّ زيارةَ العلماءِ في الحياةِ مِنَ المقاصدِ . هذا في الرحلةِ .
أمَّا المُقامُ : فالأولىُ بالمريدِ أنْ يلازمَ مكانَهُ إذا لمْ يكنْ قصدُهُ مِنَ السفرِ
استفادةَ العلمِ مهما سَلِمَ لهُ حالُهُ في وطنهِ ، فإنْ لمْ يسلمْ .. فليطلبْ مِنَ
المواضع ما هوَ أقربُ إلى الخمولِ ، وأسلمُ للدينِ ، وأفرغُ للقلبِ ، وأيسرُ
للعبادةِ، فهوَ أفضلُ المواضع لهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((البلادُ
بلادُ اللهِ عزَّ وجلَّ، والخلقُ عبادُهُ، فأيُّ موضع رأيتَ فيهِ رِفْقاً .. فأقمْ
وأحمدِ اللهَ تعالى))(١) .
وفي الخبرِ : (( مَنْ رزقَ مِنْ شيءٍ .. فليلزمْهُ، ومَنْ جعلتْ معيشتُهُ في
.؟
عن كن خة
(١) رواه أحمد في ((مسنده )) (١٦٦/١) بنحوه .
١٥٠
ار»

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
شيءٍ .. فلا ينتقلْ عنهُ حتَّى يتغيَّرَ عليهِ))(١).
جن ح
وقالَ أبو نعيمٍ : رأيتُ سفيان الثوريَّ وقدْ جعلَ جرابَهُ على كتفِهِ وأخذَ
قُلَّتَهُ بيدِهِ ، فقلتُ : إلى أينَ يا أبا عبدِ اللهِ ؟ قالَ : إلى بلدٍ أملأُ فيهِ جرابي
بدرهم .
وفي حكايةٍ أخرى : بلغني أنَّ قريةً فيها رخصٌ أقيمُ بها ، قالَ : فقلتُ :
وتفعلُ هذا يا أبا عبدِ اللهِ ؟! فقالَ : نعمْ، إذا سمعتَ في بلدٍ برخصٍ ..
فاقصدْهُ ؛ فإنَّهُ أسلمُ لدينِكَ وأقلُّ لهمِّكَ(٢).
وكانَ يقولُ : ( هذا زمانُ سوءٍ، لا يؤمنُ فيهِ على الخاملينَ ، فكيفَ
بالمشهورينَ ؟! هذا زمانُ تنقُّلِ يتنقلُ الرجلُ مِنْ قريةٍ إلى قريةٍ يفرُّ بدينِهِ مِنَ
الفتنِ ) (٣).
(١) أوله عند ابن ماجه (٢١٤٧) بلفظ: ((من أصاب من شيء .. فليلزمه))، وتمامه عنده
كذلك ( ٢١٤٨) عن نافع بن عطاء قال : كنت أجهز إلى الشام وإلى مصر ، فجهزت
إلى العراق ، فأتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها : يا أم المؤمنين ؛ كنت أجهز إلى
الشام ، فجهزت إلى العراق ، فقالت : لا تفعل ، مالك ولمتجرك ؟! فإني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سبَّبَ الله لأحدكم رزقاً من وجه .. فلا يدعه
حتى يتغيِّرَ له أو يتنكَّرَ له )).
(٢) أبو نعيم هو الفضل بن دكين، والخبر في ((القوت)) (١٢٣/٢)، والمراد ببلد يُملأ
فيها الجراب بدرهم : انتشار الرخص فيها حتى لا يحتاج إلى إشغال قلبه بكثرة التسبب
وطلب القوت ، ولم يترجم المصنف لسفيان رحمه الله تعالى عندما ترجم للمجتهدين
الأربعة ، وكان قد وعد بذكر شيء من أخباره هناك ، وهنا سيذكر طرفاً من ذلك .
(٣) قوت القلوب (١٢٣/٢).
١٥١
حر.

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
ويُحكى عنهُ أنَّهُ قالَ: واللهِ ؛ ما أدري أيَّ البلادِ أسكنُ ؟! فقيلَ لهُ :
خُراسانَ ، فقالَ: مذاهبُ مختلفةٌ وآراءٌ فاسدةٌ ، قيلَ : فالشامَ ، قالَ :
يشارُ إليكَ بالأصابع - أرادَ الشهرةَ - قيلَ: فالعراقَ ، قَالَ : بلدُ الجبابرةِ ،
قيلَ : مكةَ ، قالَ : مكةُ تذيبُ الكِيسَ والبدنَ(١).
وقالَ لهُ رجلٌ غريبٌ : عزمتُ على المجاورةِ بمكَّةَ فأوصني ، قالَ :
أوصيكَ بثلاثٍ : لا تصلينْ في الصفِّ الأوَّلِ، ولا تصحبنْ قرشيّاً ،
ولا تُظْهِرَنْ صدقةً(٢) .
وإنما كره الصفَّ الأوَّلَ لأنّهُ يُشتهرُ ، فيفتقدُ إذا غابَ ، فيختلطَ بعملِهِ
التزيُّنُ والتصنُّعُ .
و
ـون
جن جن جن جن جن جن جم حر خن
(١) قوت القلوب (١٢٢/٢)، ومعنى ( تذيب الكيس والبدن): لما فيها من الغلاء في
أكثر الأوقات ؛ لأنها بواد غير ذي زرع ، وذوبان البدن يكون بالمجاهدة في الطاعة
والقيام بواجبها. انظر ((الإتحاف)) (٢٨٧/٤).
(٢) قوت القلوب (١٢٢/٢)، ونسب الحافظ الزبيدي هذه الروايات لصاحب ((الحلية))
كذلك. انظر ((الإتحاف)) (٤ /٢٨٧ - ٢٨٨).
تھ
١٥٢
حن
-کر).

ربع العبادات
Dp.
كتاب أسرار الحج
محن
الفَصْلُ الثَّاني
في شروط وجوبارج وصحّته وأركانه وواجباته ومحظورات
فى شروط الحسيج
0
حن أن
شن
أمّا الشرائطُ : فشرطُ صحَّةِ الحجِّ اثنانِ: الوقتُ ، والإسلامُ .
فيصحُ حجُّ الصبيِّ، ويُحرِمُ بنفسِهِ إِنْ كانَ مميِّراً ويُحرِمُ عنهُ ولِيُّهُ إنْ كانَ
صغيراً ، ويفعلُ بهِ ما يفعلُ في الحجِّ ؛ مِنَ الطوافِ والسعىِ وغيرِهِ .
وأمَّا الوقتُ : فهوَ شوالٌ وذو القعدةِ وتسعٌ مِنْ ذي الحجَّةِ إلى طلوع
الفجرِ مِنْ يومِ النحرِ ، فمَنْ أحرمَ بالحجِّ في غيرِ هذهِ المدَّةِ .. فهيَ عمرةٌ .
وجميعُ السنةِ وقتُ العمرةِ ، ولكنْ مَنْ كانَ معكوفاً على النسكِ أيامَ
منىّ .. فلا ينبغي أنْ يحرمَ بالعمرةِ، لأنَّهُ لا يتمكَّنُ مِنَ الاشتغالِ عَقِيبَه
الاشتغالِهِ بأعمالِ منى .
وأمَّا شروطُ وقوعهِ عنْ حجةِ الإسلام .. فخمسةٌ :
الإسلامُ، والحريةُ ، والبلوغُ ، والعقلُ ، والوقتُ .
فإنْ أحرمَ الصبيُّ أَوِ العبدُ ولكنْ عَتَقَ العبدُ وبلغَ الصبيُّ بعرفةَ أَوْ بمزدلفةً
وعادَ إلى عرفةَ قبلَ طلوع الفجرِ .. أجزأَهُما عنْ حجَّةِ الإسلام؛ لأنَّ الحجّ
عرفةُ ، وليسَ عليهما دمُ الإساءةِ .
١٥٣
حں
حن

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
وتُشترَطُ هذهِ الشرائطُ في وقوعِ العمرةِ عنْ فرضِ الإسلامِ إلا الوقتَ .
وأمَّا شرطُ وقوعِ الحجِّ نفلاً عنِ الحرِّ البالغِ :
كي؟
فهوَ براءةُ ذمتِهِ عنْ حجَّةِ الإسلامِ، فحجُّ الإسلامِ متقدمٌ، ثمَّ القضاءُ لمَنْ
أفسدَهُ في حالةِ الرقُّ ، ثمَّ النذرُ، ثمَّ النيابةُ، ثمَّ النفلُ، وهذا الترتيبُ
مستحقٌّ ، وكذلكَ يقعُ وإنْ نوى خلافَهُ .
وأمَّا شرائطُ لزوم الحجّ .. فخمسةٌ :
الإسلامُ ، والبلوغُ ، والعقلُ، والحريةُ ، والاستطاعةُ .
ومَنْ لزمَهُ فرضُ الحجِّ .. لزمَهُ فرضُ العمرةِ، ومَنْ أرادَ دخولَ مَّةً
لزيارةٍ أَوْ تجارةٍ ولمْ يكنْ حطّاباً .. لزمَهُ الإحرامُ على قولٍ ، ثمَّ يتحّلُ بعملِ
عمرةٍ أَوْ حجّ .
وأمَّا الاستطاعةُ . . فنوعانِ :
٤٠
أحدُهُما : المباشرةُ : وذلكَ لهُ أسبابٌ :
أمَّا في نفسِهِ .. فبالصحةِ .
وأمَّا في الطريقِ .. فبأنْ تكونَ خصبةً آمنةً، بلا بحرِ مخطرٍ ، ولا عدوٍّ
قاهرِ .
وأمَّا في المالِ .. فبأنْ يجدَ نفقةَ ذهابِهِ وإيابِهِ إلى وطنِهِ ، كانَ لهُ أهلٌ أَوْ
لمْ يكنْ ؛ لأنَّ مفارقةَ الوطنِ شديدةٌ ، وأنْ يملكَ نفقةَ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ في
هذهِ المدَّةِ ، وأنْ يملكَ ما يقضي بهِ ديونَهُ، وأنْ يقدرَ على راحلةٍ ،
حى حن جر
و٤:
١٥٤
٠٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
حمي
أَوْ كرائِها بمَحْمِلٍ ، أَوْ زاملةٍ إنِ استمسكَ على الزاملةِ(١).
وأمَّا النوعُ الثاني : فاستطاعةُ المعضوبِ بمالِهِ (٢) ، وهوَ أنْ يستأجرَ مَنْ
يحجُّ عنهُ بعدَ فراغ الأجيرِ عنْ حجَّةِ الإسلام لنفسِهِ ، ويكفي نفقةُ الذهابِ
بزاملةٍ في هذا النوعِ .
شرخ
والابنُ إذا عرضَ طاعتَهُ على الأبِ الزَّمِنِ .. صارَ بهِ مستطيعاً ، ولوْ
عرضَ مالَهُ .. لمْ يصرْ بهِ مستطيعاً؛ لأنَّ الخدمةَ بالبدنِ فيها شرفٌ للولدِ ،
وبذلُ المالِ فيهِ منَّةٌ على الوالدِ .
ومَنِ استطاعَ .. لزمَهُ الحجُّ، ولهُ التأخيرُ، ولكنَّهُ فيهِ على خطرِ ، فإنْ
تيسّرَ لهُ ولوْ في آخرِ عمرِهِ .. سقطَ عنهُ، وإنْ ماتَ قبلَ الحجِّ .. لقيّ اللهَ
عاصياً بترْكِ الحجِّ ، وكانَ الحجُّ في تركتِهِ يُحجُّ عنهُ وإنْ لمْ يوصٍ کسائرٍ
ديونِهِ ، وإنِ استطاعَ في سنةٍ فلمْ يخرجْ معَ الناسِ وهلكَ مالُهُ في تلكَ السنةِ
قبلَ حِجِّ الناسِ ، ثمَّ ماتَ .. لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ ولا حجّ عليهِ .
٠٥٥٠
ومَنْ ماتَ ولمْ يحجَّ معَ اليسارِ .. فأمرُهُ شديدٌ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، قالَ
عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لقدْ هممتُ أنْ أكتُبَ في الأمصارِ بضربِ الجزيةِ على
(١) أي: إن لم يقدر على شراء الراحلة .. فقدرته على أجرتها كافية للوجوب ، والزاملة :
البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع ولا مَحْمِل له ، والمحمل - كمنبر ومجلس -:
الهودج المركّب على البعير .
(٢) المعضوب : الضعيف ، والمراد: العاجز عن أداء الحج لعلَّة وزمانة فيه .
١٥٥

نء
كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
مَنْ لمْ يحجَّ ممَّنْ يستطيعُ إليه سبيلاً)(١) .
وعنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ وإبراهيمَ النخعيِّ ومجاهدٍ وطاووسِ : ( لوْ علمتُ
رجلاً غنيّاً وجبَ عليهِ الحجُّ ثمَّ ماتَ قبلَ أنْ يحجَّ .. ما صليتُ عليهِ)(٢).
وبعضُهُمْ كانَ لهُ جارٌ موسرٌ، فماتَ ولمْ يحجَّ ؛ فلمْ يصلِّ عليهِ (٣).
وكانَ ابنُ عباسٍ يقولُ : ( مَنْ ماتَ ولمْ يزٌ ولمْ يحجَّ .. سألَ الرجعةَ
إلى الدنيا) وقرأَ قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
تَرَكْثُ﴾ قالَ: أحجُّ(٤) .
وأمَّا الأركانُ التي لا يصحُّ الحجُّ دونَها .. فخمسةٌ :
الإحرامُ ، والطوافُ، والسعيُ بعدَهُ، والوقوفُ بعرفةَ ، والحلْقُ بعدَهُ
على قولٍ ، وأركانُ العمرةِ كذلكَ إلا الوقوفَ .
والواجباتُ المجبورةُ بالدم ستةٌ : الإحرامُ مِنَ الميقاتِ ، فمَنْ تركَهُ
وجاوزَ الميقاتَ محلاً .. فعليهِ شاةٌ، وأمَّا الرميُ .. ففيهِ الدمُ قولاً واحداً ،
مئن
حن حن
(١) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (٩٢٤/٢).
(٢) رواها ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (١٤٦٦٦، ١٤٦٦٨)، وحكاها في (( القوت))
( ٢ / ١١٤ ) .
(٣) قوت القلوب (١١٤/٢).
كن حم
(٤) رواه الترمذي (٣٣١٦) .
١٥٦
غازي
ج
مدن

----- -
ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
وأمَّا الصبْرُ بعرفةَ إلى غروبِ الشمسِ ، والمبيتُ بمزدلفةً ، والمبيتُ بمنىَ ،
وطوافُ الوداع .. فهذهِ الأربعةُ يجبرُ تركُها بالدم على أحدِ القولينِ ، وفي
القولِ الثاني : فيها دٌ على وجهِ الاستحبابِ .
وأمَّا وجوهُ أداءِ الحجّ والعمرةِ .. فثلاثةٌ:
الأوّلُ : الإفرادُ : وهوَ الأفضلُ، وذلكَ أنْ يقدِّمَ الحجَّ وحدَهُ ، فإذا
فرغَ .. خرجَ إلى الحلِّ، فأحرمَ واعتمرَ ، وأفضلُ الحلِّ لإحرام
العمرةِ الجِعْرَانَةُ، ثمَّ التنعيمُ، ثمَّ الحُدَيْبِيَةُ، وليسَ على المفردِ دمٌّ إلا أنْ
يتطوَّعَ .
الثاني : القِرانُ: وهوَ أنْ يجمعَ فيقولَ: ( لبيكَ بحجَّةٍ وعمرةٍ معاً ) ،
فيصيرُ مُحْرِماً بهما ، ويكفيهِ أعمالُ الحجِّ ، وتندرجُ العمرةُ تحتَ الحجِّ كما
يندرجُ الوضوءُ تحتَ الغسلِ، إلا أنَّهُ إذا طاف وسعى قبلَ الوقوفِ .. فسعيُهُ
محسوبٌ مِنَ النسكينِ، وأمَّا طوافُهُ .. فغيرُ محسوبٍ؛ لأنَّ شرطَ طوافٍ
الفرضِ في الحجِّ أنْ يقعَ بعدَ الوقوفِ ، وعلى القارنِ دمُ شاةٍ ، إلا أنْ يكونَ
مكيّاً فلا شيءَ عليهِ ؛ لأنَّهُ لمْ يتركْ ميقاتَهُ ؛ إذْ ميقاتُهُ مكَّةُ .
الثالثُ : التمتُّعُ : وهوَ أنْ يجاوزَ الميقاتَ محرماً بعمرةٍ ويتحلَّلَ بمكَّةَ ،
ويتمتَّعَ بالمحظوراتِ إلى وقتِ الحجِّ ، ثمَّ يحرمَ بالحجِّ ، ولا يكونُ متمتِّعاً
إلا بخمسٍ شرائطَ :
١٥٧
كن
مثن
حن ش
كن حن حن
شن

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
أحدُها : ألا يكونَ مِنْ حاضري المسجدِ الحرام ، وحاضرُهُ : مَنْ كانَ
منهُ على مسافةٍ لا تُقُصَرُ فيها الصلاةُ .
الثاني : أنْ يقدِّمَ العمرةَ على الحجِّ .
الثالثُ : أنْ تكونَ عمرتُهُ في أشهرِ الحجِّ .
الرابعُ : ألا يرجعَ إلى ميقاتِ الحجِّ ، ولا إلى مثلِ مسافتِهِ الإحرامِ
الحجِّ .
الخامسُ : أنْ يكونَ حُّهُ وعمرتُهُ عنْ شخصٍ واحدٍ .
فإذا وجدتْ هذهِ الأوصافُ .. كانَ متمتّعاً، ولزمَهُ دمُ شاةٍ ، فإنْ لمْ
يجدْ .. فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ قبلَ يوم النحرِ متفرِّقَةٍ أَوْ متتابعةٍ ، وسبعةٍ
إذا رجعَ إلى الوطنِ، وإنْ لمْ يصمِ الثلاثةَ حتَّى رجعَ إلى الوطنِ .. صامَ
العشرةَ متتابعةً أَوْ متفرقةً، وبدلُ دم القِرانِ والتمتُّع سواءٌ .
والأفضلُ : الإفرادُ ، ثمَّ التمتُّعُ ، ثم القِرانُ .
٢
وأمَّا محظوراتُ الحجِّ والعمرةِ .. فستةٌ :
الأُوَّلُ : اللبسُ للقميصِ والسراويلِ والخفِّ والعِمامةِ : بلْ ينبغي أنْ
يلبَسَ إزاراً ورداءً ونعلينِ ، فإنْ لمْ يجدْ نعلينٍ .. فمِكْعبينٍ(١) ، فإنْ لمْ يجدْ
(١) المكعب: هو بوزان مِقْوَد أو مُعَظّم، غير عربي، مداسٌ يستر ظاهر القدمين ولا يبلغ
الكعبين .
١٥٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
عن
إزاراً .. فسراويلَ، ولا بأسَ بالمِنْطَقةِ (١)، والاستظلالِ بالمَحْمِلِ ، ولكنْ
لا ينبغي أنْ يغطيَ رأسَهُ؛ فإنَّ إحرامَهُ في الرأسِ .
وللمرأةِ أنْ تلبسَ كلَّ مخيطٍ بعدَ ألا تسترَ وجهَها بما يماسُّهُ ؛ فإنَّ إحرامَها
في وجهِها .
الثاني : الطَّيْبُ: فليجتنبْ كلَّ ما يعدُّهُ العقلاءُ طِيباً ، فإنْ تطيّبَ أَوْ
لبسَ . . فعلیهِ دمُ شاةٍ .
ئن
الثالثُ : الحلْقُ والقلْمُ : وفيهما الفديةُ ؛ أعني : دمَ شاةٍ ، ولا بأسَ
بالكخْلِ ، ودخولِ الحمَّامِ ، والفصدِ ، والحجامةِ ، وترجيلِ الشعرِ .
الرابعُ : الجماعُ: وهوَ مفسدٌ قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ، وفيهِ بدنةٌ أَوْ بقرةٌ أَوْ
سَبْعُ شياهٍ ، وإنْ كانَ بعدَ التحلُّلِ الأولِ .. لزمَهُ البدنةُ ولمْ يفسدْ حجُّهُ .
الخامسُ : مقدماتُ الجماع : كالقبلةِ والملامسةِ التي تنقضُ الطهْرَ معَ
النساءِ ، فهوَ محرَّمٌ ، وفيهِ شاةٌ ، وكذا في الاستمناءِ ، ويحرمُ النكاحُ
والإنكاحُ ولا دمَ فيهِ ؛ لأنَّهُ لا ينعقدُ .
السادسُ : قتلُ صيدِ البرِّ : أعني: ما يؤكلُ أَوْ ما هوَ متولِّدٌ مِنَ الحلالِ
والحرام ، فإنْ قتلَ صيداً .. فعليهِ مثلُهُ مِنَ النَّعَمِ ، يُراعىُ فيهِ التقاربُ في
الخلْقَةِ ، وصيدُ البحرِ حلالٌ ولا جزاءَ فيهِ .
ف 2
(١) المِنْطَقة: ما يشدُّه في وسطه؛ كالحزام ونحوه .
ں۔۔
١٥٩

2G
كتاب أسرار الحج
ے.
ربع العبادات
البَابُ الثّاني
في ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع
وهيَ عشر جمل
الجملة الأولى: في السنن من أول الخروج إلى الإحرام
وهيَ ثمانٍ
الأولى : في المالِ : فينبغي أن يبدأَ بالتوبةِ ، وردِّ المظالمِ ، وقضاءِ
الديونِ ، وإعدادِ النفقةِ لكلِّ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ إلى وقتِ الرجوع ، ويردُّ ما عندَهُ
مِنَ الودائع ، ويستصحبُ مِنَ المالِ الطيِّبِ الحلالِ ما يكفيهِ لذهابِهِ وإيابِهِ مِنْ
غيرِ تقتيرِ ، بلْ على وجهٍ يمكنُهُ معهُ التوسُّعُ في الزادِ ، والرفقُ بالضعفاءِ
والفقراءِ ، ويتصدَّقُ بشيءٍ قبلَ خروجِهِ ، ويشتري لنفسِهِ دابةً قويَّةً على
الحملِ ، لا تضعفُ، أوْ يكتريها ؛ فإن اكترى .. فليظهرْ للمكاري كلَّ
ما يريدُ أنْ يحملَهُ مِنْ قليلٍ وكثيرٍ ، ويحصُلُ رضاهُ فيهِ (١) .
حن
جن جن شن جة
مکز
حن
(١) ولو بإعطاء شيء زائد على الأجرة تطبيباً لخاطره ورفعاً للشبهة. ((إتحاف))
( ٣٢٤/٤) .
G
١٦٠