النص المفهرس

صفحات 121-140

ربع العبادات
حر
كتاب أسرار الصوم
وفي الحديث: (( مَنْ صامَ ثلاثةَ أيامٍ مِنْ شهرٍ حرام ؛ الخميسُ والجمعةٌ
والسبتُ .. كتبَ اللهُ لهُ عبادةَ تسع مئةٍ عامٍ))(١).
وفي الخبرِ: ((إذا كانَ النصفُ مِنْ شعبانَ .. فلا صومَ حتَّى رمضانَ))(٢)،
ولهذا يستحبُّ أن يفطرَ قبلَ رمضانَ أياماً ، فإنْ وصلَ شعبانَ برمضانَ ..
فجائزٌ، فعلَ ذلكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّةٌ(٣) ، وفصَلَ مراراً
كثيرةً(٤) .
ولا يجوزُ أنْ يقصدَ استقبالَ رمضانَ بيومينِ أَوْ ثلاثةٍ ، إلا أنْ يوافقَ وِرداً لهُ،
وكرهَ بعضُ الصحابةِ أنْ يُصامَ رجبٌ كلُّهُ ؛ حتَّى لا يضاهى بشهرِ رمضانَ(٥)
٨,٠٨٥
= سنتين ، ومن صام يوماً من المحرَّم .. فله بكل يوم ثلاثون يوماً)).
(١) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٣٣٧/١)، وفي (هـ، ز، و): ( سبع ) بدل
( تسع)، وهي عند ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١١٦/١٩)، وعند الطبراني في
((الأوسط)) (١٨١٠) بلفظ: ( سنتين ) .
(٢) رواه أبو داوود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في (( السنن الكبرى))
(٢٩٢٣)، وابن ماجه ( ١٦٥١).
(٣) سبق تخريج حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله ، ووصل شعبان
برمضان رواه أبو داوود (٢٣٣٦)، والترمذي (٧٣٦)، والنسائي (٢٣٥٣) ، وابن
ماجه ( ١٦٤٨ ) .
(٤) ففي ((أبي داوود)) (٢٣٢٥) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم لرؤية رمضان ،
فإن غمَّ عليه .. عدَّ ثلاثين يوماً ثم صام ) .
(٥) روى ابن ماجه ( ١٧٤٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه
وسلم نهى عن صيام رجب ) .
١٢١
جة حن خن
حن
حں.

كتاب أسرار الصوم
ربع العبادات
فالأشهرُ الفاضلةُ : ذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ورجبٌ وشعبانُ ، والأشهرُ
الحُرُمُ : ذو القعدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ورجبٌ ، واحدٌ فردٌ وثلاثةٌ سردٌ ،
وأفضلُها ذو الحجَّةِ ؛ لأنَّ فيهِ الحجَّ والأيامَ المعلوماتِ والمعدوداتِ ، وذو
القعدةِ مِنَ الأشهرِ الحُرُم وهوَ مِنْ أشهرِ الحجِّ ، وشؤَّالٌ مِنْ أشهرِ الحجِّ وليسَ
مِنَ الحُرُمِ ، والمحرَّمُ ورجبٌ ليسا مِنْ أشهرِ الحجِّ .
فتّ
وفي الخبرِ : (( ما مِنْ أيام العملُ فيهنَّ أفضلُ وأحبُّ إلى اللهِ تعالىُ مِنْ
أيام عشْرِ ذي الحِجَّةِ ، إنَّ صومَ يوم منهُ يعدِلُ صيامَ سنةٍ ، وقيامَ ليلةٍ منهُ
تعدلُ قيامَ ليلةِ القَدْرِ )) ، قيلَ: ولا الجهاد في سبيلِ اللهِ تعالى ؟ قالَ:
((ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، إلا مَنْ عُقِرَ جوادُهُ وأَهِّرِيقَ دمُّهُ))(١).
وأمَّا ما يتكرّرُ في الشهرِ :
فأوَّلُ الشهرِ، وأوسطُهُ، وآخرُهُ ، ووسَطُهُ الأيامُ البيضُ ؛ وهيَ الثالثَ
عشرَ ، والرابعَ عشرَ ، والخامسَ عشرَ .
ثر.
C
(١) رواه الترمذي (٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٨) دون زيادة: ((ولا الجهاد في
سبيل الله ... ))، وهي عند البخاري ( ٩٦٩) بغير ذكر الصوم في الحديث ، وروى
البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٨٥/٤): أن رجلاً سأل أبا هريرة فقال: إن علي
رمضان وأنا أريد أن أتطوع في العشر ؟ قال : لا ، بل ابدأ بحق الله فاقضه ، ثم تطوع بعد
ما شئت .
.....--
ـون
١٢٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصوم
ـترة
وأمَّا في الأسبوع :
فالاثنينُ والخميسُ والجمعةُ (١) ، فهذهِ هيَ الأيامُ الفاضلةُ ، فيستحبُّ
فيها الصيامُ ، وتكثيرُ الخيراتِ ؛ لتضاعفِ أجورِها ببركةِ هذهِ الأوقاتِ .
وأمَّا صومُ الدهرِ :
فإنَّهُ شاملٌ للكلِّ وزيادةٌ ، وللسالكينَ فيهِ طرقٌ : فمنهُمْ مَنْ كرهَ ذلكَ ؛
إذْ وردتْ أخبارٌ تدلُّ على كراهتِهِ (٢)، والصحيحُ: أَنَّهُ إنَّما يكرهُ لشيئينِ :
أحدُهما : ألا يفطرَ في العيدينِ وأيام التشريقِ ، فهوَ الدهرُ كلُّهُ .
ےے
والآخرُ : أنْ يرغبَ عنِ السنَّةِ في الإفطارِ ويجعلَ الصومَ حجْراً على
نفسِهِ ، معَ أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ تُؤْتى رخصُهُ كما يُحبُّ أنْ تؤتَى عزائمُهُ(٣).
فإذا لمْ يكنْ شيءٌ مِنْ ذلكَ، ورأى صلاحَ نفسِهِ في صومِ الدهرِ ..
فليفعلْ ذلكَ ؛ فقدْ فعلَهُ جماعةٌ مِنَ الصحابة والتابعينَ لهُم بإحسانٍ رضيَ اللهُ
.و. (٤)
عنْهُمْ(٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ أبو موسى الأشعريُّ: ((مَنْ صامَ الدهرَ
(١) إن صام يوماً قبله أو بعده ، أو وافق يوماً يصومه ؛ إذ إفراده بالصوم مكروه .
(٢) كما روى البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩) مرفوعاً ((لا صام من صام الأبد)).
(٣) كما روى ذلك أحمد في «المسند)» (١٠٨/٢).
(٤) كعبد الله بن الزبير، وعروة وسعيد بن المسيب ووكيع وغيرهم ، وذكر الحافظ الزبيدي
عن شيخه العالم الورع الزاهد محمد بن شاهين الدمياطي أنه كان كذلك ، يصوم الدهر
ولا يفطر، انظر ((الإتحاف)) (٢٦١/٤).
١٢٣
ـحن
حز
م

كتاب أسرار الصوم
ربع العبادات
حر
كلَّهُ .. ضُيَتْ عليهِ جهَّمُ )) وعقدَ تسعينَ(١)، معناه: لمْ يكنْ لهُ فيها موضعٌ.
٥
ودونَهُ درجةٌ أخرى ، وهيَ صومُ نصْفِ الدهرِ ؛ بأنْ يصومَ يوماً ويفطرَ
يوماً ، وذلكَ أشدُّ على النفسِ وأقوى في قهرِها ، وقدْ وردَ في فضلِهِ أخبارٌ
كثيرةٌ؛ لأنَّ العبدَ فيهِ بينَ صبْرِ يومٍ وشكْرٍ يومٍ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:
(( عرضتْ عليَّ مفاتيحُ خزائنِ الدنيا وكنوزُ الأرضِ ، فرددتُها وقلتُ : أجوعُ
يوماً وأشبعُ يوماً ، أحمدُكَ إذا شبعتُ، وأتضرَّعُ إليكَ إذا جعتُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ الصيام صومُ أخي داوودَ ، كانَ
يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً))(٣).
ومِنْ ذلكَ : منازلتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضيَ اللهُ
عنهُما في الصوم وهوَ يقولُ : إنِّي أطيقُ أفضلَ مِنْ ذلكَ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( صُمْ يوماً وأفطرْ يوماً ))، فقالَ: إنِّي أطيقُ أفضلَ مِنْ ذلكَ ، فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا أفضلَ مِنْ ذلكَ))(٤).
ـحر
٩٠
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٥٨٤)، ثم نقل عن أبي حاتم: (القصد في هذا
الخبر صوم الدهر الذي فيه أيام التشريق والعيدين)، وقال ابن الملقن في ((البدر
المثير)) (٧٦٥/٥): (أي : ضيقت عنه فلم يدخلها ، أو ضيقت عليه ؛ أي :
لا يكون له فيها موضع ) ، وهذا ما سيفسره به المصنف رحمه الله تعالى .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣٤٧) بنحوه .
(٣) رواه الترمذي ( ٧٧٠ ) بلفظه ، وهو عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمرو الآتي .
(٤) رواه البخاري ( ١٩٧٦)، ومسلم ( ١١٥٩).
١٢٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصوم
وقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما صامَ شهراً كاملاً قطُّ إلا
رمضانَ(١) ، بلْ كانَ يفطرُ مِنْ غيرِهِ .
ومَنْ لا يقدرُ على صومِ نصفِ الدهرِ .. فلا بأسَ بثلثِهِ ، وهوَ أنْ يصومَ
يوماً ويفطرَ يومينٍ(٢)، وإذا صامَ ثلاثةً مِنَ أَوَّلِ الشهرِ وثلاثةً مِنَ الوسطِ
وثلاثةً مِنَ الآخرِ .. فهوَ ثلثٌ وواقعٌ في الأوقاتِ الفاضلةِ ، وإنْ صامَ الاثنينَ
والخميسَ والجمعةَ .. فهوَ قريبٌ مِنَ الثلثِ .
ےے
وإذا ظهرتْ أوقاتُ الفضيلةِ .. فالكمالُ في أنْ يفهمَ الإنسانُ معنى
الصوم ، وأنَّ مقصودَهُ تصفيةُ القلبِ وتفريغُ الهمِّ للهِ عزَّ وجلَّ .
والفقيهُ بدقائقِ الباطنِ ينظرُ إلى أحوالِهِ ، فقدْ يقتضي حالُّهُ دوامَ الصوم ،
وقدْ يقتضي دوامَ الفطرِ ، وقَدْ يقتضي مزجَ الإفطارِ بالصومِ ، فإذا فهمَ المعنىُ
وتحقَّقَ حدَّهُ في سلوكٍ طريقِ الآخرةِ بمراقبةِ القلبِ .. لمْ يخفَ عليهِ صلاحُ
قلبهٍ ، وذلكَ لا يوجبُ ترتيباً مستمرّاً ، ولذلكَ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
كانَ يصومُ حتَّى يقالَ : لا يفطرُ، ويفطرُ حتَّى يقالَ: لا يصومُ، وينامُ حتَّى
يقالَ: لا يقومُ، ويقومُ حتَّى يقالَ: لا ينامُ(٣)، وكانَ ذلكَ بحسَبٍ
(١) كما في (( البخاري)) ( ١٩٧١)، و((مسلم)) ( ١١٥٦).
(٢) كما في ((مسلم)) (١١٦٢) حيث قال صلى الله عليه وسلم فيه: (( وددت أني طوقت
ذلك )) .
(٣) كما في ((البخاري)) (١١٤١)، و((مسلم)) (١١٥٨)، واللفظ للبخاري عن أنس =
١٢٥
حن
حن
ك)

٢٥
كتاب أسرار الصوم
مــ
ربع العبادات
ما ينكشفُ لهُ بنورِ النبوَّةِ مِنَ القيامِ بحقوقِ الأوقاتِ .
وقدْ كرهَ بعضُ العلماءِ أنْ يواليَ بينَ الإفطارِ أكثرَ مِنْ أربعةِ أيامٍ ، تقديراً
بيومِ العيدِ وأيام التشريقِ ، وذكروا أنَّ ذلكَ يقسِّي القلبَ ، ويولِّدُ رديءَ
العاداتِ ، ويفتحُ أبوابَ الشهواتِ .
ولعمري ؛ هوَ كذلكَ في حقِّ أكثرِ الخلقِ ، لا سيما مَنْ يأكلُ في اليوم
والليلةِ مرتينٍ .
فهذا ما أردنا ذكرَهُ مِنْ ترتيبِ الصومِ المتطوَّعِ بهِ ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ .
تم كتاب أسرار الصوم ومهماته
وهو الكتاب السادس من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين
والله تعالى محمود مشكور
وصلّى اله على خير خلقه سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين
يتلوه كتاب أسرار الج ومهماته
رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن
=
لا يصومُ، ويصوم حتى نظن أن لا يفطرُ منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً
إلا رأيته ، ولا نائماً إلا رأيته ) .
من حي كن جن جم ئن
١٢٦
...-*

كن
ملين
كِتَابُ
أسرار الجُم
وَمُهْمَّاتِهِ
وهو الكتاب التابع من ربع العبادات
من كتب إحياء علوم الدين
١٢٧

ربع العبادات
اے
كتاب أسرار الحج
كتاب أسرار الرج ومهماته
بِسِْاللهِ الرَّحْمِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي جعلَ كلمةَ التوحيدِ لعبادِهِ حرزاً وحصناً ، وجعلَ البيتَ
العتيقَ مثابةً للناس وأمناً ، وأكرمَهُ بالنسبةِ إلى نفسِهِ تشريفاً وتخصيصاً ومنّاً ،
وجعلَ زيارتَهُ والطوافَ بهِ حجاباً بينَ العبدِ وبينَ العذابِ ومِجَنّاً .
والصلاةُ على محمدٍ نبيِّ الرحمةِ وسيِّدِ الأمَّةِ ، وعلى آلِهِ وصحبهِ قادةِ
الحقِّ وسادةِ الخلْقِ ، وسلَّم تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فإنَّ الحَّ مِنْ بينِ أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ عبادةُ العمرِ ، وختامُ الأمرِ ،
وتمامُ الإسلام، وكمالُ الدينِ، فيهِ أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَهُ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمّ ◌ِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ﴾ .
وفيهِ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ماتَ ولمْ يحجَّ .. فليمتْ إنْ شاءَ
يهودياً وإنْ شاءَ نصرانياً))(١).
(١) رواه الترمذي (٨١٢)، والدارمي في (( سننه)) (١٨٢٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٢٥١/٩)، والبيهقي في « السنن الكبرى)» (٣٣٤/٤)، وقال: (وهذا وإن كان
إسناده غير قوي .. فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) وذكره .
فائه
١٢٩
ـيـ

كتاب أسرار الحج
١٦٠٠
ربع العبادات
فأعظمْ بعبادةٍ يعدمُ الدين بفقدِها الكمالَ ، ويساوي تاركُها اليهودَ
والنصارى في الضلالِ ، وأجدرْ بها أنْ تُصرفَ العنايةُ إلى شرحِها وتفصيلٍ
أركانِها وسننِها وآدابها وفضائِلها وأسرارها .
وجملةُ ذلكَ ينكشفُ بتوفيقِ اللهِ عزَّ وجلَّ في ثلاثةِ أبوابٍ :
البابُ الأوَّلُ : في فضائلِها وفضائلِ مكَّةَ والبيتِ العتيقِ ، وجملٍ أركانِها
وشرائطٍ وجوبِها .
البابُ الثاني : في أعمالِها الظاهرةِ على الترتيبِ مِنْ مبدأِ السفرِ إلى
الرجوع .
البابُ الثالثُ : في آدابِها الدقيقةِ وأسرارِها الخفيّةِ وأعمالِها الباطنةِ .
فلنبدأُ بالبابِ الأوَّلِ :
تن حن جن جن حن عن في جن حن
١٣٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
البَابُ الْأَوَلُ
في فضائلها وفضائل مكّة والبيت العتيق
وجمل أركانها وشرائط وجوبها
وفيه فصلان®
الفَصْلُ الْأَوَلُ
في فضائل اتج وفضية البيت كة والمدينة عرسهما الله
وشد الرّحال إلى المشاهد العظام
شن طن من حن
فضيلة الحمج
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ .
قالَ قتادةٌ : ( لمَّا أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أنْ يؤذِّنَ في الناسِ
بالحجِّ .. نادى: يا أيُّها الناسُ؛ إنَّ اللهِ بيتاً فحجُّوهُ)(٢).
(١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية.
(٢) رواه قتادة عن عكرمة بن خالد كما في ((مناسك ابن أبي عروبة)) (٢٢)، و(( تاريخ
دمشق)) (٦ / ٢٠٧ ) .
بتـنة
١٣١

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾، قيلَ: ( التجارةُ في الموسمِ :
والأجرُ في الآخرةِ)(١) .
ولمَّا سمعَ بعضُ السلفِ هذَا .. قالَ: (غفرَ لهُمْ وربِّ الكعبةِ)(٢) .
وقيلَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ ﴾: إنَّهُ طريقُ
مكَّةَ ، يقعدُ الشيطانُ عليها ليمنعَ الناسَ منها(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حجَّ البيتَ فلمْ يرفثْ ولمْ يفسقْ ..
خرجَ مِنْ ذنوبِهِ كيومَ ولدتْهُ أُمُّهُ))(٤).
وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما رُئِّيَ الشيطانُ في يوم هُوَ أصغرَ
ولا أدحرَ ولا أحقرَ ولا أغيظَ منهُ يومَ عرفةَ ، وما ذلك إلا لما يرى مِنْ تنوُّلِ
الرحمةِ، وتجاوزِ اللهِ عنِ الذنوبِ العظام))(٥)، إذْ يقالُ: ((إنَّ مِنَ الذنوب
ذنوباً لا يكفِّرُها إلا الوقوفُ بعرفةَ))، وقدْ أسندَهُ جعفرُ بنُ محمدٍ إلى
رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٦).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره )) (١٨٦/١٧/١٠) عن مجاهد.
(٢) قوت القلوب (١٢٠/٢ ).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٣/٤) عن عون بن عبد الله، وروي موقوفاً على
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من رواية الفاكهي في ((أخبار مكة)) (١٣٢/٤).
(٤) رواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم ( ١٣٥٠).
(٥) رواه مالك في ((الموطأ)) (٤٢٢/١) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً،
والدحر : الدفع بعنف على سبيل المهانة والإذلال .
(٦) كذا قال صاحب ((القوت)) (١٢٠/٢) ولفظه: (وقد رفعه جعفر بن محمد فأسنده).
كن حن كن جن جن حل جن زن
١٣٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
وذكرَ بعضُ المكاشفينَ مِنَ المقرَّبينَ : أنَّ إبليسَ ظهرَ لهُ في صورةٍ
شخصٍ بعرفةَ ، فإذا هوَ ناحلُ الجسمِ ، مصفرُّ اللونِ باكي العينِ ، مقصوفُ
الظهرِ ، فقالَ لهُ : ما الذي أبكى عينَكَ ؟ قالَ : خروجُ الحاجِّ إليهِ بلا
تجارةٍ ، أقولُ: قدْ قصدوهُ، أخافُ ألا يخيبَهُمْ، فيحْزُنُني ذلكَ ، قالَ :
فما الذي أنحلَ جسمَكَ ؟ قالَ : صهيلُ الخيلِ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولوْ
كانتْ في سبيلي كانَ أحبّ إليَّ، قالَ : فما الذي غيّرَ لونَكَ ؟ قالَ: تعاونُ
الجماعةِ على الطاعةِ ، ولوْ تعاونوا على المعصيةِ كانَ أحبّ إليَّ ، قالَ : فما
الذي قصفَ ظهرَكَ ؟ قالَ : قولُ العبدِ : أسألُكَ حسنَ الخاتمةِ ، أقولُ :
يا ويلتي! متى يعجبُ هذا بعملِهِ، أخافُ أنْ يكونَ قدْ فطنَ(١).
2
حن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ حاجّاً أَوْ معتمراً ،
فماتَ .. أُجريَ لهُ أجرُ الحاجِّ المعتمرِ إلى يومِ القيامةِ، ومَنْ ماتَ في أحدٍ
الحرمينِ .. لمْ يُعْرَضْ ولمْ يحاسبْ، وقيلَ لهُ: ادخل الجنَّةَ))(٢).
(١) قوت القلوب (١٢٠/٢)، وروى ابن ماجه (٣٠١٣) حديث دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم في عرفة ، وفيه : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال: تبسم - فقال
له أبو بكر وعمر : بأبي أنت وأمي ؛ إن هذه الساعة ما كنت تضحك فيها ، فما الذي
أضحكك أضحك الله سنَّك؟ قال: ((إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد
استجاب دعائي وغفر لأمتي .. أخذ التراب ، فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل
والثبور ، فأضحكني ما رأيت من جزعه )) .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٣٨٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٨٠٢).
١٣٣
دن
دن
مدن

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( حجَّةٌ مبرورةٌ خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها،
وحجةٌ مبرورةٌ ليسَ لها جزاءٌ إلا الجنةُ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ اللهِ عزَّ وجلَّ
وزوَّارُهُ، إنْ سألوهُ .. أعطاهُمْ، وإنِ استغفروهُ .. غفرَ لَهُمْ، وإِنْ دعَوا ..
استجيبَ لهُمْ، وإنْ تشفَّعُوا .. شُفِّعُوا))(٢).
وفي حديثٍ مسندٍ مِنْ طريقِ أهلِ البيتِ عليهمُ السلامُ: ((أعظمُ الناسِ
ذنباً مَنْ وقفَ بعرفةَ فظنَّ أنَّ اللهَ تعالى لمْ يغفرْ لهُ))(٣) .
وروى ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ
قالَ : (( ينزلُ على هذا البيتِ في كلِّ يوم مئةٌ وعشرونَ رحمةٌ ، ستونَ
للطائفينَ، وأربعونَ للمصلِّينَ، وعشرونَ للناظرينَ))(٤).
مز»
(١) روى البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩) مرفوعاً: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما
بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))، ومعنى الشطر الأول مستفاد من
حديثين؛ ما رواه البخاري (٢٧٩٢)، ومسلم ( ١٨٨٠) مرفوعاً: ((لغدوة في
سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها))، وما رواه البخاري (١٥٢٠) عن عائشة
رضي الله عنها قالت : يا رسول الله؛ نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قال :
(( لا ، لكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور » .
(٢) الحديث أورده المصنف بلفظ صاحب ((القوت)) (١٢٠/٢)، وأوله عند ابن ماجه (٢٨٩٢)
بلفظ: (( الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه .. أجابهم ، وإن استغفروه .. غفر لهم )).
(٣) كذا في ((القوت)) (١٢٠/٢)، حيث قال: (وقد روينا حديثاً مسنداً من طريق أهل
البيت ... ) وذكره، وقد رواه الخطيب في (( المتفق والمفترق)) (٢١٩).
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٩٥/١١)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) =
١٣٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
وفي الخبرِ : ( استكثروا منَ الطوافِ بالبيتِ ؛ فإنَّهُ مِنْ أقلِّ شيءٍ تجدونَهُ
في صحفِكُمْ يومَ القيامةِ، وأغبطِ عملٍ تجدونَهُ)(١) ، ولهذا يستحبُّ
الطوافُ ابتداءً مِنْ غيرِ حِجٌّ ولا عمرةٍ .
شن
وفي الخبرِ: (( مَنْ طافَ أسبوعاً حافياً حاسراً .. كانَ لهُ كعتقِ رقبةٍ ،
ومَنْ طافَ أسبوعاً في المطرِ .. غُفِرَ له ما سلفَ مِنْ ذنوبِهِ))(٢).
ويقالُ : ( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا غفرَ لعبدٍ ذنباً في الموقفِ .. غفرَهُ لكلِّ مَنْ
أصابَهُ في ذلكَ الموقفِ )(٣).
5
٦ھے
وقالَ بعضُ السلفِ : ( إذا وافقَ يومُ عرفةَ يومَ جمعةٍ .. غُفِرَ لكلِّ أهلِ
عرفةً )(٤)، وهوَ أفضلُ يومٍ في الدنيا ، وفيهِ حجّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ حجَّةَ الوداع، وكانَ واقفاً إذْ نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
= (١٥١/١)، ورواه مسلسلاً بالمكيين الحافظ الزبيدي في ((إتحاف السادة المتقين)"
(٢٧٢/٤)، ورواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٨/٢) من كلام حسان بن عطية.
(١) لفظ المصنف لههذا الحديث عند صاحب ((القوت)) (١١٩/٢)، وهو موقوف على
سيدنا علي رضي الله عنه كما رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٢١٨/١) بلفظ:
( استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه ، فكأني أنظر إليه حبشياً
أصيلع أصيمع قائماً عليها يهدمها بمسحاته ) ، فالرواية للقطعة الأولى منه .
(٢) كذا هو لفظ الحديث عند صاحب ((القوت)) (١١٩/٢)، وقال: (روي ذلك عن
الحسن بن علي ، قاله لأصحابه ، ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وأوله
عند الترمذي ( ٩٥٩)، وحديث الطواف فى المطر عند ابن ماجه (٣١١٨).
(٣) قوت القلوب (١٢٠/٢).
(٤) قوت القلوب (١٢٠/٢).
١٣٥

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾، قالَ أهلُ الكتابِ: لَوْ أنزلتْ
هذهِ الآيةُ علينا .. لجعلناها يومَ عيدٍ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : أشهدُ لقدْ
أنزلتْ هذهِ الآيةُ في يومِ عيدينِ اثنينِ ؛ يومَ عرفةَ ويومَ جمعةٍ على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ واقفٌ بعرفةً(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اغفرْ للحاجِّ ولمَنِ استغفرَ لهُ
الحاجٌ)) (٢) .
ورُوِيَ أنَّ عليَّ بنَ الموفقِ حجَّ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
حججاً ، قالَ : فرأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنامِ ، فقالَ
لي : يا بنَ الموفقِ ؛ حججتَ عنِّي ؟ قلتُ : نعمْ ، قَالَ : ولبَّيتَ عنِّي ؟
قلتُ : نعمْ ، قالَ : فإنِّي أكافئُكَ بها يومَ القيامةِ ؛ آخذُ بيدِكَ في الموقفِ ،
فأدخلُكَ الجنَّةَ والخلائقُ في كرْبِ الحسابِ(٣).
وقالَ مجاهدٌ وغيرُهُ مِنَ العلماءِ : ( إنَّ الحاجَّ إذا قدموا مكَّةَ .. تلقتْهُمُ
الملائكةُ، فسلَّموا على ركبانِ الإبلِ، وصافحوا ركبانَ الحُمُرِ ، واعتنقوا
المشاةَ اعتناقاً )(٤) .
من ضى جن جن حن حن قن خن وخ من
(١) كما في ((البخاري)) (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧).
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٨٥٨٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٤١/١).
(٣) قوت القلوب (١٢١/٢).
(٤) روى نحوه البيهقي مرفوعاً في ((الشعب)) (٣٨٠٥)، ورواه الفاكهي في « أخبار مكة »
(٢٧٦/٢) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، وعن مجاهد ذكره أبو طالب المكي
في ((قوت القلوب)) (١٢٠/٢)، وأما استعمال لفظ (الحاجّ) مع إرادة الجمع ..
ـدر
١٣٦
eas

ربع العبادات
2ـ
كتاب أسرار الحج
وقالَ الحسنُ : ( مَنْ ماتَ عَقيبَ رمضانَ أَوْ عَقيبَ غزوٍ أوْ عقيبَ حِجِّ ..
ماتَ شهيداً)(١).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الحاجُّ مغفورٌ لهُ ولمَنِ استغفرَ لهُ في شهرِ
ذي الحجَّةِ والمحرَّمِ وصفرٍ وعشرٍ مِنْ ربيع الأوَّلِ)(٢) .
وقدْ كانَ مِنْ سنَّةِ السلفِ أنْ يشيّعُوا الغزاةَ ، وأنْ يستقبلوا الحاجَّ ،
ويقبِّلُوا بِينَ أعينِهِمْ، ويسألوهُمُ الدعاءَ لهُمْ ، ويبادرونَ ذلكَ قبلَ أنْ يتدنَّسوا
بالآثامِ(٣) .
مكن
ويُروَىُ عنْ عليٍّ بنِ الموفقِ قالَ: ( حججتُ سنةً، فلمَّا كانَ ليلةٌ
عرفةَ .. نمتُ بمنىّ في مسجدِ الخَيْفِ ، فرأيتُ في المنام كأنَّ ملكينٍ قدْ نزلا
مِنَ السماءِ عليهما ثيابٌ خضْرٌ، فنادى أحدُهُما صاحبَهُ : يا عبدَ اللهِ ؛ فقالَ
الآخرُ : لبيكَ يا عبدَ اللهِ ؛ قالَ : تدري كمْ حجَّ بيتَ ربِّنا عزَّ وجلَّ في هذهِ
فإما أن يكون كالجامل والباقر ، وهو يطلق على جماعة الجمال والبقر مع رعاتها ، فهو
=
اسم جمع ، وإما أن يراد به الجنس ، وعليه يجري قولهم : أقبل الحاجُ والداجُ؛
فالحاجُّ : الذين يحجون ، والداجُ : أعوانهم .
(١) قوت القلوب (١٢٠/٢).
(٢) قوت القلوب (١٢٠/٢)، قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٢٧٥/٤):
( ويوجد في بعض نسخ الكتاب: (( وعشرين من ربيع الأول )) واغترَّ به المناوي فنقله
في (( شرح الجامع)) [٤٣٧/١] هكذا نقلاً عن الكتاب ، وهو وهم ، والصواب
ما تقدم ) .
(٣) قوت القلوب (١٢٠/٢).
فمه
١٣٧

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
السنةِ ؟ قالَ : لا أدري ، قالَ: حجَّ بيتَ ربَّنا ستُّ مئةِ ألفٍ ، فتدري كمْ قُبُلَ
منهم ؟ قالَ : لا ، قالَ : قُبُلَ منهُمْ سنَّةُ أنفسٍ .
قال : ثمَّ ارتفعا في الهواءِ ، فغابا عنِّي، فانتبهتُ فزعاً، واغتممْتُ غمّاً
شديداً ، وأهمَّني أمري ، فقلتُ : إذا قُبِلَ حُ سنَّةِ أنفسٍ .. فأينَ أكونُ أنا
في سنَّةٍ أنفسٍ ؟
فلما أفضتُ مِنْ عرفةَ .. قمتُ عندَ المشعرِ الحرام ، فجعلتُ أفكّرُ في
كثرةِ الخَلْقِ وفي قلَّةِ مَنْ قُبلَ منهُمْ ، فحملني النومُ ، فإذا الشخصانِ قدْ نزلا
على هيئتِهما ، فنادى أحدُهما صاحبَهُ ، وأعادَ ذلكَ الكلامَ بعينِهِ ثمَّ قالَ :
أتدري ماذا حَكَمَ ربَّنا عزَّ وجلَّ في هذهِ الليلةِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فإنَّهُ وَهَبَ
لكلِّ واحدٍ مِنَ الستةِ مئةَ ألفٍ . قالَ : فانتبهتُ وبي مِنَ السرورِ ما يجلُّ عنِ
الوصفِ )(١) .
وعنهُ رضيَ اللهُ عنهُ أيضاً أنَّهُ قالَ : ( حججتُ سنةً، فلمَّا قضيتُ
مناسكي .. تفكرْتُ فيمَنْ لا يُتقبّلُ حُّهُ، فقلتُ : اللهمَّ ؛ إنِّي قدْ وهبتُ
حجتي وجعلتُ ثوابَها لمنْ لا يُتَقبَّلُ حجُّهُ ، قالَ : فرأيتُ ربَّ العزَّةِ جلَّ
جلالُهُ في النوم ، فقالَ لي : يا عليُّ ؛ تتسخَّى عليَّ وأنا خلقتُ السخاءَ
والأسخياءَ ، وأنا أجودُ الأجودينَ ، وأكرمُ الأكرمينَ ، وأحقُّ بالجودِ والكرم
مِنَ العالمينَ؟! قدْ وهبتُ كلَّ مَن لمْ أقبلْ حجَّهُ لمَنْ قبلتُهُ)(٢).
تن
دں
دن
ب؟
جن حن حز حة
(١) قوت القلوب (١٢٠/٢).
(٢) قوت القلوب (١٢١/٢).
١٣٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الحج
فضيلة البيت ومكت هربها الله
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ قدْ وعدَ هذا البيتَ أنْ
يحجَّهُ في كلِّ سنةٍ ستُّ مئة ألفٍ، فإنْ نقصوا .. أكملَهُمُ اللهُ تعالى
بالملائكةِ ، وإنَّ الكعبةَ تحشرُ كالعروسِ المزفوفةِ ، وكلُّ مَنْ حجّها يتعلَّقُ
بأستارِها يسعونَ حولَها حتى تدخلَ الجنَّةَ، فيدخلونَ معَها)» (١) .
قن
حسن
وفي الخبرِ : ((إنَّ الحجرَ الأسودَ ياقوتةٌ مِنْ يواقيتِ الجنَّةِ ، وإنَّهُ يبعثُ
يومَ القيامةِ لهُ عينانِ ولسانٌ ينطقُ بهِ ، يشهدُ لمَنِ استلمَهُ بحقٍّ وصدْقٍ))(٢).
وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقبَّلُهُ كثيراً(٣) ، ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ
(١) كذا في ((القوت)) (١٢١/٢)، وقد رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٤٣٦/١) عن
أبي بكر - شك في رفعه - بلفظ: (( تحشر الكعبة إلى بيت المقدس متعلقاً بأستارها كل
من حج واعتمر))، وفي رواية : ( إن الكعبة تحشر يوم القيامة إلى بيت المقدس تزف
زف العروس ، متعلق بها من حج إليها ، فتقول الصخرة : مرحباً بالزائر والمزور ) ،
وقال السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٢٩/١): (وأخرج الواسطي عن كعب قال :
لا تقوم الساعة حتى يزف البيت الحرام إلى بيت المقدس ، فينقادان إلى الجنة وفيهما
أهلهما ، والعرض والحساب ببيت المقدس ) .
(٢) رواه الترمذي (٩٦١) بلفظ: ((والله؛ ليبعثه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان
ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق))، وله ( ٨٧٨) أيضاً: ((إن الركن والمقام
ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما .. لأضاءتا ما بين
المشرق والمغرب)) .
(٣) تقبيله صلى الله عليه وسلم للحجر عند البخاري (١٥٩٧)، ومسلم ( ١٢٧٠ ).
١٣٩
٢٠٠
من من

كتاب أسرار الحج
ربع العبادات
ـكن
عليهِ وسلَّمَ سجدَ عليهِ (١) ، وكانَ يطوفُ على الراحلةِ ، فيضعُ المحجَنَ عليهِ
ثُمَّ يقبّلُ طرِفَ المحجَنِ (٢).
وقبّلَهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ثمَّ قالَ : ( إنِّي لأَعلَمْ أَنَّكَ حجرٌ لا تضرُّ
ولا تنفعُ ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقبلُكَ ..
ما قبلتُكَ )(٣) ، ثمَّ بكىُ حتَّى علا نشيجُهُ، فالتفتَ إلى ورائِهِ فرأىُ عليّاً
رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : يا أبا الحسنِ ؛ هلهنا تسكبُ العبراتُ ، فقالَ عليّ
رضيَ اللهُ عنهُ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ بلْ هوَ يضرُّ وينفعُ ، قالَ : وكيفَ ؟
قالَ : إنَّ اللهَ تعالى لمَّا أخذَ الميثاقَ على الذريَّةِ .. كتبَ عليهِمْ كتاباً ثمَّ ألقمَهُ
هذا الحجرَ ، فهوَ يشهدُ للمؤمنِ بالوفاءِ ، ويشهدُ على الكافرِ بالجحودِ (٤).
قيلَ : فذلكَ هوَ معنى قولِ الناسِ عندَ الاستلام : اللهمَّ ؛
(١) كما روى ذلك الدارقطني في ((سننه)) (٢٨٩/٢)، والحاكم في (( المستدرك»
(١/ ٤٧٣ ) .
(٢) كما روى ذلك مسلم ( ١٢٧٥ ).
(٣) رواه البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠ ) وسبق .
(٤) روى هذه الزيادة الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٢٥٧/١)، والحاكم في (( المستدرك))
(٤٥٧/١) وزادا: ( فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا با الحسن )
بحذف الهمزة من الأب تخفيفاً وهو مستعمل ، وقوله : ( تسكب العبرات ) جاء رواية
لابن ماجه ( ٢٩٤٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : استقبل رسول الله صلى الله
عليه وسلم الحجر ، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ، ثم التفت فإذا هو بعمر بن
الخطاب، فقال: ((يا عمر؛ هلهنا تسكب العبرات))، ولفظ المصنف وسياقه من
((القوت)) (٢ /١٢١ ) .
١٤٠