النص المفهرس
صفحات 41-60
-3G كتاب أسرار الزكاة ئن ربع العبادات فليتحققْ أنَّهُ مسلِّمٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ حقَّهُ ، والفقيرُ آخذٌ مِنَ اللهِ تعالى رزقَهُ بعدَ صيرورتِهِ مسلَّماً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ولو كانَ عليهِ دينٌ لإنسانٍ ، فأحالَ صاحبُ الدينِ بهِ عبدَهُ أو خادمَهُ الذي هوَ متكفِّلٌ برزقِهِ .. لكانَ اعتقادُ مؤدِّي الدينِ كونَ القابضِ تحتَ منَتِهِ سفهاً وجهلاً ؛ فإنَّ المنَّةَ للمحسِنِ إليهِ المتكفَّلِ برزقِهِ ، أمَّا هوَ .. فإنَّما يقضي الذي لزمَهُ بشراءِ ما أحبَّهُ ، فهوَ ساع في حقِّ نفسِهِ ، فلمْ يمنَّ بهِ على غيرِهِ . G ومهما عرفَ المعانيَ الثلاثةَ التي ذكرناها في فهمٍ وجوبِ الزكاةِ أَوْ أحدَها .. لمْ يرَ نفسَهُ محسِنَاً إلا إلى نفسِهِ ؛ إمَّا ببذلِ مالِهِ إظهاراً لحبِّ اللهِ تعالى ، أوْ تطهيراً لنفسِهِ عنْ رذيلةِ البخلِ ، أوْ شكراً على نعمةِ المالِ طلباً للمزيدِ ، وكيفَما كانَ .. فلا معاملةَ بينَهُ وبينَ الفقيرِ حتَّى يرىُ نفسَهُ محسناً إليهِ ، ومهما جهلَ هذا الجهلَ بأنْ رأىْ نفسَهُ محسناً إليهِ .. تفرَّعَ منهُ على ظاهرِهِ ما ذُكِرَ في معنى المنِّ ؛ وهوَ التحذُّثُ بهِ، وإظهارُهُ ، وطلبُ المكافأةِ منهُ ؛ بالشكرِ والدعاءِ ، والخدمةِ والتوقيرِ ، والتعظيمِ والقيامِ بالحقوقِ ، والتقديمٍ في المجالسِ ، والمتابعةِ في الأمورِ ، فهذهِ كلَّها ثمراتُ المنَّةِ ، ومعنى المنَّةِ في الباطنِ ما ذكرناهُ . وأما الأذى : فظاهرُهُ : التوبيخُ والتعييرُ ، وتخشينُ الكلام وتقطيبُ الوجهِ ، وهتْكُ السترِ بالإظهارِ وفنونِ الاستخفافِ، وباطنُهُ - وهوَ منبعُهُ ـ : أمرانِ : قفقط ٤٢ حن حن حن كتاب أسرار الزكاة حز ربع العبادات فليتحققْ أنَّهُ مسلِّمٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ حقَّهُ، والفقيرُ آخذٌ مِنَ اللهِ تعالى رزقَهُ بعدَ صيرورِهِ مسلَّماً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولو كانَ عليهِ دينٌّ لإنسانٍ ، فأحالَ صاحبُ الدينِ بهِ عبدَهُ أو خادمَهُ الذي هوَ متكفِّلٌ برزقِهِ .. لكانَ اعتقادُ مؤدِّي الدينِ كونَ القابضِ تحتَ منَّتِهِ سفهاً وجهلاً ؛ فإنَّ المنَّةَ للمحسِنِ إليهِ المتكفَّلِ برزقِهِ ، أمَّا هوَ .. فإنَّما يقضي الذي لزمَهُ بشراءِ ما أحبَّهُ ، فهوَ ساع في حقِّ نفسِهِ ، فلمْ يمنَّ بهِ على غيرِهِ . ومهما عرفَ المعانيَ الثلاثةَ التي ذكرناها في فهم وجوبِ الزكاةِ أَوْ أحدَها .. لمْ يرَ نفسَهُ محسِناً إلا إلى نفسِهِ ؛ إِمَّا ببذلِ مالِهِ إظهاراً لحبِّ اللهِ تعالى ، أوْ تطهيراً لنفسِهِ عنْ رذيلةِ البخلِ ، أَوْ شكراً على نعمةِ المالِ طلباً للمزيدِ ، وكيفَما كانَ .. فلا معاملةَ بينَهُ وبينَ الفقيرِ حتَّى يرىُ نفسَهُ محسناً إليهِ ، ومهما جهلَ هذا الجهلَ بأنْ رأىْ نفسَهُ محسناً إليهِ .. تفرَّعَ منهُ على ظاهرِهِ ما ذُكِرَ في معنى المنِّ ؛ وهوَ التحدُّثُ بهِ ، وإظهارُهُ ، وطلبُ المكافأةِ منهُ؛ بالشكرِ والدعاءِ ، والخدمةِ والتوقيرِ ، والتعظيمِ والقيام بالحقوقِ ، والتقديمٍ في المجالسِ ، والمتابعةِ في الأمورِ ، فهذهِ كلّها ثمراتُ المنَّةِ ، ومعنى المنَّةِ في الباطنِ ما ذكرناهُ . وأما الأذى : فظاهرُهُ : التوبيخُ والتعبيرُ ، وتخشينُ الكلام وتقطيبُ الوجهِ ، وهتْكُ السترِ بالإظهارِ وفنونِ الاستخفافِ ، وباطنُهُ - وهوَ منبعُهُ - : أمرانِ : قاط ٤٢ بون ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة ـبيب أحدُهُما : كراهيتُهُ لرفع اليدِ عنِ المالِ وشدَّةُ ذلكَ على نفسِهِ ؛ فإنَّ ذلكَ يضيِّقُ الخُلُقَ لا محالةً . والثاني : رؤيتُهُ أنَّهُ خيرٌ مِنَ الفقيرِ ، وأنَّ الفقيرَ بسببٍ حاجتِهِ أخُّ رتبةً منهُ . وكلاهما منشؤُهُ الجهلُ : أمَّا كراهةُ تسليمِ المالِ: فهوَ حمْقٌ؛ لأنَّ مَنْ كِرِهَ بذْلَ دِرْهَمٍ في مقابلةِ ما يساوي ألفاً .. فهوَ شديدُ الحماقةِ، ومعلومٌ أنَّهُ يبذلُ المالَ لطلبِ رضا اللهِ عزَّ وجلَّ، والثوابِ في الدار الآخرةِ ، وذلكَ أشرفُ ممَّا بذلَهُ أَوْ يبذلُهُ لتطهير نفسِهِ عنْ رذيلةِ البخلِ ، أَوْ شكراً لطلبِ المزيدِ ، وكيفَما فرضَ .. فالكراهةُ لا وجه لها . وأما الثاني : فهوَ أيضاً جهلٌ ؛ لأنَّهُ لوْ عرفَ فضْلَ الفقرِ على الغنى ، وعرفَ خطرَ الأغنياءِ .. لما استحقرَ الفقيرَ ، بلْ تبرَّكَ بهِ وتمنَّى درجتَهُ ، فصلحاءُ الأغنياءِ يدخلونَ الجنَّةَ بعدَ الفقراءِ بخمسٍ مئةٍ عامٍ(١) ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((همُ الأخسرونَ وربِّ الكعبةِ)) ، فقالَ أبو ذرٍّ: مَنْ همْ ؟ قالَ : « همُ الأكثرونَ أمْوالاً ... )) الحديثَ(٢). ثمَّ كيفَ يستحقرُ الفقيرَ وقدْ جعلَهُ اللهُ تعالى سُخرةً لهُ؟! إذْ يكتسبُ (١) كما روى ذلك الترمذي (٢٣٥٤)، وابن ماجه ( ٤١٢٢). (٢) رواه البخاري ( ١٤٦٠، ٦٦٣٨)، ومسلم ( ٩٩٠ ). ٤٣ كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات خر المالَ بِجُهدِهِ ، ويستكثرُ منهُ ، ويجتهدُ في حفظِهِ لمقدارِ الحاجةِ ، وقدْ أُلزمَ أنْ يسلَّمَ إلى الفقيرِ قدْرَ حاجتِهِ ، ويكفَّ عنهُ الفاضلَ الذي يضرُّهُ لوْ سُلِّمَ إليهِ ، فالغنيُّ مستخدَمٌ للسعي في رزْقِ الفقيرِ ، ويتميَّزُ عليهِ بتقلُّدِ المظالم ، والتزام المشاقُّ ، وحراسةِ الفضلاتِ إلى أنْ يموتَ ، فيأكلُهُ أعداؤُهُ . فإذاً ؛ مهما انتفتِ الكراهةُ، وتبدَّلتْ بالسرورِ والفرحِ بتوفيقِ اللهِ تعالى لهُ في أداءِ الواجبِ وتقبيضِهِ للفقيرِ حتَّى يخلّصَهُ عنْ عهدتِهِ بقبولِهِ منهُ . . انتفى الأذى والتوبيخُ وتقطيبُ الوجهِ ، وتبدَّلَ بالاستبشارِ والثناءِ وقبولِ المنَّةِ ، فهذا منشأُ المنِّ والأذىُ . فإنْ قلتَ : فرؤيتُهُ نفسَهُ في درجةِ المحسنِ أمرٌ غامضٌ ، فهلْ مِنْ علامةٍ يمتحنُ بها قلبَهُ ، فيعرفَ بها أنَّهُ لمْ يرَ نفسَهُ محسناً ؟ فاعلمْ : أنَّ لهُ علامةً دقيقةً واضحةً ؛ وهيَ أنْ يقدِّرَ أنَّ الفقيرَ لوْ جنى عليهِ جنايةً أوْ مالاً عدواً لهُ عليهِ مثلاً .. هلْ كانَ يزيدُ استنكارُهُ واستبعادُهُ لهُ على استنكارِهِ قبلَ التصدُّقِ ؟ فإنْ زادَ .. لمْ تخلُ صدقتُهُ عنْ شائبةِ المنَّةِ ؛ لأنَّهُ توقَّعَ بسببٍ صدقتِهِ ما لمْ يكنْ يتوقَّعُهُ قبلَ ذلكَ . جـ فإنْ قلتَ : فهذا أمرٌ غامضٌ ، ولا ينفكُ قلبُ أحدٍ عنهُ ، فما دواؤُهُ ؟ فاعلمْ : أنَّ لهُ دواءً باطناً ودواءً ظاهراً : ٤٤ ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة أمَّا الباطنُ : فالمعرفةُ بالحقائقِ التي ذكرناها في فهمِ الوجوبِ ، وأنَّ الفقيرَ هوَ المحسنُ إلى الغنيِّ في تطهيرِهِ بالقبولِ . وأمَّا الظاهرُ : فالأعمالُ التي يتعاطاها متقلِّدُ المنَّةِ ؛ فإنَّ الأفعالَ التي تصدرُ عنِ الأخلاقِ تصبغُ القلوبَ بالأخلاقِ كما سيأتي أسرارُهُ في الشطرِ الأخيرِ منَ الكتابِ . ولذلكَ ؛ كانَ بعضُهُمْ يضعُ الصدقةَ بينَ يدي الفقيرِ ويمثلُ قائماً بينَ يديهِ يسألُهُ قبولَها ، حتَّى يكونَ هوَ في صورةِ السائلينَ ، وهوَ يستشعرُ معَ ذلكَ كراهيةَ الردِّ لوردَّ عليهِ (١) . وكانَ بعضُهُمْ يبسطُ كفَّهُ ليأخذَ الفقيرُ منْ كَفِّهِ ؛ لتكونَ يدُ الفقيرِ هيَ العليا(٢). وكانتْ عائشةُ وأمُ سلمةَ رضيَ اللهُ عنهما إذا أرسلتا معروفاً إلى فقيرٍ .. قالَتَا للرسولِ : احفظْ ما يدعو بهِ ، ثمَّ كانتا تردَّانِ عليهِ مثلَ قولِهِ ، وتقولانِ : هذا بذاكَ ، حتَّى تخلصَ لنا صدقتُنا(٣). فكانوا لا يتوقَّعونَ الدعاءَ ؛ لأنَّهُ شبهُ المكافأةِ ، وكانوا يقابلونَ الدعاءَ بمثلِهِ ، وهكذا فعلَ عمرُ بنُ الخطابِ وابنُهُ عبدُ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُما (٤)، (١) قوت القلوب (١٠٩/٢). قوت القلوب (١٠٩/٢ ). (٢) قوت القلوب ( ١٠٩/٢ ) . (٣) (٤) قوت القلوب (١٠٩/٢). ٠.٠ ٤٥ كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات فهكذا كانَ أربابُ القلوبِ يداوونَ قلوبَهُمْ، ولا دواءَ مِنْ حيثُ الظاهرُ إلا هذهِ الأعمالُ الدالَّةُ على التذلُّلِ والتواضع وقبولِ المنَّةِ ، ومِنْ حيثُ الباطنُ المعارفُ التي ذكرناها ، هذا مِنْ حيثُ العملُ ، وذلكَ مِنْ حيثُ العلمُ ، ولا يعالجُ القلبُ إلا بمعجونِ العلمِ والعملِ . وهذهِ الشريطةُ في الزكواتِ تجري مَجرى الخشوع مِنَ الصلاةِ ، وثبتَ ذلكَ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ للمرءِ مِنْ صلاتِهِ إلا ما عقلَ منها))(١)، وثبتَ هذا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يتقبَّلُ اللهُ صدقةً منَّانٍ))(٢)، وبقولِهِ تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. وأمَّا فتوى الفقيهِ بوقوعِها موقعَها ، وبراءةِ ذمتِهِ منها دونَ هذا الشرطِ .. فحديثٌ آخرُ ، وقدْ أشرنا إلى معناهُ في كتابِ الصلاةِ . (١) في ((الحلية)) (٦١/٧) عن سفيان الثوري قال: ( يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها)، وعند أبي داوود (٧٩٦) مرفوعاً: (( إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها))، فكما أن الخشوع فرض في الصلاة لا بد منه ، فكذلك الإخلاص في الزكاة . (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا). ((إتحاف)) (١١٩/٤)، ولكن روى مسلم (١٠٦) مرفوعاً: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منَّهُ، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر ، والمسبل إزاره)) ، ولعل المصنف يشير إلى الحديث المتقدم: (( لا يقبل الله من مُسَمِّع ٥ ٤٦ ربع العبادات 25 كتاب أسرار الزكاة الوظيفةُ السادسةُ : أَنْ يستصغرَ العطيةً : فإنَّهُ إنِ استعظمَها .. أعجبَ بها، والعجْبُ مِنَ المهلكاتِ، وهوَ محبطٌ للأعمالِ، قالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنٍ عَنكُمْ شَيْئًا﴾(١). ويقالُ : ( إنَّ الطاعةَ كلَّما استُصْغِرَتْ .. كبُرَتْ عندَ اللهِ تعالى، والمعصيةَ كلَّما استعظمَتْ .. صغرَتْ عندَ اللهِ تعالى)(٢). وقيلَ : ( لا يتمُّ المعروفُ إلا بثلاثٍ: تصغيرُهُ، وتعجيلُهُ وسترُهُ)(٣). وليسَ الاستعظامُ هوَ المنَّ والأذى؛ فإنَّهُ لَوْ صرفَ مالَهُ إلى عمارةِ مسجدٍ أوْ رباطٍ .. أمكنَ فيهِ الاستعظامُ ، ولا يمكنُ فيهِ المنُّ والأذى ، بلِ العجبُ والاستعظامُ يجري في جميع العباداتِ ، ودواؤُهُ علْمٌ وعملٌ : حر أمَّا العلمُ : فهوَ أَنْ يعلمَ أنَّ العُشْرَ أَوْ ربعَ العشرِ قليلٌ مِنْ كثيرٍ ، وأنَّهُ قَدْ قنعَ لنفسِهِ بأخسِّ درجاتِ البذلِ كما ذكرنا في فهم الوجوبِ ، فهوَ جديرٌ بأنْ يستحييَ منهُ ، فكيفَ يستعظمُهُ ؟! وإنِ ارتقى إلى الدرجةِ العليا ، فبذلَ كلَّ مالِهِ أَوْ أكثرَه .. فليتأملْ أنَّهُ مِنْ أينَ لهُ المالُ؟ وإلى ماذا يصرفُهُ؟ فالمالُ للهِ عزَّ وجلَّ، ولهُ المنَّةُ عليهِ إذْ ـمهـ (١) إذ قال المسلمون يومها : لن نغلب اليوم من قلَّة، فانكشفوا، ثم أمدهم الله بنصره. انظر (( الإتحاف)) (٤ / ١٢٣ ). (٢) قوت القلوب (١١١/٢). (٣) قوت القلوب (١١١/٢). ٤٧ حن كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات أعطاهُ، ثمَّ وفَّقَهُ لبذلِهِ ، فلِمَ يستعظمُ في حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ ما هوَ عينُ حقِّ اللهِ سبحانَهُ ؟! وإنْ كانَ مقامُهُ يقتضي أنْ ينظرَ إلى الآخرةِ وأنَّهُ يبذلُهُ للثوابِ .. فِلِمَ يستعظمُ بذلَ ما ينتظرُ عليهِ أضعافَهُ ؟! وأمَّا العملُ: فهوَ أنْ يعطيَهُ عطاءَ الخَجِلِ مِنْ بخلِهِ بإمساكِهِ بقيَّةَ مالِهِ عنِ اللهِ تعالى ، فتكونُ هيئتُهُ الانكسارَ والحياءَ ؛ كهيئةٍ مَنْ يطالَبُ بردٍّ وديعةٍ فيمسكُ بعضَها ويردُّ البعضَ ؛ لأنَّ المالَ كلَّهُ للهِ تعالى، وبذلُ جميعِهِ هوَ الأحبُّ عندَ اللهِ سبحانَهُ، وإنَّما لمْ يأمرُ بهِ عبدَهُ لأنَّهُ يشقُّ عليهِ بسببِ بخلِهِ ؛ كما قال تعالى: ﴿إِن يَسْئَلُكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ . الوظيفةُ السابعةُ : أنْ ينتقيَ مِنْ مالِهِ أجودَهُ وأحبَّهُ إليهِ وأحلَّهُ وأطيبَهُ : فإنَّ اللهَ تعالى طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّاً(١) ، وإذا كانَ المُخرَجُ مِنْ شبهةٍ .. فربما لا يكونُ ملكاً لهُ طِلقاً ، فلا يقعُ الموقعَ ، وفي حديثٍ أبانَ عنْ أنسٍ ابنِ مالكِ: « طوبى لعبدٍ أنفقَ مِنْ مالٍ اكتسبَهُ مِنْ غيرِ معصيةٍ)»(٢). (١) كما في ((مسلم)) (١٠١٥)، ومعنى ((طيب)): منزه عن النقائص مقدس عن الآفات والعيوب. ((إتحاف)) (١٢٦/٤ ). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٧١/٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٢/٤) من حديث طويل، ومن طريق أبان عن أنس رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (٢٤٠/٥٤) واللفظ له . ٤٨ ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة وإذا لمْ يكنِ المُخَرجُ مِنْ جِيِّدِ المالِ .. فهوَ مِنْ سوءِ الأدبِ ، إذْ قدْ يمسكُ الجيّدَ لنفسِهِ أوْ لعبدِهِ أوْ أهلِهِ ، فيكونُ قدْ آثرَ على اللهِ عزَّ وجلَّ غيرَهُ، ولوْ فعلَ هذا بضيفِهِ وقدَّمَ إليهِ أرداً طعام في بيتِهِ .. لأوغرَ بذلكَ صدرَهُ ، هذا إِنْ كانَ نظرُهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ . وإنْ كانَ نظرُهُ إلى نفسِهِ وثوابِهِ في الآخرةِ .. فليسَ بعاقلٍ مَنْ يؤثرُ غيرَهُ على نفسِهِ، وليسَ لهُ مِنْ مالِهِ إلا ما تصدَّقَ بهِ فأمضى، أوْ أكلَ فأفنى(١)، والذي يأكلُهُ قضاءُ وطرٍ في الحالِ ، فليسَ منَ العقلِ قصرُ النظرِ على العاجلةِ وتركُ الادخار ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ أيْ: لا تأخذونَهُ إلا معَ كراهيةٍ وحياءٍ ، وهوَ معنى الإغماضِ ، فلا تؤثروا بهِ رَّكُمْ (٢). وفي الخبرِ : (( سبقَ درهمٌ مئةَ ألفِ درهم))(٣)، وذلكَ بأنْ يخرجَهُ (١) كما في ((مسلم)) (٢٩٥٨) وفيه: (( وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت )»، وأمضى: أبقى . ـيي (٢) وعند الترمذي ( ٢٩٨٧)، وابن ماجه ( ١٨٢٢) واللفظ له عن البراء بن عازب رضي الله عنه ، في الأصحاب الذين كانوا لا ينتخبون الجيد من الصدقة وقد نزلت فيهم هذه الآية ، قال : ( يقول : لو أهدي لكم .. ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه غيظاً أنه بعث إليكم ما لم يكن لكم فيه حاجة ، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم ) . (٣) رواه النسائي (٥٩/٥) وتمامه: قالوا: وكيف ؟ قال : ((كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما ، وانطلق رجل إلى عُرْض ماله فأخذ منه مئة ألف درهم فتصدق بها)) ، وفي = ٤٩ كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات ـجو الإنسانُ وهوَ مِنْ أحلِّ مالِهِ وأجودِهِ ، فيصدرُ ذلكَ عنِ الرضا والفرحِ بالبذلِ ، وقدْ يخرجُ مئةَ ألفِ درهمٍ مما يكرَهُ مِنْ مالِهِ ، فيدلُّ ذلكَ على أنَّهُ ليسَ يؤثرُ اللهَ عزَّ وجلَّ بشيءٍ ممَّا يحبُّهُ، ولذلكَ ذمَّ اللهُ تعالى قوماً جعلوا للهِ ما يكرهونَ ، فقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنَّ لَا﴾ وقفَ بعضُ القرَّاءِ على النفي تكذيباً لهُمْ، ثمَّ ابتدأُ وقالَ: ﴿حَرَمَ أَنَّ ◌َهُمُ النَّارَ﴾ أي: كَسَبَ لهُمْ جعلُهُمْ للهِ ما يكرهونَ النارَ (١). الوظيفةُ الثامنةُ : أنْ يطلبَ لصدقتِهِ مَنْ تزكو بهِ الصدقةُ : ولا يكتفي بأنْ يكونَ مِنْ عموم الأصنافِ الثمانيةِ ؛ فإنَّ في عمومِهِمْ خصوصَ صفاتٍ ، فليراع خصوصَ تلكَ الصفاتِ ، وهيَ ستُّ : الصفةُ الأولى : أنْ يطلبَ الأتقياءَ المعرضينَ عنِ الدنيا ، المتجرِّدينَ ((الدر المنثور)) (٦٢/٢): (وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي هريرة قال : = ( لدرهم طيب أحب إلي من مئة ألف، اقرأ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كََبْتُمْ ... ﴾ الآيةَ). (١) فلم تعد ( جرم) اسماً، بل هي هنا فعل بمعنى: ( كسب) أو (وجب )، وجعْلُ ( لا) ردّاً لما قبلها هو قول قُطرب، فعنده على هذا الوقفُ على (لا). انظر ((مغني اللبيب)) (٣١٤/١)، و ((تاج العروس)) (ج ر م)، وسياق المصنف عند صاحب ((القوت)) (١٠٨/٢)، حيث قال: (وفي الآية وقف غريب لا يعلمه إلا الحذاق من أهل العربية، تقف على (( لا)) فيكون نفياً لوصفهم أن لهم الحسنى ، ثم تستأنف بـ ﴿جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: كسب لهم جعلهم الله ما يكرهون النار ؛ أي : بجرمهم واكتسابهم ) . حن. ٠ .مو حن خن ربع العبادات کتاب أسرار الزكاة السـ لتجارةِ الآخرةِ: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تأكلْ إلا طعامَ تقيٍّ، ولا يأكل طعامَكَ إلا تقيّ))(١)، وهذا لأنَّ التقيَّ يستعينُ بهِ على التقوى، فتكونُ شريكاً لهُ في طاعتِهِ بإعانتِكَ إِيَّاهُ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أطعموا طعامَكُمْ الأتقياءَ، وأَوْلُوا معروفَكُمُ المؤمنينَ))(٢)، وفي خبرٍ آخرَ: ((أضفْ بطعامِكَ مَنْ تحبُّهُ في اللهِ تعالى))(٣). وكانَ بعضُ العلماءِ يؤثرُ بالعطاءِ فقراءَ الصوفيةِ دونَ غيرِهمْ ، فقيلَ لهُ : لوْ عمَّمْتَ بمعروفِكَ جميعَ الفقراءِ .. لكانَ أفضلَ ؛ فقالَ: لا ، هؤلاءِ قومٌ هِمُهُمْ اللهُ سبحانَهُ ، فإذا طرقتْهُمْ فاقةٌ تشتتَ هَمُّ أحدِهِمْ، فلأَنْ أردَّ همَّةً واحدٍ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعطيَ ألفاً ممَّنْ همَّتُهُ الدنيا ، فذُكِرَ حن حن (١) رواه أبو داوود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥) بلفظ: (( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي))، وإنما نهى عن مؤاكلة غير تقي لأن المطاعمة توجب الألفة ، وتؤدي إلى المخالطة ، بل هي أوثق عرى المداخلة ، ومخالطة غير التقي تخلُّ بالدين ، وتوقع في الشبهة والمحظورات ، فكأنه نهى عن مخالطة الفجار ؛ إذ لا تخلو عن فساد : إما بمتابعة فعل ، أو مسامحة في إغضاء عن منكر ، فإن سلم من ذلك .. فلا يخطئه فتنته الغيرية. ((إتحاف)) (١٢٨/٤). (٢) رواه أحمد في (( المسند)) ( ٥٥/٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١١٠٦)، وابن حبان في (( صحيحه)) ( ٦١٦). (٣) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) (٣٦٦) عن الضحاك مرسلاً ، وابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (١٩٧)، وفي بعض النسخ: ( وفي لفظ ) بدل ( وفي خبر ) ، وهو موافق للفظ ((القوت)) (١١٢/٢) . تت مكن كتاب أسرار الزكاة نمور ربع العبادات هذا الكلامُ للجنيدِ ، فاستحسنَهُ وقالَ : هذا وليٌّ مِنْ أولياءِ اللهِ تعالى ، وقالَ : ما سمعتُ منذُ زمانٍ كلاماً أحسنَ مِنْ هذا . ثمَّ حُكِيَ أنَّ هذا الرجلَ اختلَّ حالُهُ وهمَّ بتركِ الحانوتِ ، فبعثَ إليهِ الجنيدُ مالاً وقالَ : اجعلْهُ بضاعتَكَ ولا تتركِ الحانوتَ، فإنَّ التجارةَ لا تضرّ مثلَكَ ، وكانَ هذا الرجلُ بقّالاً لا يأخذُ مِنَ الفقراءِ ثمنَ ما يبتاعونَ منهُ(١). الصفةُ الثانيةُ : أَنْ يكونَ مِنْ أهلِ العلم خاصةً : فإنَّ ذلكَ إعانةٌ لهُ على العلمِ ، والعلمُ أشرفُ العباداتِ مهما صحَّتْ فيهِ النِيَّةُ . وكانَ ابنُ المباركِ يخصِّصُ بمعروفِهِ أهلَ العلمِ ، فقيلَ لهُ : لوْ عمَّمْتَ ؛ فقالَ : إنِّي لا أعرفُ بعدَ مقام النبوَّةِ أفضلَ مِنْ مقام العلماءِ ، فإذا اشتغلَ قلبُ أحدِهِمْ بحاجتِهِ .. لمْ يتفرَّعْ للعلمِ ، ولمْ يقبِلْ على التعليمِ ، فتفريغُهُمْ للعلمِ أفضلُ(٢) . الصفةُ الثالثةُ: أنْ يكونَ صادقاً في تقواهُ وعلمِهِ بالتوحيدِ : وتوحيدُهُ أنَّهُ إذا أخذَ العطاءَ .. حمدَ اللهَ عزَّ وجلَّ وشكرَهُ، ورأى أنَّ النعمةَ منهُ ، ولمْ ينظرْ إلى واسطةٍ ، فهذا هوَ أشكرُ العبادِ للهِ سبحانَهُ ، وهوَ أنْ يرى أنَّ النعمةَ كلَّها منهُ . وفي وصيةٍ لقمانَ لابنِهِ : ( لا تجعلْ بينَكَ وبينَ اللهِ منعماً ، واعددْ نعمةً غيرِهِ عليكَ مغرماً )(٣). (١) قوت القلوب (١١٣/٢). (٢) قوت القلوب (١١٣/٢). (٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢٢٣٩)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم» ٥٢ ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة ومَنْ شكرَ غيرَ اللهِ سبحانَهُ .. فكأنَّهُ لمْ يعرفِ المنعمَ ، ولمْ يتيقَّنْ أنَّ الواسطةَ مقهورٌ مسخّرٌ بتسخيرِ اللهِ تعالى؛ إذْ سلَّطَ اللهُ تعالىُ عليهِ دواعيَ الفعلِ، ويسَّرَ لهُ الأسبابَ، فأعطى وهوَ مقهورٌ، ولوْ أرادَ تركَهُ .. لمْ يقدرْ عليهِ بعدَ أنْ ألقى اللهُ تعالى في قلبِهِ أنَّ صلاحَ دِينِهِ ودنياهُ في فعلِهِ ، فمهما قَوِيَ الباعثُ .. أوجبَ ذلكَ جزمَ الإرادةِ وانتهاضَ القدرةِ ، ولمْ يستطع العبدُ مخالفةَ الباعثِ القويِّ الذي لا تردُّدَ فيهِ ، واللهُ هوَ سبحانَهُ خالقُ البواعثِ ومهيِّجُها ، ومزيلُ الضعفِ والتردُّدِ عنها، ومسخِّرُ القدرةِ للانتهاضِ بمقتضى البواعثِ ، فمَنْ تيقَّنَ هذا .. لمْ يكنْ لهُ نظرٌ إلا إلى مسبِّبٍ الأسبابِ ، وتيقُّنُ مثلِ هذا العبدِ أنفعُ للمعطي مِنْ ثناءِ غيرِهِ وشكرِهِ ، فذلكَ حركةُ لسانٍ يقلُّ في الأكثرِ جدواهُ ، وإعانةُ مثلِ هذا العبدِ الموحِّدِ لا تضيعُ. فأمَّا الذي يمدحُ بالعطاءِ ويدعو بالخيرِ .. فسيذمُّ بالمنع ويدعو بالشرِّ عندَ اليأسِ مِنَ العطاءِ وأحوالُهُ متفاوتةٌ . وقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعثَ معروفاً إلى بعضِ الفقراءِ وقالَ للرسولِ : ((احفظُ ما يقولُ))، فلمَّا وصلَ إليهِ وأعطاهُ .. قالَ: الحمدُ للهِ الذي لا ينسى مَنْ ذكرَهُ ، ولا يضيعُ مَنْ شكرَهُ، ثمَّ قالَ: اللهمَّ؛ إنَّكَ لمْ تنسَ فلاناً - يعني نفسَهُ - فاجعلْ فلاناً لا ينساكَ، فَأُخبرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ (١٣١٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/٨) من كلام إبراهيم بن أدهم ، وهو في ((القوت)) (١١٠/٢) من وصية علي كرم الله وجهه، قال الحافظ الزبيدي: ( ويحتمل أن يكون هذا قول لقمان من رواية علي رضي الله عنه). ((إتحاف)) (٤ /١٣٠). : 5 ٢٠ ٥٣ -------- كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات عليهِ وسلَّمَ بذلكَ؛ فسُرَّ وقالَ: ((علمتُ أنَّهُ يقولُ ذلكَ))، فانظرْ كيفَ قصرَ التفاتَةُ على اللهِ وحدَهُ(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرجلٍ: ((تُبْ))، فقالَ: أَتوبُ إلى اللهِ ولا أتوبُ إلى محمدٍ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عرفَ الحقَّ لأهلِهِ))(٢). ولمَّا نزلتْ براءةُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها في قصَّةِ الإِفكِ .. قالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : قُومي فقبّلِي رأسَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فقالتْ : واللهِ ؛ لا أفعلُ، ولا أَحْمدُ إلا اللهَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((دعْها يا أبا بكرٍ ))؛ وفي لفظٍ آخرَ : أنَّها رضيَ اللهُ عنها قالتْ لأبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( بحمدِ اللهِ ، لا بحمدِكَ ولا بحمدِ صاحبِكَ ) ، فلمْ ينكرْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليها ذلكَ ، معَ أنَّ الوحيَ وصلَ إليها على لسانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣). (١) كذا في ((قوت القلوب)) (١١٠/٢) وقال: ( وقد روي هذا عن عمر وعن أبي الدرداء مع حُدَيْر ) ، وخبر حدير رواه مرفوعاً عن ابن عمر بقصة طويلة أبو بكر الخلال في ((الحث على التجارة والصناعة والعمل)) (١٠٥)، واسم هذا الرجل: حُدّير ، ورواه عن أبي الدرداء موقوفاً عليه على أنه هو المرسل لحُدّير البيهقيُّ في (( الشعب)) (٤١١٢)، وابن عبد البر فى ((التمهيد)» (٨١/٢٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)" ( ٢٤٢/١٢)، وكنية حُدَير أبو فوزة. مان ؟ (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٥/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٨٦/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤١١١) عن الأسود بن سريع رضي الله عنه : أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بأسير ، فقاله . مستعديب (٣) خبر السيدة عائشة رضي الله عنها رواه أبو داوود (٥٢١٩)، والقصة بطولها عند البخاري =. ٥٤ حن كن ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة ورؤيةُ الأشياءِ مِنْ غيرِ اللهِ سبحانَهُ وصفُ الكافرينَ ، قالَ اللهُ تعالى : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، ومَنْ لمْ يصفُ باطنُهُ عنْ رؤيةِ الوسائطِ إلا مِنْ حيثُ إنَّهُمْ وسائطُ .. فكأنَّهُ لمْ ينفكّ عنِ الشركِ الخفيِّ سرُّهُ ، فليتقِ اللّهَ سبحانَهُ في تصفيةِ توحيدِهِ عنْ كدوراتِ الشركِ وشوائبهِ . ہے حن الصفةُ الرابعةُ : أنْ يكونَ مستتراً مخفياً حاجتَهُ ، لا يكثرُ البثَّ والشكوىُ : أوْ يكونَ مِنْ أهلِ المروءةِ ممَّنْ ذهبتْ نعمتُهُ وبقيتْ عادتُهُ ، فهوَ يتعيَّشُ في جلبابِ التجمُّلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أيْ : لا يلُونَ في السؤالِ؛ لأنَّهُمْ أغنياءُ بيقينِهِمْ ، أعزَّةٌ بصبرِهِمْ ، وهذا ينبغي أنْ يُطلبَ بالتفخُصِ عنْ أهلِ الدينِ في كلِّ محلَّةٍ ، ويستكشفَ عنْ بواطنٍ أحوالِ أهلِ الخيرِ والتجمُّلِ ، فثوابُ صرْفِ المعروفِ إليهِمْ أضعافُ ما يصرفُ إلى المجاهرينَ بالسؤالِ . الصفةُ الخامسةُ : أنْ يكونَ مُعِيلاً أو محبوساً بمرضٍ أوْ بسببٍ مِنَ الأسباب : فيوجدَ فيهِ معنى قولِهِ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾(١) أيْ: حُبسوا في طريقِ الآخرةِ لعَيْلَةٍ أوْ ضيقِ معيشةٍ، أَوْ (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠)، والرواية الثانية عند الطبراني في ((الكبير)) (١٢٣/٢٣). (١) قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: اجعلوا صدقاتكم لهؤلاء. ((إتحاف)) (٤ / ١٣٢) . ٥٥ دن ثن. ثن To كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات إصلاحِ قلبٍ ، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ لأنَّهُمْ مقصوصو الجناحِ ، مقيدو الأطرافِ ، بهذهِ الأسبابِ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يعطي أهلَ البيتِ القطيعَ مِنَ الغنم العشرةَ فما فوقَها(١) ، وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُعطي العطاءَ على قَدْرِ العَيْلَةِ (٢) ، وسئل عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ جَهْدِ البلاءِ فقالَ : ( كثرةُ العيالِ وقلَّةُ المالِ )(٣). الصفةُ السادسةُ : أنْ يكونَ مِنَ الأقاربِ وذوي الأرحام : فتكونُ صدقةً وصلةَ رحمٍ ، وفي صلة الرحمٍ مِنَ الثوابِ ما لا يخفى ، قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لأنْ أصلَ أخاً مِنْ إخواني بدرهم .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتصدَّقَ بعشرينَ درهماً ، ولأنْ أصلَهُ بعشرينَ درهماً .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتصدَّقَ بمئةٍ درهم، ولأنّ أصلَهُ بمئةِ درهمٍ .. أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أعتقَ رقبةً)(٤) . والأصدقاءُ وإخوانُ الخيرِ أيضاً يتقدمونَ على المعارفِ كما يتقدَّمُ الأقاربُ على الأجانبِ ، فليراع هذهِ الدقائقَ . فهذهِ هيَ الصفاتُ المطلوبةُ ، وفي كلِّ صفةٍ درجاتٌ ، فينبغي أنْ يطلبَ (١) قوت القلوب (١١٢/٢) . (٢) كما هو عند أبي داوود (٢٩٥٣) عن عوف بن مالك قال : ( كان إذا أتاه صلى الله عليه وسلم الفيء .. قسمه في يومه ، فأعطى الآهل حظين ، وأعطى العَزَب حظّاً ) ، والآهل : الذي له زوجة وعيال ، والعَزَب : مَنْ لا زوجة له . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (٤٤٣) عن ابن عمر، وهو كذلك في (( القوت)) (٢ /١١٣ ) . (٤) قوت القلوب (١٠٩/٢) . ٥٦ ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة أعلاها ، فإنْ وجدَ مَنْ جمعَ جملةً مِنْ هذهِ الصفاتِ .. فهيَ الذخيرةُ الكبرى والغنيمةُ العظمى ، ومهما اجتهدَ في ذلكَ وأصابَ .. فلهُ أجرانِ ، وإنْ أخطأَ .. فلهُ أجرٌ واحدٌ . فإنَّ أحدَ أجريهِ في الحالِ : تطهيرُهُ نفسَهُ عنْ صفةِ البخلِ ، وتأكيدُ حبِّ اللهِ عزَّ وجلَّ في قلبهِ ، واجتهادُهُ في طاعتِهِ ، وهذهِ الصفاتُ هيَ التي تقوى في قلبهِ ، فتشوقُهُ إلى لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ واليوم الآخرِ . والأجرُ الثاني : ما يعودُ إليهِ مِنْ فائدةِ دعوةِ الآخذِ وهمَّتِهِ ؛ فإنَّ قلوبَ الأبرارِ لها آثارٌ في الحالِ والمآلِ، فإنْ أصابَ .. حصلَ الأجرانِ ، وإنْ أخطأَ .. حصلَ الأوَّلُ دونَ الثاني . فهذا معنى تضاعفِ أجرِ المصيبِ في الاجتهادِ ههنا وفي سائرِ المواضع ، واللهُ أعلمُ . من حن ٥٧ كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات الفَصْلُ الثَّالِثُ في القابض، وأسباباستحقاقه، ووظائف قبضه بيان أسباب الاستحقاق اعلمْ: أَنَّهُ لا يستحقُّ الزكاةَ إلا حزٍّ، مسلمٌ، ليسَ بهاشميٍّ ولا مطَّلبِيٍّ، اتصفَ بصفةٍ مِنْ صفاتِ الأَصنافِ الثمانيةِ المذكورينَ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ (١) ، فلا تصرفُ زكاةٌ إلى كافرٍ ، ولا إلى عبدٍ ، ولا إلى هاشميٍّ ولا مطلبيٍّ ، أمَّا الصبيُّ والمجنونُ .. فيجوزُ الصرفُ إليهما إذا قبضَ عنهما وليُّهُما . فلنذكرْ صفاتِ الأصنافِ الثمانيةِ : الصنفُ الأوَّلُ : الفقراءُ : والفقيرُ : هوَ الذي ليسَ لهُ مالٌ ولا قدرةٌ على الكسب ، فإنْ كانَ معهُ قوتُ يومِهِ وكُسوةُ حالِهِ . . فليسَ بفقيرٍ ، ولكنَّهُ مسكينٌ ، وإنْ كانَ معهُ نصفُ قوتٍ يومِهِ .. فهوَ فقيرٌ، وإنْ كانَ معهُ قميصٌ وليسَ معهُ منديلٌ ولا خفتٌّ طن سكن حن حق عن (١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى اَلْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥٨ من الآن حن سعيد ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة ولا سراويلُ ولمْ تكنْ قيمةُ القميصِ بحيثُ تفي بجميع ذلكَ كما يليقُ بالفقراءِ .. فهوَ فقيرٌ ؛ لأنَّهُ في الحالِ قدْ عدمَ ما هوَ محتاجٌ إليهِ ، وما هوَ عاجزٌ عنهُ ، فلا ينبغي أنْ يُشترطَ في الفقيرِ ألا يكونَ لهُ كسوةٌ سوى ساترٍ العورةِ، فإنَّ هذا غلوٍّ، والغالبُ أنَّهُ لا يوجدُ مثلُهُ . ولا يخرجُهُ عنِ الفقرِ كونُهُ معتاداً للسؤالِ ، فلا يجعلُ السؤالُ كسباً ، بخلافِ ما لوْ قدرَ على كسبٍ ؛ فإنَّ ذلكَ يخرجُهُ عنِ الفقرِ ، فإنْ قدرَ على الكسبِ بآلةٍ وليسَ لهُ آلةٌ . . فهوَ فقيرٌ، ويجوزُ أنْ يُشترىُ لهُ آلةٌ . وإنْ قدرَ على كسبٍ لا يليقُ بمروءتِهِ وبحالٍ مثلِهِ .. فهوَ فقيرٌ ، وإنْ كانَ متفقٌّهاً ويمنعُهُ الاشتغالُ بالكسبِ عنِ التفقهِ .. فهوَ فقيرٌ، ولا تعتبرُ قدرتُهُ(١) . وإنْ كانَ متعبِّداً يمنعُهُ الكسبُ مِنْ وظائفِ العباداتِ وأورادِ الأوقاتِ .. فليكتسبْ ؛ لأنَّ الكسبَ أولىُ منْ ذلكَ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( طلبُ الحلالِ فريضةٌ بعدَ الفريضةِ» (٢) ، وأرادَ بهِ السعيَ في الاكتسابِ. فان. وقالَ عمرُ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: ( كسبٌ في شبهةٍ خيرٌ مِنْ مسألةٍ)(٣). .0p .جوجو (١) ومفهومه : أنه لو كان مشتغلاً بغير العلوم الشرعية ؛ كالمنطق والكلام والفلسفة والرياضة .. لا يدخل في هذا. ((إتحاف)) (١٣٨/٤). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٧٤/١٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٢٨/٦ ) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٣٢٣)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٢٩/١٨) بلفظ: ( مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس ). ٥٩ كن ـهئن. كتاب أسرار الزكاة ے۔ ربع العبادات وإنْ كانَ مكفيّاً بنفقةِ أبيهِ أوْ مَنْ تجبُ عليهِ نفقتُهُ . . فهذا أهونُ مِنَ الكسبِ ، فليسَ بفقيرٍ . الصنفُ الثاني : المساكينُ : والمسكينُ : هوَ الذي لا يفي دخلُهُ بخَرْجِهِ ، فقدْ يملكُ ألفَ درهمٍ وهوَ مسكينٌ ، وقدْ لا يملكُ إلا فأساً وحبلاً وهوَ غنيٌّ ، والدويرةُ التي يسكنُها والثوبُ الذي يسترُهُ على قدْرِ حالِهِ لا يسلبُهُ اسمَ المسكينِ ، وكذا أثاثُ البيتِ ؛ أعني : ما يحتاجُ إليهِ ، وذلكَ ممَّا يليقُ بهِ ، وكذا كتبُ الفقهِ لا تخرجُهُ عنِ المسكنةِ ، وإذا لمْ يملكْ سوى الكتبِ .. فلا تلزمُهُ صدقةٌ الفطرِ، وحكْمُ الكتابِ حكمُ الثوبِ وأثاثِ البيتِ ؛ فإنَّهُ محتاجٌ إليهِ ، ولكنْ ينبغي أنْ يحتاطَ في فهمِ الحاجةِ بالكتابِ ، فالكتابُ محتاجٌ إليهِ لثلاثةِ أغراضٍٍ : التعليمُ ، والاستفادةُ ، والتفرُّجُ بالمطالعةِ . ٩٠ أمَّا حاجةُ التفرُّج .. فلا تعتبرُ ؛ كاقتناءِ كتبِ الأشعارِ وتواريخِ الأخبارِ وأمثالِ ذلكَ ، ممَّا لا ينفعُ في الآخرةِ ولا يجدي في الدنيا إلا مجرَّدَ التفرُّجِ والاستئناسِ ، فهذا يباعُ في الكفارةِ وزكاةِ الفطرِ ، ويمنعُ اسمَ المسكنةِ . ١٩ وأمَّا حاجةُ التعليم إنْ كانَ لأجلِ الكسبِ ؛ كالمؤذِّبِ والمعلُّمِ والمدرِّسِ بأجرةٍ .. فهذهِ آلْتُهُ، فلا تباعُ في الفطرةِ ؛ كأدواتِ الخيَّاطِ وسائرٍ المحترفينَ ، وإنْ كانَ يدرِّسُ للقيام بفرض الكفايةِ .. فلا تباعُ أيضاً ، ٦٠ حن