النص المفهرس

صفحات 21-40

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
حن
النّوع الرّابع: زكاة التّجارة
وهيَ كزكاةِ النقدينِ ، وإنَّما ينعقدُ الحولُ مِنْ وقتِ مِلكِ النقْدِ الذي بهِ
اشترى البضاعةَ إنْ كانَ النقدُ نصاباً ، وإنْ كانَ ناقصاً ، أوِ اشترىُ بعَرَضٍ على
نيّةِ التجارةِ .. فالحولُ مِنْ وقتِ الشراءِ .
ويؤدِّي الزكاةَ مِنْ نقدِ البلدِ ، وبهِ يقوَّمُ ، فإِنْ كانَ ما بهِ الشراءُ نقداً وكانَ
نصاباً كاملاً .. كانَ التقويمُ بهِ أولىُ مِنْ نقدِ البلدِ(١).
تن
3
ومَنْ نوى التجارةَ في مالٍ قُنيةٍ .. فلا ينعقدُ الحولُ بمجرَّدٍ نيتِهِ حتَّى
يشتريَ بهِ شيئاً ، ومهما قطعَ نيَّةَ التجارةِ قبلَ تمام الحولِ .. سقطتِ الزكاةُ ،
والأولى أنْ يؤدِّيَ زكاةَ تلكَ السنةِ .
وما كانَ مِنْ ربح في السلعةِ في آخرِ الحولِ .. وجبتِ الزكاةُ فيهِ لحولٍ
رأسِ المالِ، ولمْ يُستأنفْ لهُ حولٌ كما في النتاجِ .
وأموالُ الصيارفةِ لا ينقطعُ حولُها بالمبادلةِ الجاريةِ بينَهُمْ كسائرِ
التجاراتِ ، وزكاةُ ربح مالِ القراضٍ على العاملِ - أعني : حصتَهُ - وإنْ كانَ
قبلَ القسمةِ ، هذا هوَ الأقيسُ .
(١) بأن اشترى عرضاً بمئتي درهم أو عشرين ديناراً، فيقوم آخر الحول به. ((إتحاف))
( ٤ /٤٤ ) .
ـون
٢١

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
النوع الخامس: زكاة الزكاز والمعدن
والرِّكازُ : مالٌ دُفِنَ في الجاهليةِ ووجدَ في أرضٍ لمْ يجرِ عليها في
الإسلام ملكٌ .
٢
فعلى واجِدِهِ في الذهبِ والفضةِ منهُ الخمسُ ، والحولُ غيرُ معتبرٍ ،
والأولى ألا يُعتبرَ النصابُ أيضاً ؛ لأنَّ إيجابَ الخمسِ يؤكِّدُ شبهَهُ بالغنيمةِ ،
واعتبارُهُ أيضاً ليسَ بعيداً؛ لأنَّ مصرفَهُ مصرفُ الزكاةِ ، ولذلكَ يخصَّصُ
على الصحيحِ بالنقدينِ .
وأمَّا المعادنُ : فلا زكاةً فيما استخرجَ منها سوى الذهبِ والفضَّةِ ،
ففيهما بعدَ الطحنِ والتخليصِ ربعُ العشرِ على أصحِّ القولينِ ، وعلى هذا :
يعتبرُ النصابُ ، وفي الحولِ قولانِ .
وفي قولٍ يجبُ الخمسُ، فعلى هذا: لا يعتبرُ الحولُ، وفي النصابِ قولانِ.
والأشبهُ - والعلمُ عندَ اللهِ تعالى - أنْ يلحقَ في قَدْرِ الواجبِ بزكاةٍ
التجارةِ ؛ فإنَّهُ نوعُ اكتسابٍ ، وفي الحولِ بالمُعَشَّراتِ ، فلا يعتبرُ الحولُ ؛
لأنَّهُ عينُ الرفقِ ، ويعتبرُ النصابُ كالمعشَّراتِ .
والاحتياطُ : أنْ يُخرجَ الخمسَ مِنَ القليلِ والكثيرِ ، ومِنْ غيرِ النقدينِ
أيضاً ؛ خروجاً عنْ شبهةِ هذهِ الاختلافاتِ ، فإنَّها ظنونٌ قريبةٌ مِنَ
التعارضِ ، وجزْمُ الفتوى فيها مخطرٌ لتعارضِ الاشتباهِ .
٢٢

ربع العبادات
٢٦٠٠
كتاب أسرار الزكاة
النوع السادس: صدقة الفطر
وهيَ واجبةٌ على لسانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١)، على كلِّ
مسلمٍ فضَلَ عنْ قوتِهِ وقوتٍ مَنْ يقوتُهُ يومَ الفطرِ وليْلَتَهُ صاعٌ ممَّا يقتاتُ بصاع
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ منوانٍ وثلثا مَنَّ ، يخرجُهُ مِنْ جنسٍ
قوتِهِ أو مِنْ أفضلَ منهُ، فإن اقتاتَ الحنطةَ .. لمْ يجزِ الشعيرُ ، وإنِ اقتاتَ
حبوباً مختلفةً .. اختارَ خيرَها ، ومِنْ أيُّها أخرجَ أجزأَهُ .
وقسمتُها كقسمةِ زكاةِ الأموالِ ، فيجبُ فيها استيعابُ الأصنافِ ،
ولا يجوزُ إخراجُ الدقيقِ والمسوِّسِ .
ويجبُ على الرجلِ المسلمِ فطرةُ زوجتِهِ المسلمةِ ، ومماليكِهِ وأولادِهِ ،
وكلِّ قريبٍ هوَ في نفقتِهِ ؛ أعني : مَنْ تجبُ عليهِ نفقتُهُ مِنَ الآباءِ والأمهاتِ
والأولادِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أَدُوا صدقةَ الفطرِ عَمَّنْ
تَمُونُونَ))(٢).
٠٢٨٥٠٨٠ مال
٥٠
(١) كما في ((البخاري)) (١٥٠٣)، و((مسلم)) (٩٨٤) عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من
شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها
أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) .
(٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١٤١/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
( ١٦١/٤ ) .
٢٣

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
حن
وتجبُ صدقةُ العبدِ المشتركِ على الشريكينِ ، ولا تجبُ صدقةُ العبدِ
الكافرِ .
وإنْ تبرعتِ الزوجةُ بالإخراج عنْ نفسِها .. أجزأتُهُ، وللزوجِ الإخراجُ
عنها دونَ إذنِها ، وإنْ فضلَ عنهُ ما يؤدِّي عَنْ بعضِهِمْ .. أدَّى عنْ بعضِهِمْ،
وأولاهم بالتقديمِ مَنْ كانتْ نفقتُهُ آكدَ ، وقدْ قدَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ نفقةَ الولدِ على نفقةِ الزوجةِ ، ونفقتَها على نفقةِ الخادم(١).
فهذهِ أحكامٌ فقهيةٌ لا بدَّ للغنيِّ مِنْ معرفتِها، وقدْ تعرضُ لهُ وقائعُ نادرةٌ
خارجةٌ عنْ هذا ، فلهُ أنْ يتَكِلَ فيها على الاستفتاءِ عندَ نزولِ الواقعةِ بعدَ
إحاطتِهِ بههذا المقدارِ .
مثن
حن فن حن شن جن جن جن جن حة
(١) فقد روى أبو داوود (١٦٩١) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر النبي صلى الله
عليه وسلم بالصدقة فقال رجل : يا رسول الله ، عندي دينار، فقال: (( تصدق به على
نفسك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) قال: عندي آخر ، قال :
((تصدق به على زوجتك - أو قال: زوجك - ))، قال: عندي آخر، قال: (( تصدق به
على خادمك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر))، وفي ((النسائي)) (٦٢/٥):
تقديم الزوجة على الولد، وأطبق الشافعية على ذلك. انظر ((الإتحاف)) (٧٢/٤-٧٣).
٢٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
الفَصْلُ الثَّاني
في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة
بيان الشّروط الظاهرة
اعلمْ : أنَّهُ يجبُ علىُ مؤدِّي الزكاةِ مراعاةُ خمسةِ أمورٍ :
الأوَّلُ : النيةُ : وهوَ أنْ ينويَ بقلبِهِ زكاةَ الفرضِ ، وليسَ عليهِ تعيينُ
الأموالِ ، فإنْ كانَ لهُ مالٌ غائبٌ فقالَ : ( هذا عَنْ مالي الغائبِ إنْ كانَ
سالماً، وإلا .. فهوَ نافلةٌ) .. جازَ؛ لأنَّهُ لوْ لمْ يصرِّحْ بهِ .. فكذلكَ يكونُ
عندَ إطلاقِهِ .
مدن
ونِيَّةُ الوليِّ تقومُ مقامَ نِيَّةِ المجنونِ والصبيِّ، ونِيَّةُ السلطانِ تقومُ مقَامَ نِيَّةِ
المالكِ الممتنع عنِ الزكاةِ ولكنْ في ظاهرِ حكمٍ الدنيا ؛ أعني : في قطع
المطالبةِ عنهُ ، أمَّا في الآخرةِ .. فلا، بلْ تبقى ذمَّتُهُ مشغولةً إلى أنْ يستأنفَ
الزكاةَ .
وإذا وكَّلَ بأداءِ الزكاةِ ونوىُ عندَ التوكيلِ أوْ وَكَّلَ الوكيلَ بِالنِيَّةِ .. كفاهُ ؛
لأنَّ توكيلَهُ بالنيَّةِ نيةٌ .
الثاني : البدارُ عَقيبَ الحولِ : وفي زكاة الفطرِ لا يؤخُرُها عنْ يومٍ
٢٥
من

كتاب أسرار الزكاة
١٦٠٠
ربع العبادات
الفطرِ ، ويدخلُ وقتُ وجوبِها بغروبِ الشمسِ مِنْ آخرِ يومٍ مِنْ شهرِ
رمضانَ ، ووقتُ تعجيلها شهرُ رمضانَ كلُّهُ .
ومَنْ أَخَّرَ زكاةَ مالِهِ معَ التمكُّنِ .. عصى، ولمْ يسقط عنهُ بتلفِ مالِهِ ،
وتمكُّنُّهُ بمصادفةِ المستحقِّ ، وإنْ أَخَّرَها لعدم المستحقِّ ، فتلفَ مالُهُ ..
سقطتِ الزكاةُ عنهُ .
وتعجيلُ الزكاةِ جائزٌ بشرطِ أنْ يقعَ بعدَ كمالِ النصابِ وانعقادِ الحولِ ،
ويجوزُ تعجيلُ زكاةٍ حولينٍ ، ومهما عجَّلَ فماتَ المسكينُ قبلَ الحولِ ، أوِ
ارتدَّ، أو صارَ غنياً بغيرِ ما عجَّلَ إليهِ، أوْ تلفَ مالُ المالكِ، أَوْ ماتَ ..
فالمدفوعُ ليسَ بزكاةٍ ، واسترجاعُهُ غيرُ ممكنٍ إلا إذا قيَّدَ الدفعَ بالاسترجاع ،
فليكنِ المعجِّلُ مُراقباً آخرَ الأمرِ وسلامةَ العاقبةِ .
الثالثُ : ألا يخرجَ بدلاً باعتبارِ القيمةِ : بلْ يُخرجُ المنصوصَ عليهِ ، فلا
يجزىءُ وَرِقٌ عن ذهبٍ ، ولا ذهبٌ عن وَرِقٍ وإنْ زادَ عليهِ في القيمةِ .
٢٠
٤٠
ولعلَّ بعضَ مَنْ لا يدركُ غرضَ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ يتساهلُ في ذلكَ ،
ويلاحظُ المقصودَ مِنْ سدِّ الخَلَّةِ ، وما أبعدَهُ عنِ التحصيلِ ! فإنَّ سَدَّ الخَلَّةِ
مقصودٌ ، وليسَ هوَ كلَّ المقصودِ ، بلْ واجباتُ الشرعِ ثلاثةُ أقسامٍ :
٤٠
٤٠
٤٠
- قسمٌ هوَ تعبَّدٌ محضٌ لا مدخلَ للحظوظِ والأغراضِ فيهِ : وذلكَ كرمي
الجمراتِ مثلاً ؛ إذْ لا حظّ للجمرةِ في وصولِ الحصى إليها ، فمقصودٌ
٢٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
الشرع فيهِ الابتلاءُ بالعملِ ؛ ليُظهرَ العبدُ رقَّهُ وعبوديتَهُ بفعل ما لا يعقلُ لهُ
معنيّ(١) ؛ لأنَّ ما يعقلُ معناهُ فقدْ يساعدُهُ الطبعُ عليهِ ويدعوهُ إليهِ ، فلا يظهرُ
بهِ خلوصُ الرَقِّ والعبوديةِ ؛ إذِ العبوديةُ تظهرُ بأنْ تكونَ الحركةُ لحقِّ أمرٍ
المعبودِ فقطْ، لا لمعنىَ آخرَ ، وأكثرُ أعمالِ الحجِّ كذلكَ، ولذلكَ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في إحرامِهِ: ((لبيكَ بحجَّةٍ حقّاً، تعبُّداً ورقّاً ))(٢) تنبيهاً
على أنَّ ذلكَ إظهارٌ للعبوديةِ بالانقيادِ لمجرَّدِ الأمرِ وامتثالِهِ كما أمرَ مِنْ غيرِ
استئناسِ العقلِ منهُ بما يميلُ إليهِ ويحثُّ عليهِ .
٨٦.7
- القسمُ الثاني مِنْ واجباتِ الشرع: ما المقصودُ منهُ حظّ معقولٌ وليسَ
يقصدُ منهُ التعبّدُ : كقضاءِ دينِ الآدميينَ ، وردِّ المغصوبِ ، فلا جرمَ لا يعتبرُ
فيهِ فعلُهُ ونِيَتُهُ ، ومهما وصلَ الحقُّ إلى مستحقُّهِ بأخذِ المستحَقِّ أَوْ ببدلٍ عنْهُ
عندَ رضاهُ .. تأدَّى الوجوبُ وسقطَ خطابُ الشرع ، فههذانِ قسمانِ
لا تركيبَ فيهما ، يشتركُ في درْكِهِما جميعُ الناسِ .
- والقسمُ الثالثُ : هوَ المركَّبُ الذي يقصدُ منهُ الأمرانِ جميعاً : وهوَ
حظّ العبادِ وامتحانُ المكلَّفِ بالاستعبادِ ، فيجتمعُ فيهِ تعبُّدُ رمي الجمارِ وحظّ
٣٫٠٠
(١) هذا بالنسبة إلى قاصر النظر على ظواهر الأحكام، ولكن مَنْ تعدى هذا الطور،
وأعطي منحاً إلهية .. فإنه يعقل لرمي الجمار معنىّ غريباً غير ما يعرفه القاصرون ،
وكذا سائر المتعبدات الشرعية. ((إتحاف)) (٤ /٩٥).
(٢) رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) ( ص٦٢٤) وهو آخر كتابه ، والخطيب في
«تاريخ بغداد)» ( ٢١٨/١٤) .
٢١٠٠
٢٧

كتاب أسرار الزكاة
اج.
ربع العبادات
ردِّ الحقوقِ ، فهذا قسمٌ في نفسِهِ معقولٌ، فإنْ وردَ الشرعُ بهِ .. وجبَ
الجمعُ بينَ المعنيينِ ، ولا ينبغي أنْ ينسى أدقَّ المعنيينِ ؛ وهوَ التعبُّدُ
والاسترقاقُ بسببِ أجلاهما(١) ، ولعلَّ الأدقَّ هوَ الأهمُّ .
والزكاةُ مِنْ هذا القبيلِ ، ولمْ يتنبَّهْ لهُ غيرُ الشافعيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ؛ فحظً
الفقيرِ مقصودٌ في سدِّ الخَلَّةِ وهو جليٍّ سابقٌ إلى الأفهام ، وحقُّ التعبُّدِ في
اتباعِ التفاصيلِ مقصودٌ للشرع ، وباعتبارِهِ صارتِ الزكاةُ قرينةَ الصلاةِ والحجِّ
في كونِها مِنْ مباني الإسلام ، ولا شكّ في أنَّ على المكلَّفِ تعبأً في تمييزٍ
أجناسِ مالِهِ وإخراج حِصَّةِ كلِّ مالٍ منْ نوعِهِ وجنسِهِ وصفتِهِ ، ثمَّ توزيعِهِ على
الأصنافِ الثمانيةِ كما سيأتي .
والتساهلُ فيهِ غيرُ قادحٍ في حظُّ الفقيرِ ، ولكنَّهُ قادحٌ في التعبُّدِ ، ويدلُّ
على أنَّ التعبُّدَ مقصودٌ بتعيينِ الأنواع أمورٌ ذكرناها في كتبِ الخلافِ مِنَ
الفقهياتِ ، ومِنْ أوضحِها أنَّ الشرعَ أوجبَ في خمسٍ مِنَ الإبلِ شاةً ، فعدلَ
عنِ الإبلِ إلى الشاةِ ، ولمْ يعدِلْ إلى النقدينِ والتقويمِ ، وإنْ قُدِّرَ أنَّ ذلكَ
لقلَّةِ النقودِ في أيدي العربِ .. بطلَ بذكرِهِ عشرينَ درهماً في الجبرانِ معَ
الشاتينِ ، فلِمَ لمْ يُذكرْ في الجبرانِ قدْرُ النقصانِ مِنَ القيمةِ ؟ ولِمَ قُدِّرَ
بعشرينَ درهماً وشاتينٍ إنْ كانتِ الثيابُ والأمتعةُ كلُّها في معناها ؟
فهذا وأمثالُهُ مِنَ التخصيصاتِ يدلُّ على أنَّ الزكاةَ لمْ تترْ خاليةً عنِ
(١) أي: أجلى المعنيين. ((إتحاف)) (٩٦/٤).
حن فن خن
طن
من من خخ
٢٨
ـقم

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
التعبداتِ ؛ كما في الحجِّ ، ولكنْ جمعَ بينَ المعنيينِ ، والأذهانُ الضعيفةُ
تقصرُ عنْ دَرْكِ المركَّبَاتِ ، فهذا مثارُ الغلطِ فيهِ .
ـكن
الرابعُ : ألا ينقلَ الصدقةَ إلى بلدٍ آخرَ : فإنَّ أعيُنَ المساكينِ في كلِّ بلدةٍ
تمتدُّ إلى أموالِها ، وفي النقلِ تخييبٌ للظنونِ ، فإنْ فعلَ ذلكَ .. أجزأَهُ في
قولٍ ، ولكنِ الخروجُ عنْ شبهةِ الخلافِ أولى ، فليخرجْ زكاةَ كلٌّ مالٍ في
تلكَ البلدةِ ، ثمَّ لا بأسَ أنْ يصرفَ إلى الغرباءِ في تلكَ البلدةِ .
عن
الخامسُ : أَنْ يقسمَ مالهُ بعددِ الأصنافِ الموجودينَ في بلدِهِ : فإنَّ
استيعابَ الأصنافِ واجبٌ ، وعليهِ يدلُّ ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ وَاَلْمَسَكِينِ﴾ الآيةَ، فإنَّهُ شبيهٌ بقولِ المريضِ : ( إنما ثلثُ مالي
للفقراءِ والمساكينِ ) ، وذلكَ يقتضي التشريكَ في التمليكِ ، والعباداتُ
ينبغي أنْ يُتوقَّى عنِ الهجومِ فيها على الظواهرِ .
وقدْ عُدِمَ مِنَ الثمانيةِ صنفانِ في أكثرِ البلادِ ، وهُمُ المُؤْلَّفَةُ قلوبُهُمْ،
والعاملونَ على الزكاةِ ، ويوجدُ في جميع البلادِ أربعةُ أصنافٍ : الفقراءُ ،
والمساكينُ ، والغارمونَ ، والمسافرونَ ؛ أعني : أبناءَ السبيلِ ، وصنفانِ
يوجدانِ في بعض البلادِ دونَ بعضٍ، وهمُ الغزاةُ، والمكاتبونَ ، فإنْ وجدَ
خمسةً أصنافٍ مثلاً .. قسمَ بينهم زكاةَ مالِهِ بخمسةِ أقسام متساويةٍ ، وعيَّنَ
٢٩

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
لكلِّ صنفٍ قسماً ، ثمَّ قَسمَ كلَّ قسمٍ ثلاثةَ أسهم فما فوقَها ، إمَّا متساويةٌ أو
متفاوتةً ، وليسَ عليهِ التسويةُ بينَ آحادِ الصنفِ ، فإنَّ لهُ أنْ يقسمَهُ على عشرةٍ
وعشرينَ ، فينقصَ نصيبَ كلِّ واحدٍ ، وأمَّا الأصنافُ .. فلا تقبلُ الزيادةَ
والنقصانَ ، ولا ينبغي أنْ ينقصَ في كلِّ صنفٍ عَنْ ثلاثةٍ إنْ وجدَ .
ثُمَّ لوْ لمْ يجبْ إلا صاعٌ للفطرةِ ووجدَ خمسةَ أصنافٍ .. فعليهِ أنْ يوصلَهُ
إلى خمسةَ عشرَ نفراً ، ولو نقصَ منهمْ واحدٌ معَ الإِمكانِ .. غرمَ نصيبَ ذلكَ
الواحدِ ، وإنْ عسرَ عليهِ ذلكَ لقلَّةِ الواجبِ .. فليشاركْ جماعةً ممَّنْ عليهمُ
الزكاةُ، وليخلطْ مالَ نفسِهِ بمالِهِمْ ، وليجمع المستحقينَ ، وليسلُّمْ إليهم
حتَّى يتساهموا فيهِ ؛ فإنَّ ذلكَ لا بدَّ منهُ .
٣٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلمْ : أَنَّ على مريدٍ طريقِ الآخرةِ بزكاتِهِ وظائفَ :
الوظيفةُ الأولى : فهمُ وجوبِ الزكاةِ ومعناها ووجهِ الامتحانِ فيها ، وأنَّها لِمَ
جُعلتْ مِنْ مباني الإسلام معَ أنَّها تصرُّفٌ ماليٌّ وليسَتْ مِنْ عباداتِ الأبدانِ :
وفيها ثلاثةُ معانٍ :
4
سسسسـ
- الأوَّلُ: أنَّ التلفظُ بكلمتي الشهادةِ التزامٌ للتوحيدِ ، وشهادةٌ بإفرادِ
المعبودِ ، وشرطُ تمام الوفاءِ بهِ ألا يبقى للموخِّدِ محبوبٌّ سوى الواحدِ
الفردِ ؛ فإنَّ المحبَّةَ لا تقبلُ الشِّرْكةَ(١)، والتوحيدُ باللسانِ قليلُ الجدوى،
وإنَّما تُمتحنُ درجةُ الحبِّ بمفارقةِ المحبوباتِ ، والأموالُ محبوبةٌ عندَ
الخلقِ ؛ لأنَّها آلةُ تمتعِهِمْ بالدنيا ، وبسببها يأنسونَ بهذا العالم ، وينفُرُونَ
عنِ الموتِ معَ أنَّ فيهِ لقاءَ المحبوبِ، فامتحنوا بتصديقِ دعواهُمْ في المحبوبِ ،
واستُنْزلوا عنِ المالِ الذي هوَ مرموقُهُمْ ومعشوقُهُمْ (٢)، ولذلكَ قالَ اللهُ
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾،
.ج. مال
(١) أي: الاشتراك، والمراد بها الاختيارية، وأما الاضطرارية .. فالإنسان مجبول فيها إلى
ما يستلذه طبعاً ، ولا تكون المحبة كاملة حتى تكون مع المحبوب اضطراراً واختياراً ،
فحينئذ لا يخطر بباله شيء سواه ، وإن خطر ما عداه .. فيعده من جملة مظاهره
وتعيناته. ((إتحاف)) (٤ /١٠١ ).
(٢) مرموقهم : منظورهم الذي لا يفتؤون النظر فيه .
٣١
سجن حن
حن

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
ـدن
وذلكَ بالجهادِ ، وهوَ مسامحةٌ بالمهجةِ شوقاً إلى لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ،
والمسامحةُ بالمالِ أهونُ ، ولما فهمَ هذا المعنى في بذلِ الأموالِ .. انقسمَ
الناسُ ثلاثة أقسام :
- قسمٌ صدقوا التوحيدَ ووفّوا بعهدِهِ ، ونزلوا عنْ جميع أموالِهِمْ، فلم
يدَّخِرُوا ديناراً ولا درهماً ، وأبَوا أنْ يتعرَّضوا لوجوبِ الزكاةِ عليهمْ، حتَّى
قيلَ لبعضِهِمْ : كمْ يجبُ مِنَ الزكاةِ في مئتي درهمٍ ، فقالَ : أمَّا على العوامِّ
بحكم الشرع .. فخمسةُ دراهمَ، وأمَّا نحنُّ .. فيجبُ علينا بذلُ
الجميع (١) .
ولهذا تصدَّقَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ بجميع مالِهِ، وعُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ
بشطرِ مالِهِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما أبقيتَ لأَهلِكَ؟ » فقالَ:
مثلَهُ، وقالَ لأبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: (( ما أبقيتَ لأهلِكَ؟ )) قَالَ: اللهَ
ورسولَهُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بينَكُمَا ما بينَ كلمتيكُما))(٢)،
فالصِّديقُ وفَّى بتمام الصدْقِ ، فلمْ يمسكْ سوى المحبوبِ عندَهُ ، وهوَ اللهُ
ورسولُهُ .
كن حن حن حن
حن
- القسمُ الثاني : درجتُهُمْ دونَ درجةٍ هؤلاءِ، وهمُّ الممسكونَ أموالَهُمْ ،
المراقبونَ لمواقيتِ الحاجاتِ ومواسم الخيراتِ ، فيكونُ قصدُهُمْ في
(١) حُكي ذلك عن الشبلي رحمه الله تعالى. انظر ((كشف المحجوب)) (ص٣٤٧).
(٢) رواه أبو داوود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥)، وقوله: (( بينكما ما بين كلمتيكما)»
عند أبي نعيم فى ((الحلية)) (٣٢/١) بنحوه مرسلاً عن الحسن .
*
٣٢
حن
حن

ربع العبادات
كتاب أسرار الزكاة
جر
الادخارِ الإنفاقَ على قدْرِ الحاجةِ دونَ التنقُّمِ ، وصرفَ الفاضلِ عنِ الحاجةِ
إلى وجوهِ البرِّ مهما ظهرتْ وجوهُهُ، وهؤلاءِ لا يقتصرونَ على مقدار
الزكاةِ .
وقدْ ذهبَ جماعةٌ مِنَ التابعينَ إلى أنَّ في المالِ حقوقاً سوى الزكاةِ ؛
كالنخعيِّ والشعبيِّ وعطاءٍ ومجاهدٍ ، قالَ الشعبيُّ بعدَ أنْ قيلَ لهُ : هلْ في
المالِ حقٌّ سوى الزكاةِ ؟ قالَ: نعمْ، أما سمعْتَ قولَهُ تعالى: ﴿ وَءَاتَى الْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتْمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ اُلسَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِي الْرِّقَّابِ﴾
الآية؟(١).
2.
واستدلوا بقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾، وبقولِهِ
تعالى: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ﴾، وزعموا أنَّ ذلكَ غيرُ منسوخ بآيةِ الزكاةِ ، بلْ
هوَ داخلٌ في حقِّ المسلم على المسلمٍ ، ومعناه : أنَّهُ يجبُ على الموسرِ
مهما وجدَ محتاجاً أنْ يزيلَ حاجتَهُ فضلاً عنْ مالِ الزكاةِ (٢) .
والذي يصحُّ في الفقهِ مِنْ هذا البابِ أنَّهُ مهما أرهقتِ الحاجةُ .. كانتْ
إزالتُها فرضاً على الكفايةِ ؛ إذْ لا يجوزُ تضييعُ مسلمٍ ، ولكنْ يحتملُ أنْ
يقالَ : ليسَ على الموسرِ إلا تسليمُ ما يزيلُ الحاجةَ قرضاً ، ولا يلزمُهُ بذلُهُ
بعدَ أنْ أسقطَ الزكاةَ عنْ نفسِهِ ، ويحتملُ أنْ يقالَ : يلزمُهُ بذلُهُ في الحالِ ،
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠٦٢٧)، وهو عن النخعي (١٠٦٢٥)، وعن
عطاء ( ١٠٦٢٩)، وعن مجاهد (١٠٦٢٦).
(٢) قوت القلوب (١٠٦/٢) .
٣٣
ـكن

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
ولا يجوزُ لهُ الإقراضُ ؛ أي : لا يجوزُ لهُ تكليفُ الفقيرِ قبولَ القرضِ ،
وهذا مختلفٌ فيهِ .
٥
والإقراضُ نزولٌ إلى الدرجةِ الأخيرةِ مِنْ درجاتِ العوامِّ ، وهيَ درجةٌ
القسم الثالثِ الذينَ يقتصرونَ على أداءِ الواجبِ ، فلا يزيدونَ عليهِ
ولا ينقصونَ منهُ ، وهيَ أقلُّ الرتبِ ، وقدِ اقتصرَ جميعُ العوامّ على ذلكَ ؛
البخلِهِمْ بالمالِ ، وميلِهِمْ إليهِ ، وضعفِ حبِّهِمْ للآخرةِ ، قالَ اللهُ تعالى:
﴿ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ يحفِكُمْ: أي يستقصي عليكُمْ ، فَكمْ بينَ
عبدٍ اشترى منهُ مالَهُ ونفسَهُ بأنَّ لهُ الجنةَ وبينَ عبدٍ لا يستقصي عليهِ لبخلِهِ .
فهذا أحدُ معاني أمرِ اللهِ سبحانَهُ عبادَهُ ببذلِ الأموالِ .
- المعنى الثاني : التطهيرُ مِنْ صفةِ البخلِ : فإنَّهُ مِنَ المهلكاتِ ، قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ مهلكاتٌ: شخٌّ مطاعٌ ، وهوىّ متَّبعٌ ،
وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ)) (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وسيأتي
في ربع المهلكاتِ وجهُ كونِهِ مهلكاً ، وكيفيةُ التفصي منهُ .
ـكن
حن
وإنَّما تزولُ صفةُ البخلِ بأنْ يتعوَّدَ بذلَ المالِ ، فحبُّ الشيءِ لا ينقطعُ إلا
بقهرِ النفسِ على مفارقتِهِ حتَّى يصيرَ ذلكَ اعتياداً ، فالزكاةُ بهذا المعنى
مثن
حن
ـكن
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٤٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٣/٢)،
والبيهقي في (( الشعب)) ( ٧٣١).
نء
٣٤
ٹن
:

ربع العبادات
بهره: يوم بجري
كتاب أسرار الزكاة
ـتن
طهْرةٌ ؛ أي : تطهِّرُ صاحبَها عن خبْثِ البخلِ المهلِكِ ، وإنَّما طهارتُهُ بقدْر
بذلِهِ وبقدْرِ فرحِهِ بإخراجِهِ واستبشارِهِ بصرفِهِ إلى اللهِ تعالى .
ـمن
- المعنى الثالثُ : شكرُ النعمةِ : فإنَّ اللهِ عزَّ وجلَّ على عبدِهِ نعمةً في
نفسِهِ وفي مالِهِ ، فالعباداتُ البدنيةُ شكرٌ لنعمةِ البدنِ ، والماليةُ شكرٌ لنعمةِ
المالِ ، وما أخسلَّ مَنْ ينظرُ إلى الفقيرِ وقدْ ضُيِّقَ عليهِ الرزقُ وأُحوجَ إليهِ ثمَّ
لا تسمحُ نفسُهُ بأَنْ يؤدِّيَ شكرَ اللهِ تعالى على إغنائِهِ عنِ السؤالِ وإحواجٍ غيرِهِ
إليهِ بربعِ العشْرِ أوِ العشرِ مِنْ مالِهِ !
?
عد مه.
3
الوظيفةُ الثانيةُ : في وقتِ الأداءِ :
ومِنْ آدابِ ذوي الدينِ التعجيلُ عنْ وقتِ الوجوبِ ؛ إظهاراً للرغبة في
الامتثالِ بإيصالِ السرورِ إلى قلوبِ الفقراءِ ، ومبادرةً لعوائقِ الزمانِ أنْ تعوِّقَ
عنِ الخيراتِ ، وعلماً بأنَّ في التأخيرِ آفاتٍ معَ ما يتعرَّضُ العبدُ لهُ مِنَ
العصيانِ لوْ أَخَّرَ عنْ وقتِ الوجوبِ ، ومهما ظهرتْ داعيةُ الخيرِ مِنَ
الباطنِ .. فينبغي أنْ يغتنمَ ؛ فإنَّ ذلكَ لَمَّةُ الملكِ، وقلبُ المؤمنِ بينَ
إصبعينٍ مِنْ أصابعِ الرحمْنِ ، فما أسرعَ تقلَُّهُ !
والشيطانُ يعدُ الفقرَ ويأمرُ بالفحشاءِ والمنكرِ ، وله لَمَّةٌ عَقيبَ كلِّ لَمَّةٍ
للملكِ ، فليغتنمِ الفرصةَ في ذلكَ .
وليعيِّنْ لزكاتِهِ إِنْ كانَ يؤدِّيها جميعاً شهراً معلوماً ، وليجتهدْ أنْ يكونَ مِنْ
٣٥

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
أفضلِ الأوقاتِ ؛ ليكونَ ذلكَ سبباً لنماءِ قربتِهِ وتضاعفٍ زكاتِهِ ، وذلكَ کشهر
المحرَّم ؛ فإنَّهُ أوَّلُ السنةِ ، وهوَ مِنَ الأشهرِ الحرم ، أوْ رمضانَ ؛ فقدْ كانَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أجودَ الخلقِ ، وكانَ في رمضانَ كالريح المرسلةِ ،
لا يمسكُ فيهِ شيئاً(١) ، ولرمضانَ فضيلةُ ليلة القدرِ ، وأنَّهُ أُنزلَ فيهِ القرآنُ ،
وكانَ مجاهدٌ يقولُ: ( لا تقولوا : رمضانَ ؛ فإنَّهُ اسمٌّ مِنْ أسماءِ اللهِ تعالى ،
ولكنْ قولوا : شهرَ رمضانَ )(٢) .
وذو الحِجَّةِ أيضاً مِنَ الشهورِ الكثيرةِ الفضلِ ؛ فإنَّهُ شهرٌ حرامٌ ، وفيهِ
الحجُّ الأكبرُ، وفيهِ الأيامُ المعلوماتُ؛ وهيَ العشرُ الأُوَلُ، والأيامُ
المعدوداتُ ؛ وهيَ أيامُ التشريقِ، وأفضلُ أيام شهرِ رمضانَ العشرُ
الأواخرُ ، وأفضلُ أيام ذي الحجةِ العشرُ الأُوَلُ .
الوظيفةُ الثالثةُ : الإسرارُ :
فإنَّ ذلكَ أبعدُ عنِ الرياءِ والسمعةِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ
الصدقةِ جهْدُ المقلِّ إلى فقيرٍ في سرٍّ))(٣).
(١) رواه البخاري (٦)، ومسلم (٢٣٠٨).
(٢) رواه عن مجاهد ابنُ عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٣٩/٢٦)، وقد جاء مرفوعاً عند
البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٠١/٤)، وسياق المصنف هنا في ((القوت)) (١٠٧/٢).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٨/٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٦١) من حديث
طويل عنده بنحوه، ولفظ المصنف من ((القوت)) (٢/ ١٠٧ ).
:
٣٦

ربع العبادات
٥
كتاب أسرار الزكاة
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( ثلاثٌ مِنْ كنوزِ البرِّ ، منها : إخفاءُ الصدقةِ )،
وقدْ رُوِيَ أيضاً مسنداً(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ العبدَ ليعملُ عملاً في السرِّ فيكتبُهُ اللهُ
لهُ سرّاً، فإنْ أظهرَهُ .. نقلَ مِنَ السرِّ وكتبَ في العلانيةِ، فإنْ تحدَّثَ بهِ ..
نقلَ مِنَ السِّرِّ والعلانيةِ وكتبَ رياءً))(٢).
2
وفي الحديثِ المشهورِ : (( سبعةٌ يظلُّهُمُ اللهُ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ))،
أحدُهُمْ: «رجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فلمْ تعلمْ شمالُهُ بما أعطتْ يمينُهُ))(٣).
وفي الخبرِ: ((صدقةُ السرِّ تطفىءُ غضبَ الربِّ)) (٤).
وقالَ تعالى: ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
وفائدةُ الإخفاءِ : الخلاصُ مِنْ آفاتِ الرياءِ والسمعةِ ؛ فقدْ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((لا يقبلُ اللهُ مِنْ مُسَمِّع ولا مراءٍ ولا منَّانٍ))(٥) ، والمتحدِّثُ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٧/٧) مرفوعاً، وانظر « قوت القلوب»
( ١٠٧/٢ ) .
(٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٦١/٦)، وقال أبو طالب في ((القوت))
(١٠٧/٢) عقبه: (فلو لم يكن في إظهار الصدقة مع الإخلاص إلا فوت ثواب
السر .. لكان فيه نقص عظيم ) .
(٣) رواه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم ( ١٠٣١) .
(٤) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٦١/٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٦٨/٣).
(٥) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) ( ٨٣) من زيادات نعيم بن حماد ، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٦٠٦) موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ : =
٣٧
مثں۔"
ج:" بون:
٥

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
حن
تن
بصدقتِهِ يطلبُ السمعةَ ، والمعطي في ملأٍ مِنَ الناسِ يبغي الرياءَ ، والإخفاءُ
والسكوتُ هوَ المخلَصُ منْ ذلكَ .
وقدْ بالغَ في قصْدِ الإخفاءِ جماعةٌ ، حتَّى اجتهدوا ألا يعرفَ القابضُ
المعطيَ ، فكانَ بعضُهُمْ يلقيهِ في يدِ أعمى ، وبعضُهُمْ يلقيهِ في طريقِ الفقيرِ
وفي موضعٍ جلوسِهِ حيثُ يراهُ ولا يرى المعطيَ، وبعضُهُمْ كانَ يصُرُّهُ في
ثوبِ الفقيرِ وهوَ نائمٌ ، وبعضُهُمْ كانَ يُوصلُ إلى يدِ الفقيرِ على يدِ غيرِهِ بحيثُ
لا يعرفُ المعطيَ، وكانَ يستكتمُ المتوسّطَ شأنَّهُ، ويوصيهِ بألا يفشيَهُ ، كلُّ
ذلكَ توصُّلاً إلى إطفاءِ غضبِ الربِّ عزَّ وجلَّ ، واحترازاً مِنَ الرياءِ
والسمعةِ(١).
ومهما لمْ يتمكَّنْ مِنَ الإعطاءِ إلا بأنْ يعرفَهُ شخصٌ واحدٌ .. فتسليمُهُ إلى
وكيلٍ ليسلِّمَ إلى المسكينِ والمسكينُ لا يعرفُ أولى ؛ إذْ في معرفةِ المسكينِ
الرياءُ والمنَّةُ جميعاً ، وليسَ في معرفةِ المتوسِّطِ إلا الرياءُ ، ومهما كانتٍ
الشهرةُ مقصودةٌ لهُ .. حبطَ عملُهُ؛ لأنَّ الزكاةَ إزالةٌ للبخل ، وتضعيفٌ لحبِّ
المالِ ، وحبُّ الجاهِ أشدُّ استيلاءً على النفسِ مِنْ حبِّ المالِ ، وكلُّ واحدٍ
منهما مهلِكٌ في الآخرةِ ، ولكنَّ صفةَ البخلِ تنقلبُ في القبرِ في حكمِ المثالِ
عقرباً لدَّاغةً ، وصفةُ الرياءِ تنقلبُ في القبرِ أفعىَ مِنَ الأفاعي ، وهوَ مأمورٌ
ـحر
c
( لا يسمع الله من مُسَمِّع، ولا من مراء، ولا لاعب، إلا داع دعا يثبت من قلبه)،
=
وهو بلفظ المصنف في ((القوت)) (٢ / ١٠٧).
(١) قوت القلوب (١٠٨/٢).
٣٨

1
ربع العبادات
محـ
كتاب أسرار الزكاة
اكسســ
بتضعيفِهما أوْ قتلِهِما ؛ لدفع أذاهُما أوْ تخفيفِ أذاهُما ، فمهما قصدَ الرياءَ
والسمعةَ .. فكأنَّهُ جعلَ بعضَ أطرافِ العقربِ قوتاً للحيّةِ ، فبقدْرِ ما ضعفَ
مِنَ العقربِ زادَ في قوَّةِ الحيَّةِ ، ولو تركَ الأمرَ كما كانَ .. لكانَ الأمرُ أهونَ
عليهِ .
وقوَّةُ هذهِ الصفاتِ التي بها قوَّتَها العملُ بمقتضاها ، وضعفُ هذهِ
الصفاتِ بمجاهدتِها ومخالفتِها ، والعملِ بخلافِ مقتضاها ، فأيُّ فائدةٍ في
أنْ يخالفَ دواعيَ البخلِ ويجيبَ دواعيَ الرياءِ ، فيضعفَ الأدنى ويقوِّيَ
الأقوى ؟!
حن
بطن
حن
وستأتي أسرارُ هذهِ المعاني في ربع المهلكاتِ .
الوظيفةُ الرابعةُ : أَنْ يظهرَ حيثُ يعلمُ أنَّ في إظهارِهِ ترغيباً للناسِ في
الاقتداء :
ويحرسَ سرَّهُ عنْ داعيةِ الرياءِ بالطريقِ الذي سنذكرُهُ في معالجةِ الرياءِ في
كتابِ الرياءِ ؛ فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَ﴾،
وذلكَ حيثُ يقتضي الحالُ الإبداءَ ؛ إمَّا للاقتداءِ ، وإمَّا لأنَّ السائلَ إنَّما سألَ
على ملأٍ مِنَ الناسِ ، فلا ينبغي أنْ يتركَ التصدُّقَ خيفةً مِنَ الرياءِ في
الإظهارِ ، بلْ ينبغي أنْ يتصدَّقَ ويحفظُ سرَّهُ عنِ الرياءِ بقدْرِ الإمكانِ .
وهذا لأنَّ في الإظهارِ محذوراً ثالثاً سوى المنِّ والرياءِ ، وهوَ هتْكُ سترِ
٣٩
ـن

كتاب أسرار الزكاة
ربع العبادات
حو
الفقير ، فإنَّهُ ربَّما يتأذَّى بأنْ يُرى في صورةِ المحتاج ، فمَنْ أظهرَ السؤالَ ..
فهوَ الذي هتكَ سترَ نفسِهِ ، فلا يحذرُ هذا المعنى في إظهارِهِ ، وهوَ كإظهارٍ
الفسقِ على مَنْ يتستَّرُ بهِ ؛ فإنَّهُ محظورٌ ، والتجسسُ فيهِ والاغتيابُ بذكرِهِ
منهيٌّ عنهُ، فأمَّا مَنْ أظهرَهُ .. فإقامةُ الحدِّ عليهِ إشاعةٌ ، ولكنْ هوَ السببُ
فيها ، وبمثلِ هذا المعنى قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ألقى جلبابَ
الحياءِ .. فلا غيبةَ لهُ))(١) .
وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ بِرَّا وَعَلَائِيَّةٌ﴾ ندبَ إلى العلانيةِ
أيضاً لما فيها مِنْ فائدةِ الترغيبِ ، فليكنِ العبدُ دقيقَ التأمُّلِ في وزْنِ هذهِ
الفائدةِ بالمحذورِ الذي فيها ؛ فإنَّ ذلكَ يختلفُ بالأحوالِ والأشخاصِ ، فقدْ
يكونُ الإعلانُ في بعضِ الأحوالِ لبعضِ الأشخاصِ أفضلَ ، ومَنْ عرفَ
الفوائدَ والغوائلَ ولمْ ينظرْ بعينِ الشهوةِ .. اتضحَ لهُ الأولىُ والأليقُ بكلِّ
حالٍ .
الوظيفةُ الخامسةُ : ألا يفسدَ صدقتَهُ بالمنِّ والأذى :
قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾، واختلفوا في
حقيقةِ المنِّ والأذى :
فقيلَ : المنُّ : أنْ يذكرَها ، والأذى : أنْ يظهرَها .
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٨٦/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢١٠/١٠).
فات
٤٠
حنحن
ـحن