النص المفهرس
صفحات 681-700
ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة والمسجدُ مطلقٌ لجميعِ الناسِ، وقدِ اقْتُطِعَ ذلكَ على خلافِهِ(١). وصلَّى أنسُ بنُ مالكِ وعمرانُ بنُ حصينٍ في المقصورةِ ، ولمْ يكرها ذلكَ ؛ لطلبِ القربِ(٢) . ولعلَّ الكراهةَ تختصُّ بحالةِ التخصيصِ والمنع ، فأمَّا مجرَّدُ المقصورةِ إذا لمْ يكنْ منعٌ . . فلا يوجبُ كراهةٌ . وثالثُها : أَنَّ المنبرَ يقطعُ بعضَ الصفوفِ ، وإنَّما الصفُّ الأوَّلُ الواحِدُ المتصلُ الذي في فناءِ المنبرِ ، وما على طرفيهِ مقطوعٌ ، وكانَ الثوريُّ يقولُ: ( الصفتُّ الأوَّلُ هوَ الخارجُ بينَ يدي المنبرِ)(٣)، وهوَ متَّجهٌ؛ لأنَّهُ متصلٌ، ولأنَّ الجالسَ فيهِ يقابلُ الخطيبَ ويسمعُ ، ولا يبعدُ أنْ يقالَ : الأقربُ إلى القبلةِ هوَ الصفُّ الأوَّلُ ، ولا يراعى هذا المعنى. وتكرهُ الصَّلاةُ في الأسواقِ والرحابِ الخارجةِ عنِ المسجدِ ، وكانَ بعضُ الصحابةِ يضربُ الناسَ ويقيمُهُمْ مِنَ الرحابِ (٤). (١) قوت القلوب (٦٨/١)، وقد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٦٥٢، ٤٦٥٣) عن ابن محيريز وابن عمر أنهما كانا لا يصليان في المقصورة ، قال الحافظ الزبيدي : ( ولم أر فيه ذكراً للحسن ولا لبكر المزني ، بل ذكر الحسن فيمن كان يصلي في المقصورة ) . ((إتحاف)) ( ٢٦٦/٣). (٢) صلاة أنس فيها رواها ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٦٤٢)، والسياق في ((القوت)) (١ /٦٨ ) . (٣) قوت القلوب (٦٩/١). (٤) قوت القلوب (٦٩/١). .57 ٦٨١ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات الثامنةُ : أنْ يقطعَ الصَّلاةَ عندَ خروجِ الإمامِ ، ويقطعَ الكلامَ أيضاً ، بلْ يشتغلُ بجوابِ المؤذِّنِ ، ثمَّ باستماع الخطبةِ . وقدْ جرتْ عادةُ بعضِ العوامِّ بالسجودِ عندَ قيامِ المؤذِّنينَ ، ولمْ يثبتْ لهُ أصلٌ في أثرٍ ولا خبرٍ ، لكنَّهُ إنْ وافقَ سجودَ تلاوةٍ .. فلا بأسَ أنْ يمدَّ الدعاءَ ؛ لأنَّهُ وقتٌّ فاضلٌ، ولا يحكمُ بتحريمِ هذا السجودِ ؛ فإِنَّهُ لا سببَ لتحريمِهِ . وقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ وعثمانَ رضيَ اللهُ عنهُمَا : ( منِ استمعَ وأنصتَ .. فلهُ أجرانِ ، ومِنْ لمْ يستمعْ وأنصتَ .. فلهُ أجرٌ، ومَنْ سمعَ ولغا .. فعليهِ وزرانِ ، ومَنْ لمْ يستمعْ ولغا .. فعليهِ وزرٌ واحدٌ)(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ قالَ لصاحبهِ والإمامُ يخطبُ : أَنصِتْ أوْمَهْ .. فقدْ لغا، ومَنْ لغا والإمامُ يخطبُ .. فلا جمعةَ لَهُ))(٢). وهذا يدلُّ على أنَّ الإسكاتَ ينبغي أنْ يكونَ بإشارةٍ أوْ رَمْي حصاةٍ ، ـحة (١) قوت القلوب (٦٨/١)، وروى أحمد في ((مسنده)) (٩٣/١) عن علي رضي الله عنه قال : ( فمن دنا من الإمام ، فأنصت واستمع ولم يلغُ .. كان له كِفلان من الأجر ، ومن نأى عنه، فاستمع وأنصت ولم يلغُ .. كان له كفل من الأجر ، ومن دنا من الإمام ، فلغا ولم ينصت ولم يستمع .. كان عليه كِفلان من الوزر ، ومن نأى عنه ، فلغا ولم ينصت ولم يستمع .. كان عليه كفل من الوزر ) ، وبنحوه رواه أبو داوود ( ١٠٥١). (٢) رواه الترمذي (٥١٢)، والنسائي (١٠٣/٣) دون زيادة: (( ومن لغا .. فلا جمعة له ))، وهو عند أبي داوود من كلام علي رضي الله عنه في الحديث السابق مع هذه الزيادة . ٦٨٢ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة لا بالنطقِ ، وفي حديثٍ أبي ذرٍّ لمَّا سألَ أُبيًّ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخطبُ ، فقالَ : متى أُنزلتْ هذهِ السورةُ ؟ فأوماً إليهِ أنِ اسكتْ ، فلمَّا نزلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. قالَ لهُ أُبيِّ: اذهبْ، فلا جمعةَ لكَ ، فشكاهُ أبو ذرٍّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: ((صدقَ أُبيِّ))(١). وإنْ كانَ بعيداً مِنَ الإمامِ .. فلا ينبغي أنْ يتكلَّمَ في العلمِ وغيرِهِ ، بلْ يسكتُ ؛ لأنَّ ذلكَ يتسلسلُ ويفضي إلى هيئمةٍ(٢)، حتَّى ينتهيَ إلى المستمعينَ ، ولا يجلسُ في حلقةِ مَنْ يتكلّمُ ، فمنْ عجَزَ عنِ الاستماع للبعدِ .. فلينصتْ ، فهوَ المستحبُّ . ۔ وإذا كانتْ تكرهُ الصَّلاةُ في وقتِ خطبةِ الإِمامِ .. فالكلامُ أولىُ بالكراهةِ ، قالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( تكرهُ الصَّلاةُ في أربع ساعاتٍ : بعدَ الفجرِ، وبعدَ العصرِ، ونصفَ النهارِ ، والصَّلاةُ والإِمامُ يخطبُ )(٣). ! التاسعةُ : أنْ يراعيّ في قدوةِ الجمعةِ ما ذكرناهُ في غيرِها ، فإذا سمعَ قراءةَ الإمام .. لمْ يقرأ سوى الفاتحةِ، فإِذا فرغَ مِنَ الجمعةِ .. قرأ : (١) رواه ابن ماجه (١١١١)، والسائل أبو الدرداء أو أبو ذر، وجزم ابن خزيمة في ((صحيحه)) ( ١٨٠٧) أنه أبو ذر رضي الله عنه . (٢) الهينمة : كلام تسمع نغمته ولا تفهم معانيه لخفائه ، وهذه الهينمة تشوش وتمنع من السماع . (٣) قوت القلوب (٦٨/١). ٦٨٣ ـدن كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ( الحمدُ ) سبعَ مراتٍ قبلَ أنْ يتكلَّمَ ، و( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) سبعاً ، والمعوذتينِ سبعاً سبعاً ، ورُوِيَ عنْ بعض السلفِ أَنَّ مَنْ فعلَهُ .. عُصِمَ مِنَ الجمعة إلى الجمعةِ، وكانَ حرزاً لهُ مِنَ الشيطانِ(١). ويستحبُّ أنْ يقولَ بعدَ صلاةِ الجمعةِ : ( اللَّهُمَّ ؛ يا غنيُّ يا حميدُ ، يا مبدئُ يا معيدُ، يا رحيمُ يا ودودُ، أغنني بحلالِكَ عنْ حرامِكَ ، وبفضلِكَ عمَّنْ سواكَ ) ، يقالُ: مَنْ داومَ على هذا الدعاءِ .. أغناهُ اللهُ سبحانَهُ عنْ خلقِهِ ، ورزقَهُ مِنْ حيثُ لا يحتسبُ(٢) . eG ثمَّ يصلِّي بعدَ الجمعةِ ستَّ ركعاتٍ ؛ فقدْ روى ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينٍ )(٣)، وروى أبو هريرة : ( أربعاً )(٤)، وروى عليٍّ وعبدُ اللهِ ( ستّاً)(٥) ، والكلُّ صحيحٌ في أحوالٍ مختلفةٍ ، والأكملُ أفضلُ . (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٦٢١، ٣٠٢١٨) عن أسماء بنت الصِّديق رضي الله عنهما . (٢) قوت القلوب (٦٩/١). (٣) رواه البخاري (١١٦٩)، ومسلم ( ٨٨٢). (٤) رواه مسلم (٨٨١) . حديث علي رضي الله عنه رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) (٢٤٧/٣)، والطبراني في (٥) ((الكبير)) (٣١٠/٩)، وحديث عبد الله وهو ابن عمر رضي الله عنهما رواه أبو داوود (١١٣٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ( ٥٤١٢). ٦٨٤ ربع العبادات جيب كتاب أسرار الصلاة العاشرةُ: أَنْ يلازمَ المسجدَ حتَّى يصلِّيَ العصرَ ، فإِنْ أقامَ إلى المغربِ .. فهوَ الأفضلُ . يقالُ : ( مَنْ صلَّى العصرَ في الجامع .. كانَ لهُ ثوابُ حجَّةٍ، ومَنْ صلَّى المغربَ .. فلهُ ثوابُ عمرةٍ)(١)، فإنْ لَمْ يأمنِ التصنُّعَ ودخولَ الآفةِ عليهِ مِنْ نظرِ الخلقِ إلى اعتكافِهِ ، أوْ خافَ الخوضَ فيما لا يعني .. فالأفضلُ أنْ يرجعَ إلى بيتِهِ ذاكراً للهِ عزَّ وجلَّ ، مفكِّراً في آلائِهِ ، شاكراً لهُ على توفيقِهِ ، خائفاً مِنْ تقصيرِهِ ، مراقباً لقلبِهِ ولسانِهِ إلى غروبِ الشمسِ ؛ حتَّى لا تفوتَهُ الساعةُ الشريفةُ . ولا ينبغي أنْ يتكلَّمَ في الجامع وغيرِهِ مِنَ المساجدِ بحديثِ الدنيا ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يأتي على الناسِ زمانٌ يكونُ حديثُهُمْ في مساجدِهِمْ أمرَ دنياهُمْ، ليسَ اللهِ تعالى فيهمْ حاجةٌ، فلا تجالسوهُمْ))(٢). (١) قوت القلوب (١/ ٧٠). وفي (ب) و(ج): ( فله ثواب عمرة مع الحج ) . (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٤٥٨)، والبيهقي في (( الشعب)) (٢٧٠١) عن الحسن مرسلاً . ٦٨٥ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات بيان الآداب والسنن الخارجة عن الترتيب السابق الذي تم جميع النّار وهيَ سبعة أمور الأوَّلُ : أنْ يحضرَ مجالسَ العلم : بكرةً أوْ بعدَ الصلاةِ ، أَوْ بعدَ العصرِ ، ولا يحضرُ مجالسَ القُصَّاصِ ، فلا خيرَ في كلامِهِمْ . ولا ينبغي أنْ يخلوَ المريدُ في جميعِ يومِ الجمعةِ عنِ الخيراتِ والدعواتِ حتَّى توافيَهُ الساعةُ الشريفةُ وهوَ في خيرٍ . ولا ينبغي أنْ يحضرَ الحِلَقَ قبلَ الصَّلاةِ، روى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنِ التحلُّقِ يومَ الجمعةِ قبلَ الصلاةِ ) (١) ، إلا أنْ يكونَ عالماً باللهِ ، يذكِّرُ بأيام اللهِ ، ويفقُّهُ في دينِ اللهِ ، يتكلّمُ في الجامع بالغداةِ ، فيجلسُ إليهِ ، فيكونُ جامعاً بينَ البكورِ وبينَ الاستماع ، واستماعُ العلمِ النافع في الآخرةِ أفضلُ منِ اشتغالِهِ بالنوافلِ ؛ فقدْ روى أبو ذرِّ: ( أَنَّ حضورَ مجلسٍ علمٍ أفضلُ مِنْ صلاةٍ ألفِ ركعةٍ )(٢). قالَ أنسُ بنُ مالكٍ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الضَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِى اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾: (أما إنَّهُ ليسَ بطلبٍ دنيا ، ولكنْ عيادةُ مريضٍ ـين (١) رواه أبو داوود (١٠٧٩)، والترمذي (٣٢٢)، والنسائي (٤٧/٢)، وابن ماجه ( ١١٣٣ ) . (٢) قوت القلوب (٦٧/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٩٩/١). ٦٨٦ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة وشهودُ جنازةٍ ، وتعلُّمُ علمٍ ، وزيارةُ أخٍ في اللهِ عزَّ وجلَّ)(١) . وقدْ سمَّى اللهُ تعالى العلمَ فضلاً في مواضعَ : قَالَ اللهُ تعالى : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾، وقال تعالى : وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ يعني: العلمَ (٢)، فتعليمُ العلمِ في هذا اليومِ وتعلُّمُهُ مِنْ أفضلِ القرباتِ . والصَّلاةُ أفضلُ مِنْ مجالسِ القُصَّاصِ ؛ إذْ كانوا يرونَهُ بدعةً، ويُخرجونَ القصَّاصَ مِنَ الجامعِ . ١ حضرَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما إلى مجلسِهِ في المسجدِ الجامع ؛ فإذا قاصٌّ يقصُّ في موضعِهِ ، فقالَ لهُ : قمْ عنْ مجلسي ، فقالَ : لا أقومُ وقدْ جلستُ وسبقتُكَ إليهِ ، فأرسلَ ابنُ عمرَ إلى صاحبِ الشُّرْطَةِ فأقامَهُ . فلوْ كانَ ذلكَ مِنَ السنَّةِ .. لما استحلَّ إقامتهُ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يقيمنَّ أحدُكُمْ أخاهُ مِنْ مجلسِهِ ثمَّ يجلسُ فيهِ ، ولكنْ تفسَّحوا وتوسَّعوا ))(٣). وكانَ ابنُ عمرَ إذا قامَ لهُ الرجلُ مِنْ مجلسِهِ .. لمْ يجلسْ فيهِ حتَّى يعودَ (٤) إليهِ (٤). (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٢٦/٢٨/١٤) عن أنس مرفوعاً . (٢) بدليل قوله في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَادَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا﴾ الآية. ((إتحاف)) (٢٧٨/٣). (٣) رواه البخاري (٩١١)، ومسلم ( ٢١٧٧). (٤) رواه مسلم (٢١٧٧) تتمة الحديث السابق . ٦٨٧ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ورُوِيَ أَنَّ قاصّاً كانَ يجلسُ بفناءِ حجرةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا ، فأرسلتْ إلى ابنِ عمرَ أنَّ هذا قدْ آذاني بقصصِهِ وشغلني عنْ سُبْحَتي ، فضربَهُ ابنُ عمرَ حتَّى كسرَ عصاً على ظهرِهِ ، ثمَّ طردَهُ(١) . الثاني : أنْ يكونَ حسنَ المراقبةِ للساعةِ الشريفةِ : ففي الخبرِ المشهورِ : ((إنَّ في الجمعةِ ساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ تعالى فيها شيئاً إلا أعطاهُ))(٢). وفي خبرٍ آخرَ : (( لا يصادفُها عبدٌ يصلِّي)) (٣). واختلفَ فيها ؛ فقيلَ : إنَّها عندَ طلوع الشمسِ ، وقيلَ : عندَ الزوالِ . وقيلَ : معَ الأذانِ . وقيلَ : إذا صعدَ الخطيبُ المنبرَ وأخذُ في الخطبةِ . وقيلَ : إذا قامَ الناسُ إلى الصلاةِ . وقيلَ : آخرَ وقتِ العصرِ ؛ أعني : وقتَ الاختيارِ . وقيلَ : قبلَ غروبِ الشمسِ ، وكانتْ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنهَا تراعي ذلكَ (١) قوت القلوب (٦٨/١)، والسُّبْحَةُ: التطوع من الذكر والصلاة. (٢) رواه النسائي (١١٥/٣)، وهو عند البخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) بزيادة : ((وهو قائم يصلي )) ، وهو في الرواية الآتية . (٣) رواه أبو داوود (١٠٤٦)، والنسائي (١١٤/٣). ائن ٦٨٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة الوقتَ وتأمرُ خادمَها أنْ ينظرَ إلى الشمسِ فيؤذنَها بسقوطِها ، فتأخذُ في الدعاءِ والاستغفارِ إلى أنْ تغربَ ، وتخبرُ بأنَّ تلكَ الساعةَ هيَ المنتظرةُ ، وتأثرُهُ عنْ أبيها صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) . وقالَ بعضُ العلماءِ : هيَ مبهمةٌ في جميع اليومِ مثلَ ليلةِ القدْرِ ؛ حتَّى تتوفّرَ الدواعي على مراقبتِها . وقدْ قيلَ : إنَّها تنتقلُ في ساعاتِ يومِ الجمعةِ كتنقُّلِ ليلةِ القدرِ ، وهذا هوّ الأشبهُ ، ولهُ سرٍّ لا يليقُ بعلمِ المعاملةِ ذكرُهُ ، ولكنْ ينبغي أنْ يصدِّقَ بما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لربِّكُمْ في أيامٍ دهرِكُمْ نفحاتٍ ، ألا فتعرَّضوا لها )» (٢)، ويومُ الجمعةِ مِنْ جملةِ تلكَ الأيام، فينبغي أنْ يكونَ العبدُ في جميع نهارِهِ متعرِّضاً لها ؛ بإحضارِ القلبِ ، وملازمةِ الذكرِ ، والنزوعِ عنْ وساوسِ الدنيا ، فعساهُ يحظى بشيءٍ مِنْ تلكَ النفحاتِ . (١) رواه إسحاق بن راهويه فى ((مسنده)) (٢١٠٩)، قال: ( فكانت فاطمة تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب ، فإذا رأيت الشمس قد تدلت للغروب .. فأخبرنى، فيخبرها ، فكانت تقوم إلى مسجدها ، فلا تزال تدعو حتى تغرب الشمس ، ثم تصلي). وهو بنحوه عند البيهقي في ((الشعب)) ( ٢٧١٦). وجميع الأقوال التي أوردها قد رويت عن السلف الصالح رضي الله عنهم ، وسياق المصنف منتزع من ((القوت)) (٦٦/١)، وقال: (فهذا جمل ما قيل في هذه الساعة بروايات جاءت في ذلك متفرقة ، حذفنا ذكرها للاختصار ، فليتوخَ هذه الأوقات ، وليتعهد الدعاء فيها ، والصلاة فيما صلح منها ) . (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٣/١٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٣٩/٥) بنحوه . ٦٨٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وقدْ قالَ كعبُ الأحبارِ : إنَّها في آخرِ ساعةٍ مِنْ يوم الجمعةِ ، وذلكَ عندَ الغروبِ ، فقالَ أبو هريرةَ : كيفَ تكونُ آخرَ ساعةٍ وقدْ سمعتُ النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((لا يوافقُها عبدٌ يصلِّي)) ولاتَ حينَ صلاةٍ ؟ فقالَ كعبٌ : ألمْ يقلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ قعدَ ينتظرُ الصلاةَ .. فهوَ في صلاةٍ))؟ قالَ: بلى، قالَ: فذاكَ صلاةٌ ، فسكتَ أبو هريرة(١) . وكانَ كعبٌّ مائلاً إلى أنَّها رحمةٌ مِنَ اللهِ سبحانَهُ للقائمينَ بحقِّ هذا اليوم ، وأوانُ إرسالِها عندَ الفراغِ مِنْ تمامِ العملِ . وبالجملةِ : هذا وقتٌ شريفٌ معَ وقتِ صعودِ الإمامِ المنبرَ ، فليكثرِ الدعاءَ فيهما . (١) رواه أبو داوود (١٠٤٦)، والنسائي (١١٤/٣) من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، وكعب حكى قوله هذا ووافقه عليه ، وتراجع عن قولٍ له قديم أنها في السنة مرة ، قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) ( ٢٨٢/٣) : ( وجدت بخط شمس الدين الداوودي ما نصه : « صحح أبو زرعة الدمشقي أن أبا هريرة إنما روى الحديث كله عن كعب))، فعلى هذا: لذكر كعب في القصة أصل). وفي معنى: (( قائم يصلي )) نقل الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (٦ / ١٤٠): أنه ملازم للدعاء فيها ، وعليه فلا حاجة لإيراد حديث: (( من قعد ينتظر الصلاة ... ))، وروايته عند مسلم (٤٩١): ((من جلس مجلساً ينتظر الصلاة .. فهو في صلاة)"، وسياق المصنف في ((القوت)) (٦٦/١ ) . ٦٩٠ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة الثالث : يستحبُّ أنْ يكثرَ الصلاةَ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في هذا اليوم : فقد قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ صلَّى عليَّ في يومِ الجمعةِ ثمانينَ مرَّةً .. غفرَ اللهُ لهُ ذُنوبَ ثمانينَ سنةً)) ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ ؛ كيفَ الصلاةُ عليكَ؟ قالَ: (( تقولُ: اللهمَّ؛ صلِّ على محمدٍ عبدِكَ ونبيِّكَ ورسولِكَ النبيِّ الأميِّ وتعقدُ واحدةً))(١) . وإنْ قلتَ : ( اللهمَّ؛ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ صلاةٌ تكونُ لكَ رضاً ، ولحقِّهِ أداءً، وأعطِهِ الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ الذي وعدتَهُ ، واجزهِ عنَّا ما هوَ أهلُهُ، واجزِهِ أفضل ما جزيتَ نبيّاً عنْ أمَّتِهِ ، وصلِّ على جميع إخوانِهِ، مِنَ النبيِّينَ والصالحينَ يا أرحم الراحمينَ ) ، تقولُ هذا سبعَ مراتٍ ؛ فقدْ قيلَ : مَنْ قالَها في سبع جُمع في كلِّ جمعةٍ سبعَ مراتٍ .. وجبتْ لهُ شفاعتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وإنْ أرادَ أنْ يزيدَ .. أتى بالصلواتِ المأثورةِ فقالَ: ( اللهمَّ ؛ اجعلْ فضائلَ صلواتِكَ ، ونواميَ بركاتِكَ، وشرائفَ زكواتِكَ ورأفتِكَ ورحمتِكَ وتحيَّكَ ، على محمدٍ سيِّدِ المرسلينَ ، وإمامِ المتقينَ ، وخاتمِ النبيينَ ، ورسولِ ربِّ العالمينَ ، قائِد الخيرِ ، وفاتح البِرِّ ، ونبيِّ الرحمةِ ، وسيِّدِ الأمةِ، اللهمَّ ؛ ابعثْهُ مقاماً محموداً تُزْلِفُ بهِ قربَهُ، وتقرُّ بهِ عينَهُ، يغبطُهُ بهِ (١) رواه ابن شاهين في (( الترغيب في فضائل الأعمال)) (٢٢)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٤٦٣/١٣)، قال الحافظ العراقي: (وقال ابن النعمان : حديث حسن ). ((إتحاف)) ( ٢٨٦/٣) . ٦٩١ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات الأوَّلونَ والآخرونَ ، اللهمَّ ؛ أعْطِهِ الفضلَ والفضيلةَ ، والشرفَ والوسيلةَ ، والدرجة الرفيعةَ ، والمنزلةَ الشامخةَ المنيفةَ، اللهمَّ ؛ أعطِ محمداً سؤلَهُ ، وبلِّغْهُ مأمولَهُ، واجعلْهُ أوَّلَ شافع وأوَّلَ مشفَّع، اللهمَّ ؛ عظمْ برهانَهُ ، وثقِّلْ ميزانَهُ ، وأفلحْ حجَّتَهُ ، وارفعْ في أعلى المقرِبِينَ درجتهُ ، اللهمَّ ؛ احشرْنا في زمرتِهِ ، واجعلْنا مِنْ أهلِ شفاعتِهِ ، وأحينا على سنَّتِهِ ، وتوقَّنا علىُ مَّتِهِ ، وأورْدنا حوضَهُ، واسقنا بكأسِهِ غيرَ خزايا ولا نادمينَ ، ولا شاكِّينَ ولا مبدِّلينَ ، ولا فاتنينَ ولا مفتونينَ، آمينَ يا ربَّ العالمينَ )(١) . وعلى الجملةِ : فكلُّ ما أتى بهِ مِنْ ألفاظِ الصلاةِ ولوِ المشهورَ في التشهدِ .. كانَ مصلِّياً . وينبغي أنْ يضيفَ إليهِ الاستغفارَ ؛ فإنَّ ذلكَ أيضاً مستحبٌّ في هذا اليوم(٢) . الرابعُ : قراءةُ القرآنِ : فليكثرْ منهُ، وليقرأ سورةَ الكهفِ خاصةً ؛ فقدْ روى ابنُ عباسٍ وأبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُما ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: «مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ ليلةَ الجمعةِ أوْ يومَ الجمعةِ .. أُعطيَ نوراً (١) رواه ابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي)) (٢١) مرفوعاً، و(٢٣) موقوفاً على علي رضي الله عنه، بنحوه، وهو في ((القوت)) (٦٦/١)، وأفلح : أظهر . (٢) قوت القلوب (١/ ٦٧). ٦٩٢ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة مِنْ حيثُ يقرؤُها إلى مكةَ، وغُفِرَ لهُ إلى يوم الجمعةِ الأخرىُ وفضْلَ ثلاثةِ أيام ، وصلَّى عليهِ سبعونَ ألفَ ملكِ حتَّى يصبحَ ، وعوفيَ مِنَ الداءِ والذُّبِيلَةِ وذاتِ الجِنْبِ والبَرصِ والجذامِ، وفتنةِ الدجّالِ))(١). ويستحبُّ أنْ يختمَ القرآنَ في يوم الجمعةِ وليلتِها إنْ قدرَ ، وليكنْ ختمُهُ للقرآنِ في ركعتي الفجرِ إنْ قرأْ بالليلِ ، أَوْ في ركعتي المغربِ ، أَوْ بينَ الأذانِ والإقامةِ للجمعةِ ، فلهُ فضلٌ عظيمٌ(٢). وكانَ العابدونَ يستحبُّونَ أنْ يقرؤوا يومَ الجمعةِ: ( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) ألفَ مرَّةٍ(٣) ، ويقالَ: إنَّ مَنْ قرأْها في عشْرِ ركعاتٍ أوْ عشرينَ ركعةٌ .. فهوَ أفضلُ مِنْ ختمةٍ . (١) قال صاحب ((القوت)) (٦٧/١): (وروى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ) ، وذكره الحافظ المناوي في ((فيض القدير)) (١٩٨/٦) وقال: ( رواه الديلمي عن أبي هريرة يرفعه)، وأصل الحديث مروي عند عبد الرزاق في (( المصنف)) (١٨٦/١)، والدارمي في (( سننه)) (٣٤٥٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (١/ ٥٦٤) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والدُّبيلة : بوزان جهينة ، كل ورم في داخله موضع تنصب إليه المادة ، وذات الجنب: ورم حار في العضلات الباطنة والحجاب المستبطن، وانظر ((الإتحاف)) (٣/ ٢٩٣ ) . (٢) قوت القلوب (٦٧/١ ) . (٣) روى الرافعي في (( تاريخ قزوين)) (٢٠٦/٢) مرفوعاً: « من قرأ: (قل هو الله أحد ) ألف مرة .. فقد اشترى نفسه من الله عز وجل)). ٦٩٣ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وكانوا يصلُّونَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ألفَ مرةٍ (١) ، ويقولونَ : ( سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ) ألفَ مرَّةٍ ، وإنْ قرأ المسبحاتِ الستَّ في يوم الجمعةِ أوْ ليلتِها .. فحسنٌ(٢). وليسَ يُروى أنّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقرأُ سوراً بأعيانِها إلا في يومٍ الجمعةِ وليلتِها ، كانَ يقرأُ في صلاةِ المغربِ ليلةَ الجمعةِ : ( قلْ يا أيُّها الكافرونَ )، و(قلْ هوَ اللهُ أحدٌ)، وكانَ يقرأُ في صلاةِ العشاءِ الآخرةِ ليلةً الجمعةِ : سورةَ الجمعةِ ، والمنافقينَ(٣). ورُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقرؤُهُما في ركعتي الجمعةِ ، وكانَ يقرأُ في صلاةِ الصبح يومَ الجمعةِ بسورةٍ سجدةٍ لقمانَ (٤)، وسورةِ ( هلْ أتى على الإنسانِ )(٥) . الخامسُ : الصلواتُ : يستحبُّ إذا دخلَ الجامعَ ألاَّ يجلسَ حتَّى يصلِّيَ أربعَ ركعاتٍ، يقرأُ فيهنَّ: ( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) مئتي مرةٍ ، في كلِّ ركعةٍ (١) انظر (( جلاء الأفهام)) (ص ٥٧). (٢) هي السور التي في أولها نحو: ﴿سَبَّحَ﴾، ﴿يُسَبِّحُ﴾، وهي: الحديد ، والحشر، والصف ، والجمعة ، والتغابن ، والأعلى . (٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ( ١٨٤١). (٤) وهي سورة السجدة، سميت بالإضافة إلى مجاورَتِها تمييزاً بها عن غيرها . (٥) رواه مسلم ( ٨٧٩ ) . ٦٩٤ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة خمسينَ مرَّةً ، فقدْ نُقُلَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ مَنْ فعلَهُ .. لمْ يمتْ حتَّى يرى مقعدَهُ من الجنَّةِ، أوْ يُرَى لَهُ(١). ولا يدعُ ركعتي التحيةِ وإنْ كانَ الإمامُ يخطبُ ، ولكنْ يخفِّفُ ، أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ(٢)، وفي حديثٍ غريبٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سكتَ للدَّاخلِ حتَّى فرغَ(٣) ، فقالَ الكوفيونَ: إنْ سكتَ لهُ الإمامُ .. صلاَّهُما (٤). ويستحبُّ في هذا اليومِ أوْ في ليلتِهِ أنْ يصلِّيَّ أربعَ ركعاتٍ بأربع سورٍ ؛ سورةِ الأنعام ، والكهفِ ، وطّه ، ويسَ ، فإنْ لمْ يُحسنْ .. قرأْ يَس، وسجدةَ لقمانَ ، وسورةَ الدخانَ ، وسورةَ الملكِ ، ولا يدعُ قراءةَ هذهِ الأربع سورٍ في ليلةِ الجمعةِ ، ففيها فضلٌ كثيرٌ . مــ عيد مصر حن جن ومَنْ لا يحسنُ القرآن .. قرأ ما يحسنُ ، فهوَ لهُ بمنزلةٍ ختمةٍ(٥) ، ويكثرُ مِنْ قراءة سورةِ الإخلاصِ . (١) قال الحافظ العراقي: ( أخرجه الخطيب في ((الرواة عن مالك)) من حديث ابن عمر، وقال : غريب جداً)، وأخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) وقال : لا يصح . ((إتحاف)) ( ٢٩٦/٣) . (٢) رواه مسلم ( ٨٧٥ ) . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٢٠٦)، والدار قطني في (( سننه)) (١٦/٢). (٤) قوت القلوب (٦٧/١)، وقال: ( ولعل سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص له ؛ لوجوب قوله ) . (٥) قوت القلوب (٦٧/١)، وقال: (فذلك له ختمةٌ، فقيل: ختمة من حيث علمه) ٦٩٥ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ويستحبُّ أنْ يصلّيَ صلاةَ التسبيح كما سيأتي في بابِ التطوُّعاتِ كيفيتُها ، ورُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لعمِّهِ العباسِ: (( صلُّها في كلِّ جمعةٍ))(١) . وكانَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما لا يدعُ هذِهِ الصلاةَ يومَ الجمعةِ بعدَ الزوالِ، وكانَ يخبرُ عنْ جلالةِ فضلِها(٢) . والأحسنُ : أنْ يجعلَ وقتَهُ إلى الزوالِ للصلاةِ ، وبعدَ الجمعةِ إلى العصرِ لاستماعِ العلمِ ، وبعدَ العصرِ إلى المغربِ للتسبيحِ والاستغفارِ(٣). السادسُ : الصدقةُ مستحبةٌ في هذا اليوم خاصةً : فإنَّها تُضاعفُ إلا على مَنْ سألَ والإمامُ يخطبُ وكانَ يتكلَّمُ في كلامِ الإمامِ ، فهذا مكروهٌ . قالَ صالحُ بنُ أحمدَ : ( سألَ مسكينٌ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ وكانَ إلى جنبٍ أبي ، فأعطى رجلٌ أبي قطعةً - ولمْ يعرفُهُ - ليناولَهُ إِيَّاها، فلمْ يأخذها منهُ أبي )(٤) . وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( إذا سألَ الرجلُ في المسجدِ .. فقدِ استحقَّ ألاَّ (١) رواه أبو داوود (١٢٩٧)، وابن ماجه ( ١٣٨٧). (٢) قوت القلوب (١/ ٦٧). (٣) قوت القلوب (٦٥/١)، وقال: (فكذلك كان المتقدمون يقسمون يوم الجمعة هذه الأقسام الثلاثة ) . (٤) قوت القلوب (٦٩/١)، ولو كانت مستحبة .. لفعلها أحمد رحمه الله تعالى. ٦٩٦ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة يعطى، وإذا سألَ على القرآنِ .. فلا تعطوهُ)(١). ومنَ العلماءِ مَنْ كرهَ الصدقةَ على السُؤَّالِ في الجامع الذين يتخطونَ رقابَ الناسِ ، إلا أنْ يسألَ قائماً أوْ قاعداً في مكانٍ مِنْ غيرِ أنْ يتخطَّى . وقالَ كعبُ الأحبارِ : ( مَنْ شهدَ الجمعةَ ، ثمَّ انصرفَ ، فتصدَّقَ بشيئينِ مختلفينٍ مِنَ الصدقةِ ، ثمَّ رجعَ فركعَ ركعتينٍ يتمُّ ركوعَهُما وسجودَهُما وخشوعَهُما ، ثم يقولُ : اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ باسمِكَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمٍ ، وباسمِكَ الذي لا إلهَ إلا اللهُ، هوَ الحيُّ القيُّومُ، لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ .. لمْ يسألِ اللهِ تعالى شيئاً إلا أعطاهُ)(٢). وقالَ بعضُ السلفِ : ( مَنْ أطعمَ مسكيناً يومَ الجمعةِ ، ثمَّ غدا وابتكرَ ، ولمْ يؤذِ أحداً ، ثمَّ قالَ حينَ يسلِّمُ الإمامُ : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ الحيِّ القُّوم ، أسألُكَ أنْ تغفرَ لي وترحمَني وأنْ تعافيَني مِنَ النارِ ، ثمَّ دعا بما بدا لهُ .. استجيبَ لَهُ)(٣). السابعُ : أنْ يجعلَ يومَ الجمعةِ للآخرةِ : فيكفُّ فيهِ عنْ جميع أشغالٍ الدنيا ، ويكثرُ فيهِ الأورادَ ، ولا يبتدىءُ فيهِ السفرَ ؛ فقدْ رُوِيَ أنَّهُ مَنْ سافرَ (١) قوت القلوب (٦٩/١)، واللحاق الآتي منه كذلك . (٢) قوت القلوب (٦٩/١). (٣) قوت القلوب (٦٩/١). ٦٩٧ حمزة كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات في ليلة الجمعةِ .. دعا عليهِ ملكاهُ(١)، وهوَ بعدَ طلوع الفجرِ حرامٌ إلا إذا كانتِ الرفقةُ تفوتُ . وكرهَ بعضُ السلفِ شراءَ الماءِ في المسجدِ مِنَ السقَّاءِ ليشربَهُ أَوْ يسبِّلَهُ ؛ حثَّى لا يكونَ مبتاعاً في المسجدِ ، فإنَّ البيع والشراءَ في المسجدِ مكروهٌ ، وقالوا : لا بأسَ لوْ أعطى القطعةَ خارجَ المسجدِ ثمَّ شربَ أوْ سبَّلَ في المسجدِ(٢). وبالجملةِ : ينبغي أنْ يزيدَ في الجمعةِ في أورادِهِ وأنواع خيراتِهِ ، فإنَّ اللهَ سبحانَهُ إذا أحبَّ عبداً .. استعملَهُ في الأوقاتِ الفاضلةِ بفواضلِ الأعمالِ ، وإذا مقتَهُ .. استعملَهُ في الأوقاتِ الفاضلةِ بسيِّىءِ الأعمالِ ، ليكونَ ذلكَ أوجعَ في عقابِهِ ، وأشدَّ لمقتِهِ ؛ لحرمانِهِ بركةَ الوقتِ ، وانتهاكِهِ حرمةً الوقتِ . ويستحبُّ في الجمعةِ دعواتٌ ، وسيأتي ذكرُها في كتابِ الدعواتِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ، وصلَّى اللهُ على كلِّ عبدٍ مصطفىٌ . (١) رواه الخطيب في ((الرواة عن مالك))، والدارقطني في ((الأفراد))، كذا ذكر الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٣٠٢/٣)، وهو بنحوه عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥١٥٨)، وأبي نعيم في ((الحلية)) (٧٥/٦). (٢) قوت القلوب (٦٩/١). ٦٩٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة البَابُ السَّادِسُ في مسائل متفرقة رقم بها البلوى، ويحتاج الحريد إلى معرفتها فأمَّا المسائلُ التي تقعُ نادرةً . . فقدِ استقصيناها في كتبِ الفقهِ . حن مَثْألَّةٌ [تتعلقُ بأفعالِ المصلي وحر كاتِه في الصلاةِ صحةً وفساداً] الفعلُ القليلُ وإنْ كانَ لا يبطلُ الصلاةَ فهوَ مكروهٌ إلا لحاجةٍ ، وذلكَ في دفعِ المارِّ أَوْ قتلِ عقربٍ يخافُها ويمكنُ قتلُها بضربةٍ أوْ بضربتينِ ، فإِذا صارتْ ثلاثاً .. كثرتْ وبطلتِ الصَّلاةُ ، وكذلكَ القملةُ والبرغوثُ ، مهما تأذَّى بهما .. كانَ لهُ دفعُهُما ، وكذا حاجتُهُ إلى الحكُّ الذي يشوِّشُ عليهِ الخشوعَ . كانَ معاذٌ يأخذُ القملةَ والبرغوثَ في الصَّلاةِ(١) ، وابنُ عمرَ كانَ يقتلُ القملةَ في الصَّلاةِ حتَّى يظهرَ الدمُ على يدِهِ (٢). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٥٥٥، ٧٥٦٠). (٢) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٧٥٥٦) عن عمر رضي الله عنه . ٦٩٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وقالَ النخعيُّ: ( يأخذُها ويوهنُها، ولا شيءَ عليه إنْ قتلَها)(١) وقالَ ابنُ المسيَّبِ : ( يأخذُها فيخدِّرُها ثمَّ يطرحُها)(٢). وقالَ مُجاهدٌ: ( الأحبُّ إليَّ أنْ يدعَها ، إلا أنْ تؤذيَهُ فتشغلَهُ عنْ صلاتِهِ ، فيوهنُها قدْرَ ما لا تؤذي ثمَّ يلقيها)(٣). وهذهِ رخصةٌ ، وإلاَّ .. فالكمالُ الاحترازُ عنِ الفعلِ وإِنْ قلَّ، ولذلكَ كانَ بعضُهمْ لا يطردُ الذبابَ ، وقالَ : ( لا أعوِّدُ نفسي ذلكَ فيفسدَ عليَّ صلاتي ، وقدْ سمعتُ أنَّ الفساقَ يصبرونَ بينَ يدي الملوكِ على أذى كثيرٍ ولا يتحرّكونَ ) . ومهما تثاءبَ .. فلا بأسَ أنْ يضعَ يدَهُ على فيهِ ، وهوَ الأولى ، وإنْ عطسَ .. حمدَ اللهَ عزَّ وجلَّ في نفسِهِ ولمْ يحرِّكْ لسانَهُ ، وإنْ تجشَّأَ .. فينبغي ألا يرفعَ رأسَهُ إلى السماءِ ، وإنْ سقطَ رداؤُهُ .. فلا ينبغي أنْ يسويَهُ ، وكذلكَ أطرافُ عِمامتِهِ ، فكلُّ ذلكَ مكروهٌ إلا لضرورةٍ . مَثَ لَُّ [في حكم خلع النعالِ في الصلاةِ هلْ يفسدُ أمْ لا، وهلِ الصلاةُ في النعلينِ جائزةٌ أَمْ لا] الصلاةُ في النعلينِ جائزةٌ وإنْ كانَ نزْعُ النعلينِ سهلاً ، وليستِ الرخصةُ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٧٥٥٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٧٥٥٧). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٧٥٦٣) بمعناه . ٧٠٠ مـ